ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“بان زياد تجسّد المأساة”… تُقتل “العراقية” بكلّ الوسائل 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في العراق، تُقتل المرأة بآلاف الطرق: برصاص طائش في نزاع عشائري، في جريمة “شرف” مزعومة على يد زوج عنيف، أو بتمثيلية انتحار مدبّرة، ثم تختفي قصّتها في تقارير الشرطة، أو تتحوّل إلى “حالة” في تقرير إحصائي دولي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في العراق، هناك مقابر بلا شواهد، تحوي قصص نساء رحلن بطرق غامضة ومؤلمة، لا بفعل الحرب أو المرض، بل بفعل من يُفترض أنهم أقرب الناس إليهن، تُعلن وفاتهن في تقارير الشرطة على أنها “انتحار”، لكنّ الحقيقة غالباً ما تُدفن مع الجثمان.

 بين جدران المنازل وفي زوايا العشائر، تتكرّر الحكاية: أخت أو زوجة أو ابنة تتعرّض للتعنيف، ثم تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ، الموت بيد الجلّاد أو الموت برواية الانتحار.

في السنوات الأخيرة، تصاعدت هذه الظاهرة حتى باتت تأخذ شكلاّ منظمّاً من التكتيم المؤسّسي والاجتماعي، فلا تتحرّك القضايا إلا حين تتحوّل إلى رأي عامّ، وعندها يكون الوقت قد فات، والعدالة مجرّد رد فعل متأخّر.

قضيّة الطبيبة النفسية بان زياد طارق في البصرة، تجسّد مأساة التهاون بحياة النساء. 

وُجدت جثّتها في ظروف غامضة، والتحقيق الأوّلي وصف الحادثة بأنها انتحار، رغم الشهادات التي زعمت تعرّضها للتعنيف على يد شقيقها، ومع تصاعد الغضب الشعبي، تدخّل محافظ البصرة شخصياً، وأصدر أمر قبض بحقّ عائلتها وشقيقها المتّهم الأوّل، وأشرف على التحقيق.

لكنّ السؤال الأهمّ: كم من بان رحلت قبل أن تسمع السلطات صرخاتها؟

الأرقام الرسمية تكشف أن هذه الحادثة ليست استثناء، فبحسب المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، شهد العراق في السنوات الثلاثة الأخيرة أكثر من 2000 حالة ومحاولة انتحار، أكثر من ثلثهما لأسباب عائلية، و43% منهما لأسباب نفسية، وفي النصف الأوّل من هذا العام وحده، سُجّلت 300 حالة ومحاولة.

إذا عدنا إلى بيانات منظّمة الصحّة العالمية، نجد أن العراق سجّل في 2019 نحو 590 حالة انتحار، 80% منها لنساء، أي ما يقارب 472 امرأة، إضافة إلى أكثر من ألف محاولة انتحار لنسبة مشابهة من النساء.

أما بيانات وزارة الداخلية، فتصعد بشكل حادّ: من 376 حالة في 2015 إلى 1,073 حالة في 2022، وفي النصف الأوّل من 2023 فقط، تجاوزت المحاولات 700 حالة، منها نحو 400 لفتيات. 

هذه الأرقام تضع العراق في مواجهة أزمة حقيقية، حيث تتقاطع الأزمات النفسية والاجتماعية مع غياب الحماية القانونية.

قصص من الذاكرة القريبة

 ملاك الزبيدي (2020): أضرمت النار في جسدها بعد تعنيفها في بيت الزوجيّة، ورحلت وسط موجة غضب شعبية ضدّ العنف الأسري. 

طالبة جامعة الإمام جعفر الصادق (2025): أنهت حياتها داخل الحرم الجامعي وسط جدل حول ضغوط مالية ونفسية، رغم نفي الجامعة أي مسؤوليّة.

فاطمة زياد (2018): تركت رسالة مؤلمة على “فيسبوك” عن قسوة الحياة العائلية قبل أن تُقدم على الانتحار.

كلّ قصّة من هذه القصص هي مرآة لآلاف القصص الأخرى، التي لم تصل إلى الإعلام، ولم يتقصّ أحد عنها، لكنّها تعيش في ذاكرة أحياء وأسر بكاملها.

