ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بتول علوش أمام الكاميرات: حين لا يكفي نفي الخطف لإغلاق السؤال

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما طغى في اللقاء لم يكن صوت بتول، بل صوت الرجال المحيطين بها. بدا المشهد أقرب إلى استجواب تُستَنطق فيه الشابة لا إلى مساحة تُمنح لها لتروي قصتها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لعلّ قضية الشابة السورية بتول سليمان علوش طُويت، أو أُريد لها أن تُطوى، بعد تكرار ظهورها العلني وقولها إنها ليست مخطوفة ولا “سبيّة”، وإنها اختارت الانتقال إلى حياة وقناعة مختلفتين.

لكن القضايا التي تُغلق تحت ضغط الكاميرا لا تنتهي بالضرورة. فما تراكم حول بتول من روايات متضاربة، وفيديوهات متلاحقة لها ولوالديها، وخطاب ديني وطائفي وحقوقي متشابك، لا يزال يحتاج إلى تدقيق وتأمل، لا سيما في الطريقة التي قُدمت بها “الحقيقة” إلى الجمهور.

ولعلّ أكثر ما يستحق التوقف عنده هو ذلك اللقاء الصحافي الذي نُظّم على عجل، بعد منتصف الليل، لتثبيت رواية واحدة، وهي أن بتول ليست مخطوفة، ولا سبيّة، وهي تتحدث بإرادتها. غير أن شكل اللقاء، وتوقيته، وتركيبته، وطريقة إدارة الكلام فيه، فتحت أسئلة أكبر من الإجابات التي حاولت تقديمها.

في الثانية والنصف فجراً تقريباً، جلست بتول وحدها أمام صفّ من الرجال والوجهاء والصحافيين. كانت هي موضوع اللقاء، لكنها لم تكن صاحبة المساحة الأوسع فيه. سُئلت إن كانت مخطوفة، فأجابت: “أكيد لا”. وقالت إنها بخير، وإنها خرجت من منزل عائلتها ومن جامعتها بإرادتها. لكن بين الإجابة القصيرة والمشهد المحيط بها، برز السؤال الأهم: هل يكفي ظهور امرأة أمام الكاميرات، وسط هذا الاختلال الواضح في موازين القوة، كي نعتبر أن صوتها وصل حرّاً؟

بحسب ما نُشر عن القضية، نفت السلطات السورية وجود جرم خطف بحق بتول، وقال المحامي العام في اللاذقية إن التحقيقات الأولية أظهرت أن مغادرتها منزل عائلتها تمت بمحض إرادتها ولأسباب تتعلق بمعتقدها الديني. 

في المقابل، تمسكت عائلتها، في أكثر من ظهور، برواية القلق والخطف والضغط، وطالبت بإعادتها. هكذا تحولت قصة شابة سورية من شأن شخصي وعائلي إلى قضية رأي عام مشحونة بالدين والطائفة والجندر والخوف، في سياق تكررت خلاله حالات خطف واختفاء نساء وفتيات من الطائفة العلوية على مدى أكثر من عام مضى. 

غير أن السؤال الحقوقي لا يتوقف عند الرواية الرسمية وحدها، ولا عند رواية العائلة وحدها. فحرية الإرادة لا تُقاس فقط بما تقوله امرأة أمام كاميرا، ولا بما يقوله أهلها عنها، ولا بما تعلنه السلطة. في القضايا الحساسة، خصوصاً حين تكون المرأة واقعة بين ضغط العائلة، وضغط الجماعة، وضغط المجتمع، وضغط السلطة، يصبح السؤال الأساسي: هل أُتيحت لها مساحة آمنة، خاصة، ومحايدة لتتكلم؟ وهل كان بوسعها أن تقول “لا” لأي طرف من الأطراف من دون خوف؟

هذا ما يجعل اللقاء الصحافي مع بتول، لا مضمون كلامها وحده، مادة أساسية للتحليل. فاللقاء لم يكن مجرد ظهور إعلامي عابر، بل كان مسرحاً مكتمل العناصر لاختبار معنى “الصوت” حين يُنتزع من صاحبته ويُعاد إنتاجه عبر الآخرين.

