ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“بحقّ فاطمة وأبيها”: كيف تحوّل منبر صلاة عيد إلى معركة هويّة وكرامة مصرية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حين وقعت الحرب الحالية، فوجئ الشارع الخليجي بأن علاقته بالقاهرة لم ترتقِ يوماً إلى مستوى التحالف الدفاعي الصلب. نعم، هناك شراكات اقتصادية وسياسية عميقة، لكن لا عقيدة قتالية مشتركة ولا تخطيط عسكري مشترك سابق يمكن استدعاؤه. هذا القرار – قرار غياب التحالف – كان إرادة خليجية بالدرجة الأولى، وربما يدفع ثمنه اليوم أهل الخليج في شعورهم بوحدة المواجهة، فمن يزرع التفرقة يحصد العزلة ولو كان محاطاً بالأصدقاء ظاهرياً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

داخل قاعة مسجد “الفتّاح العليم” المهيبة، حيث كان الرئيس عبد الفتّاح السيسي يصلّي عيد الفطر، لم يكن يخطر ببال أحد أن تتحول خطبة العيد إلى حديث الساعة سياسياً. ألقى الخطيب سيّد عبد الباري دعاءً محفوظاً في الوجدان الصوفي المصري منذ قرون، يستحضر آل بيت النبي، قال فيه: “اللهمّ بحقّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسرّ الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك”.

هذا الدعاء معروف في مصر ومنسوب للأولياء والصالحين، وجائز بالمفهوم الشرعي باتّفاق المذاهب السنّية الأربعة، كما أكّد علماء الأزهر في ردّهم على الجدل. لكنّ تزامنه مع حرب محتدمة بين تحالف أميركي– إسرائيلي وإيران، جعل منه مادّة ملتهبة، واعتبره بعض المعلّقين الخليجيين غزلاً مذهبياً من القاهرة تجاه طهران، حتى إن وزارة الأوقاف نفسها اضطرّت لتوضيح أن مصر تظلّ ملتزمة بهويّتها “السنّية” الوسطية ومحبّة آل البيت دون انحراف، وترفض توظيف الرموز الدينية في الصراعات السياسية والمذهبية.

المفارقة أن هذا الدعاء جزء أصيل من التراث الصوفي المصري منذ عهد الدولة الفاطمية وما بعدها، يتناقله المصريون في حضرات الذكر والمديح، بعيداً عن أي دلالة طائفية. لكنّ سنوات من التأثيرات الخارجية على الخطاب الديني – خصوصاً ما سُمّي بـ”الصحوة” المموّلة خليجياً منذ أواخر القرن العشرين – جعلت بعض المصريين أنفسهم يستغربون تراثهم ويخلطونه بالتشيّع. 

وهكذا وجد إمام أزهري نفسه متّهماً بالترويج للمذهب الشيعي، فقط لأنه دعا دعاء مأثوراً في الحضرة المصرية. الحادثة كشفت كيف أضحت النصوص الدينية ذخيرة سياسية يُطلقها من لا يعرف تاريخها على من لا يريد أن يعرفه، وكيف يمكن لجملة واحدة في خطبة عيد، أن تفجّر سجالاً إقليمياً حول ولاءات القاهرة في زمن الحرب.

وإزاء هذا السجال، حرصت الدولة المصرية على تأكيد خطابها الرسمي المتمسّك بالتضامن مع الخليج ضدّ أيّ اعتداء إيراني، مقروناً بدعوات التهدئة وعدم الانجرار إلى صراع أوسع. 

الجمع بين الإدانة العلنية لإيران وضبط النفس عن أيّ تصعيد عملي، هو خيط السياسة الرفيع الذي تمشي عليه القاهرة. فهويّة مصر الدينية والثقافية— بعمقها السنّي الصوفي—ليست للمساومة أو المزايدة، وفي الوقت نفسه، الأمن القومي المصري يفرض عدم السماح باستدراج الجيش إلى حرب لا تشبه المصريين ولا قرار لهم فيها. هذا التوازن الدقيق بدأ من فوق منبر العيد، لكنّه سرعان ما انعكس على نقاشات الشارع والمجالس الرسمية في مصر.

فؤاد الهاشم — عَرَضُ لمرض أعمق

بعد أيّام من سجال خطبة العيد، جاءت شرارة أخرى من خارج الحدود لتصبّ الزيت على نار الجدل. الكاتب والصحافي الكويتي فؤاد الهاشم نشر مقالاً لاذعاً يهاجم فيه الدولة المصرية وشعبها بعبارات مسيئة، واصفاً المصريين بـأوصاف مهينة ومشكّكاً في مواقف القاهرة خلال الحرب. أحدث المقال غضباً عارماً في مصر، واعتُبر إساءة بالغة تتجاوز النقد إلى الإهانة المتدنية للمصريين.

 الغريب أن أوّل من ردّ عليه لم تكن جهة مصرية، بل ابنته الشابّة فرح فؤاد الهاشم، التي خرجت معلنة براءتها من كلام والدها، ومؤكّدة حبّها لمصر واعتزازها بهويّتها العربية. 

قالت فرح: “أنا والوالد مش متفقين في آراء كتير… اللي بيهين مصر بيهين نفسه… وبشوف مقالة والدي إنها مسيئة للدولة المصرية والشعب المصري”، كما انتقدت استهزاء أبيها بسيّدات مصر (كان المقال تطرّق لفلاحة مصرية بسخرية مبتذلة) قائلة: “إن الفلاحة رمز لهويّة مصر ولا يجوز وصفها بتلك الطريقة”، هذه الصفعة الأخلاقية من الابنة لوالدها، لم تكن كافية لطيّ الصفحة في نظر المصريين.

سرعان ما تحرّكت مصر رسمياً وقضائياً، فقدم محامٍ مصري بلاغاً للنائب العامّ، وبدأت الجهات المختصّة تحقيقاً عاجلاً، أسفر عن إحالة فؤاد الهاشم إلى المحاكمة العاجلة أمام القضاء المصري بتهمة الإساءة لدولة شقيقة والشعب المصري. وحدّدت محكمة عابدين جلسة 30 حزيران/ يونيو 2026، لبدء محاكمته غيابياً. 

هذه الخطوة غير المسبوقة—محاكمة كاتب خليجي في المحاكم المصرية—جاءت على خلفية موجة تضامن شعبي ورسمي واسعة، لم تكن في مصر وحدها، بل في دول عربية أخرى أيضاً، رفضاً لمنطق الإهانة الذي صدر عن الكاتب.

لكن بعيداً عن شخص الهاشم ومقاله، رأت القاهرة في هذه الواقعة عَرَضاً لمرض أعمق في العلاقة مع بعض الأصوات الخليجية، فالهجوم كشف عن ثلاث طبقات متداخلة من المشكلة:

أوّلاً: هناك ضغط شعبي في الخليج على الحكومات بأن على مصر أن “تردّ الجميل”، بعبارة أوضح: بما أن دول الخليج ساندت مصر مالياً في سنواتها الصعبة، فعلى الجيش المصري الآن أن يقدّم المقابل دماً وسلاحاً في الحرب ضدّ إيران. هذه النظرة برزت في تعليقات كثيرين على مواقع التواصل، وكأنّ الدعم المالي السابق كان قرضاً واجب السداد ميدانياً. إنه منطق يحوّل التحالفات إلى ديون شخصية، ويتناسى أن الجيوش الوطنية لا تؤجّر نفسها مقابل المعونات. 

ثانياً: تكشف الواقعة ذهنية ما يمكن تسميته “الحسنة والجيرة” لدى بعض الخليجيين: أي اعتقاد أن العلاقات بين الدول تُدار بمنطق أهل الحارة والجميل وردّه. من هذا المنظور الضيّق، تصبح المساعدات والاستثمارات الخليجية في مصر منّة أبدية، ويصبح من حقّ أصحابها مطالبة مصر بأيّ مقابل يرونه، حتى لو كان إرسال الأبناء للموت في حرب الآخرين. لقد قالها الهاشم صراحةً في مقاله إن مصر “تلتزم الصمت” حيال ما تتعرّض له دول خليجية من قصف، قناة “نُكران الجميل”. ولم يكن وحده في ذلك؛ سبقه إعلاميون بتصريحات مماثلة أقلّ تدنياً. 

ثالثاً: أظهرت الأزمة اعتقاداً لدى بعض الإعلاميين الخليجيين، بأن امتلاك منصّات فضائية وصحف مموّلة قادر على تأطير مصر في موقف دفاعي أمام رأيها العامّ. فلو لم تكن القاهرة الرسمية سبّاقة في إدانة ضرب إيران دول الخليج، لأمكن لهؤلاء تصويرها خاذلة وخائنة للتحالف العربي. بل حاول البعض التلميح أن استمرار الدعم المالي الخليجي لمصر رهن بمدى “تجاوبها” عسكرياً. إنها لهجة ابتزاز مبطّن، أعاد إلى الأذهان تصريحاً مستفزّاً لأكاديمي إماراتي قبل فترة قريبة حين سُئل عن فكرة القوّة العربية المشتركة، فقال: “الخليج لا يحتاج إلى دول هشّة”، مثل هذه العبارات العنترية تستفزّ كثيراً من المصريين بشدّة، لكنّها أيضاً تكشف ضحالة مطلقيها.

وجّهت القاهرة رسالة ضمنية مفادها أن كرامة شعبها ليست مشاعاً، وأن سنوات الدعم المالي – المقدّر رسمياً دوماً – لا تعني أن جيش مصر أو كرامتها قابلة للبيع أو الشراء.

