ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بالطول وبالعرض… انتهاك على الهواء؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في مساء يوم الإثنين الواقع في 4 أيار/ مايو، عرض برنامج “بالطول وبالعرض” على قناة “الجديد” حلقة صادمة، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب حجم الانتهاكات الأخلاقية والمهنية التي رافقت أحد تقاريرها، في مشهد يطرح أسئلة جدية حول حدود الإعلام ومسؤوليته في التعامل مع قضايا العنف والهشاشة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تضمّن البرنامج ريبورتاجًا عن فتاة بدت بوضوح في حالة هشاشة نفسية وإدراكية، أُجريت معها مقابلة في الشارع. خلال الحديث، كشفت الفتاة عن تعرّضها لاعتداء جنسي، وادّعت أنها حامل من زوج والدتها، مع ذكرها الصريح لمكان سكنها في الشمال واسم الشخص الذي تتهمه. الأخطر أنّ الكاميرا أظهرت تفاصيل دقيقة عن موقعها، ما يجعل التعرف عليها ممكنًا بسهولة في سياق اجتماعي ضيّق. الفتاة عبّرت مرارًا عن خوفها من العودة إلى طرابلس، قائلة إنها قد تُقتل، وألا أحد سيحميها، فيما كانت تعيش في خيمة وتطلب المساعدة للبقاء على قيد الحياة.

بصبصة عوضاً عن الحماية

بدل التعامل مع الحالة كقضية حماية عاجلة، انتقل فريق البرنامج إلى طرابلس، حيث أجرى مقابلات مع أشخاص قالوا إنهم يعرفون الفتاة، وقدموا روايات متناقضة. ويوم الإثنين، استُدعيت الفتاة إلى الاستوديو في بث مباشر، حيث واجهها مقدمو البرنامج بهذه الروايات، في مشهد أقرب إلى محاكمة علنية مبطنة منه إلى أي تدخل مهني مسؤول.

المفاجأة التي استُغلّت إعلاميًا: الفتاة لم تعد حاملًا. وخلال البث المباشر، قالت إنها فقدت الجنين من دون معرفة السبب، ونُقلت إلى المستشفى. عندها، عرض المراسل اتصالاً بطبيبة على الهواء مباشرة، قدّمت خلاله تفاصيل طبية حساسة للغاية، بما في ذلك وصف وصول الفتاة مع الجنين داخل كيس بلاستيكي، وذكر اسم المستشفى، في انتهاك واضح لأبسط قواعد السرية الطبية.

أسئلة جارحة وسلوكيات غير مهنية

خلال الحلقة، وُجّهت إلى الفتاة أسئلة شديدة الحساسية حول الاعتداء الجنسي بطريقة مباشرة وضاغطة، تحت ذريعة “المساعدة”. كما اقترب مقدم البرنامج جسديًا منها في محاولة تودد لانتزاع معلومات إضافية تحت غطاء الاهتمام بقضيتها والانتصار لحقّها، فيما ظهر المراسل في أكثر من مرة وهو يضحك على إجابات الفتاة، التي بدت منفصلة تمامًا عن الواقع وغير مدركة لما يحدث حولها.

وفي خطوة بدت أقرب إلى استمرار الاستعراض اللامهني، تم الاتصال بمنظمة غير حكومية على الهواء، وهي جهة تُعنى أساسًا بخطوط الدعم للحالات الانتحارية، إذ أعلنت الاختصاصية النفسية عن إرسال فريق إلى الاستوديو لتقييم الحالة. حدث كل ذلك أمام الكاميرات وعلى الهواء مباشرة، من دون أي اعتبار لخصوصية الفتاة أو لسلامتها، ما يعكس خلطًا بين الدعم الفعلي والاستعراض الإعلامي.

سلسلة انتهاكات مترابطة

ما عُرض في حلقة لقناة “الجديد” لا يمكن اختزاله بأخطاء مهنية بسيطة، بل يشكّل سلسلة مترابطة من الانتهاكات الجسيمة التي تبدأ بانتهاك الخصوصية ولا تنتهي عند تعريض حياة الضحية للخطر. فقد تم الكشف بشكل مباشر عن هوية الفتاة ومكان وجودها وتفاصيل دقيقة عن حياتها، ما يعرّضها لخطر انتقامي فعلي، بخاصة وأنها صرّحت بوضوح عن خوفها من القتل في حال عودتها إلى طرابلس.