أحلام لم يُكتب لها أن تكتمل

كانت بان زياد تحلم وتعمل على إعادة  الحياة لمن يطاردهم الاكتئاب واليأس. ملاك الزبيدي كانت تريد أن تُكمل تعليمها الجامعي، وأن تصبح معلّمة تربّي الأجيال على المحبّة لا العنف. فاطمة زياد كانت ترسم على دفاترها صوراً لبيت صغير يطلّ على حديقة، تحلم بحياة هادئة بعيداً عن الصراخ والقيود.

لكنّ هذه الأحلام أُطفئت فجأة، ليس لأن القدر كان قاسياً، بل لأن المجتمع كان أقسى، كلّ واحدة منهن كانت تحمل مشروع حياة، وأملاً بمستقبل مختلف، لكنّ العنف كان أسرع من أحلامهن، والقانون أبطأ من إنقاذهن.

في العراق، تُقتل المرأة بآلاف الطرق: برصاص طائش في نزاع عشائري، في جريمة “شرف” مزعومة على يد زوج عنيف، أو بتمثيلية انتحار مدبّرة،  ثم تختفي قصّتها في تقارير الشرطة، أو تتحوّل إلى “حالة” في تقرير إحصائي دولي.

لكن إذا أرادت أن تحيا بسلام، تجد الأبواب مغلقة: لا مراكز إيواء آمنة، لا قوانين حازمة تحميها، لا فرص عمل تمنحها استقلالاً مادّياً، ولا بيئة اجتماعية تتقبّل فكرة أن حياتها ملك لها وحدها. وكأن المعادلة وُضعت عمداً: كلّ الطرق مفتوحة نحو الموت، ولا طريق واحد مفتوح نحو الحياة.

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد كلّ مأساة: إلى متى سيستمرّ هذا العنف الذي يلتهم النساء العراقيات بصمت؟ الجواب ليس بسيطاً، لأنه يرتبط بجذور عميقة في المجتمع، تبدأ من البيت حيث يتربّى الذكر على أنه صاحب السلطة المطلقة، وتمتدّ إلى العشيرة التي تبرّر القتل إذا ارتبط بما يسمّى “الشرف”، وتنتهي عند القانون الذي يترك ثغرات كافية ليفلت المجرم من العقاب.

العنف ضدّ النساء في العراق ليس مجرّد سلوك فردي منحرف، بل بنية متكاملة من القبول والتشجيع المجتمعي والسكوت المؤسّسي. وحين يكون الصمت هو القاعدة، تصبح الجريمة جزءاً من “النظام الطبيعي” للحياة.

الاستمرار في هذا المسار يعني أننا نُشرعن مستقبلاً مملوءاً بالضحايا، ونؤسّس لجيل جديد يعتبر العنف وسيلة مشروعة لحلّ النزاعات، أو فرض السيطرة.

التغيير لن يأتي من بيانات التعاطف، ولا من التصريحات الموسمية بعد كلّ جريمة، بل من إرادة سياسية وتشريعية ومجتمعية تتعامل مع العنف ضدّ النساء كجريمة ضدّ المجتمع والدولة، لا كمسألة عائلية تُحلّ داخل الجدران.

في العراق، بات قتل الروح أمراً عادياً، لأنه يحدث ببطء وفي وضح النهار، دون أن يسمّيه أحد باسمه، تتجرّد المرأة من حقّها في الحلم، في الاختيار، في أن تكون صاحبة قرار في حياتها، فيتحوّل وجودها إلى مجرّد ” وظيفة” تؤدّيها للآخرين. ومع الوقت، تصبح القسوة جزءاً من الروتين.

الهوان الذي أصاب قيمة الروح الإنسانية سببه تطبيع العنف، من المسلسلات التي تبرّر ضرب الزوجة، إلى المناهج التي لا تذكر كلمة عن المساواة، إلى الخطابات الدينية والاجتماعية التي تمنح القاتل غطاءً أخلاقياً.

وحين يصبح هذا القبول جماعياً، يصبح القتل الجسدي مجرّد خطوة أخيرة في سلسلة طويلة من جرائم قتل الروح، التي لا يحاسب عليها أحد.