العنف الرمزي: حين يُصادر الصوت باسم الحماية

يُعرّف بيار بورديو العنف الرمزي بأنه شكل من أشكال الهيمنة غير المباشرة، يُمارَس عبر اللغة والعادات والصور والمؤسسات الاجتماعية، بحيث يبدو طبيعياً ومقبولاً، بدل أن يظهر كعنف صريح. هو عنف لا يعتمد بالضرورة على القوة الجسدية، بل على فرض معانٍ وقيم تجعل الطرف الخاضع يتقبّل موقعه، أو يعجز عن رؤية الهيمنة بوصفها هيمنة أصلاً.

من هذه الزاوية، لا نحتاج إلى أن نرى بتول مكبّلة اليدين أو معصوبة العينين لنطرح سؤال العنف. يكفي أن نرى كيف نُظّم المشهد، إذ رأينا شابة وحيدة في مواجهة حشد من الرجال والوجهاء والكاميرات، تتحدث لدقائق متقطعة، فيما يتولى آخرون شرح قصتها وتفسير نياتها وتحديد معنى كلامها. خلال نصف ساعة من اللقاء، لم يتجاوز مجموع ما تحدثته بتول الدقائق القليلة في مقابل أصوات من سألوها، بل وحسموا الإجابات قبلها.

ما طغى في اللقاء لم يكن صوت بتول، بل صوت الرجال المحيطين بها. بدا المشهد أقرب إلى استجواب تُستَنطق فيه الشابة لا إلى مساحة تُمنح لها لتروي قصتها. وحتى حين وُجّهت إليها الأسئلة، لم تكن دائماً متروكة لتجيب بحرية كاملة. كانت المقاطعات، والتوضيحات، والتدخلات، حاضرة بما يكفي لتجعل صوتها حاضراً وغائباً في الوقت نفسه.

في مثل هذا السياق، يصبح الصمت نفسه دالاً. ليس لأننا نستطيع الجزم بما كانت تفكر فيه بتول أو تشعر به، بل لأن البيئة التي أُنتج فيها الكلام لم تكن بيئة متكافئة. فالمرأة التي يُطلب منها أن تثبت حريتها أمام حشد من الرجال لا تكون في مساحة محايدة. وحين يصبح عليها أن تنفي الخطف والسبي والضغط دفعة واحدة، أمام جمهور يراقبها ويحاكم صدقيتها، فإن السؤال لا يعود: ماذا قالت فقط؟ بل تحت أي شروط قيل هذا الكلام؟

هنا يمكن استدعاء ما كتبته الباحثة النسوية ساندرا لي بارتكي عن انضباط الجسد الأنثوي. فالنساء لا يُضبطن بالقوة المباشرة فقط، بل عبر تدريب طويل على تصغير الحضور من خلال خفض الصوت، ضبط الحركة، تجنب المقاطعة، الجلوس بهدوء، والانتباه الدائم إلى نظرة الآخرين. في لقاء بتول، بدا هذا الانضباط حاضراً في شكل المشهد نفسه، فظهرت امرأة يُطلب منها الكلام، لكن ضمن حدود مرسومة سلفاً ممّن يملكون المكان والكاميرا والسؤال.

لم يكن صوت بتول وحده موضع استحواذ. جسدها أيضاً تحوّل إلى جزء من المشهد العام. فاللقاء لم يتعامل معها فقط كشخص يُفترض الاستماع إليه، بل كدليل يجب فحصه أمام الناس.

في واحدة من أكثر لحظات اللقاء دلالة، تقدمت إحدى الصحافيات نحو بتول ووضعت يديها في أذنيها لتثبت، أمام الكاميرا، أنه لا توجد سماعات تلقّنها الكلام لتردّ على كلام كانت قالته والدة بتول بأن ابنتها ترتدي سماعات وهناك من يلقنها الكلام. لم تسأل بتول عن السماعات ولم يطلب منها إذن للمس رأسها وأذنيها، وتصرفت الصحافية وكأنها تملك الحق في الاقتراب وهزّ رأس الشابة وكأنها ملكية عامة… كان الهدف المعلن نفي التلقين، لكن الفعل نفسه كشف مقدار الاستباحة، فظهر جسد امرأة وهو يُفحص علناً لإقناع الجمهور بأنها تتكلم من تلقاء نفسها.

