ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“باسبورات الكاريبي”: 7700 شخص اشتروا جنسية دومينيكا بينهم مسؤولون في أنظمة قمعيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مسؤول أفغاني متّهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وعقيد ليبي خدم في عهد القذافي، وكبير العلماء النوويين لصدام حسين، من بين أولئك الذين اشتروا الجنسية من الدولة الكاريبية الصغيرة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

1- حصل الصحفيون على أسماء 7700 شخص اشتروا برنامج “الجنسية عن طريق الاستثمار” في دومينيكا، والذي يسمح بشراء جواز سفر مقابل 100 ألف دولار.

2- تسمح جوازات سفر البلد بالسفر من دون تأشيرة إلى أكثر من 130 دولة وإقليماً، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.

3- تشمل القائمة أوليغارشيين ومسؤولين من الأنظمة القمعية وسياسيين كبار مثل رئيس الوزراء الأردني السابق.

4- وجد الصحافيون عدداً من “الدومينيكيين” الحاصلين على هذه الجنسية الذين تم التحقيق معهم لاحقاً أو اتهامهم أو إدانتهم بجرائم في دول أخرى.

5- أصبحت ميزانية دومينيكا تعتمد على الإيرادات من برنامج شراء الجنسية، والتي يتم توجيهها أيضاً إلى التطورات العقارية في الجزيرة.

عندما تقلّد أسد الله خالد منصب رئيس وكالة المخابرات الرئيسية في أفغانستان عام 2012، كان متهماً علناً بارتكاب انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان.

عام 2009، أدلى دبلوماسي كندي كان عمل معه سابقاً، بشهادة أمام لجنة برلمانية تزعم بأنه أثناء فترة عمله كحاكم محلي، كان خالد يدير سجناً، وكان “معروفاً بتعذيبه شخصياً الناس”، وفق الدبلوماسي الكندي. 

رفض خالد هذه الادعاءات ووصفها بـ “جملة تستهدفه”، لتظهر لاحقاً تقارير صحافية عدة وأخرى صـادرة عن جماعات حقوق الإنسان تورّطه في الاعتقال التعسفي والاغتصاب والتعذيب.

هذه الاتهامات كلها لم تمنعه من شراء الجنسية الدومينيكية، وهي دولة جزرية صغيرة  في منطقة بحر الكاريبي، يسمح لحامل باسبورها بالسفر من دون تأشيرة إلى أكثر من 130 دولة ومنطقة، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي. حاز خالد على هذه الجنسية عام 2017، أي بعد فترة طويلة من انتشار الادعاءات الموجّهة ضده على نطاق واسع.

لم يكن خالد، الذي أصبح في ما بعد وزيراً للدفاع الأفغاني، الوحيد الذي يملك ماضياً مظلماً، من مشتري الجنسية الدومينيكية حديثاً. إذ اشترى جعفر ضياء جعفر، أكبر عالم نووي في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين- المعروف على نطاق واسع بأنه “والد البرنامج النووي العراقي”- جواز سفر دومينيكا في 2014. وفعل ذلك أيضاً ساسي ميلود قراده، عميد  ليبي خدم في عهد معمر القذافي  في العام التالي.

هؤلاء هم من بين آلاف استفادوا من برنامج الحصول على “المواطنة عن طريق الاستثمار” في دومينيكا، ما  يسمح للأجانب بشراء جواز سفر مقابل 100,000 دولار فقط.

حتى الآن، لم يكن سهلاً الوصول إلى أسمائهم في مكان واحد. لكن من خلال العمل مع أكثر من عشرة شركاء إعلاميين، تمكنت مؤسسة “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد (OCCRP)” ومنظمة “مشروع مساءلة الحكومة”، وهي منظمة غير ربحية مقرها واشنطن، من الحصول على أسماء ما يقارب الـ 7,700 شخص اشتروا جواز سفر دومينيكا في السنوات الأخيرة.

عدد من حائزي الجنسية الدومينيكية هم من روسيا والصين وإيران ودول أخرى، بمن فيهم الأشخاص أصحاب الثروات الضخمة. ومن بين هؤلاء، على سبيل المثال، غودا نيسانوف وزراخ علييف، وهما مليارديران روسيان من أصل أذربيجاني فُرضت عليهما عقوبات في وقت لاحق عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

تشمل القائمة أيضاً، مسؤولين حكوميين – بمن في ذلك رئيس الوزراء الأردني السابق سمير الرفاعي، ومحافظ البنك المركزي العراقي المستقبلي – وهما غير متهميْن بارتكاب أي مخالفات ولكن بصفتهما “شخصيات سياسية بارزة/ “PEPs” يستحقان مزيداً من التدقيق عند افتتاح شركات أو حسابات مصرفية بأسمائهم.

تُظهر سجلات الشركات أن ما لا يقل عن 47 ممن اشتروا باسبورات دومينيكية، استخدموا وثائقهم الجديدة لإنشاء شركات حول العالم. وتمكن الصحافيون أيضاً من تحديد نحو 30 شخصية حصلوا على جوازات سفر دومينيكية ثم حققت معهم السلطات في وقت لاحق، ووجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم، أو أدينوا بذلك. ومنهم ما يقارب الـ 12 شخصاً، انتهى بهم المطاف هاربين من القانون ومن التحقيقات الجنائية أو الملاحقات القضائية في بلدانهم الأصلية.

في هذه الحالة، لا يمكن اتهام حكومة دومينيكا ببيعها جوازات السفر للمجرمين، غير أن المسؤولين في البلاد لم يجيبوا عن أسئلة الصحافيين المشاركين في المشروع حول ما إذا تم سحب أيّ من هذه الجنسيات من المجرمين.

الصيغة الثابتة: تفسير أوراق دومينيكا

في مقابلة أجريت عام 2016، تفاخر ممثل دومينيكا في الأمم المتحدة آنذاك، بأن إجراءات العناية الواجبة في الجزيرة تبحث جدياً وبدقة في حياة المتقدمين المحتملين للحصول على جواز سفر دومينيكا.

وأضاف أن “أولئك الذين لديهم ما يخفونه لا يقدمون طلبات”. بيد أن رئيس برنامج “المواطنة عن طريق الاستثمار” في دومينيكا، أكد في المقابلة المشتركة نفسها، أن اثنين في المئة فقط من المتقدمين تم رفض طلباتهم. 

اقتباس: “جوازات السفر والتأشيرات الذهبية صُمّمت للمجرمين”. 

قالت صوفي إينت فيلد، عضوة في البرلمان الأوروبي، وواحدة من عدد متزايد من منتقدي برامج الجنسية هذه، إن “جوازات السفر والتأشيرات الذهبية صُممت للمجرمين”،  مضيفةً  أنها “الطريق الممهِّد للدخول إلى الاتحاد الأوروبي”.

يقول الخبراء أيضاً، إن برنامج دومينيكا هو استجابة لقصة طويلة من الاستغلال، فعلى مدى مئة عام من العبودية والاستعمار الفرنسي والبريطاني والعولمة، لم يتبقَّ للدولة سوى خيارات قليلة للتنمية، إذ أصبحت البلاد تعتمد على بيع الجنسيات لتمويل خدماتها العامة.

لا بد من التنويه بأن ما تقوم به دومينيكا عبر برنامجها هذا، لا يُعتبر أمراً غير قانوني بموجب القانون الدولي. فقد أشارت مديرة مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد مادلين سومبتيون، إلى أن “الدول لديها القدرة على وضع سياسات التجنيس الخاصة بها”.

رغم ذلك، لا يزال منح جوازات سفر لأشخاص مشبوهين ينطوي على مخاطر تتعلق بسمعة الدولة، الأمر الذي قد يلحق الضرر بها، وفقاً لما قالته كريستين سوراك، الخبيرة في جوازات السفر الذهبية.

وقالت سوراك، “إن اللاعبين الكبار، مثل الاتحاد الأوروبي، قد يلغون الدخول من دون تأشيرة من خلال برامج مماثلة، كما حدث بالفعل مع فانواتو”، مشيرة إلى الحكم الصادر عام 2022 ضد هذه الدولة الجزرية (فانواتو) التي تقع في المحيط الهادئ، نتيجة تطبيقها برنامج جواز السفر الذهبي.

فرضت المملكة المتحدة أخيراً،  تأشيرة على المسافرين من حملة جوازات السفر الدومينيكية، بعدما كانت تسمح لهم سابقاً بالدخول إلى أراضيها من دون تأشيرة، لأنها اعتبرت الجزيرة إحدى مستعمراتها السابقة، معلّلة ذلك بـ “إساءة الاستخدام بشكل واضح وصريح” لبرنامج شراء الجنسية الخاص بالبلاد. قدمت الجزيرة الجنسية لـ “أشخاص معروفين بأنهم يشكلون تهديداً للمملكة المتحدة”، وفقاً لوزيرة الداخلية البريطانية سويلا برافرمان.

