ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“برنسيس لولو”… قارب اللاجئين اللبناني الذي ابتلعه المتوسّط وصمتت عنه الدول

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في كانون الأوّل/ ديسمبر 2023، انطلقت أربعة قوارب تقلّ لاجئين سوريين من شواطئ مدينة طرابلس شمال لبنان باتّجاه جزيرة قبرص. ثلاثة منها وصلت بسلام، أما الرابع، الذي حمل على متنه 85 شخصاً بينهم 35 طفلاً، فقد اختفى دون أن يُعثر له على أثر. لم يتحرّك أحد من السلطات لمعرفة ما حدث، حتى عندما بدأت جثث متحلّلة بالظهور على شواطئ المتوسّط.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مساء 20 كانون الثاني/ يناير، لفظت أمواج البحر جثّة متحلّلة إلى شاطئ منتجع فخم في أنطاليا التركية. كان المنتجع خالياً من الروّاد، حيث لفتت بقعة حمراء قرب المياه نظر أحد الموظّفين. 

حين زار فريق “ذا بلاك سي” المكان في تمّوز/ يوليو العام الماضي، أطلعنا موظّف على صورة للجثّة، كانت بقايا هيكل عظمي تظهر من تحت قميص أو فستان أحمر. لم يتّضح ما إذا كان الموظّفون التقطوا الصورة قبل إبلاغ الشرطة أو بعده.

علم المختار عبد الرحمن أردوغان بالخبر، فتوجّه إلى المنتجع الذي يبعد عن مكتبه كيلومتراً واحداً. قال لاحقاً لصحيفة “حرّييت” التركية: “كان واضحاً أنها جثّة بشرية من شكل العظام، رأيتها بنفسي. كان المشهد أشبه بفيلم رعب”. 

في الأسابيع التالية، عُثر على جثث أخرى على طول الساحل من أنطاليا إلى موغلا، بعضها كان مقطّع الأوصال، فبدأت وسائل الإعلام المحلّية ومواقع التواصل تتكهّن: هل الضحايا فلسطينيون هاربون من قصف إسرائيلي؟ هل يوجد سفّاح طليق؟ أحد المنقذين على شاطئ قريب، تحدّث عن “عبدة شياطين من المشاهير” واتّهم مادونا.

لكن مع الوقت، بدأت التقارير تربط بين تلك الجثث، وبين جثث أخرى ظهرت في قبرص وسوريا، وسرعان ما تبيّن أن القصّة على الأرجح تتعلّق باللاجئين. حين عدنا لنسأل المختار أردوغان بعد أشهر، أنكر أنه شاهد الجثّة، قائلاً إن الدرك منعه من الدخول، ثم أضاف: “سمعنا أنهم لاجئون سوريون، فلم نكترث أبداً”.

في ليلة 11 كانون الأوّل/ ديسمبر 2023، تجمّع نحو 250 لاجئاً – معظمهم سوريون – في بلدة الشيخ زناد شمال لبنان، استعداداً للإبحار نحو قبرص. أبحرت القوارب الأربعة تباعاً خلال ساعات الليل. في مساء اليوم التالي، وصلت ثلاثة منها إلى شواطئ آيا نابا القبرصية، أما القارب الرابع، وهو قارب صيد اسمه “برنسيس لولو”، فلم يصل.

رغم أن السلطات القبرصية واللبنانية أُبلغت باحتمال وجود قارب في خطر، لم يجرِ أي تحرّك رسمي للبحث أو الإنقاذ، وحتى اليوم، لم تُفتح أية تحقيقات رسمية في لبنان، أو قبرص.

خلف هذا الإهمال الرسمي، تقف عشرات العائلات المنكوبة، التي ما زالت تبحث عن إجابات بشأن مصير أحبائها الذين كانوا على متن القارب، وما يزيد من ألمهم هو تضارب الأدلّة: بعض المؤشّرات تقول إن القارب وصل إلى قبرص، وأخرى توحي بأنه غرق.

المفارقة أن اختفاء هذا القارب لم يحظَ بأي اهتمام يُذكر، مقارنة بتغطية الكوارث البحرية الأخرى التي وقعت في الفترة نفسها، كاختفاء غوّاصة “تيتان” في المحيط الأطلسي، أو غرق يخت فاخر قبالة سواحل إيطاليا. والفرق أنه في تلك الحالات، كان المفقودون من الأغنياء.