هذه اللحظة تختصر كثيراً من العنف الرمزي الذي حاول اللقاء إنكاره. فبدلاً من توفير مساحة آمنة لبتول كي تتحدث، حُوِّل جسدها إلى وسيلة إثبات. وبدلاً من احترام خصوصيتها، تم التعامل معها كموضوع للتفتيش البصري والحسي، وكأن جسدها لم يعد ملكاً لها، بل أصبح ملكاً للرواية التي يريد الآخرون تثبيتها.

في اللقاء، قال أحد الوجهاء الجالسين إلى جانب بتول: “أنتِ شرفنا وعرضنا، ونحن جالسون لندافع عن شرفنا وعرضنا ونسائنا”. هذه العبارة ليست تفصيلاً لغوياً، إنها تكشف البنية التي تُحاصر بتول وأي امرأة في موقع مشابه.

حين تُعرّف المرأة بوصفها “شرفاً” و”عرضاً”، لا تعود فرداً قانونياً كاملاً يملك حق القرار والاختيار، بل تتحول إلى رمز جماعي. جسدها لا يعود جسدها وحدها، وصوتها لا يعود صوتها وحدها، وقرارها لا يعود قرارها وحدها. تصبح ممثلة للعائلة، للطائفة، للرجال، للهوية، وللمعركة الرمزية بين الجماعات.

هنا تتجاوز القضية سؤال: هل غادرت بتول بإرادتها أم لا، إلى سؤال أوسع: لماذا يُسمح لكل هؤلاء بأن يتكلموا عبرها وعنها وحولها؟ لماذا يصبح جسد امرأة شابة ميداناً لإثبات كرامة جماعة أو هزيمتها؟

هذا التحويل من الفرد إلى الرمز هو أحد أكثر أشكال العنف الرمزي قسوة. فهو لا يلغي المرأة فقط عبر إسكاتها، بل عبر تحميلها معنى أكبر منها. تصبح بتول، في لحظة واحدة، “المخطوفة” في رواية، و”المهتدية” في رواية ثانية، أما بتول الإنسانة، صاحبة الحق في الخصوصية، وفي الحماية، وفي الكلام بعيداً عن ضغط الجميع، فتكاد تختفي.

السلطة الناعمة وانضباط المشهد

تساعد أفكار ميشال فوكو في قراءة هذا النوع من المشاهد، خصوصاً في ما يتعلق بالانضباط والسلطة الناعمة. فالسلطة لا تعمل دائماً عبر القمع المباشر أو الأوامر الصريحة، بل عبر ترتيب المكان، وتنظيم الكلام، وتحديد من يسأل ومن يجيب، ومن يشرح ومن يصمت، ومن يظهر في موقع القوة، ومن يظهر في موقع الدفاع عن نفسه.

في لقاء بتول، لم يكن العنف في الكلمات وحدها، بل في هندسة المشهد كله. المكان لم يكن محايداً، التوقيت لم يكن عادياً، الحضور لم يكن متوازناً. والشابة التي يفترض أن تكون صاحبة القضية جلست في موقع من عليه أن يثبت براءته من روايات الآخرين عنها.

هذه هي السلطة الناعمة في أبسط صورها، فهي سلطة لا تحتاج إلى التهديد العلني كي تفرض إيقاعها. يكفي أن تجعل الشخص يراقب نفسه بنفسه، يزن كلماته، يخفض صوته، يتجنب ما قد يثير غضب المحيطين به، ويقول ما يبدو مقبولاً داخل اللحظة. لا يعني ذلك بالضرورة أن كل كلمة قالتها بتول كانت مفروضة عليها، لكنه يعني أن شروط الكلام لم تكن شروطاً حرة بما يكفي.