وصف رئيس وزراء دومينيكا، روزفلت سكريت، هذه الخطوة بأنها “مؤسفة”، وأصرّ على أن حكومته تتخذ “تدابير إضافية لتقوية البرنامج”، مضيفاً أن الحكومة لديها فعلاً نظام “متعدد الطبقات” للضوابط والرقابة، تنفّذه هيئات مرموقة متخصصة في الاستقصاء اللازم والعناية الواجبة”.

 لكن أحد المتقدّمين للحصول على جواز سفر دومينيكا، والذي كان لديه ما يدعوه إلى القلق بشأن عمليات التحقق عن خلفيّته، قال للصحافيين إن عملية المراجعة التي خضع لها لم تشكل تحديات خطيرة أو حتى أسئلة.

 “قالوا لي ألا أقلق بشأن ذلك”

بحسب ما قاله، اكتشف عبقري الرياضيات راكيش وادهوا طريقة يُمكن عبرها “إعادة ابتكار أنشطة المقامرة”، من خلال تعديل قواعد ألعاب صالة القمار بما يعود بالنفع عليها. واستغل المواطن الهندي هذا الاكتشاف في مهنته كقطب قمار في نيبال، وأدار الكثير من صالات القمار – ودخل في نزاع ضريبي حاد مع الحكومة.

في عام 2010، فر وادهوا من نيبال لتجنب القبض عليه لفشله في سداد المبالغ المستحقة عليه، وفقاً لتقارير إخبارية. وجردته الحكومة لاحقاً من تراخيص صالات القمار الخاصة به. ولا توجد حالياً قضايا جنائية أو مدنية قائمة ضده في البلاد، على الرغم من أن الحكومة النيبالية لا تزال تدرجه على أنه متخلّف عن السداد، ومُدان بمبلغ مضاعف يعادل 6.5 مليون دولار من الضرائب.

وقال وادهوا، الذي يلقي باللوم في مشاكله على الحكومة الشيوعية الجديدة في نيبال آنذاك، للصحافيين، إن جنسية دومينيكا كانت حرفياً جواز سفر للخروج من مشاكله.

ولفت الى أنه لفترة من الوقت لم يستطع السفر إلى سنغافورة أو لندن “نتيجة للتعقيدات القانونية والمشاكل في نيبال”. عندها، أدرك أن الحصول على الجنسية الدومينيكية سيكون “وسيلة للبقاء على قيد الحياة”.

وتابع وادهوا، “إن الأشخاص الذين فرضت عليهم عقوبات في الشرق الأوسط كانوا جميعاً يسعون الى شراء جواز السفر هذا”، مضيفاً: “لقد كان ذلك بمثابة فرصة أخرى للحياة والعمل بالنسبة إليهم. لذلك، قررت أن أشتري واحداً لنفسي”.

حصل وادهوا على جواز سفر دومينيكا في عام 2016. وأوضح أن عملية تقديم الطلبات التي تمت من خلال شركة تُدعى “سيتيزنشيب إنفست” (Citizenship Invest) ومقرها دبي، لم تستغرق سوى أسابيع قليلة.

ولفت، “لقد عينوا شركة أميركية لإجراء عمليات التدقيق الواجبة على حياتي والقضايا الخاصة بي في نيبال، وعندما سألت “سيتيزنشيب إنفست” عما إذا كانت مشاكلي القانونية ستشكل عائقاً… قالوا لي بألا أقلق بشأن ذلك، لأن شركة الامتثال لن تنظر إلى القضايا قيد النظر مهما كانت معقدة”. 

وأردف أنه تلقى وعداً من “سيتيزنشيب إنفست” بأن شركة الامتثال ستقدم تصريحاً سريعاً له، وهذا ما حدث بالفعل: “لم يطرحوا عليّ أي أسئلة، وطلبوا مني فقط ملء استمارة”.

وجاء التصريح في غضون أيام قليلة. وختم: “لقد كنت مندهشاً، لكنني كنت ممتناً لهم لمنحي هذه الفرصة الثانية في حياة جديدة مرة أخرى”.

لم تستجب شركة “سيتيزنشيب إنفست” لطلب التعليق.

لم ترد حكومة دومينيكا ورئيسها سكريت على أسئلة الصحافيين ضمن فترة حق الرد المحددة، لكن الأخير تحدث في مؤتمر صحافي عُقد خلال الأيام الأخيرة، استباقاً للتحقيق الاستقصائي الصحافي العالمي المزمع نشره، قائلاً: “لا يزال البعض في هذا البلد يحاولون تدمير “برنامج المواطنة عن طريق الاستثمار”، لذلك يتواطأون مع صحافيين دوليين وإقليميين لنشر الكثير من الأذى والمعلومات المضلّلة حول برنامجنا في محاولة لنسفه. وبعض الناس في دومينيكا جزء من ذلك لمجرد أنهم يريدون إخراج حزب العمال من الحكومة”.

وقال سكريت إن برنامج المواطنة عن طريق الاستثمار “يضمن جزءاً كبيراً من تنميتنا الاقتصادية والاجتماعية والتكلفة الكاملة لبرنامج التوظيف الوطني، الذي  يقرب من 5 ملايين دولار شهرياً. كما تم استخدام البرنامج  لبناء آلاف المنازل، وتحسين الرعاية الصحية، والمساعدة في الأمن القومي”.

وتابع سكريت: “لقد أعلنا أن لدينا نظاماً قوياً يمر عبر  مراحل مختلفة من العناية الواجبة إذا أصبح شخص ما مواطناً في دومينيكا، لكن إن قام الشخص نفسه بما هو مخالف للقانون بعدها، فلا يمكنك إلقاء اللوم على البرنامج في ذلك”.

معرض المحتالين

عندما أصدرت السلطات البريطانية قيودها الجديدة على مواطني دومينيكا، لم تذكر بوضوح من تحاول منعهم من دخول البلاد. لكن بعد جمع قائمة تضم حوالى 7,700 حامل لجوازات السفر الدومينيكية الجدد – التي لا يعتقد أنها كاملة – اكتشف الصحافيون حالات عدة مقلقة.

في بعض الحالات، استخدم أشخاص مشبوهون جوازات سفر دومينيكا لإنشاء شركات بعد فترة طويلة من اتهامهم بارتكاب جرائم في أماكن أخرى. إذ حصل رجل الأعمال الأردني معتصم فاعوري ووالده فايز، على جواز سفر دومينيكا في 2012. وبعد عامين، ألقي القبض عليهما، واتُّهما بالتحايل على مستثمرين بعشرات الملايين من الدولارات، وحُكم عليهما بالسجن. وبينما يمضي فاعوري الأب حالياً عقوبته، لا يزال ابنه هارباً. ومنذ ذلك الحين، أسس شركات في المملكة المتحدة، وأدرج جنسيته في دومينيكا، وبلد إقامته في الإمارات العربية المتحدة. 

لم يستجب فاعوري، الأب والابن، لحق الرد.

في قضية أخرى، اتَّهمت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية المواطن الإسباني بيدرو فورت بيربل- الذي اشترى الجنسية الدومينيكية في عام 2015 – بالاحتيال باستخدام “مخطط بونزي” وبرنامج تسويق متعدد المستويات بلغت قيمته عشرات ملايين الدولارات آنذاك.

ربحت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية القضية، وحصلت على حكم قدره 26 مليون دولار ضد بيربل وشركته “فورت ماركتينغ غروب” عام 2019، واكتشفت أنه حوّل ملايين الدولارات إلى محامين لديهم حسابات مصرفية في دومينيكا في بنك “نوفا سكوتيا”، و”فيرست كاريبيان إنترناشيونال بنك”، و”رويال بنك أوف كندا”.

رفضت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية التعليق على قضيته، وما إذا كان سدّد أياً من هذه الأموال. كما لم يستجب بيربل وفريقه القانوني لطلبات التعليق من “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد”.

حسن ناصر جعفر اللامي، رجل أعمال عراقي اشترى الجنسية الدومينيكية عام 2017، واستمر في الاحتفاظ بها حتى عام 2022 على الأقل، عندما استخدمها لتسجيل شركة في المملكة المتحدة.

في غضون ذلك، خضع هو ومصرف نور الإسلامي العراقي، الذي كان مساهماً فيه، للتدقيق في عدد من وسائل الإعلام العربية والدولية، بسبب دوره المزعوم في تحويل الدولارات من مزادات العملة الأجنبية بإشراف البنك المركزي العراقي إلى الجماعات الخاضعة للعقوبات أو الجماعات المسلّحة.

“ملك الفواتير المزورة”

في كانون الثاني/ يناير 2020، ظهر مصدر مجهول، تبين أنه موظفة في البنك المركزي العراقي، على قناة تلفزيونية لبنانية، وأشارت إلى اللامي بأنه “قاسم سليماني المالي” في العراق، بسبب ما ادعته عن شركاته التي استخدمت فواتير مزوّرة لغسل الأموال لصالح جماعات مسلحة.