القوانين العراقية، بدل أن تكون درعاً يحمي الضحايا، تتحوّل أحياناً إلى مظلّة للجناة. فموادّ مثل المادّتين 409 و410 من قانون العقوبات، تسمحان بتخفيف العقوبة أو حتى الإعفاء في جرائم قتل تُرتكب بدعوى “الدفاع عن الشرف”، ما يجعل حياة المرأة رخيصة أمام الأعراف العشائرية والنظرة المجتمعية المتجذّرة. إضافة إلى ذلك، تسمح المادّة 41 بتخفيض العقوبة في حالات يزعم فيها الجاني تأثرّه بغضب مفاجئ، أو حالة نفسية مؤقّتة، مما يُسهّل الإفلات من العقاب في العديد من قضايا العنف ضدّ النساء. 

ورغم صدور قانون حماية الأسرة (2019) لا يزال التطبيق ضعيفاً، ولا يوفّر حماية كافية للنساء من العنف الجسدي والنفسي، مما يعزّز ثقافة الإفلات من العقاب ويعمّق مآسي الضحايا.

ما يحدث اليوم ليس مجرّد سلسلة من الحوادث الفردية، بل ظاهرة عنف ممنهج ضدّ النساء، يشارك في استمرارها ضعف القانون، وغياب مؤسّسات حماية فعّالة، وصمت المجتمع.

كمجتمع وإعلام وقضاء، نحن أمام مفترق طرق: إما أن نواجه هذه الظاهرة بتشريعات صارمة تحمي النساء من العنف الأسري دون استثناء أو مبرّر، وإما أن نستمرّ في إعداد المزيد من “الإحصائيات”.

تجادل حقوقيات ومنظّمات نسوية بأن المطلوب اليوم، تعديل القوانين لتكون منصفة بحقّ النساء، وتمنع التمييز المثبت، وإلغاء الأعذار المخفّفة لجرائم قتل النساء، وإنشاء ملاجئ وخطوط طوارئ في كلّ محافظة لحماية المعرّضات للخطر، ومحاسبة المسؤولين الذين يتهاونون في قضايا العنف الأسري.

السكوت عن قتل النساء، أكان برصاصة، أو بحبل شنق، أو برواية “انتحار” ملفّقة، هو تمهيد لجرائم جديدة. فالصمت، في مثل هذه القضايا، لا يُوقف النزيف، بل يسمح له بالتمدّد.

11.08.2025
زمن القراءة: 5 minutes

في العراق، تُقتل المرأة بآلاف الطرق: برصاص طائش في نزاع عشائري، في جريمة “شرف” مزعومة على يد زوج عنيف، أو بتمثيلية انتحار مدبّرة، ثم تختفي قصّتها في تقارير الشرطة، أو تتحوّل إلى “حالة” في تقرير إحصائي دولي.

في العراق، هناك مقابر بلا شواهد، تحوي قصص نساء رحلن بطرق غامضة ومؤلمة، لا بفعل الحرب أو المرض، بل بفعل من يُفترض أنهم أقرب الناس إليهن، تُعلن وفاتهن في تقارير الشرطة على أنها “انتحار”، لكنّ الحقيقة غالباً ما تُدفن مع الجثمان.

 بين جدران المنازل وفي زوايا العشائر، تتكرّر الحكاية: أخت أو زوجة أو ابنة تتعرّض للتعنيف، ثم تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ، الموت بيد الجلّاد أو الموت برواية الانتحار.

في السنوات الأخيرة، تصاعدت هذه الظاهرة حتى باتت تأخذ شكلاّ منظمّاً من التكتيم المؤسّسي والاجتماعي، فلا تتحرّك القضايا إلا حين تتحوّل إلى رأي عامّ، وعندها يكون الوقت قد فات، والعدالة مجرّد رد فعل متأخّر.

قضيّة الطبيبة النفسية بان زياد طارق في البصرة، تجسّد مأساة التهاون بحياة النساء. 

وُجدت جثّتها في ظروف غامضة، والتحقيق الأوّلي وصف الحادثة بأنها انتحار، رغم الشهادات التي زعمت تعرّضها للتعنيف على يد شقيقها، ومع تصاعد الغضب الشعبي، تدخّل محافظ البصرة شخصياً، وأصدر أمر قبض بحقّ عائلتها وشقيقها المتّهم الأوّل، وأشرف على التحقيق.