“الصمت المصري والابتزاز بالمساعدات المالية” 

وسط تصاعد التوتّر، ظهرت في بعض الخطابات غير الرسمية داخل الخليج نغمة تستنكر ما اعتُبر “صمتاً مصرياً”، ملوِّحة ضمناً بأن الدعم المالي السابق يقتضي مواقف أكثر حسماً.

 طُرحت تساؤلات على هامش المنصّات الإعلامية ومنصّات التواصل، حول جدوى التضامن السياسي ما لم يُترجَم إلى التزام عسكري. غير أن هذا الطرح يفتح باباً على سؤال مشروع من الجانب المصري: متى شاركت دول الخليج عسكرياً في حماية أمن مصر؟ الدعم الاقتصادي الخليجي في محطّات محورية لا يُنكر، لكنّه لم يُقابَل يوماً بمساهمة عسكرية مباشرة كما يُفترض اليوم من القاهرة.

لكنّ هذه الفكرة (إن صحّ اعتبارها كذلك) تنطوي على عيوب منطقية واستراتيجية قاتلة. أوّلها أن أصحابها يتناسون أنه حتى الولايات المتّحدة – قائدة الحرب على إيران – نأت بقوّاتها البرّية عن المستنقع. الرئيس الأميركي دونالد ترامب صعّد جوّياً واقتصادياً، لكنّه تجنّب تماماً الحديث عن إرسال جنود أميركيين لغزو إيران برّاً، إدراكاً منه لحجم المخاطرة وردّ الفعل الشعبي الأميركي الرافض لتوريط الجنود في حرب برّية جديدة. 

فإذا كان ترامب نفسه يتحاشى هذا الخيار، فهل يكون أسهل على مصر أن تزجّ بجيشها في قلب معركة لم تبدأها ولم تُستشر فيها؟

كما أن دول الخليج ذاتها، وعلى رأسها السعودية والإمارات، لم تُعلن الحرب رسمياً على إيران حتى لحظة كتابة هذه السطور. ورغم أن الصواريخ الإيرانية تتساقط على منشآتها، لم تصدر تلك الدول تصريحاً واحداً بأنها في حالة حرب مع طهران، بل تصرّ دبلوماسياً على أنها ليست طرفاً مباشراً، إنما تستضيف قوّات حليفة. 

أكثر من ذلك، لم نرَ جيوش الخليج تتحرّك فعلياً بأيّ هجوم مضادّ مباشر على إيران؛ لا اجتياز طائراتها للأجواء الإيرانية ولا إطلاق صواريخ باتّجاه الأراضي الإيرانية. فكيف تطلب ممن “لم يدخل حربه بنفسه” أن يدخلها بجيش غيره نيابة عنه؟ إنها معادلة تختلّ أخلاقياً ومنطقياً: من لا يجرؤ أن يقاتل عدوّه بنفسه، لن يمنحه استئجار دماء الآخرين نصراً حقيقياً.

كما يلوح في أفق الذاكرة المصرية  التجربة التاريخية المريرة. المصريون لم ينسوا دروس تورّطهم السابق في حروب الآخرين. يكفي التذكير بأن مصر أرسلت نحو 70 ألف جندي إلى حرب اليمن في الستينيات دعماً لثورة الجمهوريين هناك. كانت حصيلة تلك المغامرة كارثية: قُتل ما يقدّر بأكثر من 10 آلاف جندي مصري خلال خمس سنوات، واستُنزفت موارد الجيش المصري إلى حدّ أسهم في إضعافه أمام إسرائيل عشية حرب 1967. 

لقد سمّى المؤرّخون تلك الحرب “فيتنام مصر”، ودفع المصريون فاتورتها وحدهم دماً ومالاً دون أن يعوّضهم أحد. وفي 1990–1991، شارك الجيش المصري في تحرير الكويت ضمن تحالف دولي، فقَدَ العشرات من جنوده هناك، وعاد بمكاسب سياسية ومالية واضحة، من بينها إسقاط الديون عن الحكومة المصرية .

صحيح أن القاهرة التزمت خطاباً هادئاً، لكن خلف هذا الصمت العلني سياسة نشطة لإدارة المخاطر: اتّصالات دبلوماسية مستمرّة مع كافّة الأطراف، تحذير واضح لإيران عبر القنوات الخاصّة، وتنسيق مع تركيا وباكستان في مبادرات وساطة لوقف التصعيد.

ثم إن من يطالبون مصر بإرسال جيشها، فاتهم أن التحالف العسكري العربي المطلوب لهذه المهمّة لم يولد أصلاً رغم وعود عمرها سنوات. فقد سبق أن دعت مصر نفسها إلى إنشاء قوّة عربية مشتركة خلال قمة شرم الشيخ في 2015، ووافقت الدول العربية مبدئياً يومها. لكنّ المشروع وُئد لاحقاً بسبب خلافات وثقة مفقودة بين العواصم العربية. ولو كان هذا التحالف قائماً اليوم، لما احتاج أحد إلى سؤال “أين جيش مصر؟”؛ فالقوّة المشتركة المفترضة كانت ستتصرف تلقائياً لحماية أمن الخليج. 

غير أن الواقع هو ما نراه: درع الخليج الحقيقي منذ عقود هو القواعد الأميركية والبريطانية المنتشرة هناك، التي أُنشئت أصلاً لطمأنة دول الخليج بعد غزو الكويت 1990. وقد تحوّلت تلك القواعد اليوم – مع اندلاع هذه الحرب – إلى مغناطيس للصواريخ الإيرانية، تجرّ الخطر إلى قلب الخليج بدل أن تصدّه. لم تكن مصر طرفاً في ترتيبات أمن الخليج هذه منذ البداية، فلا هي عضو في تحالف دفاعي خليجي، ولا توجد عقيدة مشتركة تربط جيشها بالعقيدة القتالية الخليجية. من هذه الزاوية، كان طلب الزجّ بالجيش المصري أقرب إلى محاولة الاستئجار منه إلى الالتزام العسكري المتبادل، وهو ما رفضته مصر ضمنياً، حتى الآن على على الأقلّ.

الحقيقة أن الحديث عن جيش عربي موحّد بقي حبراً على ورق منذ أوّل قمّة عربية في عام 1945، وحتى قمّة 2015 الأخيرة. فلا جامعة الدول العربية استطاعت تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقّعة في عام 1950، ولا المبادرات المصرية المتكرّرة حظيت بثقة كافية لتحويلها إلى واقع. الخليج تحديداً كان متحّفظاً؛ بعض دوله رأت في أيّ قوّة مشتركة هيمنة مصرية محتملة، والبعض الآخر شكّك في جدواها، وعندما احتاج الخليج تلك القوّة اليوم، لم يجدها لا في شرم الشيخ ولا في الرياض.

هذا التفكّك هو نتيجة عقود لم يستثمر خلالها العرب في بناء الثقة الاستراتيجية. فحتى أثناء “شهر العسل” بين مصر ودول الخليج في العقد الماضي، ظلّ التنسيق في أدنى مستوياته عسكرياً. شاركت مصر في عاصفة الحزم في اليمن في عام 2015 جوّياً وبحرياً، ولكنّها رفضت إرسال قوّات برّية رغم ضغط الرياض حينها. ومن يومها، ورقة “الجيش المشترك” تظهر في الخطب والتصريحات عند كلّ أزمة كبيرة ثم تختفي. 

صحيفة معاريف الإسرائيلية قرأت ذلك بوضوح، فقالت إن الدعوة المصرية الأخيرة لتشكيل قوّة عربية مشتركة ما هي إلا تكرار قديم “يتجدّد في كلّ أزمة إقليمية كبرى”، وإن “الفجوة بين الخطاب القومي العربي وانعدام الثقة بين الدول جعلت هذه المبادرة مجرّد أداة دبلوماسية لا خطّة عسكرية فعلية”. هذا التحليل الصريح من خصم كإسرائيل، فيه كثير من الحقيقة التي لا نحبّ سماعها: لم يبنِ العرب تحالفاً حقيقياً لأنفسهم، فبدلاً من ذلك ذهب كل منهم إلى تحالفات مع قوى كبرى أو إقليمية خارج البيت العربي.

من هنا، يصبح سؤال أين مصر؟ من حرب الخليج وإيران أقلّ وجاهة. فمصر ليست طرفاً في منظومة الأمن الخليجي أصلاً حتى يُتوقَّع منها الانخراط تلقائياً، هي تدعم الخليج دبلوماسياً لأنها تعتبر أمن الخليج جزءاً من أمنها القومي، وفق التصريحات الرسمية المتكرّرة، لكنّها لم توقّع يوماً على وثيقة دفاع مشترك ثنائي أو جماعي تلزمها بالتدخّل العسكري. 

وحين وقعت الحرب الحالية، فوجئ الشارع الخليجي بأن علاقته بالقاهرة لم ترتقِ يوماً إلى مستوى التحالف الدفاعي الصلب. نعم، هناك شراكات اقتصادية وسياسية عميقة، لكن لا عقيدة قتالية مشتركة ولا تخطيط عسكري مشترك سابق يمكن استدعاؤه. هذا القرار – قرار غياب التحالف – كان إرادة خليجية بالدرجة الأولى، وربما يدفع ثمنه اليوم أهل الخليج في شعورهم بوحدة المواجهة، فمن يزرع التفرقة يحصد العزلة ولو كان محاطاً بالأصدقاء ظاهرياً.