سافرنا إلى تركيا وقبرص ولبنان لمحاولة تجميع خيوط قصّة “برنسيس لولو”، وربطها بالجثث التي ظهرت على سواحل المتوسط. استندنا إلى شهادات عائلات، ومحامين، وناشطين، وجمعنا مقاطع صوتية ورسائل نصّية، أرسلها الركّاب في الساعات الأخيرة قبل انقطاع الاتّصال بهم.

ما تكشّف لنا هو مزيج من الإهمال، والكذب من المهرّبين، والتقاعس من السلطات، وغياب أي محاسبة حقيقية على اختفاء ما يقارب مئة إنسان.

“البحر هادئ والرحلة هادئة”

غادر قارب “برنسيس لولو” قرابة الساعة 1 فجراً من يوم 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، وكان من المتوقّع أن تستغرق الرحلة أقلّ من يوم. في البداية، كانت الأجواء متفائلة، وأرسل الركّاب رسائل طمأنة إلى أهلهم. أحد الركّاب كان محمّد الخصاونة، طالب علوم حاسوب يبلغ 19 عاماً من درعا. 

كانت والدة محمد، وفاء، تناديه بـ”حمادة”، تصفه بأنه قطعة من قلبها. وشدّدت على أنه كان الأذكى بين جميع أبنائها، وهو الوحيد الذي التحق بالجامعة، قالت: “هو هادئ جدّاً، الله يحميه. ذكي”، وتميّز بهوايات متعدّدة كالرسم والكتابة والتصميم. 

كان حمادة مرتبطاً بفتاة من درعا، لكن بناءً على طلب الأهل، اتّفق الطرفان على أن يُكمل دراسته أوّلاً. تولّى أقارب له في قبرص ترتيب الرحلة عبر سماسرة، مع وعد بإمكانية تسجيله في الجامعة بمجرّد استقراره هناك.

وقبل مغادرته، أهدته خطيبته سواراً نُقش عليه “آية الكرسي”، وهي مقطع شهير من القرآن يُتلى عادة عند السفر للحماية، وتبيّن لاحقاً أن هذا السوار سيكون دليلاً مهمّاً.

كان على متن القارب أيضاً عمر البرهوم، عامل بناء من إدلب وأب لثمانية أطفال. أرسل رسائل صوتية طريفة لأخته رنا وهو على متن القارب، وطلب منها أن تدعو له، قال لها: “إذا وصلنا بالسلامة جيبيلي فروج مقلي”.

في قبرص، جلس شقيقه إبراهيم محاطاً برجال فقدوا عائلاتهم على متن القارب نفسه، قال إنه توسّل أخاه ألا يسافر لأنه عاش تجربة غرق مشابهة قبل خمس سنوات. واستعرض آخر الرسائل التي أرسلها عمر: “عنا بسكويت وكم غرض، نامي ماما”، وأضاف: “قالولي البحر هيج، بس هو هادي، والرحلة مريحة”.

ربطت إبراهيم بشقيقه علاقة متينة، إذ وصفه قائلاً: “أخي هو رفيقي”، وأضاف: “أبكي عليه كلّ يوم، ولا أستطيع الحديث مع أطفالي عن الأمر. والدتي ما زالت لا تعلم شيئاً، فهي مريضة بالقلب. أخبرناها أنه محتجز في مركز الشرطة قيد التحقيق، ولا يُسمح له بالتواصل. نحن نعاني في كلّ يوم”.

يعتقد إبراهيم أن شقيقه وصل إلى قبرص، ويستند في ذلك إلى مقطع فيديو صوّره أحد الركّاب على متن قارب “برنسيس لولو”، وأشار إلى الفيديو قائلا: “أنظر إلى هذا الفيديو، إنهم فرحون في عرض البحر، لا غرق ولا شيء، البحر كان هادئاً”.

