أرسلت لي صديقة صورة التقطتها للوحات إعلانية تظهر شاباً يحمل العلم الإيراني على ظهره وهو يضع يده على ظهر شاب آخر يحمل العلم اللبناني على ظهره ويلف جبينه بعصبة صفراء، في إشارة إلى انتمائه لحزب الله. تعلو صورة الشابين عبارة “دايماً حدكن” ويذيّل أسفلها بعبارة “إيران حدك”.
أرفقت الصديقة، التي لا تعارض الحزب، الصورة بتسجيل صوتي تقول فيه: “وين حدنا؟ شفنا وقت كانت عم تتمسح فينا الأرض وين حضرتن كانوا”. لسان حال صديقتي هو لسان حال شريحة كبيرة من جمهور حزب الله ما عاد بإمكان الأخير ضبطها.
مشاعر الغضب تجاه إيران بدأت منذ اليوم الأول للحرب وتصاعدت خلالها وحتى اليوم. تنتشر الكثير من الفيديوهات على تيك توك وإنستغرام لمؤثرين من البيئة ينتقدون فيها إيران، وهذه ظاهرة لم تحصل بهذا الوضوح والجرأة والعلانية من قبل.
أمام السخط المتصاعد من داخل البيئة الشيعية ضد إيران، لجأ حزب الله في ما يبدو، إلى اللوحات الإعلانية ليعزّز لدى جمهوره فكرة واحدة مكررة على طول الطرقات التي يسلكونها علّها تنسيهم ما حل بهم.
بدأت هذه اللوحة تنتشر، وها هو مجسم عملاق لها ينتصب على مدخل مطار بيروت.
يستخدم حزب الله دوماً اللوحات الإعلانية للتوجّه إلى جمهوره، ولتعميم توجه ما. واعتاد أن ينشر على الطرق المؤدية الى مطار بيروت الدولي، وغيرها من الطرق الخاضعة لنفوذه، صور القادة الإيرانيين لتعظيمهم في نفوس جمهوره وخلق الولاء لهذه الشخصيات.
خلال الحرب ومع ارتفاع وتيرة الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله، الذي بقي يواجه وحيداً في حرب بدأها بالاتفاق مع إيران وبتشجيع علني من مسؤوليها، بدأ يتصاعد شعور لدى جمهور الحزب بأن إيران خذلته وتخلت عنه وبات وحيداً بل حتى أنها باعته. بلغ هذا الأمر ذروته بعيد اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصرالله، إذ عبرت شريحة من هذا الجمهور علناً عن انتقاداتها لإيران وما اعتبرته خذلاناً وتخلياً.
اليوم، اختار حزب الله رفع الإعلانات مصحوبة بعبارة “دايماً حدكن” في محاولة لمسح هذه الصورة وإعادة تجميل صورة إيران وتعظيمها أمام جمهوره الجريح. ويعمل الحزب على تعميم رسالة بأن إيران وقفت إلى جانبه وإلى جانب جمهوره، وهو الهدف الواضح من نشر هذه الإعلانات، في محاولة لحذف ذاكرة قريبة أنتجتها الحرب. وتترافق هذه الإعلانات مع خطابات لمسؤولين في حزب الله يكررون الحديث عن مساعدات مالية تقدمها إيران للتعويض على المتضررين من الحرب، ومع مواد إعلامية تنشر عبر منصات تابعة لحزب الله على مواقع التواصل الاجتماعي.
“وين حدنا؟ شفنا وقت كانت عم تتمسح فينا الأرض وين حضرتن كانوا”. لسان حال صديقتي هو لسان حال شريحة كبيرة من جمهور حزب الله ما عاد بإمكان الأخير ضبطها.
الإعلانات جزء من حملة بدأت قبل انتهاء الحرب
في حديث إلى “درج”، يقول الصحافي والباحث حسن عباس، إن حزب الله تنبّه باكراً إلى أن الامتعاض الشديد والغضب من إيران ينتشران في أوساط اللبنانيين الشيعة، “الذين وجدوا أنفسهم يُقتلون ويُشرّدون بينما إيران تقف في موقف المتفرّج، فعمّ الغضب منها لأن الواقع دائماً أقوى من الأيديولوجيا ومن البروباغندا”. ويتابع: بوصفه جماعة تابعة لإيران، بدأ حزب الله يحاول ترميم ما انكسر بين اللبنانيين الشيعة وبينها. لكنه يعتبر أن محاولة ترميم صورة إيران بدأت في وقت غير مناسب البتّة. “ففي عزّ معاناة الناس خلال الحرب، وفي أول خطاب له كأمين عام لحزب الله، في 30 تشرين الأول/ أكتوبر، لم يجد نعيم قاسم حرجاً من إفراد مساحة واسعة لترميم صورة إيران، ومما قاله إن إيران ليست مَن تقاتل بنا كما يقول البعض ولا هي بحاجة لقتالنا. وفي أول خطاب له بعد التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية، في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، لم ينسَ قاسم توجيه الشكر لإيران قيادةً وشعباً وحرساً”، يقول عباس.