لكنّ السؤال الأهمّ: كم من بان رحلت قبل أن تسمع السلطات صرخاتها؟

الأرقام الرسمية تكشف أن هذه الحادثة ليست استثناء، فبحسب المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، شهد العراق في السنوات الثلاثة الأخيرة أكثر من 2000 حالة ومحاولة انتحار، أكثر من ثلثهما لأسباب عائلية، و43% منهما لأسباب نفسية، وفي النصف الأوّل من هذا العام وحده، سُجّلت 300 حالة ومحاولة.

إذا عدنا إلى بيانات منظّمة الصحّة العالمية، نجد أن العراق سجّل في 2019 نحو 590 حالة انتحار، 80% منها لنساء، أي ما يقارب 472 امرأة، إضافة إلى أكثر من ألف محاولة انتحار لنسبة مشابهة من النساء.

أما بيانات وزارة الداخلية، فتصعد بشكل حادّ: من 376 حالة في 2015 إلى 1,073 حالة في 2022، وفي النصف الأوّل من 2023 فقط، تجاوزت المحاولات 700 حالة، منها نحو 400 لفتيات. 

هذه الأرقام تضع العراق في مواجهة أزمة حقيقية، حيث تتقاطع الأزمات النفسية والاجتماعية مع غياب الحماية القانونية.

قصص من الذاكرة القريبة

 ملاك الزبيدي (2020): أضرمت النار في جسدها بعد تعنيفها في بيت الزوجيّة، ورحلت وسط موجة غضب شعبية ضدّ العنف الأسري. 

طالبة جامعة الإمام جعفر الصادق (2025): أنهت حياتها داخل الحرم الجامعي وسط جدل حول ضغوط مالية ونفسية، رغم نفي الجامعة أي مسؤوليّة.

فاطمة زياد (2018): تركت رسالة مؤلمة على “فيسبوك” عن قسوة الحياة العائلية قبل أن تُقدم على الانتحار.

كلّ قصّة من هذه القصص هي مرآة لآلاف القصص الأخرى، التي لم تصل إلى الإعلام، ولم يتقصّ أحد عنها، لكنّها تعيش في ذاكرة أحياء وأسر بكاملها.

أحلام لم يُكتب لها أن تكتمل

كانت بان زياد تحلم وتعمل على إعادة  الحياة لمن يطاردهم الاكتئاب واليأس. ملاك الزبيدي كانت تريد أن تُكمل تعليمها الجامعي، وأن تصبح معلّمة تربّي الأجيال على المحبّة لا العنف. فاطمة زياد كانت ترسم على دفاترها صوراً لبيت صغير يطلّ على حديقة، تحلم بحياة هادئة بعيداً عن الصراخ والقيود.

لكنّ هذه الأحلام أُطفئت فجأة، ليس لأن القدر كان قاسياً، بل لأن المجتمع كان أقسى، كلّ واحدة منهن كانت تحمل مشروع حياة، وأملاً بمستقبل مختلف، لكنّ العنف كان أسرع من أحلامهن، والقانون أبطأ من إنقاذهن.

في العراق، تُقتل المرأة بآلاف الطرق: برصاص طائش في نزاع عشائري، في جريمة “شرف” مزعومة على يد زوج عنيف، أو بتمثيلية انتحار مدبّرة،  ثم تختفي قصّتها في تقارير الشرطة، أو تتحوّل إلى “حالة” في تقرير إحصائي دولي.

لكن إذا أرادت أن تحيا بسلام، تجد الأبواب مغلقة: لا مراكز إيواء آمنة، لا قوانين حازمة تحميها، لا فرص عمل تمنحها استقلالاً مادّياً، ولا بيئة اجتماعية تتقبّل فكرة أن حياتها ملك لها وحدها. وكأن المعادلة وُضعت عمداً: كلّ الطرق مفتوحة نحو الموت، ولا طريق واحد مفتوح نحو الحياة.

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد كلّ مأساة: إلى متى سيستمرّ هذا العنف الذي يلتهم النساء العراقيات بصمت؟ الجواب ليس بسيطاً، لأنه يرتبط بجذور عميقة في المجتمع، تبدأ من البيت حيث يتربّى الذكر على أنه صاحب السلطة المطلقة، وتمتدّ إلى العشيرة التي تبرّر القتل إذا ارتبط بما يسمّى “الشرف”، وتنتهي عند القانون الذي يترك ثغرات كافية ليفلت المجرم من العقاب.