لم تكن دول الخليج يوماً على نهج موحّد في الملفّات الإقليمية، ولا تطابقت الرؤية المصرية بالكامل مع أيّ من دول المجلس، وحتى في ملفّ إيران، التقت القاهرة مع الخليج في عموميات الموقف، لكنّها لم تنخرط في شيطنة إيران المطلقة كما رغبت بعض العواصم الخليجية المتشدّدة. هذا الفارق في الخطاب عكس إدراك كلّ طرف لحدود دوره، فلا الخليج كان يريد لمصر أن تصبح شرطي الخليج، ولا مصر كانت مستعدّة للتنازل عن استقلالية قرارها، وفي المحصّلة، عندما دقّت طبول الحرب، افتقد الجميع وجود مظلّة عربية مشتركة بدلاً من الموقف المنفرد.

ثلاثة شوارع مصرية لا شارع واحد

يخطئ أيّ محلّل حين يعامل الشعوب بتيّاراتها المتضاربة كأنها كتلة واحدة، فانقسام الرأي العامّ المصري على المستوى الشعبي تجاه الأزمة واضح بشدّة، فالمصريون بطبعهم يكرهون الحرب، لكنّ حرباً بهذا الحجم وهذا التشابك وضعتهم أمام انفعالات متباينة. 

يمكن رصد ثلاثة تيّارات رئيسية تشكّلت في الشارع والإعلام المصري حيال الحرب:

تيّار العدوّ المشترك: أصحابه يرون أن إيران – مهما كانت الخلافات المذهبية معها – تقف في خندق واحد مع العرب ضدّ العدوّ الأكبر: إسرائيل والولايات المتّحدة. هؤلاء يذكّرون بأن إيران (ومعها حلفاؤها كحزب الله) طالما دعمت فصائل المقاومة الفلسطينية وواجهت الاحتلال الإسرائيلي علناً. ومن ثم فحين تشتبك إيران مع إسرائيل في هذه الحرب، يقف هذا الفريق وجدانياً مع إيران بوصفها الطرف الذي يواجه العدوّ الذي يحتلّ القدس ويهدّد المنطقة. أصحاب هذا التيّار لا يعنيهم كثيراً خلاف السنّة والشيعة، بقدر ما يعنيهم من يقصف تل أبيب ومن يدعمها. وقد شهدت مصر بالفعل تظاهرات شعبية (وإن كانت محدودة وسرعان ما فُضّت) تندّد بالحرب الأميركية الإسرائيلية وتحيي ما وصفته بصمود إيران، كما تنتقد تلك الأصوات أنظمة الخليج لتعاونها شبه المعلن مع إسرائيل في هذه الحرب. هذا الصوت وإن كان خافتاً رسمياً، فإنه ملموس لدى شرائح من المثقّفين والتيّار القومي القديم وحتى بعض الإسلاميين الذين يرون في الصراع مع الغرب أولوية تتقدّم على كلّ اصطفاف طائفي، باختصار: كلّ من يضرب إسرائيل عدوّ عدوّي، وبالتالي هو صديق لي أو أقلّه يستحقّ مني الدعم المعنوي. 

التيار الثاني هو تيّار الغيرة على الأشقاء العرب: ففي المقابل، تبنّى كثيرون موقفاً معاكساً تماماً، ينطلق من عصبية العروبة وأخوّة الدم والمصير مع الخليج. هؤلاء يؤلمهم أن تُضرَب عواصم عربية كأبوظبي والرياض والدوحة بصواريخ إيرانية، مهما كانت المبرّرات. يرون أن إيران أخطأت بتوسيع نطاق الحرب إلى دول لم تعلن عليها حرباً، ويعتبرون ذلك عدواناً على سيادة دول عربية شقيقة يستوجب الإدانة الواضحة. وقد عبّر البرلمان المصري رسمياً عن هذا الاتّجاه بإصدار بيان يدين الهجمات الإيرانية على السعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن، بوصفها “تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي”.

صحيح أن بعض النواب اعترضوا وطالبوا بإدانة موازية للضربات على إيران نفسها، لكنّ الأغلبية غلب عليها الشعور بالتعاطف مع الأشقّاء الخليجيين، والتأكيد أن مصر لن تسمح بتهديد أمن الخليج طالما اعتبرته امتداداً لأمنها. يدعم هذا التيّار أيضاً حقيقة أن ملايين المصريين يعيشون ويعملون في الخليج (نحو 3 ملايين مصري في السعودية وحدها، وأكثر من مليون في الإمارات والكويت مجتمعتين)، وبالتالي أيّ حرب هناك تضرّ مباشرة بأهلهم وأرزاقهم. كما يخشى هؤلاء أن استهداف إيران لمنشآت النفط والغاز في الخليج يخنق مصادر الطاقة العالمية، مما ينعكس على مصر بأزمات وقود وارتفاع أسعار ضخمة، لذا ترى هذا الفريق يرفع شعار: “أمن الخليج خط أحمر”.
أما التيّار الثالث فهو تيّار أقلّ ضجيجاً. أصحابه يرفضون الانحياز إلى أيّ طرف في هذه الحرب أصلاً، ويرون أنها “حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل”، ويجادلون بأن المواطن المصري يكفيه ما يواجهه من أزمات معيشية طاحنة – اقتصاد متعثّر، تضخّم غير مسبوق، عملة تفقد قيمتها، بطالة – فلا طاقة له ليحمل همّ حرب عالمية ثالثة فوق كتفيه. ثم إن كلا المعسكرين في هذه الحرب لا يعبّر عن آمالنا: فمعسكر أميركا وإسرائيل معروف بعدائه لمصالحنا في فلسطين وغيرها، والمعسكر الإيراني – رغم خلافه مع أميركا – ليس بريئاً من أجندات قد تضرّ أمننا (كتدخّله في سوريا واليمن). 

بطبيعة الحال، هذه التيّارات الثلاثة لا تعبّر عن مواقف رسمية، بل عن تعدّد وجداني وفكري عند المصريين حيال حدث دولي معقّد. وربما للمرّة الأولى منذ حرب العراق 2003 يحصل مثل هذا الانقسام الواضح. يومها انحاز الشارع المصري بغالبيته ضدّ الغزو الأميركي للعراق وتعاطفاً مع شعبه. أما اليوم، فالصورة أكثر تشابكاً: إيران ليست بلداً عربياً ولا محبوباً سنّياً، لكنّها تقف في صفّ أعداء إسرائيل، والخليج أشقّاء عرب، لكنّ بعض سياساتهم السابقة أثارت استياء المصريين (كتمويل تيّارات دينية متشدّدة أو التدخّل المشروط في الاقتصاد المصري). 

على أن الجميع تقريباً يتّفقون على نقطة واحدة: رفض فكرة دخول مصر الحرب عسكرياً، فقد تختلف دوافع الرفض بين تيّار وآخر، لكنّ المحصّلة واحدة. الإسلاميون والقوميون المؤيّدون لإيران لا يريدون لمصر أن تقاتل إلى جانب أميركا وإسرائيل ضدّ طهران، والمؤيّدون للخليج يرون أن دعم مصر يجب أن يبقى في حدود دون التورّط في مغامرة غير مضمونة، أما عامّة الناس المهمومون بلقمة العيش فينفرون من كلمة الحرب أصلاً. 

الهويّة الدينية كسلاح سياسي

من مفارقات هذه الحرب أنها أيقظت شبح الفتنة المذهبية في مصر على نحو غير مسبوق منذ عقود. فلطالما عُرفت مصر بأنها بلد الأزهر الوسطي الذي يحتضن التراث الصوفي السنّي، وبأن التشيّع فيها محدود الأثر. لكن مع انطلاق الحرب ضدّ إيران ذات الأغلبية الشيعية، عادت نغمة التخويف من “المدّ الشيعي” لتعلو في بعض المنابر الإعلامية في مصر. بدا كأن البعض مستعدّ لاستغلال ظروف الحرب لإعادة تقسيم الشارع المصري دينياً: من معنا فهو سنّي “حقيقي”، ومن يتعاطف مع إيران أو حتى يذكر أهل البيت بخير فهو “مطعون في سنّيته”، وهذا توجّه خطير تنبّهت له الدولة سريعاً.

فحين ثار الجدل حول دعاء خطيب العيد – الذي أسلفنا ذكره – حرص علماء الأزهر ووزارة الأوقاف على التوضيح العلني أن الدعاء “يُندرج ضمن التوسّل المشروع بأهل بيت النبي في التراث السنّي المصري، ولا علاقة له بالتشيّع إطلاقاً”. بل شدّدوا على أن محبّة آل البيت متجذّرة في وجدان المصريين سنّةً وصوفية، وأن من يتّهم المصريين بالتشيّع بسببها هو “جاهل بالتاريخ”. 

هذه الرسالة المزدوجة (دينية وسياسية) لها أهمّية بالغة: فهي من جهة تؤكّد استقلالية الهويّة الدينية المصرية، وعدم ارتهانها للتصنيفات المستوردة من صراعات الخارج، ومن جهة أخرى تسحب البساط ممن كانوا يتطلّعون لإشعال فتيل فتنة سنّية- شيعية داخلية، وأن مصر الرسمية تدرك تماماً أن ورقة السنّة والشيعة استُخدمت كثيراً لتفتيت مجتمعات عربية حولها، وهي عازمة ألا تتكرّر اللعبة على أرضها. 

لقد استخدمت الحرب الجارية سلاح المذهبية الناعم في أكثر من ساحة، لكنّها فشلت حتى الآن في اختراق الجبهة الداخلية المصرية، فلا مسيرات ضدّ “المدّ الشيعي” خرجت، ولا اعتداءات على مصالح إيرانية أو حتى على مواطنين شيعة حصلت. 

الجيب المصري يدفع أوّلاً

إذا كان الجنود المصريون لم يدخلوا ساحات الحرب الإيرانية–الأميركية المستعرة، فإن جيوب المصريين لم تنجُ من شظاياها. خلال الأسابيع الأولى فقط، تكبّدت قناة السويس خسائر فادحة مع اضطراب حركة التجارة العالمية وهروب السفن بحثاً عن طرق بديلة أقلّ خطراً. 