يُظهر المقطع مجموعة من الشبّان يضحكون ويمزحون مع شروق الشمس خلفهم، بعد ليلة غامضة في عرض البحر. كانوا يرتدون حول خصورهم دواليب مطاطية منفوخة بدلاً من سترات النجاة، تماماً كما وصف عمر في رسائله إلى والدته.

وفي لحظة طريفة من التسجيل، قال أحدهم ضاحكاً، وهو يشير إلى شاب يُدعى الحزوري: “إذا رجعونا من قبرص، فبسببه”، قبل أن يضيف مازحاً: “الحزوري قضى الرحلة نائماً”، بينما كان الأخير يلوّح للكاميرا مبتسماً.

أكّد الأقارب هوّيات الشبّان الظاهرين في الفيديو، وهم: محمّد عزّو، خالد محمّد، بكر العرق، عبد الرحمن نجم، محمّد نجم، وأنس الحزوري، الذي ينادونه بـ”الحزوري” (يُذكر أن عزّو غير مُدرج رسمياً ضمن قائمة المفقودين، لكنّ مصادر أكّدت لنا أنه كان على متن القارب) أما من كان يُمسك بالهاتف أثناء التصوير، فهو فؤاد هنادي، شابّ يبلغ من العمر 25 عاماً.

في لبنان، قالت والدته فاطمة هنادي إن ابنها فؤاد غادر البلاد “لأنه لم يعد يحتمل العنصرية هنا. لأنه سوري، لا يريدونه. يتّهمونه بأخذ فرص العمل من اللبنانيين”. في صباح رحيله، حاولت كتم مشاعرها: “لم أرد أن أحزنه، لم أرافقه إلى السيّارة. لماذا؟ أندم كثيراً على ذلك. تمنّيت لو أنني عانقته”.

الفيديو الذي أُرسل عند الساعة 6:50 صباحاً، هو آخر تواصل مؤكّد مع قارب “برنسيس لولو”.

“الأميرة” المفقودة والاستجابة البطيئة

بعد الساعة الثانية من ظهر يوم الثلاثاء 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، رصدت شرطة المرافئ والبحرية القبرصية أوّل قارب على بُعد 10 أميال من آيا نابا، تلاه قاربان آخران خلال الساعتين التاليتين. وبحلول المساء، كانت القوارب الثلاثة قد تمّ اعتراضها ومرافقتها إلى الشاطئ. وأفادت صحيفة “Cyprus Mail” بوصول 170 راكباً إلى كيب غريكو، وتمّ نقلهم إلى مركز الاستقبال الأوّل “بورنارا”، وهو مخيّم لاجئين يقع خارج نيقوسيا.

أحدثت أخبار وصول القوارب ارتياحاً كبيراً لدى عائلات المهاجرين، وبدأ السماسرة والوسطاء بإرسال رسائل يؤكّدون فيها أن الركّاب قد وصلوا بسلام.

كانت شيرين العلي على متن قارب “برنسيس لولو” برفقة طفليها، إبراهيم (5 سنوات) وأحمد (6 سنوات) وفي تمام الساعة 11:30 ليلاً، تلقّت شقيقتها رسائل من حسابها على “واتساب” تؤكّد فيها أنها وصلت بسلام.

في هذا الوقت، كان زوجها محمود المحمّد، الموجود مسبقاً في قبرص، قد توجّه على الفور إلى مخيّم “بورنارا” لاستقبال زوجته وأولاده. يقول: “كنت أراقب الركّاب وهم ينزلون من الحافلات واحداً تلو الآخر”، لكن شيرين وطفليها لم يكونوا بينهم، ولا والدها حسن، ولا شقيقها حسين، اللذان رافقاها في الرحلة.

مضت ساعة دون أي خبر، فتوجّه محمود إلى أحد عناصر الأمن قائلاً: “الركّاب وصلوا، لكنّ أطفالي ليسوا بينهم”، فطمأنه الحارس بأن هناك “نحو مئة شخص لا يزالون على متن قارب آخر في الميناء ولم يتمّ نقلهم بعد إلى هنا”، فانتظر محمود في المخيّم أسبوعاً كاملاً.