هذا الكشف لم يكن مجرد إهمال، بل جاء مترافقًا مع استغلال واضح لحالة هشاشتها النفسية والإدراكية، إذ بدت الفتاة غير قادرة على استيعاب ما يحدث حولها أو إعطاء موافقة واعية ومستنيرة على الظهور الإعلامي، ما يجعل المقابلة بحد ذاتها فعل استغلال لشخص في وضع ضعف.

إلى جانب ذلك، دُفعت إلى إعادة سرد تجربة الاعتداء الجنسي بشكل علني وتحت ضغط، بل ومواجهتها بروايات مضادة على الهواء مباشرة، وهو ما يشكّل إعادة إيذاء نفسية قد تكون آثارها أشد من الحدث الأصلي. ولم يتوقف الأمر هنا، بل حصل أيضًا انتهاك صارخ لأخلاقيات المهنة الطبية، عندما كشفت الطبيبة عن معلومات سرية وشديدة الحساسية تتعلق بحالتها الصحية من دون أي موافقة، بما في ذلك تفاصيل مهينة حول فقدان الجنين، وهو ما يضرب عرض الحائط بكل معايير السرية الطبية وكرامة المريضة.

كما أن عرض اتهامات خطيرة بحق أشخاص محددين من دون أي مسار قضائي أو تحقق قانوني، يفتح الباب أمام التشهير ويقوّض مبدأ العدالة. الأخطر من ذلك هو التقصير الفادح في واجب الحماية: فقد مرّ ما يقارب أسبوع بين تصوير المقابلة الأولى مع الفتاة في الشارع وبثها لاحقًا، من دون أن يظهر أي دليل على إبلاغ الفريق الإعلامي الجهات المختصة أو اتخاذ خطوات فعلية لضمان سلامتها. بل على العكس، تم تعقّب قصتها إلى طرابلس وكشف محيطها، ما يزيد من تعريضها للخطر بدل حمايتها.

في المحصلة، تحوّلت معاناة الفتاة إلى مادة استعراضية تُبث على الهواء، إذ تم استدعاء جهة داعمة بشكل علني وكأنها جزء من المشهد الإعلامي، بدل أن يتم تفعيل قنوات حماية سرية وآمنة، ما يعكس خللًا عميقًا في فهم دور الإعلام كأداة أساسية في الانتصار للقضايا العامة، لا كفعل بصبصة مجانية.

بين الإعلام والمسؤولية 

ما حصل يطرح سؤالًا أساسيًا: متى يتحول الإعلام من وسيلة لكشف الانتهاكات إلى أداة لإعادة إنتاجها؟ في قضايا العنف الجنسي، بخاصة عندما تتعلق بأشخاص في حالة هشاشة، لا يمكن التعامل مع القصص كمواد إعلامية عادية. هناك معايير مهنية واضحة لا مساومة فيها: حماية الهوية، ضمان الموافقة المستنيرة، تجنب إعادة الصدمة، والتبليغ الفوري للجهات المختصة.

ما حدث في هذه الحلقة يشير إلى غياب هذه المعايير بالكامل، واستبدالها بمنطق الإثارة. القضية اليوم ليست فقط قضية فتاة، بل قضية مساءلة إعلامية وأخلاقية: من يحمي الضحايا ويصون كرامتهم عندما تصبح التعرية هي الخبر؟

ليست الكرامة مفهومًا تجريديًا يُستحضر في الخطاب، بل التزام فعلي يفرض الامتناع عن تعريض من هم أصلًا في دائرة الخطر لمخاطر إضافية. ما حدث لم يسلب الفتاة خصوصيتها فقط، بل أعاد وضعها في مواجهة العنف نفسه الذي حاولت الهروب منه، مضاعفًا هشاشتها بدل احتوائها. حين يُكشف الوجه بدل حمايته، ويُدفع الصوت المرتبك إلى العلن بدل الإصغاء إليه بأمان، يتحول الإعلام من مساحة للمساءلة إلى أداة لإعادة إنتاج الأذى. الكرامة هنا ليست في رواية القصة، بل في معرفة متى يجب التوقف عن السرد، لأن حماية الإنسان أولى من أي خبر، وأي سبق، وأي نسبة مشاهدة.