من هنا، تبدو خطورة تصديق اللقاء بوصفه نهاية للقضية. فالمشكلة ليست في أن نصدق بتول أو لا نصدقها، بل في أن يُطلب من الجمهور اعتبار هذا الظهور العلني دليلاً نهائياً على حرية إرادتها. الإرادة الحرة لا تُختبر أمام حشد، ولا تحت ضغط الكاميرات، ولا في حضور من يملكون سلطة اجتماعية أو دينية أو أمنية أو عائلية عليها.

لا يمكن التعامل مع قضية بتول خارج السياق السوري الأوسع. فالخوف على النساء، وخصوصاً في الساحل السوري، لم ينشأ من فراغ. هناك تقارير وتحذيرات حقوقية عن اختفاء نساء وفتيات، وهناك أيضاً عنف مسلح وخطاب طائفي، وفي مثل هذا المناخ، تصبح كل قصة فردية قابلة للانفجار الرمزي.

لكن هذا السياق، مهما كان ثقيلاً، لا يبرر مصادرة صوت بتول من أي جهة. لا يحق للعائلة أن تلغي احتمال اختيارها. ولا يحق للسلطة أو الوجهاء أن يحوّلوا ظهورها إلى مشهد إثبات سياسي واجتماعي. ولا يحق للجمهور أن يتعامل معها كبرهان على رواية جاهزة، سواء كانت رواية “السبي” أو رواية “الاختيار الحر” أو رواية “الهداية”.

الموقع الحقوقي الأكثر اتزاناً هو أن نرفض تحويل بتول إلى أداة في يد الجميع. أن نقول إن لها حقاً في الاختيار، وحقاً في تغيير معتقدها، وحقاً في عدم العودة إلى عائلتها إن كانت لا تريد ذلك. وفي الوقت نفسه، لها حق في الحماية من الضغط، وفي الخصوصية، وفي أن تُسمع بعيداً عن الكاميرات والوجهاء والعائلة والشارع الغاضب.

بهذا المعنى، لا تكون حماية بتول بإجبارها على العودة، ولا بعرضها على الناس لإثبات أنها لا تريد العودة. الحماية الحقيقية تكون بإخراجها من الاستعراض العام، ومنحها مساحة مستقلة وآمنة، بحضور قانوني وحقوقي محايد، تُمكّنها من الكلام بلا خوف من أي طرف.

لكن ماذا بقي من صورة المؤتمر الصحافي؟

بقيت صورة شابة وحيدة في مواجهة جماعة. بقي صوتها الخافت الموجز وسط أصوات أكثر صخباً وحدّة. بقي جسدها موضوعاً للفحص، وبقيت الحقيقة معلّقة بين روايات كثيرة، كل واحدة منها تريد امتلاكها.

في نهاية الأمر، قالت بتول أمام الكاميرات: “أنا طلعت بإرادتي، وأنا بخير، ماني متل ما عم تطلع الشائعات إني مخطوفة أو سبيّة”. جملة كان يُراد لها أن تُغلق القضية، وأن تنهي الشك، وأن تثبت أن كل ما قيل حولها كان سوء فهم أو شائعة أو تحريضاً.

لكن الجملة نفسها، حين تُقال في ذلك المكان، وفي ذلك التوقيت، ووسط ذلك الحضور، لا يمكن فصلها عن شروط إنتاجها. ليست المشكلة في تكذيب بتول أو نزع حقها في الاختيار، بل في تحويل اختيارها المفترض إلى مشهد عام تُديره سلطة رجال ووجهاء وكاميرات. فالصوت لا يصبح حراً فقط لأنه سُمع، والكلام لا يصبح دليلاً نهائياً فقط لأنه قيل علناً.

قضية بتول علوش ليست فقط سؤالاً عما إذا كانت مخطوفة أم لا. إنها سؤال عن الطريقة التي يُنتزع بها صوت النساء ثم يُعاد تقديمه بوصفه دليلاً على حريتهن. سؤال عن الجسد حين يصبح ميداناً لإثبات شرف الجماعة أو نفي تهمة عنها، وسؤال عن مجتمع لا يزال يطلب من المرأة أن تبرهن، أمام الرجال والكاميرات، أنها تملك نفسها.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
15.05.2026
زمن القراءة: 8 minutes

ما طغى في اللقاء لم يكن صوت بتول، بل صوت الرجال المحيطين بها. بدا المشهد أقرب إلى استجواب تُستَنطق فيه الشابة لا إلى مساحة تُمنح لها لتروي قصتها.