تشير التقارير إلى أن الملاحة في القناة تراجعت بنحو 50% منذ بدء الحرب، بسبب ارتفاع المخاطر الأمنية على السفن وزيادة شركات التأمين تكاليفها بشكل حادّ. وقد حذّر خبراء مصريون مبكراً من أن الحرب إذا طال أمدها “لن تؤثّر فقط على قناة السويس، بل على حركة التجارة العالمية ككل”، مما يعني تلقائياً تراجعاً في عائدات القناة – أحد أهمّ موارد النقد الأجنبي لمصر. 

وبالفعل، أكّد رئيس هيئة قناة السويس أن الإيرادات تأثّرت سلباً خلال الربع الأخير، واضطرّت مصر لطرح حوافز ورسوم مخفّضة مؤقّتاً لاستعادة ثقة الخطوط الملاحية.

ولم تقف الضربة عند القناة. فمع توالي الهجمات الإيرانية على منشآت النفط في الخليج وتقييدها الحركة في مضيق هرمز، قفزت أسعار النفط عالمياً إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقد.

 بالنسبة إلى مصر، وهي مستورد صافٍ للنفط، كان هذا تطوّراً بالغ السوء. ارتفعت أسعار البنزين والسولار في السوق المحلّية ثلاث مرّات خلال شهرين بنسبة وصلت إلى 30%، مما أشعل موجة غلاء جديدة طالت النقل وكافّة السلع. ووجدت الحكومة نفسها مضطرّة لاتّخاذ إجراءات تقشّف عاجلة: أغلقت المحال مبكراً (التاسعة مساءً) لتوفير الكهرباء، وخفّضت إنارة الشوارع والمباني الحكومية، وأعلنت خططاً لترشيد الطاقة في المصانع، ورغم أن بعضها إجراءات مؤقّتة، فإنها تعكس أزمة اقتصادية خانقة بدأت تطرق أبواب كلّ بيت مصري نتيجة الحرب.

وفوق ذلك، انخفضت تحويلات المصريين العاملين في الخليج بنسبة ملحوظة، لأن النشاط الاقتصادي هناك تباطأ بفعل الضربات الإيرانية والخوف من توسّع الحرب. السياحة الوافدة إلى مصر من الخليج – التي كانت نشطة في المواسم الأخيرة – تأثّرت أيضاً سلبياً مع انشغال الخليجيين بأمنهم الداخلي، وحتى الجنيه المصري الذي كان يترنّح أصلاً قبل الحرب، تلقّى ضربة إضافية بانخفاض الاحتياطيات الأجنبية وصعود الدولار مع تفاقم الأزمة الدولية. باختصار، أحسّ المواطن المصري العادي أن فاتورة الحرب تصل إلى مطبخه ولو لم يصله صدى القصف.

هذا الوضع قرّب الحرب إلى وجدان من لا يتابع نشرات الأخبار، فحين يرى المواطن سعر الخبز أو الخضار يتضاعف في أسبوع، يعلم أن في الأمر كارثة أكبر من جشع التجار المحلّيين، وحين يسمع عن طوابير للسولار وانقطاع للكهرباء، يتذكّر أن هناك حرباً تغذّي كلّ ذلك.

وفي الوقت الذي قد ينظر البعض إلى حسابات الربح والخسارة الاستراتيجية، فإن لسان حال الملايين هنا: “لا نريد نصراً لأحد… نريد فقط أن تنتهي هذه الحرب لكي نلملم جراحنا الاقتصادية”. وقد يكون في ذلك مبالغة عاطفية، لكنّ لا شك في أن الاستقرار الإقليمي أصبح مسألة حياة يومية لمصر. 

من كان يظنّ قبل أشهر أن حرباً في الخليج ستؤدّي إلى إغلاق الأنوار في شوارع القاهرة لخفض الاستهلاك؟ هكذا تبيّن فجأة أن مصر “ليست بعيدة” عن نيران المواجهة كما تخيّل البعض أوّل الأمر. وإذا استمرت الأوضاع، قد تضطرّ مصر لاتّخاذ قرارات أكثر قسوة: ميزانية تقشّفية أشدّ. إنها دائرة خطر تسابق مصر الزمن لتبقى خارجها… والمؤشّرات الاقتصادية الحالية تنذر بأن الثمن الاقتصادي الذي ستدفعه مصر حتى بعد انتهاء الحرب سيكون باهظاً.

في خضم كل ما سبق، التزمت القيادة المصرية موقفاً رسمياً بالغ الدقّة، وصفته “معاريف” العبرية ساخرة بلقب “أبو الهول الصامت” ظاهرياً، بدت مصر وكأنها تنأى بنفسها عن ضجيج المعركة؛ لا تهديدات نارية تصدر عنها تجاه إيران، ولا وعود عسكرية تُقطع للحلفاء. 

لكنّ هذا السكون كان يخفي وراءه حراكاً مكثّفاً، فمن الأيّام الأولى، دانت القاهرة بلهجة صارمة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ووصفتها بأنها “خرق جسيم للقانون الدولي وتهديد مباشر للأمن القومي العربي”، وبعثت برسائل طمأنة إلى عواصم الخليج بأن أمنهم أولوية مصرية، فكان الرئيس السيسي أوّل زعيم عربي يزور الرياض وأبوظبي بعد اندلاع الحرب، ليعرب عن تضامن بلاده (زيارة خاطفة أواخر شباط/ فبراير 2026)، وفي الوقت عينه، حرصت مصر على التواصل الهادئ مع الجانب الإيراني: أجرى وزير الخارجية المصري اتّصالات غير معلنة بنظيره الإيراني، وحتى إن تقارير تحدّثت عن اتّصال هاتفي مباشر بين السيسي والرئيس الإيراني في ذروة التصعيد. الرسالة التي نقلتها القاهرة لطهران كانت واضحة: نفهم دوافعكم، لكن لا تختبروا صبرنا أو تقتربوا من أمننا القومي.

هذا المزيج من الدبلوماسية المكوكية والصمت الاستراتيجي، أربك خصوم مصر قبل حلفائها. إذ تدرك تل أبيب أن مصر تريد الحفاظ على دور الوسيط المركزي في الإقليم، فهي الوسيط بين إسرائيل و”حماس” في غزّة، وهي وسيط محتمل بين واشنطن وطهران يوم تحين لحظة التفاوض. هذا الدور يفرض على مصر انضباطاً في خطابها: فلا تغالي في مجاراة العرب في الهجوم على إيران، ولا تسكت عن إدانة اعتداءات إيران على العرب. 

هو توازن صعب، لكنّ القاهرة نجحت فيه إلى حدّ كبير. فأمام الخليج بدت شريكاً داعماً (جعلت وزير خارجيتها يطلق مجدّداً دعوة إنشاء القوّة العربية المشتركة، كتعبير عن استعدادها لحلول جماعية)، وأمام إيران حافظت على شعرة الاتّصال (لم تُغلق سفارتها ولم تنخرط في أيّ خطاب عدائي مباشر، مما أبقى مجالاً للحوار)، حتى أمام إسرائيل نفسها، استمرّت مصر في توجيه الانتقادات القويّة لها في ملفّ فلسطين – دانت تصعيدها ضدّ غزّة خلال الحرب– ولكنّها امتنعت تماماً عن الانخراط في أيّ حديث ضدّ إسرائيل في ما يخصّ صراعها المباشر مع إيران. 

في الوقت نفسه، امتنعت مصر عن أيّ فعل يُشعر إيران بأنها انضمت إلى المحور المعادي لها؛ لم ترسل مثلاً بطاريات صواريخ أو طائرات إلى دول الخليج خلال الأزمة، بل تركت الأمر للتحالف الدولي… هذا بالضبط ما عبّر عنه بيان وزارة الأوقاف حين أكّد “رفض العبث بالتوازنات الإقليمية ومخاطر التصعيد المتبادل، والدعوة للتهدئة كمسار وحيد نحو التفاهم بدل الصراع”. 

قد يكون غريباً أن يصدر كلام كهذا عن وزارة معنيّة بالشأن الديني، لكنّ مغزاه السياسي: إنه “بيان دولة” أرادت استخدام كلّ المنابر – حتى منبر المسجد – لتمرير موقفها الرزين.

وقد أثبت هذا النهج وجاهته، فمصر خرجت من المرحلة الأولى من الحرب برصيد دبلوماسي جيّد: حافظت على علاقاتها متوازنة مع الجميع، لم تخسر إيران ولا الخليج، وقدّرها الغرب لدورها في التهدئة (ذكرت تقارير دبلوماسية أن اتّصالات مصرية– تركية– باكستانية نسّقت لوقف إطلاق نار مؤقّت منتصف آذار/ مارس). وربما لهذا تحديداً حذّرت “معاريف” في تحليلها من أنه عندما سينقشع غبار المعركة “قد يتّضح أن القاهرة تحديداً هي التي دفعت الثمن الأغلى” في هذه الحرب، ليس فقط اقتصادياً كما أسلفنا، بل أيضاً سياسياً: لأنها راهنت على الحلّ السلمي، فإن أيّ فشل أو خداع في المفاوضات الأميركية الإيرانية سينعكس عليها خيبةً، ولأنها لم تنحز بالكامل لأيّ معسكر، فقد يجد كلّ طرف لاحقاً أنها لم تكن معه بما يكفي. 