في مساء يوم الإثنين الواقع في 4 أيار/ مايو، عرض برنامج “بالطول وبالعرض” على قناة “الجديد” حلقة صادمة، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب حجم الانتهاكات الأخلاقية والمهنية التي رافقت أحد تقاريرها، في مشهد يطرح أسئلة جدية حول حدود الإعلام ومسؤوليته في التعامل مع قضايا العنف والهشاشة.

تضمّن البرنامج ريبورتاجًا عن فتاة بدت بوضوح في حالة هشاشة نفسية وإدراكية، أُجريت معها مقابلة في الشارع. خلال الحديث، كشفت الفتاة عن تعرّضها لاعتداء جنسي، وادّعت أنها حامل من زوج والدتها، مع ذكرها الصريح لمكان سكنها في الشمال واسم الشخص الذي تتهمه. الأخطر أنّ الكاميرا أظهرت تفاصيل دقيقة عن موقعها، ما يجعل التعرف عليها ممكنًا بسهولة في سياق اجتماعي ضيّق. الفتاة عبّرت مرارًا عن خوفها من العودة إلى طرابلس، قائلة إنها قد تُقتل، وألا أحد سيحميها، فيما كانت تعيش في خيمة وتطلب المساعدة للبقاء على قيد الحياة.

بصبصة عوضاً عن الحماية

بدل التعامل مع الحالة كقضية حماية عاجلة، انتقل فريق البرنامج إلى طرابلس، حيث أجرى مقابلات مع أشخاص قالوا إنهم يعرفون الفتاة، وقدموا روايات متناقضة. ويوم الإثنين، استُدعيت الفتاة إلى الاستوديو في بث مباشر، حيث واجهها مقدمو البرنامج بهذه الروايات، في مشهد أقرب إلى محاكمة علنية مبطنة منه إلى أي تدخل مهني مسؤول.

المفاجأة التي استُغلّت إعلاميًا: الفتاة لم تعد حاملًا. وخلال البث المباشر، قالت إنها فقدت الجنين من دون معرفة السبب، ونُقلت إلى المستشفى. عندها، عرض المراسل اتصالاً بطبيبة على الهواء مباشرة، قدّمت خلاله تفاصيل طبية حساسة للغاية، بما في ذلك وصف وصول الفتاة مع الجنين داخل كيس بلاستيكي، وذكر اسم المستشفى، في انتهاك واضح لأبسط قواعد السرية الطبية.

أسئلة جارحة وسلوكيات غير مهنية

خلال الحلقة، وُجّهت إلى الفتاة أسئلة شديدة الحساسية حول الاعتداء الجنسي بطريقة مباشرة وضاغطة، تحت ذريعة “المساعدة”. كما اقترب مقدم البرنامج جسديًا منها في محاولة تودد لانتزاع معلومات إضافية تحت غطاء الاهتمام بقضيتها والانتصار لحقّها، فيما ظهر المراسل في أكثر من مرة وهو يضحك على إجابات الفتاة، التي بدت منفصلة تمامًا عن الواقع وغير مدركة لما يحدث حولها.

وفي خطوة بدت أقرب إلى استمرار الاستعراض اللامهني، تم الاتصال بمنظمة غير حكومية على الهواء، وهي جهة تُعنى أساسًا بخطوط الدعم للحالات الانتحارية، إذ أعلنت الاختصاصية النفسية عن إرسال فريق إلى الاستوديو لتقييم الحالة. حدث كل ذلك أمام الكاميرات وعلى الهواء مباشرة، من دون أي اعتبار لخصوصية الفتاة أو لسلامتها، ما يعكس خلطًا بين الدعم الفعلي والاستعراض الإعلامي.

سلسلة انتهاكات مترابطة

ما عُرض في حلقة لقناة “الجديد” لا يمكن اختزاله بأخطاء مهنية بسيطة، بل يشكّل سلسلة مترابطة من الانتهاكات الجسيمة التي تبدأ بانتهاك الخصوصية ولا تنتهي عند تعريض حياة الضحية للخطر. فقد تم الكشف بشكل مباشر عن هوية الفتاة ومكان وجودها وتفاصيل دقيقة عن حياتها، ما يعرّضها لخطر انتقامي فعلي، بخاصة وأنها صرّحت بوضوح عن خوفها من القتل في حال عودتها إلى طرابلس.