لعلّ قضية الشابة السورية بتول سليمان علوش طُويت، أو أُريد لها أن تُطوى، بعد تكرار ظهورها العلني وقولها إنها ليست مخطوفة ولا “سبيّة”، وإنها اختارت الانتقال إلى حياة وقناعة مختلفتين.

لكن القضايا التي تُغلق تحت ضغط الكاميرا لا تنتهي بالضرورة. فما تراكم حول بتول من روايات متضاربة، وفيديوهات متلاحقة لها ولوالديها، وخطاب ديني وطائفي وحقوقي متشابك، لا يزال يحتاج إلى تدقيق وتأمل، لا سيما في الطريقة التي قُدمت بها “الحقيقة” إلى الجمهور.

ولعلّ أكثر ما يستحق التوقف عنده هو ذلك اللقاء الصحافي الذي نُظّم على عجل، بعد منتصف الليل، لتثبيت رواية واحدة، وهي أن بتول ليست مخطوفة، ولا سبيّة، وهي تتحدث بإرادتها. غير أن شكل اللقاء، وتوقيته، وتركيبته، وطريقة إدارة الكلام فيه، فتحت أسئلة أكبر من الإجابات التي حاولت تقديمها.

في الثانية والنصف فجراً تقريباً، جلست بتول وحدها أمام صفّ من الرجال والوجهاء والصحافيين. كانت هي موضوع اللقاء، لكنها لم تكن صاحبة المساحة الأوسع فيه. سُئلت إن كانت مخطوفة، فأجابت: “أكيد لا”. وقالت إنها بخير، وإنها خرجت من منزل عائلتها ومن جامعتها بإرادتها. لكن بين الإجابة القصيرة والمشهد المحيط بها، برز السؤال الأهم: هل يكفي ظهور امرأة أمام الكاميرات، وسط هذا الاختلال الواضح في موازين القوة، كي نعتبر أن صوتها وصل حرّاً؟

بحسب ما نُشر عن القضية، نفت السلطات السورية وجود جرم خطف بحق بتول، وقال المحامي العام في اللاذقية إن التحقيقات الأولية أظهرت أن مغادرتها منزل عائلتها تمت بمحض إرادتها ولأسباب تتعلق بمعتقدها الديني. 

في المقابل، تمسكت عائلتها، في أكثر من ظهور، برواية القلق والخطف والضغط، وطالبت بإعادتها. هكذا تحولت قصة شابة سورية من شأن شخصي وعائلي إلى قضية رأي عام مشحونة بالدين والطائفة والجندر والخوف، في سياق تكررت خلاله حالات خطف واختفاء نساء وفتيات من الطائفة العلوية على مدى أكثر من عام مضى. 

غير أن السؤال الحقوقي لا يتوقف عند الرواية الرسمية وحدها، ولا عند رواية العائلة وحدها. فحرية الإرادة لا تُقاس فقط بما تقوله امرأة أمام كاميرا، ولا بما يقوله أهلها عنها، ولا بما تعلنه السلطة. في القضايا الحساسة، خصوصاً حين تكون المرأة واقعة بين ضغط العائلة، وضغط الجماعة، وضغط المجتمع، وضغط السلطة، يصبح السؤال الأساسي: هل أُتيحت لها مساحة آمنة، خاصة، ومحايدة لتتكلم؟ وهل كان بوسعها أن تقول “لا” لأي طرف من الأطراف من دون خوف؟

هذا ما يجعل اللقاء الصحافي مع بتول، لا مضمون كلامها وحده، مادة أساسية للتحليل. فاللقاء لم يكن مجرد ظهور إعلامي عابر، بل كان مسرحاً مكتمل العناصر لاختبار معنى “الصوت” حين يُنتزع من صاحبته ويُعاد إنتاجه عبر الآخرين.