تلك مخاطرة وضريبة للصمت تعرفها القاهرة، لكنّها – بميزان المصالح – أقلّ ضرراً من حماسة طائشة أو انجرار غير محسوب. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
30.03.2026
زمن القراءة: 18 minutes

حين وقعت الحرب الحالية، فوجئ الشارع الخليجي بأن علاقته بالقاهرة لم ترتقِ يوماً إلى مستوى التحالف الدفاعي الصلب. نعم، هناك شراكات اقتصادية وسياسية عميقة، لكن لا عقيدة قتالية مشتركة ولا تخطيط عسكري مشترك سابق يمكن استدعاؤه. هذا القرار – قرار غياب التحالف – كان إرادة خليجية بالدرجة الأولى، وربما يدفع ثمنه اليوم أهل الخليج في شعورهم بوحدة المواجهة، فمن يزرع التفرقة يحصد العزلة ولو كان محاطاً بالأصدقاء ظاهرياً.

داخل قاعة مسجد “الفتّاح العليم” المهيبة، حيث كان الرئيس عبد الفتّاح السيسي يصلّي عيد الفطر، لم يكن يخطر ببال أحد أن تتحول خطبة العيد إلى حديث الساعة سياسياً. ألقى الخطيب سيّد عبد الباري دعاءً محفوظاً في الوجدان الصوفي المصري منذ قرون، يستحضر آل بيت النبي، قال فيه: “اللهمّ بحقّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسرّ الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك”.

هذا الدعاء معروف في مصر ومنسوب للأولياء والصالحين، وجائز بالمفهوم الشرعي باتّفاق المذاهب السنّية الأربعة، كما أكّد علماء الأزهر في ردّهم على الجدل. لكنّ تزامنه مع حرب محتدمة بين تحالف أميركي– إسرائيلي وإيران، جعل منه مادّة ملتهبة، واعتبره بعض المعلّقين الخليجيين غزلاً مذهبياً من القاهرة تجاه طهران، حتى إن وزارة الأوقاف نفسها اضطرّت لتوضيح أن مصر تظلّ ملتزمة بهويّتها “السنّية” الوسطية ومحبّة آل البيت دون انحراف، وترفض توظيف الرموز الدينية في الصراعات السياسية والمذهبية.

المفارقة أن هذا الدعاء جزء أصيل من التراث الصوفي المصري منذ عهد الدولة الفاطمية وما بعدها، يتناقله المصريون في حضرات الذكر والمديح، بعيداً عن أي دلالة طائفية. لكنّ سنوات من التأثيرات الخارجية على الخطاب الديني – خصوصاً ما سُمّي بـ”الصحوة” المموّلة خليجياً منذ أواخر القرن العشرين – جعلت بعض المصريين أنفسهم يستغربون تراثهم ويخلطونه بالتشيّع. 

وهكذا وجد إمام أزهري نفسه متّهماً بالترويج للمذهب الشيعي، فقط لأنه دعا دعاء مأثوراً في الحضرة المصرية. الحادثة كشفت كيف أضحت النصوص الدينية ذخيرة سياسية يُطلقها من لا يعرف تاريخها على من لا يريد أن يعرفه، وكيف يمكن لجملة واحدة في خطبة عيد، أن تفجّر سجالاً إقليمياً حول ولاءات القاهرة في زمن الحرب.

وإزاء هذا السجال، حرصت الدولة المصرية على تأكيد خطابها الرسمي المتمسّك بالتضامن مع الخليج ضدّ أيّ اعتداء إيراني، مقروناً بدعوات التهدئة وعدم الانجرار إلى صراع أوسع. 

الجمع بين الإدانة العلنية لإيران وضبط النفس عن أيّ تصعيد عملي، هو خيط السياسة الرفيع الذي تمشي عليه القاهرة. فهويّة مصر الدينية والثقافية— بعمقها السنّي الصوفي—ليست للمساومة أو المزايدة، وفي الوقت نفسه، الأمن القومي المصري يفرض عدم السماح باستدراج الجيش إلى حرب لا تشبه المصريين ولا قرار لهم فيها. هذا التوازن الدقيق بدأ من فوق منبر العيد، لكنّه سرعان ما انعكس على نقاشات الشارع والمجالس الرسمية في مصر.

فؤاد الهاشم — عَرَضُ لمرض أعمق

بعد أيّام من سجال خطبة العيد، جاءت شرارة أخرى من خارج الحدود لتصبّ الزيت على نار الجدل. الكاتب والصحافي الكويتي فؤاد الهاشم نشر مقالاً لاذعاً يهاجم فيه الدولة المصرية وشعبها بعبارات مسيئة، واصفاً المصريين بـأوصاف مهينة ومشكّكاً في مواقف القاهرة خلال الحرب. أحدث المقال غضباً عارماً في مصر، واعتُبر إساءة بالغة تتجاوز النقد إلى الإهانة المتدنية للمصريين.

 الغريب أن أوّل من ردّ عليه لم تكن جهة مصرية، بل ابنته الشابّة فرح فؤاد الهاشم، التي خرجت معلنة براءتها من كلام والدها، ومؤكّدة حبّها لمصر واعتزازها بهويّتها العربية. 

قالت فرح: “أنا والوالد مش متفقين في آراء كتير… اللي بيهين مصر بيهين نفسه… وبشوف مقالة والدي إنها مسيئة للدولة المصرية والشعب المصري”، كما انتقدت استهزاء أبيها بسيّدات مصر (كان المقال تطرّق لفلاحة مصرية بسخرية مبتذلة) قائلة: “إن الفلاحة رمز لهويّة مصر ولا يجوز وصفها بتلك الطريقة”، هذه الصفعة الأخلاقية من الابنة لوالدها، لم تكن كافية لطيّ الصفحة في نظر المصريين.

سرعان ما تحرّكت مصر رسمياً وقضائياً، فقدم محامٍ مصري بلاغاً للنائب العامّ، وبدأت الجهات المختصّة تحقيقاً عاجلاً، أسفر عن إحالة فؤاد الهاشم إلى المحاكمة العاجلة أمام القضاء المصري بتهمة الإساءة لدولة شقيقة والشعب المصري. وحدّدت محكمة عابدين جلسة 30 حزيران/ يونيو 2026، لبدء محاكمته غيابياً. 

هذه الخطوة غير المسبوقة—محاكمة كاتب خليجي في المحاكم المصرية—جاءت على خلفية موجة تضامن شعبي ورسمي واسعة، لم تكن في مصر وحدها، بل في دول عربية أخرى أيضاً، رفضاً لمنطق الإهانة الذي صدر عن الكاتب.

لكن بعيداً عن شخص الهاشم ومقاله، رأت القاهرة في هذه الواقعة عَرَضاً لمرض أعمق في العلاقة مع بعض الأصوات الخليجية، فالهجوم كشف عن ثلاث طبقات متداخلة من المشكلة:

أوّلاً: هناك ضغط شعبي في الخليج على الحكومات بأن على مصر أن “تردّ الجميل”، بعبارة أوضح: بما أن دول الخليج ساندت مصر مالياً في سنواتها الصعبة، فعلى الجيش المصري الآن أن يقدّم المقابل دماً وسلاحاً في الحرب ضدّ إيران. هذه النظرة برزت في تعليقات كثيرين على مواقع التواصل، وكأنّ الدعم المالي السابق كان قرضاً واجب السداد ميدانياً. إنه منطق يحوّل التحالفات إلى ديون شخصية، ويتناسى أن الجيوش الوطنية لا تؤجّر نفسها مقابل المعونات. 

ثانياً: تكشف الواقعة ذهنية ما يمكن تسميته “الحسنة والجيرة” لدى بعض الخليجيين: أي اعتقاد أن العلاقات بين الدول تُدار بمنطق أهل الحارة والجميل وردّه. من هذا المنظور الضيّق، تصبح المساعدات والاستثمارات الخليجية في مصر منّة أبدية، ويصبح من حقّ أصحابها مطالبة مصر بأيّ مقابل يرونه، حتى لو كان إرسال الأبناء للموت في حرب الآخرين. لقد قالها الهاشم صراحةً في مقاله إن مصر “تلتزم الصمت” حيال ما تتعرّض له دول خليجية من قصف، قناة “نُكران الجميل”. ولم يكن وحده في ذلك؛ سبقه إعلاميون بتصريحات مماثلة أقلّ تدنياً. 

ثالثاً: أظهرت الأزمة اعتقاداً لدى بعض الإعلاميين الخليجيين، بأن امتلاك منصّات فضائية وصحف مموّلة قادر على تأطير مصر في موقف دفاعي أمام رأيها العامّ. فلو لم تكن القاهرة الرسمية سبّاقة في إدانة ضرب إيران دول الخليج، لأمكن لهؤلاء تصويرها خاذلة وخائنة للتحالف العربي. بل حاول البعض التلميح أن استمرار الدعم المالي الخليجي لمصر رهن بمدى “تجاوبها” عسكرياً. إنها لهجة ابتزاز مبطّن، أعاد إلى الأذهان تصريحاً مستفزّاً لأكاديمي إماراتي قبل فترة قريبة حين سُئل عن فكرة القوّة العربية المشتركة، فقال: “الخليج لا يحتاج إلى دول هشّة”، مثل هذه العبارات العنترية تستفزّ كثيراً من المصريين بشدّة، لكنّها أيضاً تكشف ضحالة مطلقيها.

وجّهت القاهرة رسالة ضمنية مفادها أن كرامة شعبها ليست مشاعاً، وأن سنوات الدعم المالي – المقدّر رسمياً دوماً – لا تعني أن جيش مصر أو كرامتها قابلة للبيع أو الشراء.