تضمنت المقابلة مع المسؤولة العراقية أيضاً، رسالة مسرّبة أرسلها “بنك الاحتياطي الفيدرالي” في نيويورك في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يطلب فيها من البنك المركزي العراقي التوقف عن تقديم الدولارات إلى “بنك نور الإسلامي العراقي” وكيانات أخرى عدة، لأنه يشتبه في احتمال أنها تُقدّم “بشكل مباشر أو غير مباشر” للأشخاص والكيانات الخاضعة للعقوبات.

في العام نفسه، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها، أن اللامي كان “معروفاً في الأوساط المالية العراقية” باسم  “ملك الفواتير المزوّرة”.

في شباط/ فبراير الماضي، أفادت وسائل إعلام عراقية بأن اللامي ونجله اعتُقلا بتهمة تهريب الدولارات. وذكرت التقارير أن اللامي أفرج عنه. في حين لم ترد السلطات العراقية على طلب “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” للحصول على معلومات حول سبب اعتقال اللامي أو ما إذا كان يواجه أي تهم رسمية. ولم يرد اللامي على طلبات التعليق أيضاً.

كذلك، تظهر تقاريرنا أن رجل إيراني آخر استخدم جواز سفر دومينيكا لإنشاء شركة فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات في العام الماضي، لتسهيل بيع عشرات الملايين من الدولارات من المواد البتروكيماوية الإيرانية.

أزمة الموز

الطريق إلى أن تصبح دومينيكا مركزاً عالمياً لجوازات السفر كان ممهداً، على الأقل جزئياً، بسبب الضرورة الاقتصادية.

مع بداية الألفية الجديدة، تأثرت صناعة الموز الحيوية في الجزيرة بقرار صدر عن منظمة التجارة العالمية، أُلغيت بموجبه المعاملة التفضيلية التي تلقتها من دول أوروبية كثيرة. هذا القرار، بالإضافة إلى إعصارين مدمّرين، أدى إلى إغراق الجزيرة في أزمة.

قال أستاذ العلاقات الدولية في “جامعة غرب إنكلترا” في بريستول، بيتر كليغ، إن “الدعم الخارجي من صندوق النقد الدولي جاء مرفقاً بشروط”، مضيفاً أنه “كان على دومينيكا تقليص برامجها الاجتماعية”.

وبسبب حاجتها إلى مصدر بديل للإيرادات، اتجهت دومينيكا إلى بيع جوازات السفر. ولفت كليغ الى أن القرار كان مدفوعاً “بالبقاء على قيد الحياة، ولم تكن الأخلاق عاملاً في اتخاذه”.

وأضاف أنه “لم تكن لدى دومينيكا استراتيجية تنموية متماسكة بخلاف مجال صناعة الموز”.

الذهب الأخضر

بسبب تضاريسها المتعرجة، لم تكن دومينيكا أبداً مكاناً مناسباً لتكون مركزاً لإنتاج السكر، مثل مستعمرات بريطانية وفرنسية عدة في منطقة بحر الكاريبي. بيد أن تربتها الخصبة جعلتها صالحة لزراعة محاصيل أخرى مثل القهوة – والأهم – الموز.

كان الموز – الذي أُطلق عليه “الذهب الأخضر” – يمثل ما يقرب من نصف إجمالي عائدات التصدير في البلاد في الثمانينات، جالباً دخلاً كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليه. لكن اعتماد دومينيكا على الاستزراع الأحادي ظهرت عواقبه الوخيمة في العقد التالي.

لم تنجح صادرات الموز من دومينيكا في منافسة المصدّرين الكبار في أميركا اللاتينية في ظل السوق الحرة، لكن البلاد حصلت على معاملة تفضيلية في أوروبا، من خلال الحصص الممنوحة للمستعمرات البريطانية السابقة، والتي أُعفيت من التعريفات الجمركية.

انتهى هذا التفضيل في عام 1997، عندما قضت منظمة التجارة العالمية لصالح الولايات المتحدة والكثير من دول أميركا اللاتينية، في الشكوى التي تقدمت بها نيابة عن شركات الفاكهة العملاقة متعددة الجنسيات مثل “تشيكيتا ودول”، بإنهاء الدعم الأوروبي لمزارعي الموز في منطقة الكاريبي.

ولم تكن دومينيكا نفسها طرفاً في النزاع الذي كان بين تلك الدول والاتحاد الأوروبي؛ بيد أنها أُقصيت – مثل غيرها من الدول الكاريبية التي تنتج الموز – من القضية التي رسمت معالم مستقبلها الاقتصادي.

وقال كليغ: “لم تكن منظمة التجارة العالمية مهتمّة بالنظر في الحجج التي قدمتها دومينيكا. لقد كان جلّ تركيزها على القانون الدولي فقط”.

فتحت الجزيرة فرصة الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار في عام 1993، ولكن جوازات السفر التي تمنحها البلاد لم تصبح مثار اهتمام كبار الشخصيات من جميع أنحاء العالم إلا بعد تولّي سكريت منصب رئيس الوزراء.

لم يكن إرث رئيس الوزراء حديث السن الجديد يتوقف عند أزمة تصدير الموز فحسب، بل ورث أيضاً أزمة سياسية؛ فبعد استدعائه لإكمال فترة ولاية سلفه المتوفي في عام 2004 وخوض انتخابات شبه فورية، كان يحتاج إلى تحقيق نتائج ملموسة لشعبه وجمع مزيد من الأموال.

كانت الصين أحد مصادر النقد. ففي أوائل التسعينات، كان معظم المقبلين على الحصول على جنسية دومينيكا من تايوان. ولكن عندما وصل سكريت إلى السلطة، ركز على تسويق برنامج الحصول على الجنسية مقابل الاستثمار للمستثمرين الصينيين، كجزء من إعادة توجيه أوسع لدبلوماسية البلاد تجاه الصين.

وكانت لدى سكريت خطط توسع خارج آسيا، إذ بدأت إدارته في الترويج لجوازات السفر الدومينيكية في جميع أنحاء العالم، بحثاً عن مستثمرين في أماكن مثل روسيا والشرق الأوسط.

سماسرة الجوازات والعقارات 

لا يزال سكريت في منصبه حتى اليوم، ليصبح رئيس الوزراء صاحب الفترة الأطول في منصبه في البلاد. ويشير صندوق النقد الدولي اليوم، إلى أن دومينيكا تحقّق انتعاشة مالية جزئية.

ووفقاً للأرقام الحكومية، حقّق برنامج جواز السفر المعزز الذي أطلقه سكريت نجاحاً كبيراً.

بين عامي 2009 و2021 – وفقاً لميزانية الدولة في دومينيكا – ساهم برنامج الجنسية، عن طريق الاستثمار، في جمع نحو 775 مليون دولار للجزيرة، ما ساعد في تمويل البرامج الحكومية وإبقاء حزب سكريت في السلطة.

مروّجي  جوازات السفر والعقارات

اجتذب قطاع الحصول على الجنسية في دومينيكا أكثر من 70 شركة معتمدة لتسهيل أعمال جوازات السفر الخاصة في البلاد، كما تفرع منها عددٌ من الشركات التي اتجهت إلى التطوير العقاري في الجزيرة.

ومن أبرزها مؤسسة مونتريال للاستشارات الإدارية (MMCE)، المسجلة في الإمارات العربية المتحدة، ويديرها رجل يدعى أنتوني هايدن.

وبعيداً عن تسهيل مبيعات جوازات السفر، فإن شركة مونتريال التابعة لشركة هايدن لديها أيضاً ذراع تطوير عقاري في دومينيكا، وهي شركة MMC Development، والتي تصف نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها “شركة التطوير العقاري الرائدة في البلاد”، ومن بين مشاريعها الكبرى تطوير مطار دولي جديد بقيمة 370 مليون دولار.

ومع مساعيها المنفصلة لبناء مساكن عامة في دومينيكا، تمكنت شركة مونتريال من دمج أعمالها في بيع جوازات السفر والبناء بسلاسة.

بعدما ضربت العاصفة الاستوائية إريكا دومينيكا في عام 2015، أبرمت شركة مونتريال للاستشارات الإدارية اتفاقيات عدة مع الحكومة لبناء منازل مقاوِمة للأعاصير، بيد أن هايدن وشركته استفادا من آلية تمويل المشروع بطريقتين. وفقاً لمقابلة في العام 2018 مع مطبوعة تجارية تركز على الحصول على الجنسية مقابل الاستثمار، قال هايدن إن الحكومة كانت تدفع للشركة تكاليف البناء من مبيعات جوازات السفر التي سهلتها MMCE، علاوة على حصوله على عمولة من تلك المبيعات. كانت الأموال تُدفع من خلال حساب ضمان تودع فيه رسوم بيع جوازات السفر، حيث ذهب جزء منها إلى الحكومة وجزء آخر لدفع تكاليف البناء لشركة هايدن.

ولفت هايدن، “ستستفيد شركة مونتريال للاستشارات الإدارية من رسوم الخدمة التي يدفعها عملاؤها، وهامش الربح المرتبط بدورها كمطور”.