العنف الرمزي: حين يُصادر الصوت باسم الحماية

يُعرّف بيار بورديو العنف الرمزي بأنه شكل من أشكال الهيمنة غير المباشرة، يُمارَس عبر اللغة والعادات والصور والمؤسسات الاجتماعية، بحيث يبدو طبيعياً ومقبولاً، بدل أن يظهر كعنف صريح. هو عنف لا يعتمد بالضرورة على القوة الجسدية، بل على فرض معانٍ وقيم تجعل الطرف الخاضع يتقبّل موقعه، أو يعجز عن رؤية الهيمنة بوصفها هيمنة أصلاً.

من هذه الزاوية، لا نحتاج إلى أن نرى بتول مكبّلة اليدين أو معصوبة العينين لنطرح سؤال العنف. يكفي أن نرى كيف نُظّم المشهد، إذ رأينا شابة وحيدة في مواجهة حشد من الرجال والوجهاء والكاميرات، تتحدث لدقائق متقطعة، فيما يتولى آخرون شرح قصتها وتفسير نياتها وتحديد معنى كلامها. خلال نصف ساعة من اللقاء، لم يتجاوز مجموع ما تحدثته بتول الدقائق القليلة في مقابل أصوات من سألوها، بل وحسموا الإجابات قبلها.

ما طغى في اللقاء لم يكن صوت بتول، بل صوت الرجال المحيطين بها. بدا المشهد أقرب إلى استجواب تُستَنطق فيه الشابة لا إلى مساحة تُمنح لها لتروي قصتها. وحتى حين وُجّهت إليها الأسئلة، لم تكن دائماً متروكة لتجيب بحرية كاملة. كانت المقاطعات، والتوضيحات، والتدخلات، حاضرة بما يكفي لتجعل صوتها حاضراً وغائباً في الوقت نفسه.

في مثل هذا السياق، يصبح الصمت نفسه دالاً. ليس لأننا نستطيع الجزم بما كانت تفكر فيه بتول أو تشعر به، بل لأن البيئة التي أُنتج فيها الكلام لم تكن بيئة متكافئة. فالمرأة التي يُطلب منها أن تثبت حريتها أمام حشد من الرجال لا تكون في مساحة محايدة. وحين يصبح عليها أن تنفي الخطف والسبي والضغط دفعة واحدة، أمام جمهور يراقبها ويحاكم صدقيتها، فإن السؤال لا يعود: ماذا قالت فقط؟ بل تحت أي شروط قيل هذا الكلام؟

هنا يمكن استدعاء ما كتبته الباحثة النسوية ساندرا لي بارتكي عن انضباط الجسد الأنثوي. فالنساء لا يُضبطن بالقوة المباشرة فقط، بل عبر تدريب طويل على تصغير الحضور من خلال خفض الصوت، ضبط الحركة، تجنب المقاطعة، الجلوس بهدوء، والانتباه الدائم إلى نظرة الآخرين. في لقاء بتول، بدا هذا الانضباط حاضراً في شكل المشهد نفسه، فظهرت امرأة يُطلب منها الكلام، لكن ضمن حدود مرسومة سلفاً ممّن يملكون المكان والكاميرا والسؤال.

لم يكن صوت بتول وحده موضع استحواذ. جسدها أيضاً تحوّل إلى جزء من المشهد العام. فاللقاء لم يتعامل معها فقط كشخص يُفترض الاستماع إليه، بل كدليل يجب فحصه أمام الناس.

في واحدة من أكثر لحظات اللقاء دلالة، تقدمت إحدى الصحافيات نحو بتول ووضعت يديها في أذنيها لتثبت، أمام الكاميرا، أنه لا توجد سماعات تلقّنها الكلام لتردّ على كلام كانت قالته والدة بتول بأن ابنتها ترتدي سماعات وهناك من يلقنها الكلام. لم تسأل بتول عن السماعات ولم يطلب منها إذن للمس رأسها وأذنيها، وتصرفت الصحافية وكأنها تملك الحق في الاقتراب وهزّ رأس الشابة وكأنها ملكية عامة… كان الهدف المعلن نفي التلقين، لكن الفعل نفسه كشف مقدار الاستباحة، فظهر جسد امرأة وهو يُفحص علناً لإقناع الجمهور بأنها تتكلم من تلقاء نفسها.