“الصمت المصري والابتزاز بالمساعدات المالية” 

وسط تصاعد التوتّر، ظهرت في بعض الخطابات غير الرسمية داخل الخليج نغمة تستنكر ما اعتُبر “صمتاً مصرياً”، ملوِّحة ضمناً بأن الدعم المالي السابق يقتضي مواقف أكثر حسماً.

 طُرحت تساؤلات على هامش المنصّات الإعلامية ومنصّات التواصل، حول جدوى التضامن السياسي ما لم يُترجَم إلى التزام عسكري. غير أن هذا الطرح يفتح باباً على سؤال مشروع من الجانب المصري: متى شاركت دول الخليج عسكرياً في حماية أمن مصر؟ الدعم الاقتصادي الخليجي في محطّات محورية لا يُنكر، لكنّه لم يُقابَل يوماً بمساهمة عسكرية مباشرة كما يُفترض اليوم من القاهرة.

لكنّ هذه الفكرة (إن صحّ اعتبارها كذلك) تنطوي على عيوب منطقية واستراتيجية قاتلة. أوّلها أن أصحابها يتناسون أنه حتى الولايات المتّحدة – قائدة الحرب على إيران – نأت بقوّاتها البرّية عن المستنقع. الرئيس الأميركي دونالد ترامب صعّد جوّياً واقتصادياً، لكنّه تجنّب تماماً الحديث عن إرسال جنود أميركيين لغزو إيران برّاً، إدراكاً منه لحجم المخاطرة وردّ الفعل الشعبي الأميركي الرافض لتوريط الجنود في حرب برّية جديدة. 

فإذا كان ترامب نفسه يتحاشى هذا الخيار، فهل يكون أسهل على مصر أن تزجّ بجيشها في قلب معركة لم تبدأها ولم تُستشر فيها؟

كما أن دول الخليج ذاتها، وعلى رأسها السعودية والإمارات، لم تُعلن الحرب رسمياً على إيران حتى لحظة كتابة هذه السطور. ورغم أن الصواريخ الإيرانية تتساقط على منشآتها، لم تصدر تلك الدول تصريحاً واحداً بأنها في حالة حرب مع طهران، بل تصرّ دبلوماسياً على أنها ليست طرفاً مباشراً، إنما تستضيف قوّات حليفة. 

أكثر من ذلك، لم نرَ جيوش الخليج تتحرّك فعلياً بأيّ هجوم مضادّ مباشر على إيران؛ لا اجتياز طائراتها للأجواء الإيرانية ولا إطلاق صواريخ باتّجاه الأراضي الإيرانية. فكيف تطلب ممن “لم يدخل حربه بنفسه” أن يدخلها بجيش غيره نيابة عنه؟ إنها معادلة تختلّ أخلاقياً ومنطقياً: من لا يجرؤ أن يقاتل عدوّه بنفسه، لن يمنحه استئجار دماء الآخرين نصراً حقيقياً.

كما يلوح في أفق الذاكرة المصرية  التجربة التاريخية المريرة. المصريون لم ينسوا دروس تورّطهم السابق في حروب الآخرين. يكفي التذكير بأن مصر أرسلت نحو 70 ألف جندي إلى حرب اليمن في الستينيات دعماً لثورة الجمهوريين هناك. كانت حصيلة تلك المغامرة كارثية: قُتل ما يقدّر بأكثر من 10 آلاف جندي مصري خلال خمس سنوات، واستُنزفت موارد الجيش المصري إلى حدّ أسهم في إضعافه أمام إسرائيل عشية حرب 1967. 

لقد سمّى المؤرّخون تلك الحرب “فيتنام مصر”، ودفع المصريون فاتورتها وحدهم دماً ومالاً دون أن يعوّضهم أحد. وفي 1990–1991، شارك الجيش المصري في تحرير الكويت ضمن تحالف دولي، فقَدَ العشرات من جنوده هناك، وعاد بمكاسب سياسية ومالية واضحة، من بينها إسقاط الديون عن الحكومة المصرية .

صحيح أن القاهرة التزمت خطاباً هادئاً، لكن خلف هذا الصمت العلني سياسة نشطة لإدارة المخاطر: اتّصالات دبلوماسية مستمرّة مع كافّة الأطراف، تحذير واضح لإيران عبر القنوات الخاصّة، وتنسيق مع تركيا وباكستان في مبادرات وساطة لوقف التصعيد.

ثم إن من يطالبون مصر بإرسال جيشها، فاتهم أن التحالف العسكري العربي المطلوب لهذه المهمّة لم يولد أصلاً رغم وعود عمرها سنوات. فقد سبق أن دعت مصر نفسها إلى إنشاء قوّة عربية مشتركة خلال قمة شرم الشيخ في 2015، ووافقت الدول العربية مبدئياً يومها. لكنّ المشروع وُئد لاحقاً بسبب خلافات وثقة مفقودة بين العواصم العربية. ولو كان هذا التحالف قائماً اليوم، لما احتاج أحد إلى سؤال “أين جيش مصر؟”؛ فالقوّة المشتركة المفترضة كانت ستتصرف تلقائياً لحماية أمن الخليج. 

غير أن الواقع هو ما نراه: درع الخليج الحقيقي منذ عقود هو القواعد الأميركية والبريطانية المنتشرة هناك، التي أُنشئت أصلاً لطمأنة دول الخليج بعد غزو الكويت 1990. وقد تحوّلت تلك القواعد اليوم – مع اندلاع هذه الحرب – إلى مغناطيس للصواريخ الإيرانية، تجرّ الخطر إلى قلب الخليج بدل أن تصدّه. لم تكن مصر طرفاً في ترتيبات أمن الخليج هذه منذ البداية، فلا هي عضو في تحالف دفاعي خليجي، ولا توجد عقيدة مشتركة تربط جيشها بالعقيدة القتالية الخليجية. من هذه الزاوية، كان طلب الزجّ بالجيش المصري أقرب إلى محاولة الاستئجار منه إلى الالتزام العسكري المتبادل، وهو ما رفضته مصر ضمنياً، حتى الآن على على الأقلّ.

الحقيقة أن الحديث عن جيش عربي موحّد بقي حبراً على ورق منذ أوّل قمّة عربية في عام 1945، وحتى قمّة 2015 الأخيرة. فلا جامعة الدول العربية استطاعت تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقّعة في عام 1950، ولا المبادرات المصرية المتكرّرة حظيت بثقة كافية لتحويلها إلى واقع. الخليج تحديداً كان متحّفظاً؛ بعض دوله رأت في أيّ قوّة مشتركة هيمنة مصرية محتملة، والبعض الآخر شكّك في جدواها، وعندما احتاج الخليج تلك القوّة اليوم، لم يجدها لا في شرم الشيخ ولا في الرياض.

هذا التفكّك هو نتيجة عقود لم يستثمر خلالها العرب في بناء الثقة الاستراتيجية. فحتى أثناء “شهر العسل” بين مصر ودول الخليج في العقد الماضي، ظلّ التنسيق في أدنى مستوياته عسكرياً. شاركت مصر في عاصفة الحزم في اليمن في عام 2015 جوّياً وبحرياً، ولكنّها رفضت إرسال قوّات برّية رغم ضغط الرياض حينها. ومن يومها، ورقة “الجيش المشترك” تظهر في الخطب والتصريحات عند كلّ أزمة كبيرة ثم تختفي. 

صحيفة معاريف الإسرائيلية قرأت ذلك بوضوح، فقالت إن الدعوة المصرية الأخيرة لتشكيل قوّة عربية مشتركة ما هي إلا تكرار قديم “يتجدّد في كلّ أزمة إقليمية كبرى”، وإن “الفجوة بين الخطاب القومي العربي وانعدام الثقة بين الدول جعلت هذه المبادرة مجرّد أداة دبلوماسية لا خطّة عسكرية فعلية”. هذا التحليل الصريح من خصم كإسرائيل، فيه كثير من الحقيقة التي لا نحبّ سماعها: لم يبنِ العرب تحالفاً حقيقياً لأنفسهم، فبدلاً من ذلك ذهب كل منهم إلى تحالفات مع قوى كبرى أو إقليمية خارج البيت العربي.

من هنا، يصبح سؤال أين مصر؟ من حرب الخليج وإيران أقلّ وجاهة. فمصر ليست طرفاً في منظومة الأمن الخليجي أصلاً حتى يُتوقَّع منها الانخراط تلقائياً، هي تدعم الخليج دبلوماسياً لأنها تعتبر أمن الخليج جزءاً من أمنها القومي، وفق التصريحات الرسمية المتكرّرة، لكنّها لم توقّع يوماً على وثيقة دفاع مشترك ثنائي أو جماعي تلزمها بالتدخّل العسكري. 

وحين وقعت الحرب الحالية، فوجئ الشارع الخليجي بأن علاقته بالقاهرة لم ترتقِ يوماً إلى مستوى التحالف الدفاعي الصلب. نعم، هناك شراكات اقتصادية وسياسية عميقة، لكن لا عقيدة قتالية مشتركة ولا تخطيط عسكري مشترك سابق يمكن استدعاؤه. هذا القرار – قرار غياب التحالف – كان إرادة خليجية بالدرجة الأولى، وربما يدفع ثمنه اليوم أهل الخليج في شعورهم بوحدة المواجهة، فمن يزرع التفرقة يحصد العزلة ولو كان محاطاً بالأصدقاء ظاهرياً.