ورداً على أسئلة الصحافيين، ذكرت رسالة بريد إلكتروني أُرسلت بالإنابة عن هايدن، أن هذا المخطط ينطوي على مخاطر، ولكنه يقدم أيضاً أرباحاً.

وجاء في رسالة البريد الإلكتروني التي كتبها مساعده: “إن وتيرة بيع مخصصات الجنسية ليس لها أي تأثير على تقدم المشروع، إذ تلتزم شركة مونتريال بدفع الأموال مقدماً لضمان وتأمين الانتهاء والتسليم في الوقت المحدد، وإن هذا التعهد بالتغطية له كلفته، مالياً ومعنوياً. يتجنب معظم المستثمرين مثل هذه المشاريع، إذ يُنظر إليها على أنها مشاريع تجارية عالية المخاطر؛ ونحن نفخر بتحمل المخاطر والنجاح في تقديم مشاريع ضخمة مثل هذه”.

وجاء في الرسالة أيضاً، أن وحدة الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار التابعة للحكومة، كانت مسؤولة عن تطبيق الفحص الواجب الذي يُجرى على المتقدمين قبل الموافقة على منحهم الجنسية، بحسب الرسالة. وقال مساعد هايدن إن شركة MMCE “وبوصفها وكيلاً معتمداً، تطبق نظام تدقيق صارماً للغاية، قبل قبول الطلبات من المتقدمين المحتملين”.

وذكرت الرسالة أيضاً، أن الشركة “لم تساعد ولن تساعد أبداً أي فرد أو كيان لديه سجل إجرامي أو وضع فاسد في الحصول على مزايا الهجرة أو الجنسية الثانية”.

الجدير بالذكر أن هايدن تربطه أعمال تجارية مباشرة مع رئيس الوزراء سكريت.

تظهر الوثائق التي حصل عليها الصحافيون، أن شركة هايدن اشترت عقارات في دومينيكا في عام 2018 بقيمة تزيد عن 270 ألف دولار من سكريت. واعتباراً من عام 2020، كانت حكومة دومينيكا تدفع أيضاً للشركة نفسها نحو 140 ألف دولار سنوياً لاستئجار قصر لرئيس الوزراء في الجبال المطلة على روسو. (وبعد تعرضه لانتقادات بسبب تلك الصفقة، وعد سكريت بعدم تجديد عقد الإيجار الذي يمتد لعامين).

وقالت تيليبمان – العميدة المساعدة لدراسات قانون المشتريات الحكومية بجامعة جورج واشنطن – إن العلاقة بين هايدن وسكريت تبدو وكأنها تمثل تضارباً في المصالح.

ففي معرِض رده على أسئلة الصحافيين، قال ممثل عن هايدن إن علاقته برئيس الوزراء سكريت هي علاقة “مهنية بحتة”، وأنه يكنّ له احتراماً كبيراً.

بخلاف طريقة الدفع مقدماً، هناك طريقة بديلة لشراء جنسية دومينيكا تتضمن استثمار 200 ألف دولار في مشاريع التطوير العقاري المعتمدة من الحكومة؛ وهي المشاريع التي من شأنها نظرياً خلق فرص عمل لسكان دومينيكا الذين يعيشون في الجزيرة.

إحدى الشركات المتخصصة في الوساطة في التطوير العقاري وبيع جوازات سفر دومينيكا التي تستفيد من هذا المخطط، هي شركة “رينج للتطوير العقاري” Range Developments، ومقرها الإمارات العربية المتحدة. من بين المشاريع التي موّلتها الشركة من خلال استثمارات مشتري جوازات سفر دومينيكا الجديدة، كان بناء فندق بالقرب من متنزه كابريتس الوطني شمال الجزيرة.

وتشمل قائمة “عملاء الطرف الثالث” لشركة رينج، التي حصلت عليها occrp، أسد الله خالد، رئيس المخابرات الأفغانية السابق الذي اتُهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

ورداً على طلبات التعليق، كتبت شركة “رينج” أن “المتقدمين المهتمين لم يتمكنوا من الاستثمار في المشروع إلا بعدما أجازتهم الحكومة، ما يعني أنهم اجتازوا عمليات الفحص والتدقيق الواجبة التي أجرتها الحكومة، واعتبرت الحكومة أنهم مؤهلون للحصول على الجنسية”.

وكتبت الشركة: “كان التعامل مع الغالبية العظمى من الطلبات يتم عن طريق مروجي الطرف الثالث والوكلاء المحليين، وليس شركة رينج، لذا فإننا نُسأل بالفعل عن أمور تتجاوز فهمنا أو معلوماتنا”.

أسئلة حيال الثروة غير المبررة

مع تسارع شركات مثل “مونتريال للاستشارات الإدارية” و”رينج” نحو شراء ما تطاوله أيديهم من الجنة الاستثمارية وترسيخ أقدامهم في دومينيكا؛ لم يكن التغيير الذي طرأ على حياة رئيس الوزراء سكريت ليمر من دون أن يلاحظه أحد في الجزيرة.

قال سكريت مازحاً في مقطع فيديو نُشر على الإنترنت في عام 2021: “أعتقد أنني يجب أن أكون الشخص الأعلى أجراً في البلاد. ولكن معظم الناس يكسبون أموالاً أكثر مني”.

وقد أثار سياسيّو المعارضة ومراقبون آخرون – منهم دبلوماسيون أميركيون – تساؤلات حول ثروته الشخصية، وما إذا كانت أموال بيع الجنسية كان لها دور في ثرائه المفاجئ.

“لم يشتمل إعلان سكريت العام عن أملاكه إلا على الحد الأدنى من الأصول عندما انضم إلى الحكومة في عام 2000″، بحسب برقية لوزارة الخارجية الأميركية عام 2009 نشرتها تسريبات ويكيليكس. “لم يشغل سكريت أي وظيفة قانونية أخرى، ولم يقم بأي استثمارات من شأنها أن توفر دخلاً خارج راتبه الحكومي الرسمي الذي يقل عن 2000 دولار أميركي شهرياً. بيد أن سكريت استطاع بهذا الراتب أن يشتري الكثير من الأراضي في دومينيكا بقيمة تزيد عن 400 ألف دولار أميركي، وهي أراضٍ لها قيمة سوقية أعلى بكثير، كما يقوم ببناء مسكن فخم في فييل كاس، مسقط رأسه”.

وفي العام التالي، نظرت لجنة النزاهة في دومينيكا في شكوى بشأن سكريت قدمها لينوكس لينتون، وهو زعيم معارض بارز. وزعم لينتون أن رئيس الوزراء حصل على ثماني فيلات مطلة على المحيط تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، وهو ما لا يمكن تفسيره بدخله القانوني.

وكتب إلى اللجنة: “لتمويل حصة ملكيته في هذه الفيلات، قبل رئيس الوزراء “الهدايا أو المزايا” في انتهاك لمدونة قواعد السلوك المعتمدة للموظفين العموميين.

وبناء على طلب اللجنة، قدم لينتون مجموعة من الأدلة لدعم ادعاءاته، بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني المسربة و محادثة هاتفية مسجلة سراً تزعم أنها تظهر أن سكريت هو مالك هذه العقارات.

بعد دعوة لينتون إلى جلسة استماع وفحص شكواه، وجدت اللجنة أنها لا تحتوي على أدلة كافية على الهدايا غير المناسبة، وقضت بأن أي مخالفات تتعلق بملكية سكريت للعقار ستحتاج إلى فحصها من المدعين العامين. وأضافت أنه سيكون من الضروري إجراء مزيد من التحقيقات لتحديد ما إذا كان سكريت أساء استخدام منصبه الرسمي. ومن غير المعروف ما إذا كان هذا قد تم.

وفقاً لملف تعريف سكريت على منصة لينكد إن؛ فقد التحق ابنه بمدرسة إعدادية باهظة الثمن في مدينة نيويورك. وتفيد تقارير بأن زوجة رئيس الوزراء، ميليسا، والكثير من أقاربها يترددون على شقة بقيمة 2.2 مليون دولار في مدينة نيويورك. اعترف سكريت أن الأسرة كانت تعيش في شقة لمراسلي فضائية الجزيرة القطرية، لكنه قال إن ذلك لم يكن سوى “لفتة طيبة” من أحد أصدقاء زوجته، نافياً ارتكاب أي مخالفات.

لم يرد كل من سكريت وزوجته على طلبات الحصول على تعليق أُرسلت لهم.

وفي عام 2021، نشرت مدونة مكافحة الفساد في دومينيكا، Mas in the Cemetery، وثائق جمركية تبيّن أن سكريت هو المستفيد من السيارات باهظة الثمن المستوردة إلى الجزيرة على هيئة هدايا. وتؤكد سجلات الشركة المسربة التي حصل عليها الصحافيون هذه النتائج، وتحقق السلطات حالياً في بيانات إحدى السيارات بحثاً عن انتهاكات محتملة لقانون دومينيكا.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 

مسؤول أفغاني متّهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وعقيد ليبي خدم في عهد القذافي، وكبير العلماء النوويين لصدام حسين، من بين أولئك الذين اشتروا الجنسية من الدولة الكاريبية الصغيرة.

1- حصل الصحفيون على أسماء 7700 شخص اشتروا برنامج “الجنسية عن طريق الاستثمار” في دومينيكا، والذي يسمح بشراء جواز سفر مقابل 100 ألف دولار.

2- تسمح جوازات سفر البلد بالسفر من دون تأشيرة إلى أكثر من 130 دولة وإقليماً، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.

3- تشمل القائمة أوليغارشيين ومسؤولين من الأنظمة القمعية وسياسيين كبار مثل رئيس الوزراء الأردني السابق.

4- وجد الصحافيون عدداً من “الدومينيكيين” الحاصلين على هذه الجنسية الذين تم التحقيق معهم لاحقاً أو اتهامهم أو إدانتهم بجرائم في دول أخرى.

5- أصبحت ميزانية دومينيكا تعتمد على الإيرادات من برنامج شراء الجنسية، والتي يتم توجيهها أيضاً إلى التطورات العقارية في الجزيرة.

عندما تقلّد أسد الله خالد منصب رئيس وكالة المخابرات الرئيسية في أفغانستان عام 2012، كان متهماً علناً بارتكاب انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان.

عام 2009، أدلى دبلوماسي كندي كان عمل معه سابقاً، بشهادة أمام لجنة برلمانية تزعم بأنه أثناء فترة عمله كحاكم محلي، كان خالد يدير سجناً، وكان “معروفاً بتعذيبه شخصياً الناس”، وفق الدبلوماسي الكندي. 

رفض خالد هذه الادعاءات ووصفها بـ “جملة تستهدفه”، لتظهر لاحقاً تقارير صحافية عدة وأخرى صـادرة عن جماعات حقوق الإنسان تورّطه في الاعتقال التعسفي والاغتصاب والتعذيب.

هذه الاتهامات كلها لم تمنعه من شراء الجنسية الدومينيكية، وهي دولة جزرية صغيرة  في منطقة بحر الكاريبي، يسمح لحامل باسبورها بالسفر من دون تأشيرة إلى أكثر من 130 دولة ومنطقة، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي. حاز خالد على هذه الجنسية عام 2017، أي بعد فترة طويلة من انتشار الادعاءات الموجّهة ضده على نطاق واسع.

لم يكن خالد، الذي أصبح في ما بعد وزيراً للدفاع الأفغاني، الوحيد الذي يملك ماضياً مظلماً، من مشتري الجنسية الدومينيكية حديثاً. إذ اشترى جعفر ضياء جعفر، أكبر عالم نووي في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين- المعروف على نطاق واسع بأنه “والد البرنامج النووي العراقي”- جواز سفر دومينيكا في 2014. وفعل ذلك أيضاً ساسي ميلود قراده، عميد  ليبي خدم في عهد معمر القذافي  في العام التالي.

هؤلاء هم من بين آلاف استفادوا من برنامج الحصول على “المواطنة عن طريق الاستثمار” في دومينيكا، ما  يسمح للأجانب بشراء جواز سفر مقابل 100,000 دولار فقط.

حتى الآن، لم يكن سهلاً الوصول إلى أسمائهم في مكان واحد. لكن من خلال العمل مع أكثر من عشرة شركاء إعلاميين، تمكنت مؤسسة “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد (OCCRP)” ومنظمة “مشروع مساءلة الحكومة”، وهي منظمة غير ربحية مقرها واشنطن، من الحصول على أسماء ما يقارب الـ 7,700 شخص اشتروا جواز سفر دومينيكا في السنوات الأخيرة.

عدد من حائزي الجنسية الدومينيكية هم من روسيا والصين وإيران ودول أخرى، بمن فيهم الأشخاص أصحاب الثروات الضخمة. ومن بين هؤلاء، على سبيل المثال، غودا نيسانوف وزراخ علييف، وهما مليارديران روسيان من أصل أذربيجاني فُرضت عليهما عقوبات في وقت لاحق عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

تشمل القائمة أيضاً، مسؤولين حكوميين – بمن في ذلك رئيس الوزراء الأردني السابق سمير الرفاعي، ومحافظ البنك المركزي العراقي المستقبلي – وهما غير متهميْن بارتكاب أي مخالفات ولكن بصفتهما “شخصيات سياسية بارزة/ “PEPs” يستحقان مزيداً من التدقيق عند افتتاح شركات أو حسابات مصرفية بأسمائهم.

تُظهر سجلات الشركات أن ما لا يقل عن 47 ممن اشتروا باسبورات دومينيكية، استخدموا وثائقهم الجديدة لإنشاء شركات حول العالم. وتمكن الصحافيون أيضاً من تحديد نحو 30 شخصية حصلوا على جوازات سفر دومينيكية ثم حققت معهم السلطات في وقت لاحق، ووجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم، أو أدينوا بذلك. ومنهم ما يقارب الـ 12 شخصاً، انتهى بهم المطاف هاربين من القانون ومن التحقيقات الجنائية أو الملاحقات القضائية في بلدانهم الأصلية.

في هذه الحالة، لا يمكن اتهام حكومة دومينيكا ببيعها جوازات السفر للمجرمين، غير أن المسؤولين في البلاد لم يجيبوا عن أسئلة الصحافيين المشاركين في المشروع حول ما إذا تم سحب أيّ من هذه الجنسيات من المجرمين.

الصيغة الثابتة: تفسير أوراق دومينيكا

في مقابلة أجريت عام 2016، تفاخر ممثل دومينيكا في الأمم المتحدة آنذاك، بأن إجراءات العناية الواجبة في الجزيرة تبحث جدياً وبدقة في حياة المتقدمين المحتملين للحصول على جواز سفر دومينيكا.

وأضاف أن “أولئك الذين لديهم ما يخفونه لا يقدمون طلبات”. بيد أن رئيس برنامج “المواطنة عن طريق الاستثمار” في دومينيكا، أكد في المقابلة المشتركة نفسها، أن اثنين في المئة فقط من المتقدمين تم رفض طلباتهم. 

اقتباس: “جوازات السفر والتأشيرات الذهبية صُمّمت للمجرمين”. 

قالت صوفي إينت فيلد، عضوة في البرلمان الأوروبي، وواحدة من عدد متزايد من منتقدي برامج الجنسية هذه، إن “جوازات السفر والتأشيرات الذهبية صُممت للمجرمين”،  مضيفةً  أنها “الطريق الممهِّد للدخول إلى الاتحاد الأوروبي”.

يقول الخبراء أيضاً، إن برنامج دومينيكا هو استجابة لقصة طويلة من الاستغلال، فعلى مدى مئة عام من العبودية والاستعمار الفرنسي والبريطاني والعولمة، لم يتبقَّ للدولة سوى خيارات قليلة للتنمية، إذ أصبحت البلاد تعتمد على بيع الجنسيات لتمويل خدماتها العامة.

لا بد من التنويه بأن ما تقوم به دومينيكا عبر برنامجها هذا، لا يُعتبر أمراً غير قانوني بموجب القانون الدولي. فقد أشارت مديرة مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد مادلين سومبتيون، إلى أن “الدول لديها القدرة على وضع سياسات التجنيس الخاصة بها”.

رغم ذلك، لا يزال منح جوازات سفر لأشخاص مشبوهين ينطوي على مخاطر تتعلق بسمعة الدولة، الأمر الذي قد يلحق الضرر بها، وفقاً لما قالته كريستين سوراك، الخبيرة في جوازات السفر الذهبية.

وقالت سوراك، “إن اللاعبين الكبار، مثل الاتحاد الأوروبي، قد يلغون الدخول من دون تأشيرة من خلال برامج مماثلة، كما حدث بالفعل مع فانواتو”، مشيرة إلى الحكم الصادر عام 2022 ضد هذه الدولة الجزرية (فانواتو) التي تقع في المحيط الهادئ، نتيجة تطبيقها برنامج جواز السفر الذهبي.

فرضت المملكة المتحدة أخيراً،  تأشيرة على المسافرين من حملة جوازات السفر الدومينيكية، بعدما كانت تسمح لهم سابقاً بالدخول إلى أراضيها من دون تأشيرة، لأنها اعتبرت الجزيرة إحدى مستعمراتها السابقة، معلّلة ذلك بـ “إساءة الاستخدام بشكل واضح وصريح” لبرنامج شراء الجنسية الخاص بالبلاد. قدمت الجزيرة الجنسية لـ “أشخاص معروفين بأنهم يشكلون تهديداً للمملكة المتحدة”، وفقاً لوزيرة الداخلية البريطانية سويلا برافرمان.