وفي السياق نفسه، عندما علم ضياء رزق بوصول نحو 200 مهاجر إلى آيا نابا، افترض أن عمّه وجدي رزق، البالغ من العمر 28 عاماً، كان بينهم. فقد كانت آخر مرّة سمع فيها خبراً من وجدي قبل قرابة 24 ساعة، عبر رسالة قصيرة أُرسلت من هاتف أحد الركّاب الآخرين، وجاء فيها: “الجميع بخير، وسننطلق قريباً”.

توجّه ضياء فوراً إلى مركز اللاجئين في قبرص، وهو مخيّم “بورنارا”، حيث أخبروه أن ثلاثة قوارب وصلت من لبنان ذلك اليوم، وأكّد أن الأمن حاولوا مساعدته بأخذ اسم عمّه والبحث عنه، لكنّهم قالوا له إنه لم يصل.

تحوّلت الساعات إلى أيّام، وأصبح من الواضح أن هناك أمراً غير طبيعي. بدأ ضياء ومحمود وأقارب آخرون بإبلاغ الأمم المتّحدة والجهات الحكومية، محذّرين من احتمال وقوع كارثة، لكن دون أن يتلقّوا أي معلومات. كان هناك شعور متزايد بعدم الارتياح، يوحي بأن القارب ربما لم يكمل رحلته.

حينها، تواصلت العائلات مع تيم علي من “مجموعة الإنقاذ الموحّدة”، وهي فريق تطوّعي سوري ينبّه السلطات إلى حالات الطوارئ في البحر. قال علي في حديثه معنا: “قمنا على الفور بإبلاغ السلطات في لبنان وقبرص وقبرص التركية وفي عموم المنطقة، لكن للأسف، لم نتلقَّ أي استجابة جدّية”.

تواصل علي أيضاً مع شبكة “ألارم فون”، وهي شبكة أخرى من المتطوّعين تراقب خطاً ساخناً مخصّصاً للمهاجرين في حالات الخطر. قال: “طلبنا مساعدتهم لأن هناك 85 شخصاً على متن القارب، أرواح حقيقية في خطر. وعندما نصعّد بهذه الطريقة ونُشرك مزيداً من الناس، فإن ذلك يضغط على السلطات للتحرك”. إلى ذلك الوقت، كان قد مرّ على اختفاء الركّاب 4 أيّام.

لذلك، اعتبرت كورينا زايتس من منظّمة “ألارم فون” أن هذه الحالة: “كانت مختلفة عن الطريقة التي نتلقّى بها البلاغات عادةً”، وأضافت أن “الأشخاص الذين يعبرون البحر المتوسّط عادةً ما يعرفون أرقام الطوارئ، لكن في حالة “برنسيس لولو”، لم يتواصل أحد من على متن القارب”، وأوضحت أنها أبلغت خفر السواحل في قبرص، والسلطات المعنيّة في تركيا، وقبرص، ولبنان، وجمهورية شمال قبرص التركية، لكن لم تتّخذ أي جهة أي إجراء.

تُعتبر وكالات خفر السواحل والهيئات البحرية، بما فيها “فرونتكس” التابعة للاتّحاد الأوروبي، ملزمة قانوناً بمساعدة أي شخص في حالة خطر في البحر. وبموجب اتّفاقيات “مناطق البحث والإنقاذ” التابعة للمنظّمة البحرية الدولية، تقع معظم المياه بين لبنان وقبرص تحت ولاية الأخيرة.

ويُعدّ “مركز تنسيق الإنقاذ المشترك في لارنكا”، التابع لوزارة الدفاع القبرصية، الجهة المسؤولة عن توجيه عمليّات الإنقاذ، بما في ذلك تعبئة الموارد كالرادار المباشر والمراقبة الجوّية. ومن المفترض أن يقوم المركز بإبلاغ خفر السواحل والسفن التجارية والخاصّة القريبة بأي طارئ محتمل. كما أن هناك عدداً من المنظّمات غير الحكومية التي تُشغّل قوارب إنقاذ خاصّة بالمهاجرين.

وقد وجّهت منظّمات حقوقية وإعلامية تهماً متكرّرة لوكالات الإنقاذ في البحر المتوسّط بارتكاب انتهاكات ممنهجة بحقّ المهاجرين، يعتقد بعض الخبراء أنها تحوّلت إلى سياسة غير رسمية للاتّحاد الأوروبي، مثل الإعادة القسرية، والمنع القسري من الوصول، وغيرها من الخروقات للقانون الدولي، بما في ذلك أفعال قد تُعدّ جنائية وتسبّبت بوفاة مهاجرين.