العنف ضدّ النساء في العراق ليس مجرّد سلوك فردي منحرف، بل بنية متكاملة من القبول والتشجيع المجتمعي والسكوت المؤسّسي. وحين يكون الصمت هو القاعدة، تصبح الجريمة جزءاً من “النظام الطبيعي” للحياة.

الاستمرار في هذا المسار يعني أننا نُشرعن مستقبلاً مملوءاً بالضحايا، ونؤسّس لجيل جديد يعتبر العنف وسيلة مشروعة لحلّ النزاعات، أو فرض السيطرة.

التغيير لن يأتي من بيانات التعاطف، ولا من التصريحات الموسمية بعد كلّ جريمة، بل من إرادة سياسية وتشريعية ومجتمعية تتعامل مع العنف ضدّ النساء كجريمة ضدّ المجتمع والدولة، لا كمسألة عائلية تُحلّ داخل الجدران.

في العراق، بات قتل الروح أمراً عادياً، لأنه يحدث ببطء وفي وضح النهار، دون أن يسمّيه أحد باسمه، تتجرّد المرأة من حقّها في الحلم، في الاختيار، في أن تكون صاحبة قرار في حياتها، فيتحوّل وجودها إلى مجرّد ” وظيفة” تؤدّيها للآخرين. ومع الوقت، تصبح القسوة جزءاً من الروتين.

الهوان الذي أصاب قيمة الروح الإنسانية سببه تطبيع العنف، من المسلسلات التي تبرّر ضرب الزوجة، إلى المناهج التي لا تذكر كلمة عن المساواة، إلى الخطابات الدينية والاجتماعية التي تمنح القاتل غطاءً أخلاقياً.

وحين يصبح هذا القبول جماعياً، يصبح القتل الجسدي مجرّد خطوة أخيرة في سلسلة طويلة من جرائم قتل الروح، التي لا يحاسب عليها أحد.

القوانين العراقية، بدل أن تكون درعاً يحمي الضحايا، تتحوّل أحياناً إلى مظلّة للجناة. فموادّ مثل المادّتين 409 و410 من قانون العقوبات، تسمحان بتخفيف العقوبة أو حتى الإعفاء في جرائم قتل تُرتكب بدعوى “الدفاع عن الشرف”، ما يجعل حياة المرأة رخيصة أمام الأعراف العشائرية والنظرة المجتمعية المتجذّرة. إضافة إلى ذلك، تسمح المادّة 41 بتخفيض العقوبة في حالات يزعم فيها الجاني تأثرّه بغضب مفاجئ، أو حالة نفسية مؤقّتة، مما يُسهّل الإفلات من العقاب في العديد من قضايا العنف ضدّ النساء. 

ورغم صدور قانون حماية الأسرة (2019) لا يزال التطبيق ضعيفاً، ولا يوفّر حماية كافية للنساء من العنف الجسدي والنفسي، مما يعزّز ثقافة الإفلات من العقاب ويعمّق مآسي الضحايا.

ما يحدث اليوم ليس مجرّد سلسلة من الحوادث الفردية، بل ظاهرة عنف ممنهج ضدّ النساء، يشارك في استمرارها ضعف القانون، وغياب مؤسّسات حماية فعّالة، وصمت المجتمع.

كمجتمع وإعلام وقضاء، نحن أمام مفترق طرق: إما أن نواجه هذه الظاهرة بتشريعات صارمة تحمي النساء من العنف الأسري دون استثناء أو مبرّر، وإما أن نستمرّ في إعداد المزيد من “الإحصائيات”.

تجادل حقوقيات ومنظّمات نسوية بأن المطلوب اليوم، تعديل القوانين لتكون منصفة بحقّ النساء، وتمنع التمييز المثبت، وإلغاء الأعذار المخفّفة لجرائم قتل النساء، وإنشاء ملاجئ وخطوط طوارئ في كلّ محافظة لحماية المعرّضات للخطر، ومحاسبة المسؤولين الذين يتهاونون في قضايا العنف الأسري.

السكوت عن قتل النساء، أكان برصاصة، أو بحبل شنق، أو برواية “انتحار” ملفّقة، هو تمهيد لجرائم جديدة. فالصمت، في مثل هذه القضايا، لا يُوقف النزيف، بل يسمح له بالتمدّد.