وصف رئيس وزراء دومينيكا، روزفلت سكريت، هذه الخطوة بأنها “مؤسفة”، وأصرّ على أن حكومته تتخذ “تدابير إضافية لتقوية البرنامج”، مضيفاً أن الحكومة لديها فعلاً نظام “متعدد الطبقات” للضوابط والرقابة، تنفّذه هيئات مرموقة متخصصة في الاستقصاء اللازم والعناية الواجبة”.

 لكن أحد المتقدّمين للحصول على جواز سفر دومينيكا، والذي كان لديه ما يدعوه إلى القلق بشأن عمليات التحقق عن خلفيّته، قال للصحافيين إن عملية المراجعة التي خضع لها لم تشكل تحديات خطيرة أو حتى أسئلة.

 “قالوا لي ألا أقلق بشأن ذلك”

بحسب ما قاله، اكتشف عبقري الرياضيات راكيش وادهوا طريقة يُمكن عبرها “إعادة ابتكار أنشطة المقامرة”، من خلال تعديل قواعد ألعاب صالة القمار بما يعود بالنفع عليها. واستغل المواطن الهندي هذا الاكتشاف في مهنته كقطب قمار في نيبال، وأدار الكثير من صالات القمار – ودخل في نزاع ضريبي حاد مع الحكومة.

في عام 2010، فر وادهوا من نيبال لتجنب القبض عليه لفشله في سداد المبالغ المستحقة عليه، وفقاً لتقارير إخبارية. وجردته الحكومة لاحقاً من تراخيص صالات القمار الخاصة به. ولا توجد حالياً قضايا جنائية أو مدنية قائمة ضده في البلاد، على الرغم من أن الحكومة النيبالية لا تزال تدرجه على أنه متخلّف عن السداد، ومُدان بمبلغ مضاعف يعادل 6.5 مليون دولار من الضرائب.

وقال وادهوا، الذي يلقي باللوم في مشاكله على الحكومة الشيوعية الجديدة في نيبال آنذاك، للصحافيين، إن جنسية دومينيكا كانت حرفياً جواز سفر للخروج من مشاكله.

ولفت الى أنه لفترة من الوقت لم يستطع السفر إلى سنغافورة أو لندن “نتيجة للتعقيدات القانونية والمشاكل في نيبال”. عندها، أدرك أن الحصول على الجنسية الدومينيكية سيكون “وسيلة للبقاء على قيد الحياة”.

وتابع وادهوا، “إن الأشخاص الذين فرضت عليهم عقوبات في الشرق الأوسط كانوا جميعاً يسعون الى شراء جواز السفر هذا”، مضيفاً: “لقد كان ذلك بمثابة فرصة أخرى للحياة والعمل بالنسبة إليهم. لذلك، قررت أن أشتري واحداً لنفسي”.

حصل وادهوا على جواز سفر دومينيكا في عام 2016. وأوضح أن عملية تقديم الطلبات التي تمت من خلال شركة تُدعى “سيتيزنشيب إنفست” (Citizenship Invest) ومقرها دبي، لم تستغرق سوى أسابيع قليلة.

ولفت، “لقد عينوا شركة أميركية لإجراء عمليات التدقيق الواجبة على حياتي والقضايا الخاصة بي في نيبال، وعندما سألت “سيتيزنشيب إنفست” عما إذا كانت مشاكلي القانونية ستشكل عائقاً… قالوا لي بألا أقلق بشأن ذلك، لأن شركة الامتثال لن تنظر إلى القضايا قيد النظر مهما كانت معقدة”. 

وأردف أنه تلقى وعداً من “سيتيزنشيب إنفست” بأن شركة الامتثال ستقدم تصريحاً سريعاً له، وهذا ما حدث بالفعل: “لم يطرحوا عليّ أي أسئلة، وطلبوا مني فقط ملء استمارة”.

وجاء التصريح في غضون أيام قليلة. وختم: “لقد كنت مندهشاً، لكنني كنت ممتناً لهم لمنحي هذه الفرصة الثانية في حياة جديدة مرة أخرى”.

لم تستجب شركة “سيتيزنشيب إنفست” لطلب التعليق.

لم ترد حكومة دومينيكا ورئيسها سكريت على أسئلة الصحافيين ضمن فترة حق الرد المحددة، لكن الأخير تحدث في مؤتمر صحافي عُقد خلال الأيام الأخيرة، استباقاً للتحقيق الاستقصائي الصحافي العالمي المزمع نشره، قائلاً: “لا يزال البعض في هذا البلد يحاولون تدمير “برنامج المواطنة عن طريق الاستثمار”، لذلك يتواطأون مع صحافيين دوليين وإقليميين لنشر الكثير من الأذى والمعلومات المضلّلة حول برنامجنا في محاولة لنسفه. وبعض الناس في دومينيكا جزء من ذلك لمجرد أنهم يريدون إخراج حزب العمال من الحكومة”.

وقال سكريت إن برنامج المواطنة عن طريق الاستثمار “يضمن جزءاً كبيراً من تنميتنا الاقتصادية والاجتماعية والتكلفة الكاملة لبرنامج التوظيف الوطني، الذي  يقرب من 5 ملايين دولار شهرياً. كما تم استخدام البرنامج  لبناء آلاف المنازل، وتحسين الرعاية الصحية، والمساعدة في الأمن القومي”.

وتابع سكريت: “لقد أعلنا أن لدينا نظاماً قوياً يمر عبر  مراحل مختلفة من العناية الواجبة إذا أصبح شخص ما مواطناً في دومينيكا، لكن إن قام الشخص نفسه بما هو مخالف للقانون بعدها، فلا يمكنك إلقاء اللوم على البرنامج في ذلك”.

معرض المحتالين

عندما أصدرت السلطات البريطانية قيودها الجديدة على مواطني دومينيكا، لم تذكر بوضوح من تحاول منعهم من دخول البلاد. لكن بعد جمع قائمة تضم حوالى 7,700 حامل لجوازات السفر الدومينيكية الجدد – التي لا يعتقد أنها كاملة – اكتشف الصحافيون حالات عدة مقلقة.

في بعض الحالات، استخدم أشخاص مشبوهون جوازات سفر دومينيكا لإنشاء شركات بعد فترة طويلة من اتهامهم بارتكاب جرائم في أماكن أخرى. إذ حصل رجل الأعمال الأردني معتصم فاعوري ووالده فايز، على جواز سفر دومينيكا في 2012. وبعد عامين، ألقي القبض عليهما، واتُّهما بالتحايل على مستثمرين بعشرات الملايين من الدولارات، وحُكم عليهما بالسجن. وبينما يمضي فاعوري الأب حالياً عقوبته، لا يزال ابنه هارباً. ومنذ ذلك الحين، أسس شركات في المملكة المتحدة، وأدرج جنسيته في دومينيكا، وبلد إقامته في الإمارات العربية المتحدة. 

لم يستجب فاعوري، الأب والابن، لحق الرد.

في قضية أخرى، اتَّهمت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية المواطن الإسباني بيدرو فورت بيربل- الذي اشترى الجنسية الدومينيكية في عام 2015 – بالاحتيال باستخدام “مخطط بونزي” وبرنامج تسويق متعدد المستويات بلغت قيمته عشرات ملايين الدولارات آنذاك.

ربحت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية القضية، وحصلت على حكم قدره 26 مليون دولار ضد بيربل وشركته “فورت ماركتينغ غروب” عام 2019، واكتشفت أنه حوّل ملايين الدولارات إلى محامين لديهم حسابات مصرفية في دومينيكا في بنك “نوفا سكوتيا”، و”فيرست كاريبيان إنترناشيونال بنك”، و”رويال بنك أوف كندا”.

رفضت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية التعليق على قضيته، وما إذا كان سدّد أياً من هذه الأموال. كما لم يستجب بيربل وفريقه القانوني لطلبات التعليق من “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد”.

حسن ناصر جعفر اللامي، رجل أعمال عراقي اشترى الجنسية الدومينيكية عام 2017، واستمر في الاحتفاظ بها حتى عام 2022 على الأقل، عندما استخدمها لتسجيل شركة في المملكة المتحدة.

في غضون ذلك، خضع هو ومصرف نور الإسلامي العراقي، الذي كان مساهماً فيه، للتدقيق في عدد من وسائل الإعلام العربية والدولية، بسبب دوره المزعوم في تحويل الدولارات من مزادات العملة الأجنبية بإشراف البنك المركزي العراقي إلى الجماعات الخاضعة للعقوبات أو الجماعات المسلّحة.

“ملك الفواتير المزورة”

في كانون الثاني/ يناير 2020، ظهر مصدر مجهول، تبين أنه موظفة في البنك المركزي العراقي، على قناة تلفزيونية لبنانية، وأشارت إلى اللامي بأنه “قاسم سليماني المالي” في العراق، بسبب ما ادعته عن شركاته التي استخدمت فواتير مزوّرة لغسل الأموال لصالح جماعات مسلحة.