كذلك، يستخدم حزب الله المساعدات المالية والتعويضات التي يقدّمها في إطار عمله على ترميم صورة إيران. ويعتبر الصحافي والباحث أن هذا الأمر أهم من مستوى الخطابات “لأنه ملموس”. ويذكر عندما وزّع حزب الله مساعدات مالية للنازحين، قبيل اتفاق وقف الأعمال العدائية بأيام قليلة، قيمتها بين 300 و400 دولار أميركي. يقول عباس، استناداً إلى شهادات مواطنين، فإن العنصر الذي كان يسلّم النازح المساعدة كان يرفقها بالقول: “هذه هدية من الشعب الإيراني”. وهو ما تكرر على لسان نعيم قاسم بعد نحو أسبوعين من ذلك، في ثاني خطاب له بعد الحرب، إذ وصف هذه المساعدات بأنها “هدية الشعب الإيراني وحزب الله”. منّن قاسم جمهوره بالمبلغ بهدف تفخيم صورة إيران، علماً أن المبلغ كان زهيداً جداً نسبة الى كلفة النزوح المادية.
إقرأوا أيضاً:
إعلانات تطارد الشيعة كيفما تحركوا
الآن، انتقل حزب الله الى العمل على الخط نفسه، عبر حملة إعلانية قوامها صور كبيرة على الشوارع ليراها الشيعة كيفما تحرّكوا، علّ كثرة تعرّضهم لفكرة وقوف إيران بجانبهم تنسيهم خبرتهم خلال الحرب، يقول الباحث.
وفيما يحاول بعض الموالين لحزب الله وضع الرأي السائد لناحية خذلان إيران في إطار ردود الفعل الانفعالية، يعتقد عباس أن هنالك شيئاً انكسر في علاقة معظم اللبنانيين الشيعة بإيران، ويرى أن الشرخ الحاصل بين الطرفين نتيجة تجربة الحرب الأخيرة لن يزول، “لكن قد تخفت حدّته بحال مثلاً قررت إيران تقديم المال اللازم لعملية إعادة إعمار ما تهدّم، ولكن يبدو أنها غير قادرة على ذلك”.
يشكل موقف جمهور حزب الله، بل وحتى شريحة من عناصره، تجاه إيران، تغيراً مهماً يحاول الحزب مواجهته. فهو الذي عمل لعقود على ربط الشيعة في لبنان بالجمهورية الإسلامية في إيران ودفعهم الى الولاء لها. وفي حين يطرح السؤال عن تأثير أداء إيران خلال الحرب على شيعة لبنان وولاءاتهم السياسية، يشكك عباس في أن يكون للأمر تأثير كبير. فهو يعتبر أنه ورغم أهمية هذا التغيّر، إلا أنه لن يؤثر على ولاءات الشيعة السياسية المحلية بشكل كبير، في المدى المنظور. ويرجح أن تبقى غالبية اللبنانيين الشيعة مؤيدة لحزب الله، “ليس لأنها عمياء، ولكن طبيعة النظام اللبناني الطائفي تدفع الناس إلى التحلّق حول الطرف السياسي الموجود والأقوى، بخاصة في ظل صعوبة خلق تيار سياسي بديل فاعل”، وفق تعبيره.
بالنسبة إلى الصحافي الجنوبي، لم يكن لدى جمهور حزب الله يوماً ما يمكن وصفه بالولاء لإيران، باستثناء المحازبين العقائديين مقلّدي الولي الفقيه. فهو يعتقد أن غالبية الشيعة اللبنانيين ينظرون إلى إيران كحليف وعون وليس أكثر، “هذه الغالبية لا تعتبر حزب الله حزباً إيرانياً، وبالتالي هي من الأساس نصيرة للشق اللبناني في سياساته وليس للشق الإيراني أو للشق الإقليمي. منهجياً، لا يمكن الفصل بين الأمرين، ولكن في وعي الناس هذا ممكن، وإن كان مبنياً على نوع من عدم فهم للعلاقة بين الطرفين. وعليه، فإن ما انكسر في علاقة اللبنانيين الشيعة بإيران لن ينعكس بشكل واسع وفارق على حزب الله”، يشرح عباس.
لكن حتى الآن، ورغم كل المحاولات، ما زالت قناعة أن إيران تخلت عن حزب الله راسخة في نفوس شريحة كبيرة في لبنان، إلى درجة ما عاد بالإمكان إنكارها. ففي حديث له قال الإعلامي حسن الدر، الذي لطالما دافع عن الحزب وخياراته العسكرية، إن هناك عتباً من الناس على إيران. وتحدث عن “توجه عارم بأن تكون المقاومة مثل ما قال الإمام السيد موسى الصدر، تحرير الجنوب مسؤوليتنا وحدنا وتحرير فلسطين مسؤولية الأمة”. ورغم أن الدر برر لإيران موقفها، فقد حاول البعض إنكار وجود انتقادات شيعية لإيران. لكن الشيخ شفيق جرادة نفسه، التابع لحزب الله والمقلد للخامنئي، لم يستطع إنكارها، لكنه وضعها في خانة رد الفعل الانفعالي وليس موقفاً من إيران. ومهما كان الجدل تبقى الخلاصة أن هذا الرأي سائد بين الشيعة في لبنان وهو ما أدركه حزب الله.
على أي حال، بات هم حزب الله اليوم محاولة إصلاح ذات البين بين إيران وجمهوره. فصورة مرشد الجمهورية الإسلامية هي في صلب عقيدة حزب الله ومشروعه. وعمل الحزب لعقود على محاولة نقل ولاء كل شيعة لبنان إلى الولي الفقيه، ولم يستكمل مهمته. وهو سيسعى اليوم بكل ما أمكن الى إعادة تجميل صورة إيران. ويبقى للأيام أن تظهر ما إذا كان سيتمكن من ذلك في ظل الوقائع الجديدة التي فرضتها حربه مع إسرائيل وهزيمته وانشغال إيران بإنقاذ نفسها متخلّية عن تعهداتها.
إقرأوا أيضاً:













