ها نحن مجددًا، في الأسبوع الذي يسبق نزول الراتب في نهاية الشهر… الأسبوع الذي نمقته جميعًا. الأسبوع الذي نكون فيه مستعدين للتضحية ببعض من وقتنا الثمين على هذه الأرض، فقط لنتمكن من شطبه من التقويم. أسبوع تافه وممل إلى درجة تجعلك تتجهّم فجأة في منتصف الحديث؛ أسبوع يجبرك على تخطي الوجبات التي تشتهيها مقابل سندويش سريع تصنعه في المنزل، وعلى تمضية وقت أطول في البيت، وعلى سرقة بعض الطعام من ثلاجة والديك، وإنهاء قراءة ذلك الكتاب الذي ظلّ على المنضدة لأشهر.
هذه الواجبات للأسف ليست فعّالة، على الرغم مما تتطلبه من مستوى عالٍ من ضبط النفس. فهي لن تؤدي إلى تغييرات كبيرة؛ لن تتمكن من جمع المال الكافي للتقاعد باكرًا بمجرد استبدال قهوة Starbucks بقهوة المنزل، أو النجاح في الحصول على قرض سكني إذا لم تشترِ حذاء Adidas الجديد. هذه الحجة ربما كانت مجدية في وقت سابق، لم تكن فيه الفجوة بين الأجور وأسعار العقارات بهذا الاتساع. أما الآن، فننتظر الراتب فحسب.
لبنان لم يتعافَ بعد من واحدة من أشدّ الأزمات الاقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، ما يجعل هذا الأسبوع التافه يمتدّ إلى أسابيع عدة أحيانًا. مغامراتنا المالية محدودة في هذا البلد، فلا بنوك آمنة نحفظ فيها أموالنا، ولا قروض مدروسة تشجعنا على الاستثمار.
لكن اللافت أن لإحباطنا صدى عالمياً، وإن لم يكن بالشدة نفسها، ما يلطّف ضيقنا بعض الشيء. ففي بلدان كثيرة مثل كندا، وفرنسا، والولايات المتحدة، ترتفع أسعار المنازل بوتيرة تفوق بكثير نمو الأجور، ومع صعود الإيجارات وارتفاع معدلات الفائدة، بات تملّك المنزل حلمًا بعيد المنال للكثير من الناس حول العالم، خصوصًا للأجيال الشابة. هذه الفجوة تزيد من قيمة اللذّات البسيطة، لأنها تصبح أقرب والحصول عليها أسهل.
هذا ما أطلق عليه مسؤولو شركة “Estée Lauder” عام 2008 اسم “مؤشر أحمر الشفاه”، بعدما لاحظوا ارتفاع مبيعات أحمر الشفاه خلال التراجع الاقتصادي العام في تلك الفترة. كان استنتاجهم أن الناس، حتى في أوقات الشدّة، لا يتخلّون عن رغبتهم في الدلال، لذلك يستبدلون السلع والخدمات الباهظة الثمن، كالسيارات، أو الإجازات، أو امتلاك شقة، برفاهيات صغيرة، مثل أحمر الشفاه.
هذا المؤشر لا يزال قائمًا حتى اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى، بمساعدة الإنترنت والخوارزميات والسرعة المهولة للإنتاج والتوزيع. على منصّات تيك توك وإنستغرام، نشهد ولادة وموت “ميكرو ترندات” لمنتجات متعددة في وقت قصير جدًا. في الأسابيع الأخيرة مثلًا، اشتهرت سلسلة الألعاب الصينية “لابوبو”، وعلى رغم أن سعر الواحدة منها يناهز الـ 90 دولارًا، بيعت بسرعة في الأسواق العالمية.
هذا الإقبال على “الميكرو ترندات” لا يعكس بالضرورة وفرة مالية، بل هو على الأرجح دليل على تفضيل الرضى الفوري، على حساب الاستثمارات طويلة الأمد، وشكل من أشكال التوازن بين العجز عن الاستهلاك، والرغبة في التعبير عن الذات. إنه مؤشر “أحمر الشفاه بلس”، أو مؤشر الـ”لابوبو”. في عشرينات القرن الماضي، اقترح الاقتصادي جورج تايلور مؤشرًا آخر لأشكال التأقلم مع الصعوبات المالية، يُعرف بـ”مؤشر الحافة” (Hem Index): إذ يرتفع طول فساتين النساء في فترات الازدهار الاقتصادي، كدلالة على التفاؤل، وروح المغامرة، والدخل المتاح للإنفاق. أما في فترات الركود، فينخفض كتعبير عن الحذر، والتواضع، والانضباط المالي.
هذه المؤشرات، وإن لم تكن قاطعة، توفّر بيانات مهمّة عن عاداتنا الشرائية وتحلّلها في ظل التقلبات التي نمرّ بها، كاشفةً تفضيلاتنا، وبعضًا من قيمنا، وقد تلمّح حتى إلى ميولنا السياسية. التحفّظ عن الاستهلاك غالبًا ما تتبعه أشكال أخرى من التحفّظات النفسية؛ فعندما نحاول ضبط إنفاقنا، سرعان ما نحاول أيضًا كبح أو إعادة توجيه رغباتنا، فتتغير أولوياتنا تدريجيًا.
مثلًا، خلال جائحة كورونا، اكتسحت موضة “الـOld Money” أو “الرفاهية الهادئة” (Quiet Luxury) منصات التواصل الاجتماعي. وتتسم هذه الموضة بأسلوب حياة مستوحى من العائلات الثرية التقليدية ذات الثروات المتوارثة؛ أسلوب يركّز على الرفاهية الصامتة بدلًا من التباهي الصاخب. بالطبع، هذه الموضة تعكس تصور أتباعها للرفاهية، وليست تصويرًا دقيقًا لكيف ترتدي أو تتصرف الطبقة المخملية. هذا التصور يكشف ازدياد أهمية قيم مثل الاستقرار والأمان عند غالبية الجماهير، على حساب قيم مثل الاستكشاف والمخاطرة، خلال الفترات الاقتصادية الصعبة.
بعد موضة الـ “Old Money”، وقبيل انتخاب ترامب لولايته الثانية، ظل نمط الحياة التقليدي والمحافظ رائجًا على منصات التواصل الاجتماعي، تلاه ظهور “ميكرو ترندات” تشجّع الأدوار النمطية للمرأة والرجل، مثل توجه “TradWife” أو “الزوجة التقليدية”، الذي كانت المؤثرة نارا سميث — التي يفوق عدد متابعيها الأربعة ملايين والمعروفة بتحضير كل ما يشتهيه زوجها من الصفر — أبرز وجوهه.
هذا الاشتياق إلى الاستقرار والأمان خدم تصاعد الخطاب اليميني في أوروبا والولايات المتحدة، حيث استُغلت مخاوف الناس المتزايدة من تراجع قدرتهم الشرائية، وبُني على تصوّراتهم التقليدية لتوجيه قلقهم نحو الفئات المهمّشة والمستضعفة. هذا النفور المتضخّم من المخاطرة يُغذّي اليوم قرارات ترامب واليمين المتطرف الاعتباطية، بدءًا بإلغاء مكتسبات ديمقراطية ونسوية، من الرعاية الطبية، إلى شبكات الأمان الاجتماعي، وصولًا إلى المؤسسات التعليمية.
بانتظار نزول الراتب، سيطاردنا كل ما كان ممكنًا أن يكون، وستلاحقنا المسؤوليات بشكل أكثر إلحاحًا، فتبدو اللذّات الصغيرة كافية لتجاوز ضغط المرحلة. لا بأس بارتداء أحمر شفاه فاخر، ثم تحضير سندويش بسيط في المنزل. المهم أن نحافظ على عادات شرائية متزنة، وألّا نخسر هدوءنا، وإلّا فقد يخدعنا ترامب بالاعتقاد أننا بحاجة إلى مزيد من الأسلحة، أو أن هارفرد تخطط لانقلاب على الدولة، أو أن المنظمات الحقوقية هي من تسرق المال العام…