لم تكن دول الخليج يوماً على نهج موحّد في الملفّات الإقليمية، ولا تطابقت الرؤية المصرية بالكامل مع أيّ من دول المجلس، وحتى في ملفّ إيران، التقت القاهرة مع الخليج في عموميات الموقف، لكنّها لم تنخرط في شيطنة إيران المطلقة كما رغبت بعض العواصم الخليجية المتشدّدة. هذا الفارق في الخطاب عكس إدراك كلّ طرف لحدود دوره، فلا الخليج كان يريد لمصر أن تصبح شرطي الخليج، ولا مصر كانت مستعدّة للتنازل عن استقلالية قرارها، وفي المحصّلة، عندما دقّت طبول الحرب، افتقد الجميع وجود مظلّة عربية مشتركة بدلاً من الموقف المنفرد.

ثلاثة شوارع مصرية لا شارع واحد

يخطئ أيّ محلّل حين يعامل الشعوب بتيّاراتها المتضاربة كأنها كتلة واحدة، فانقسام الرأي العامّ المصري على المستوى الشعبي تجاه الأزمة واضح بشدّة، فالمصريون بطبعهم يكرهون الحرب، لكنّ حرباً بهذا الحجم وهذا التشابك وضعتهم أمام انفعالات متباينة. 

يمكن رصد ثلاثة تيّارات رئيسية تشكّلت في الشارع والإعلام المصري حيال الحرب:

تيّار العدوّ المشترك: أصحابه يرون أن إيران – مهما كانت الخلافات المذهبية معها – تقف في خندق واحد مع العرب ضدّ العدوّ الأكبر: إسرائيل والولايات المتّحدة. هؤلاء يذكّرون بأن إيران (ومعها حلفاؤها كحزب الله) طالما دعمت فصائل المقاومة الفلسطينية وواجهت الاحتلال الإسرائيلي علناً. ومن ثم فحين تشتبك إيران مع إسرائيل في هذه الحرب، يقف هذا الفريق وجدانياً مع إيران بوصفها الطرف الذي يواجه العدوّ الذي يحتلّ القدس ويهدّد المنطقة. أصحاب هذا التيّار لا يعنيهم كثيراً خلاف السنّة والشيعة، بقدر ما يعنيهم من يقصف تل أبيب ومن يدعمها. وقد شهدت مصر بالفعل تظاهرات شعبية (وإن كانت محدودة وسرعان ما فُضّت) تندّد بالحرب الأميركية الإسرائيلية وتحيي ما وصفته بصمود إيران، كما تنتقد تلك الأصوات أنظمة الخليج لتعاونها شبه المعلن مع إسرائيل في هذه الحرب. هذا الصوت وإن كان خافتاً رسمياً، فإنه ملموس لدى شرائح من المثقّفين والتيّار القومي القديم وحتى بعض الإسلاميين الذين يرون في الصراع مع الغرب أولوية تتقدّم على كلّ اصطفاف طائفي، باختصار: كلّ من يضرب إسرائيل عدوّ عدوّي، وبالتالي هو صديق لي أو أقلّه يستحقّ مني الدعم المعنوي. 

التيار الثاني هو تيّار الغيرة على الأشقاء العرب: ففي المقابل، تبنّى كثيرون موقفاً معاكساً تماماً، ينطلق من عصبية العروبة وأخوّة الدم والمصير مع الخليج. هؤلاء يؤلمهم أن تُضرَب عواصم عربية كأبوظبي والرياض والدوحة بصواريخ إيرانية، مهما كانت المبرّرات. يرون أن إيران أخطأت بتوسيع نطاق الحرب إلى دول لم تعلن عليها حرباً، ويعتبرون ذلك عدواناً على سيادة دول عربية شقيقة يستوجب الإدانة الواضحة. وقد عبّر البرلمان المصري رسمياً عن هذا الاتّجاه بإصدار بيان يدين الهجمات الإيرانية على السعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن، بوصفها “تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي”.

صحيح أن بعض النواب اعترضوا وطالبوا بإدانة موازية للضربات على إيران نفسها، لكنّ الأغلبية غلب عليها الشعور بالتعاطف مع الأشقّاء الخليجيين، والتأكيد أن مصر لن تسمح بتهديد أمن الخليج طالما اعتبرته امتداداً لأمنها. يدعم هذا التيّار أيضاً حقيقة أن ملايين المصريين يعيشون ويعملون في الخليج (نحو 3 ملايين مصري في السعودية وحدها، وأكثر من مليون في الإمارات والكويت مجتمعتين)، وبالتالي أيّ حرب هناك تضرّ مباشرة بأهلهم وأرزاقهم. كما يخشى هؤلاء أن استهداف إيران لمنشآت النفط والغاز في الخليج يخنق مصادر الطاقة العالمية، مما ينعكس على مصر بأزمات وقود وارتفاع أسعار ضخمة، لذا ترى هذا الفريق يرفع شعار: “أمن الخليج خط أحمر”.
أما التيّار الثالث فهو تيّار أقلّ ضجيجاً. أصحابه يرفضون الانحياز إلى أيّ طرف في هذه الحرب أصلاً، ويرون أنها “حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل”، ويجادلون بأن المواطن المصري يكفيه ما يواجهه من أزمات معيشية طاحنة – اقتصاد متعثّر، تضخّم غير مسبوق، عملة تفقد قيمتها، بطالة – فلا طاقة له ليحمل همّ حرب عالمية ثالثة فوق كتفيه. ثم إن كلا المعسكرين في هذه الحرب لا يعبّر عن آمالنا: فمعسكر أميركا وإسرائيل معروف بعدائه لمصالحنا في فلسطين وغيرها، والمعسكر الإيراني – رغم خلافه مع أميركا – ليس بريئاً من أجندات قد تضرّ أمننا (كتدخّله في سوريا واليمن). 

بطبيعة الحال، هذه التيّارات الثلاثة لا تعبّر عن مواقف رسمية، بل عن تعدّد وجداني وفكري عند المصريين حيال حدث دولي معقّد. وربما للمرّة الأولى منذ حرب العراق 2003 يحصل مثل هذا الانقسام الواضح. يومها انحاز الشارع المصري بغالبيته ضدّ الغزو الأميركي للعراق وتعاطفاً مع شعبه. أما اليوم، فالصورة أكثر تشابكاً: إيران ليست بلداً عربياً ولا محبوباً سنّياً، لكنّها تقف في صفّ أعداء إسرائيل، والخليج أشقّاء عرب، لكنّ بعض سياساتهم السابقة أثارت استياء المصريين (كتمويل تيّارات دينية متشدّدة أو التدخّل المشروط في الاقتصاد المصري). 

على أن الجميع تقريباً يتّفقون على نقطة واحدة: رفض فكرة دخول مصر الحرب عسكرياً، فقد تختلف دوافع الرفض بين تيّار وآخر، لكنّ المحصّلة واحدة. الإسلاميون والقوميون المؤيّدون لإيران لا يريدون لمصر أن تقاتل إلى جانب أميركا وإسرائيل ضدّ طهران، والمؤيّدون للخليج يرون أن دعم مصر يجب أن يبقى في حدود دون التورّط في مغامرة غير مضمونة، أما عامّة الناس المهمومون بلقمة العيش فينفرون من كلمة الحرب أصلاً. 

الهويّة الدينية كسلاح سياسي

من مفارقات هذه الحرب أنها أيقظت شبح الفتنة المذهبية في مصر على نحو غير مسبوق منذ عقود. فلطالما عُرفت مصر بأنها بلد الأزهر الوسطي الذي يحتضن التراث الصوفي السنّي، وبأن التشيّع فيها محدود الأثر. لكن مع انطلاق الحرب ضدّ إيران ذات الأغلبية الشيعية، عادت نغمة التخويف من “المدّ الشيعي” لتعلو في بعض المنابر الإعلامية في مصر. بدا كأن البعض مستعدّ لاستغلال ظروف الحرب لإعادة تقسيم الشارع المصري دينياً: من معنا فهو سنّي “حقيقي”، ومن يتعاطف مع إيران أو حتى يذكر أهل البيت بخير فهو “مطعون في سنّيته”، وهذا توجّه خطير تنبّهت له الدولة سريعاً.

فحين ثار الجدل حول دعاء خطيب العيد – الذي أسلفنا ذكره – حرص علماء الأزهر ووزارة الأوقاف على التوضيح العلني أن الدعاء “يُندرج ضمن التوسّل المشروع بأهل بيت النبي في التراث السنّي المصري، ولا علاقة له بالتشيّع إطلاقاً”. بل شدّدوا على أن محبّة آل البيت متجذّرة في وجدان المصريين سنّةً وصوفية، وأن من يتّهم المصريين بالتشيّع بسببها هو “جاهل بالتاريخ”. 

هذه الرسالة المزدوجة (دينية وسياسية) لها أهمّية بالغة: فهي من جهة تؤكّد استقلالية الهويّة الدينية المصرية، وعدم ارتهانها للتصنيفات المستوردة من صراعات الخارج، ومن جهة أخرى تسحب البساط ممن كانوا يتطلّعون لإشعال فتيل فتنة سنّية- شيعية داخلية، وأن مصر الرسمية تدرك تماماً أن ورقة السنّة والشيعة استُخدمت كثيراً لتفتيت مجتمعات عربية حولها، وهي عازمة ألا تتكرّر اللعبة على أرضها. 

لقد استخدمت الحرب الجارية سلاح المذهبية الناعم في أكثر من ساحة، لكنّها فشلت حتى الآن في اختراق الجبهة الداخلية المصرية، فلا مسيرات ضدّ “المدّ الشيعي” خرجت، ولا اعتداءات على مصالح إيرانية أو حتى على مواطنين شيعة حصلت. 

الجيب المصري يدفع أوّلاً

إذا كان الجنود المصريون لم يدخلوا ساحات الحرب الإيرانية–الأميركية المستعرة، فإن جيوب المصريين لم تنجُ من شظاياها. خلال الأسابيع الأولى فقط، تكبّدت قناة السويس خسائر فادحة مع اضطراب حركة التجارة العالمية وهروب السفن بحثاً عن طرق بديلة أقلّ خطراً. 