تضمنت المقابلة مع المسؤولة العراقية أيضاً، رسالة مسرّبة أرسلها “بنك الاحتياطي الفيدرالي” في نيويورك في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يطلب فيها من البنك المركزي العراقي التوقف عن تقديم الدولارات إلى “بنك نور الإسلامي العراقي” وكيانات أخرى عدة، لأنه يشتبه في احتمال أنها تُقدّم “بشكل مباشر أو غير مباشر” للأشخاص والكيانات الخاضعة للعقوبات.

في العام نفسه، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها، أن اللامي كان “معروفاً في الأوساط المالية العراقية” باسم  “ملك الفواتير المزوّرة”.

في شباط/ فبراير الماضي، أفادت وسائل إعلام عراقية بأن اللامي ونجله اعتُقلا بتهمة تهريب الدولارات. وذكرت التقارير أن اللامي أفرج عنه. في حين لم ترد السلطات العراقية على طلب “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” للحصول على معلومات حول سبب اعتقال اللامي أو ما إذا كان يواجه أي تهم رسمية. ولم يرد اللامي على طلبات التعليق أيضاً.

كذلك، تظهر تقاريرنا أن رجل إيراني آخر استخدم جواز سفر دومينيكا لإنشاء شركة فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات في العام الماضي، لتسهيل بيع عشرات الملايين من الدولارات من المواد البتروكيماوية الإيرانية.

أزمة الموز

الطريق إلى أن تصبح دومينيكا مركزاً عالمياً لجوازات السفر كان ممهداً، على الأقل جزئياً، بسبب الضرورة الاقتصادية.

مع بداية الألفية الجديدة، تأثرت صناعة الموز الحيوية في الجزيرة بقرار صدر عن منظمة التجارة العالمية، أُلغيت بموجبه المعاملة التفضيلية التي تلقتها من دول أوروبية كثيرة. هذا القرار، بالإضافة إلى إعصارين مدمّرين، أدى إلى إغراق الجزيرة في أزمة.

قال أستاذ العلاقات الدولية في “جامعة غرب إنكلترا” في بريستول، بيتر كليغ، إن “الدعم الخارجي من صندوق النقد الدولي جاء مرفقاً بشروط”، مضيفاً أنه “كان على دومينيكا تقليص برامجها الاجتماعية”.

وبسبب حاجتها إلى مصدر بديل للإيرادات، اتجهت دومينيكا إلى بيع جوازات السفر. ولفت كليغ الى أن القرار كان مدفوعاً “بالبقاء على قيد الحياة، ولم تكن الأخلاق عاملاً في اتخاذه”.

وأضاف أنه “لم تكن لدى دومينيكا استراتيجية تنموية متماسكة بخلاف مجال صناعة الموز”.

الذهب الأخضر

بسبب تضاريسها المتعرجة، لم تكن دومينيكا أبداً مكاناً مناسباً لتكون مركزاً لإنتاج السكر، مثل مستعمرات بريطانية وفرنسية عدة في منطقة بحر الكاريبي. بيد أن تربتها الخصبة جعلتها صالحة لزراعة محاصيل أخرى مثل القهوة – والأهم – الموز.

كان الموز – الذي أُطلق عليه “الذهب الأخضر” – يمثل ما يقرب من نصف إجمالي عائدات التصدير في البلاد في الثمانينات، جالباً دخلاً كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليه. لكن اعتماد دومينيكا على الاستزراع الأحادي ظهرت عواقبه الوخيمة في العقد التالي.

لم تنجح صادرات الموز من دومينيكا في منافسة المصدّرين الكبار في أميركا اللاتينية في ظل السوق الحرة، لكن البلاد حصلت على معاملة تفضيلية في أوروبا، من خلال الحصص الممنوحة للمستعمرات البريطانية السابقة، والتي أُعفيت من التعريفات الجمركية.

انتهى هذا التفضيل في عام 1997، عندما قضت منظمة التجارة العالمية لصالح الولايات المتحدة والكثير من دول أميركا اللاتينية، في الشكوى التي تقدمت بها نيابة عن شركات الفاكهة العملاقة متعددة الجنسيات مثل “تشيكيتا ودول”، بإنهاء الدعم الأوروبي لمزارعي الموز في منطقة الكاريبي.

ولم تكن دومينيكا نفسها طرفاً في النزاع الذي كان بين تلك الدول والاتحاد الأوروبي؛ بيد أنها أُقصيت – مثل غيرها من الدول الكاريبية التي تنتج الموز – من القضية التي رسمت معالم مستقبلها الاقتصادي.

وقال كليغ: “لم تكن منظمة التجارة العالمية مهتمّة بالنظر في الحجج التي قدمتها دومينيكا. لقد كان جلّ تركيزها على القانون الدولي فقط”.

فتحت الجزيرة فرصة الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار في عام 1993، ولكن جوازات السفر التي تمنحها البلاد لم تصبح مثار اهتمام كبار الشخصيات من جميع أنحاء العالم إلا بعد تولّي سكريت منصب رئيس الوزراء.

لم يكن إرث رئيس الوزراء حديث السن الجديد يتوقف عند أزمة تصدير الموز فحسب، بل ورث أيضاً أزمة سياسية؛ فبعد استدعائه لإكمال فترة ولاية سلفه المتوفي في عام 2004 وخوض انتخابات شبه فورية، كان يحتاج إلى تحقيق نتائج ملموسة لشعبه وجمع مزيد من الأموال.

كانت الصين أحد مصادر النقد. ففي أوائل التسعينات، كان معظم المقبلين على الحصول على جنسية دومينيكا من تايوان. ولكن عندما وصل سكريت إلى السلطة، ركز على تسويق برنامج الحصول على الجنسية مقابل الاستثمار للمستثمرين الصينيين، كجزء من إعادة توجيه أوسع لدبلوماسية البلاد تجاه الصين.

وكانت لدى سكريت خطط توسع خارج آسيا، إذ بدأت إدارته في الترويج لجوازات السفر الدومينيكية في جميع أنحاء العالم، بحثاً عن مستثمرين في أماكن مثل روسيا والشرق الأوسط.

سماسرة الجوازات والعقارات 

لا يزال سكريت في منصبه حتى اليوم، ليصبح رئيس الوزراء صاحب الفترة الأطول في منصبه في البلاد. ويشير صندوق النقد الدولي اليوم، إلى أن دومينيكا تحقّق انتعاشة مالية جزئية.

ووفقاً للأرقام الحكومية، حقّق برنامج جواز السفر المعزز الذي أطلقه سكريت نجاحاً كبيراً.

بين عامي 2009 و2021 – وفقاً لميزانية الدولة في دومينيكا – ساهم برنامج الجنسية، عن طريق الاستثمار، في جمع نحو 775 مليون دولار للجزيرة، ما ساعد في تمويل البرامج الحكومية وإبقاء حزب سكريت في السلطة.

مروّجي  جوازات السفر والعقارات

اجتذب قطاع الحصول على الجنسية في دومينيكا أكثر من 70 شركة معتمدة لتسهيل أعمال جوازات السفر الخاصة في البلاد، كما تفرع منها عددٌ من الشركات التي اتجهت إلى التطوير العقاري في الجزيرة.

ومن أبرزها مؤسسة مونتريال للاستشارات الإدارية (MMCE)، المسجلة في الإمارات العربية المتحدة، ويديرها رجل يدعى أنتوني هايدن.

وبعيداً عن تسهيل مبيعات جوازات السفر، فإن شركة مونتريال التابعة لشركة هايدن لديها أيضاً ذراع تطوير عقاري في دومينيكا، وهي شركة MMC Development، والتي تصف نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها “شركة التطوير العقاري الرائدة في البلاد”، ومن بين مشاريعها الكبرى تطوير مطار دولي جديد بقيمة 370 مليون دولار.

ومع مساعيها المنفصلة لبناء مساكن عامة في دومينيكا، تمكنت شركة مونتريال من دمج أعمالها في بيع جوازات السفر والبناء بسلاسة.

بعدما ضربت العاصفة الاستوائية إريكا دومينيكا في عام 2015، أبرمت شركة مونتريال للاستشارات الإدارية اتفاقيات عدة مع الحكومة لبناء منازل مقاوِمة للأعاصير، بيد أن هايدن وشركته استفادا من آلية تمويل المشروع بطريقتين. وفقاً لمقابلة في العام 2018 مع مطبوعة تجارية تركز على الحصول على الجنسية مقابل الاستثمار، قال هايدن إن الحكومة كانت تدفع للشركة تكاليف البناء من مبيعات جوازات السفر التي سهلتها MMCE، علاوة على حصوله على عمولة من تلك المبيعات. كانت الأموال تُدفع من خلال حساب ضمان تودع فيه رسوم بيع جوازات السفر، حيث ذهب جزء منها إلى الحكومة وجزء آخر لدفع تكاليف البناء لشركة هايدن.

ولفت هايدن، “ستستفيد شركة مونتريال للاستشارات الإدارية من رسوم الخدمة التي يدفعها عملاؤها، وهامش الربح المرتبط بدورها كمطور”.