هذه اللحظة تختصر كثيراً من العنف الرمزي الذي حاول اللقاء إنكاره. فبدلاً من توفير مساحة آمنة لبتول كي تتحدث، حُوِّل جسدها إلى وسيلة إثبات. وبدلاً من احترام خصوصيتها، تم التعامل معها كموضوع للتفتيش البصري والحسي، وكأن جسدها لم يعد ملكاً لها، بل أصبح ملكاً للرواية التي يريد الآخرون تثبيتها.

في اللقاء، قال أحد الوجهاء الجالسين إلى جانب بتول: “أنتِ شرفنا وعرضنا، ونحن جالسون لندافع عن شرفنا وعرضنا ونسائنا”. هذه العبارة ليست تفصيلاً لغوياً، إنها تكشف البنية التي تُحاصر بتول وأي امرأة في موقع مشابه.

حين تُعرّف المرأة بوصفها “شرفاً” و”عرضاً”، لا تعود فرداً قانونياً كاملاً يملك حق القرار والاختيار، بل تتحول إلى رمز جماعي. جسدها لا يعود جسدها وحدها، وصوتها لا يعود صوتها وحدها، وقرارها لا يعود قرارها وحدها. تصبح ممثلة للعائلة، للطائفة، للرجال، للهوية، وللمعركة الرمزية بين الجماعات.

هنا تتجاوز القضية سؤال: هل غادرت بتول بإرادتها أم لا، إلى سؤال أوسع: لماذا يُسمح لكل هؤلاء بأن يتكلموا عبرها وعنها وحولها؟ لماذا يصبح جسد امرأة شابة ميداناً لإثبات كرامة جماعة أو هزيمتها؟

هذا التحويل من الفرد إلى الرمز هو أحد أكثر أشكال العنف الرمزي قسوة. فهو لا يلغي المرأة فقط عبر إسكاتها، بل عبر تحميلها معنى أكبر منها. تصبح بتول، في لحظة واحدة، “المخطوفة” في رواية، و”المهتدية” في رواية ثانية، أما بتول الإنسانة، صاحبة الحق في الخصوصية، وفي الحماية، وفي الكلام بعيداً عن ضغط الجميع، فتكاد تختفي.

السلطة الناعمة وانضباط المشهد

تساعد أفكار ميشال فوكو في قراءة هذا النوع من المشاهد، خصوصاً في ما يتعلق بالانضباط والسلطة الناعمة. فالسلطة لا تعمل دائماً عبر القمع المباشر أو الأوامر الصريحة، بل عبر ترتيب المكان، وتنظيم الكلام، وتحديد من يسأل ومن يجيب، ومن يشرح ومن يصمت، ومن يظهر في موقع القوة، ومن يظهر في موقع الدفاع عن نفسه.

في لقاء بتول، لم يكن العنف في الكلمات وحدها، بل في هندسة المشهد كله. المكان لم يكن محايداً، التوقيت لم يكن عادياً، الحضور لم يكن متوازناً. والشابة التي يفترض أن تكون صاحبة القضية جلست في موقع من عليه أن يثبت براءته من روايات الآخرين عنها.

هذه هي السلطة الناعمة في أبسط صورها، فهي سلطة لا تحتاج إلى التهديد العلني كي تفرض إيقاعها. يكفي أن تجعل الشخص يراقب نفسه بنفسه، يزن كلماته، يخفض صوته، يتجنب ما قد يثير غضب المحيطين به، ويقول ما يبدو مقبولاً داخل اللحظة. لا يعني ذلك بالضرورة أن كل كلمة قالتها بتول كانت مفروضة عليها، لكنه يعني أن شروط الكلام لم تكن شروطاً حرة بما يكفي.