تشير التقارير إلى أن الملاحة في القناة تراجعت بنحو 50% منذ بدء الحرب، بسبب ارتفاع المخاطر الأمنية على السفن وزيادة شركات التأمين تكاليفها بشكل حادّ. وقد حذّر خبراء مصريون مبكراً من أن الحرب إذا طال أمدها “لن تؤثّر فقط على قناة السويس، بل على حركة التجارة العالمية ككل”، مما يعني تلقائياً تراجعاً في عائدات القناة – أحد أهمّ موارد النقد الأجنبي لمصر. 

وبالفعل، أكّد رئيس هيئة قناة السويس أن الإيرادات تأثّرت سلباً خلال الربع الأخير، واضطرّت مصر لطرح حوافز ورسوم مخفّضة مؤقّتاً لاستعادة ثقة الخطوط الملاحية.

ولم تقف الضربة عند القناة. فمع توالي الهجمات الإيرانية على منشآت النفط في الخليج وتقييدها الحركة في مضيق هرمز، قفزت أسعار النفط عالمياً إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقد.

 بالنسبة إلى مصر، وهي مستورد صافٍ للنفط، كان هذا تطوّراً بالغ السوء. ارتفعت أسعار البنزين والسولار في السوق المحلّية ثلاث مرّات خلال شهرين بنسبة وصلت إلى 30%، مما أشعل موجة غلاء جديدة طالت النقل وكافّة السلع. ووجدت الحكومة نفسها مضطرّة لاتّخاذ إجراءات تقشّف عاجلة: أغلقت المحال مبكراً (التاسعة مساءً) لتوفير الكهرباء، وخفّضت إنارة الشوارع والمباني الحكومية، وأعلنت خططاً لترشيد الطاقة في المصانع، ورغم أن بعضها إجراءات مؤقّتة، فإنها تعكس أزمة اقتصادية خانقة بدأت تطرق أبواب كلّ بيت مصري نتيجة الحرب.

وفوق ذلك، انخفضت تحويلات المصريين العاملين في الخليج بنسبة ملحوظة، لأن النشاط الاقتصادي هناك تباطأ بفعل الضربات الإيرانية والخوف من توسّع الحرب. السياحة الوافدة إلى مصر من الخليج – التي كانت نشطة في المواسم الأخيرة – تأثّرت أيضاً سلبياً مع انشغال الخليجيين بأمنهم الداخلي، وحتى الجنيه المصري الذي كان يترنّح أصلاً قبل الحرب، تلقّى ضربة إضافية بانخفاض الاحتياطيات الأجنبية وصعود الدولار مع تفاقم الأزمة الدولية. باختصار، أحسّ المواطن المصري العادي أن فاتورة الحرب تصل إلى مطبخه ولو لم يصله صدى القصف.

هذا الوضع قرّب الحرب إلى وجدان من لا يتابع نشرات الأخبار، فحين يرى المواطن سعر الخبز أو الخضار يتضاعف في أسبوع، يعلم أن في الأمر كارثة أكبر من جشع التجار المحلّيين، وحين يسمع عن طوابير للسولار وانقطاع للكهرباء، يتذكّر أن هناك حرباً تغذّي كلّ ذلك.

وفي الوقت الذي قد ينظر البعض إلى حسابات الربح والخسارة الاستراتيجية، فإن لسان حال الملايين هنا: “لا نريد نصراً لأحد… نريد فقط أن تنتهي هذه الحرب لكي نلملم جراحنا الاقتصادية”. وقد يكون في ذلك مبالغة عاطفية، لكنّ لا شك في أن الاستقرار الإقليمي أصبح مسألة حياة يومية لمصر. 

من كان يظنّ قبل أشهر أن حرباً في الخليج ستؤدّي إلى إغلاق الأنوار في شوارع القاهرة لخفض الاستهلاك؟ هكذا تبيّن فجأة أن مصر “ليست بعيدة” عن نيران المواجهة كما تخيّل البعض أوّل الأمر. وإذا استمرت الأوضاع، قد تضطرّ مصر لاتّخاذ قرارات أكثر قسوة: ميزانية تقشّفية أشدّ. إنها دائرة خطر تسابق مصر الزمن لتبقى خارجها… والمؤشّرات الاقتصادية الحالية تنذر بأن الثمن الاقتصادي الذي ستدفعه مصر حتى بعد انتهاء الحرب سيكون باهظاً.

في خضم كل ما سبق، التزمت القيادة المصرية موقفاً رسمياً بالغ الدقّة، وصفته “معاريف” العبرية ساخرة بلقب “أبو الهول الصامت” ظاهرياً، بدت مصر وكأنها تنأى بنفسها عن ضجيج المعركة؛ لا تهديدات نارية تصدر عنها تجاه إيران، ولا وعود عسكرية تُقطع للحلفاء. 

لكنّ هذا السكون كان يخفي وراءه حراكاً مكثّفاً، فمن الأيّام الأولى، دانت القاهرة بلهجة صارمة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ووصفتها بأنها “خرق جسيم للقانون الدولي وتهديد مباشر للأمن القومي العربي”، وبعثت برسائل طمأنة إلى عواصم الخليج بأن أمنهم أولوية مصرية، فكان الرئيس السيسي أوّل زعيم عربي يزور الرياض وأبوظبي بعد اندلاع الحرب، ليعرب عن تضامن بلاده (زيارة خاطفة أواخر شباط/ فبراير 2026)، وفي الوقت عينه، حرصت مصر على التواصل الهادئ مع الجانب الإيراني: أجرى وزير الخارجية المصري اتّصالات غير معلنة بنظيره الإيراني، وحتى إن تقارير تحدّثت عن اتّصال هاتفي مباشر بين السيسي والرئيس الإيراني في ذروة التصعيد. الرسالة التي نقلتها القاهرة لطهران كانت واضحة: نفهم دوافعكم، لكن لا تختبروا صبرنا أو تقتربوا من أمننا القومي.

هذا المزيج من الدبلوماسية المكوكية والصمت الاستراتيجي، أربك خصوم مصر قبل حلفائها. إذ تدرك تل أبيب أن مصر تريد الحفاظ على دور الوسيط المركزي في الإقليم، فهي الوسيط بين إسرائيل و”حماس” في غزّة، وهي وسيط محتمل بين واشنطن وطهران يوم تحين لحظة التفاوض. هذا الدور يفرض على مصر انضباطاً في خطابها: فلا تغالي في مجاراة العرب في الهجوم على إيران، ولا تسكت عن إدانة اعتداءات إيران على العرب. 

هو توازن صعب، لكنّ القاهرة نجحت فيه إلى حدّ كبير. فأمام الخليج بدت شريكاً داعماً (جعلت وزير خارجيتها يطلق مجدّداً دعوة إنشاء القوّة العربية المشتركة، كتعبير عن استعدادها لحلول جماعية)، وأمام إيران حافظت على شعرة الاتّصال (لم تُغلق سفارتها ولم تنخرط في أيّ خطاب عدائي مباشر، مما أبقى مجالاً للحوار)، حتى أمام إسرائيل نفسها، استمرّت مصر في توجيه الانتقادات القويّة لها في ملفّ فلسطين – دانت تصعيدها ضدّ غزّة خلال الحرب– ولكنّها امتنعت تماماً عن الانخراط في أيّ حديث ضدّ إسرائيل في ما يخصّ صراعها المباشر مع إيران. 

في الوقت نفسه، امتنعت مصر عن أيّ فعل يُشعر إيران بأنها انضمت إلى المحور المعادي لها؛ لم ترسل مثلاً بطاريات صواريخ أو طائرات إلى دول الخليج خلال الأزمة، بل تركت الأمر للتحالف الدولي… هذا بالضبط ما عبّر عنه بيان وزارة الأوقاف حين أكّد “رفض العبث بالتوازنات الإقليمية ومخاطر التصعيد المتبادل، والدعوة للتهدئة كمسار وحيد نحو التفاهم بدل الصراع”. 

قد يكون غريباً أن يصدر كلام كهذا عن وزارة معنيّة بالشأن الديني، لكنّ مغزاه السياسي: إنه “بيان دولة” أرادت استخدام كلّ المنابر – حتى منبر المسجد – لتمرير موقفها الرزين.

وقد أثبت هذا النهج وجاهته، فمصر خرجت من المرحلة الأولى من الحرب برصيد دبلوماسي جيّد: حافظت على علاقاتها متوازنة مع الجميع، لم تخسر إيران ولا الخليج، وقدّرها الغرب لدورها في التهدئة (ذكرت تقارير دبلوماسية أن اتّصالات مصرية– تركية– باكستانية نسّقت لوقف إطلاق نار مؤقّت منتصف آذار/ مارس). وربما لهذا تحديداً حذّرت “معاريف” في تحليلها من أنه عندما سينقشع غبار المعركة “قد يتّضح أن القاهرة تحديداً هي التي دفعت الثمن الأغلى” في هذه الحرب، ليس فقط اقتصادياً كما أسلفنا، بل أيضاً سياسياً: لأنها راهنت على الحلّ السلمي، فإن أيّ فشل أو خداع في المفاوضات الأميركية الإيرانية سينعكس عليها خيبةً، ولأنها لم تنحز بالكامل لأيّ معسكر، فقد يجد كلّ طرف لاحقاً أنها لم تكن معه بما يكفي. 

تلك مخاطرة وضريبة للصمت تعرفها القاهرة، لكنّها – بميزان المصالح – أقلّ ضرراً من حماسة طائشة أو انجرار غير محسوب.