ورداً على أسئلة الصحافيين، ذكرت رسالة بريد إلكتروني أُرسلت بالإنابة عن هايدن، أن هذا المخطط ينطوي على مخاطر، ولكنه يقدم أيضاً أرباحاً.

وجاء في رسالة البريد الإلكتروني التي كتبها مساعده: “إن وتيرة بيع مخصصات الجنسية ليس لها أي تأثير على تقدم المشروع، إذ تلتزم شركة مونتريال بدفع الأموال مقدماً لضمان وتأمين الانتهاء والتسليم في الوقت المحدد، وإن هذا التعهد بالتغطية له كلفته، مالياً ومعنوياً. يتجنب معظم المستثمرين مثل هذه المشاريع، إذ يُنظر إليها على أنها مشاريع تجارية عالية المخاطر؛ ونحن نفخر بتحمل المخاطر والنجاح في تقديم مشاريع ضخمة مثل هذه”.

وجاء في الرسالة أيضاً، أن وحدة الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار التابعة للحكومة، كانت مسؤولة عن تطبيق الفحص الواجب الذي يُجرى على المتقدمين قبل الموافقة على منحهم الجنسية، بحسب الرسالة. وقال مساعد هايدن إن شركة MMCE “وبوصفها وكيلاً معتمداً، تطبق نظام تدقيق صارماً للغاية، قبل قبول الطلبات من المتقدمين المحتملين”.

وذكرت الرسالة أيضاً، أن الشركة “لم تساعد ولن تساعد أبداً أي فرد أو كيان لديه سجل إجرامي أو وضع فاسد في الحصول على مزايا الهجرة أو الجنسية الثانية”.

الجدير بالذكر أن هايدن تربطه أعمال تجارية مباشرة مع رئيس الوزراء سكريت.

تظهر الوثائق التي حصل عليها الصحافيون، أن شركة هايدن اشترت عقارات في دومينيكا في عام 2018 بقيمة تزيد عن 270 ألف دولار من سكريت. واعتباراً من عام 2020، كانت حكومة دومينيكا تدفع أيضاً للشركة نفسها نحو 140 ألف دولار سنوياً لاستئجار قصر لرئيس الوزراء في الجبال المطلة على روسو. (وبعد تعرضه لانتقادات بسبب تلك الصفقة، وعد سكريت بعدم تجديد عقد الإيجار الذي يمتد لعامين).

وقالت تيليبمان – العميدة المساعدة لدراسات قانون المشتريات الحكومية بجامعة جورج واشنطن – إن العلاقة بين هايدن وسكريت تبدو وكأنها تمثل تضارباً في المصالح.

ففي معرِض رده على أسئلة الصحافيين، قال ممثل عن هايدن إن علاقته برئيس الوزراء سكريت هي علاقة “مهنية بحتة”، وأنه يكنّ له احتراماً كبيراً.

بخلاف طريقة الدفع مقدماً، هناك طريقة بديلة لشراء جنسية دومينيكا تتضمن استثمار 200 ألف دولار في مشاريع التطوير العقاري المعتمدة من الحكومة؛ وهي المشاريع التي من شأنها نظرياً خلق فرص عمل لسكان دومينيكا الذين يعيشون في الجزيرة.

إحدى الشركات المتخصصة في الوساطة في التطوير العقاري وبيع جوازات سفر دومينيكا التي تستفيد من هذا المخطط، هي شركة “رينج للتطوير العقاري” Range Developments، ومقرها الإمارات العربية المتحدة. من بين المشاريع التي موّلتها الشركة من خلال استثمارات مشتري جوازات سفر دومينيكا الجديدة، كان بناء فندق بالقرب من متنزه كابريتس الوطني شمال الجزيرة.

وتشمل قائمة “عملاء الطرف الثالث” لشركة رينج، التي حصلت عليها occrp، أسد الله خالد، رئيس المخابرات الأفغانية السابق الذي اتُهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

ورداً على طلبات التعليق، كتبت شركة “رينج” أن “المتقدمين المهتمين لم يتمكنوا من الاستثمار في المشروع إلا بعدما أجازتهم الحكومة، ما يعني أنهم اجتازوا عمليات الفحص والتدقيق الواجبة التي أجرتها الحكومة، واعتبرت الحكومة أنهم مؤهلون للحصول على الجنسية”.

وكتبت الشركة: “كان التعامل مع الغالبية العظمى من الطلبات يتم عن طريق مروجي الطرف الثالث والوكلاء المحليين، وليس شركة رينج، لذا فإننا نُسأل بالفعل عن أمور تتجاوز فهمنا أو معلوماتنا”.

أسئلة حيال الثروة غير المبررة

مع تسارع شركات مثل “مونتريال للاستشارات الإدارية” و”رينج” نحو شراء ما تطاوله أيديهم من الجنة الاستثمارية وترسيخ أقدامهم في دومينيكا؛ لم يكن التغيير الذي طرأ على حياة رئيس الوزراء سكريت ليمر من دون أن يلاحظه أحد في الجزيرة.

قال سكريت مازحاً في مقطع فيديو نُشر على الإنترنت في عام 2021: “أعتقد أنني يجب أن أكون الشخص الأعلى أجراً في البلاد. ولكن معظم الناس يكسبون أموالاً أكثر مني”.

وقد أثار سياسيّو المعارضة ومراقبون آخرون – منهم دبلوماسيون أميركيون – تساؤلات حول ثروته الشخصية، وما إذا كانت أموال بيع الجنسية كان لها دور في ثرائه المفاجئ.

“لم يشتمل إعلان سكريت العام عن أملاكه إلا على الحد الأدنى من الأصول عندما انضم إلى الحكومة في عام 2000″، بحسب برقية لوزارة الخارجية الأميركية عام 2009 نشرتها تسريبات ويكيليكس. “لم يشغل سكريت أي وظيفة قانونية أخرى، ولم يقم بأي استثمارات من شأنها أن توفر دخلاً خارج راتبه الحكومي الرسمي الذي يقل عن 2000 دولار أميركي شهرياً. بيد أن سكريت استطاع بهذا الراتب أن يشتري الكثير من الأراضي في دومينيكا بقيمة تزيد عن 400 ألف دولار أميركي، وهي أراضٍ لها قيمة سوقية أعلى بكثير، كما يقوم ببناء مسكن فخم في فييل كاس، مسقط رأسه”.

وفي العام التالي، نظرت لجنة النزاهة في دومينيكا في شكوى بشأن سكريت قدمها لينوكس لينتون، وهو زعيم معارض بارز. وزعم لينتون أن رئيس الوزراء حصل على ثماني فيلات مطلة على المحيط تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، وهو ما لا يمكن تفسيره بدخله القانوني.

وكتب إلى اللجنة: “لتمويل حصة ملكيته في هذه الفيلات، قبل رئيس الوزراء “الهدايا أو المزايا” في انتهاك لمدونة قواعد السلوك المعتمدة للموظفين العموميين.

وبناء على طلب اللجنة، قدم لينتون مجموعة من الأدلة لدعم ادعاءاته، بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني المسربة و محادثة هاتفية مسجلة سراً تزعم أنها تظهر أن سكريت هو مالك هذه العقارات.

بعد دعوة لينتون إلى جلسة استماع وفحص شكواه، وجدت اللجنة أنها لا تحتوي على أدلة كافية على الهدايا غير المناسبة، وقضت بأن أي مخالفات تتعلق بملكية سكريت للعقار ستحتاج إلى فحصها من المدعين العامين. وأضافت أنه سيكون من الضروري إجراء مزيد من التحقيقات لتحديد ما إذا كان سكريت أساء استخدام منصبه الرسمي. ومن غير المعروف ما إذا كان هذا قد تم.

وفقاً لملف تعريف سكريت على منصة لينكد إن؛ فقد التحق ابنه بمدرسة إعدادية باهظة الثمن في مدينة نيويورك. وتفيد تقارير بأن زوجة رئيس الوزراء، ميليسا، والكثير من أقاربها يترددون على شقة بقيمة 2.2 مليون دولار في مدينة نيويورك. اعترف سكريت أن الأسرة كانت تعيش في شقة لمراسلي فضائية الجزيرة القطرية، لكنه قال إن ذلك لم يكن سوى “لفتة طيبة” من أحد أصدقاء زوجته، نافياً ارتكاب أي مخالفات.

لم يرد كل من سكريت وزوجته على طلبات الحصول على تعليق أُرسلت لهم.

وفي عام 2021، نشرت مدونة مكافحة الفساد في دومينيكا، Mas in the Cemetery، وثائق جمركية تبيّن أن سكريت هو المستفيد من السيارات باهظة الثمن المستوردة إلى الجزيرة على هيئة هدايا. وتؤكد سجلات الشركة المسربة التي حصل عليها الصحافيون هذه النتائج، وتحقق السلطات حالياً في بيانات إحدى السيارات بحثاً عن انتهاكات محتملة لقانون دومينيكا.

|

اشترك بنشرتنا البريدية