هذا الكشف لم يكن مجرد إهمال، بل جاء مترافقًا مع استغلال واضح لحالة هشاشتها النفسية والإدراكية، إذ بدت الفتاة غير قادرة على استيعاب ما يحدث حولها أو إعطاء موافقة واعية ومستنيرة على الظهور الإعلامي، ما يجعل المقابلة بحد ذاتها فعل استغلال لشخص في وضع ضعف.

إلى جانب ذلك، دُفعت إلى إعادة سرد تجربة الاعتداء الجنسي بشكل علني وتحت ضغط، بل ومواجهتها بروايات مضادة على الهواء مباشرة، وهو ما يشكّل إعادة إيذاء نفسية قد تكون آثارها أشد من الحدث الأصلي. ولم يتوقف الأمر هنا، بل حصل أيضًا انتهاك صارخ لأخلاقيات المهنة الطبية، عندما كشفت الطبيبة عن معلومات سرية وشديدة الحساسية تتعلق بحالتها الصحية من دون أي موافقة، بما في ذلك تفاصيل مهينة حول فقدان الجنين، وهو ما يضرب عرض الحائط بكل معايير السرية الطبية وكرامة المريضة.

كما أن عرض اتهامات خطيرة بحق أشخاص محددين من دون أي مسار قضائي أو تحقق قانوني، يفتح الباب أمام التشهير ويقوّض مبدأ العدالة. الأخطر من ذلك هو التقصير الفادح في واجب الحماية: فقد مرّ ما يقارب أسبوع بين تصوير المقابلة الأولى مع الفتاة في الشارع وبثها لاحقًا، من دون أن يظهر أي دليل على إبلاغ الفريق الإعلامي الجهات المختصة أو اتخاذ خطوات فعلية لضمان سلامتها. بل على العكس، تم تعقّب قصتها إلى طرابلس وكشف محيطها، ما يزيد من تعريضها للخطر بدل حمايتها.

في المحصلة، تحوّلت معاناة الفتاة إلى مادة استعراضية تُبث على الهواء، إذ تم استدعاء جهة داعمة بشكل علني وكأنها جزء من المشهد الإعلامي، بدل أن يتم تفعيل قنوات حماية سرية وآمنة، ما يعكس خللًا عميقًا في فهم دور الإعلام كأداة أساسية في الانتصار للقضايا العامة، لا كفعل بصبصة مجانية.

بين الإعلام والمسؤولية 

ما حصل يطرح سؤالًا أساسيًا: متى يتحول الإعلام من وسيلة لكشف الانتهاكات إلى أداة لإعادة إنتاجها؟ في قضايا العنف الجنسي، بخاصة عندما تتعلق بأشخاص في حالة هشاشة، لا يمكن التعامل مع القصص كمواد إعلامية عادية. هناك معايير مهنية واضحة لا مساومة فيها: حماية الهوية، ضمان الموافقة المستنيرة، تجنب إعادة الصدمة، والتبليغ الفوري للجهات المختصة.

ما حدث في هذه الحلقة يشير إلى غياب هذه المعايير بالكامل، واستبدالها بمنطق الإثارة. القضية اليوم ليست فقط قضية فتاة، بل قضية مساءلة إعلامية وأخلاقية: من يحمي الضحايا ويصون كرامتهم عندما تصبح التعرية هي الخبر؟

ليست الكرامة مفهومًا تجريديًا يُستحضر في الخطاب، بل التزام فعلي يفرض الامتناع عن تعريض من هم أصلًا في دائرة الخطر لمخاطر إضافية. ما حدث لم يسلب الفتاة خصوصيتها فقط، بل أعاد وضعها في مواجهة العنف نفسه الذي حاولت الهروب منه، مضاعفًا هشاشتها بدل احتوائها. حين يُكشف الوجه بدل حمايته، ويُدفع الصوت المرتبك إلى العلن بدل الإصغاء إليه بأمان، يتحول الإعلام من مساحة للمساءلة إلى أداة لإعادة إنتاج الأذى. الكرامة هنا ليست في رواية القصة، بل في معرفة متى يجب التوقف عن السرد، لأن حماية الإنسان أولى من أي خبر، وأي سبق، وأي نسبة مشاهدة.