من هنا، تبدو خطورة تصديق اللقاء بوصفه نهاية للقضية. فالمشكلة ليست في أن نصدق بتول أو لا نصدقها، بل في أن يُطلب من الجمهور اعتبار هذا الظهور العلني دليلاً نهائياً على حرية إرادتها. الإرادة الحرة لا تُختبر أمام حشد، ولا تحت ضغط الكاميرات، ولا في حضور من يملكون سلطة اجتماعية أو دينية أو أمنية أو عائلية عليها.

لا يمكن التعامل مع قضية بتول خارج السياق السوري الأوسع. فالخوف على النساء، وخصوصاً في الساحل السوري، لم ينشأ من فراغ. هناك تقارير وتحذيرات حقوقية عن اختفاء نساء وفتيات، وهناك أيضاً عنف مسلح وخطاب طائفي، وفي مثل هذا المناخ، تصبح كل قصة فردية قابلة للانفجار الرمزي.

لكن هذا السياق، مهما كان ثقيلاً، لا يبرر مصادرة صوت بتول من أي جهة. لا يحق للعائلة أن تلغي احتمال اختيارها. ولا يحق للسلطة أو الوجهاء أن يحوّلوا ظهورها إلى مشهد إثبات سياسي واجتماعي. ولا يحق للجمهور أن يتعامل معها كبرهان على رواية جاهزة، سواء كانت رواية “السبي” أو رواية “الاختيار الحر” أو رواية “الهداية”.

الموقع الحقوقي الأكثر اتزاناً هو أن نرفض تحويل بتول إلى أداة في يد الجميع. أن نقول إن لها حقاً في الاختيار، وحقاً في تغيير معتقدها، وحقاً في عدم العودة إلى عائلتها إن كانت لا تريد ذلك. وفي الوقت نفسه، لها حق في الحماية من الضغط، وفي الخصوصية، وفي أن تُسمع بعيداً عن الكاميرات والوجهاء والعائلة والشارع الغاضب.

بهذا المعنى، لا تكون حماية بتول بإجبارها على العودة، ولا بعرضها على الناس لإثبات أنها لا تريد العودة. الحماية الحقيقية تكون بإخراجها من الاستعراض العام، ومنحها مساحة مستقلة وآمنة، بحضور قانوني وحقوقي محايد، تُمكّنها من الكلام بلا خوف من أي طرف.

لكن ماذا بقي من صورة المؤتمر الصحافي؟

بقيت صورة شابة وحيدة في مواجهة جماعة. بقي صوتها الخافت الموجز وسط أصوات أكثر صخباً وحدّة. بقي جسدها موضوعاً للفحص، وبقيت الحقيقة معلّقة بين روايات كثيرة، كل واحدة منها تريد امتلاكها.

في نهاية الأمر، قالت بتول أمام الكاميرات: “أنا طلعت بإرادتي، وأنا بخير، ماني متل ما عم تطلع الشائعات إني مخطوفة أو سبيّة”. جملة كان يُراد لها أن تُغلق القضية، وأن تنهي الشك، وأن تثبت أن كل ما قيل حولها كان سوء فهم أو شائعة أو تحريضاً.

لكن الجملة نفسها، حين تُقال في ذلك المكان، وفي ذلك التوقيت، ووسط ذلك الحضور، لا يمكن فصلها عن شروط إنتاجها. ليست المشكلة في تكذيب بتول أو نزع حقها في الاختيار، بل في تحويل اختيارها المفترض إلى مشهد عام تُديره سلطة رجال ووجهاء وكاميرات. فالصوت لا يصبح حراً فقط لأنه سُمع، والكلام لا يصبح دليلاً نهائياً فقط لأنه قيل علناً.

قضية بتول علوش ليست فقط سؤالاً عما إذا كانت مخطوفة أم لا. إنها سؤال عن الطريقة التي يُنتزع بها صوت النساء ثم يُعاد تقديمه بوصفه دليلاً على حريتهن. سؤال عن الجسد حين يصبح ميداناً لإثبات شرف الجماعة أو نفي تهمة عنها، وسؤال عن مجتمع لا يزال يطلب من المرأة أن تبرهن، أمام الرجال والكاميرات، أنها تملك نفسها.