لم يتّخذ مركز تنسيق الإنقاذ المشترك في لارنكا أي إجراء.

ثم بدأت تقارير ترد تشير إلى أن القارب قد تمّ إنقاذه، وقالت زايتس إن “شرطة المرافئ والبحرية القبرصية أكّدت ذلك أيضاً”، وأضافت: “هذه كانت المشكلة الأساسية في البداية، ولهذا السبب أغلقنا الملفّ في البداية، لأننا اعتقدنا أنه تمّ التعامل مع الحالة”.

جزء كبير من هذا الالتباس سبّبه وصول قارب آخر يحمل 75 لاجئاً بتاريخ 16 كانون الأوّل/ ديسمبر، لكن سرعان ما تبيّن أن تلك التطمينات كانت زائفة. تقول زايتس: “الأهالي هم من قالوا لنا: “لا، علينا مطابقة الأسماء”، كانت هناك بالفعل قائمة بالركّاب، ولم يكونوا ضمن القوارب التي وصلت”.

ولزيادة الطين بلّة، كان المهرّبون في لبنان يواصلون طمأنة العائلات بأن الركّاب بخير، بعد ساعات من اختفائهم. قال ضياء: “في أوّل يومين أو ثلاثة، كنّا عميان. المهرّبون كانوا يقولون إنهم وصلوا، لكن لا يعرفون شيئاً”.

ورغم أن القلق الأساسي تمحور حول تعرّض الركّاب لحادث في البحر مع حاجتهم للمساعدة، إلا أن هناك أيضاً من خشي أن تكون السلطات تتحضّر لترحيلهم قسراً إلى لبنان.

لم تفضِ محاولات تنظيم حملات بحث أو إطلاق تحقيق رسمي إلى شيء، فأوضح تيم علي أن “قبرص أغلقت الملفّ تقريباً بالكامل. من الاتّصالات التي تلقّيناها، فهمنا أن القارب كان قد دخل المياه القبرصية. لكن بالنسبة إلى قبرص، كان مجرّد قارب آخر قادم من لبنان”.

واستطرد علي “بصراحة، لا أستطيع تفسير ما حدث بوضوح، لكن هناك شيء غير مريح. وكأن القارب اقترب من قبرص… ثم توقّف كلّ شيء فجأة. هذا إحساسي الشخصي. لا أملك دليلاً قاطعاً، لكن هناك شيء لا يتطابق”.

هذا الغموض من جانب السلطات، مع الوعود الكاذبة من المهرّبين، خلق سحابة من الحيرة والارتباك لدى العائلات، وسرعان ما بدأ المهرّبون يغيّرون رواياتهم.

كيف تُهرَّب عائلة لاجئة؟

دفع ركّاب “برنسيس لولو” آلاف الدولارات لشبكة تهريب مقرّها مدينة طرابلس شمال لبنان، التي أصبحت في السنوات الأخيرة نقطة انطلاق رئيسية لعبور اللاجئين نحو أوروبا، وسط ازدهار في تجارة التهريب والوسطاء.

يروي ضياء أن رحلة عمّه وجدي بدأت قبل أسابيع، عندما غادر منزله في سوريا ودخل إلى لبنان بمساعدة رجل يُعرف بأبو سيف، واسمه الحقيقي خالد المحاميد. كان أبو سيف يعمل مهرّباً في منطقة وادي خالد القريبة من الحدود الشمالية، كما كان يربط المهاجرين بالمهرّبين الذين يمكنهم تأمين القوارب لإخراجهم من لبنان.

وبينما كان وجدي ينتظر في بيروت، رتّب ضياء مع أبو سيف لقاءً مع وسيط مالي في قبرص، وسلّمه 3100 دولار نقداً. تمّ تمرير المبلغ عبر مكتب سفريات اسمه “التاج” في دمشق، إلى أحد شركاء أبو سيف، الذي كان يتعاون مع وسيط آخر يُدعى حكمت العرق، الملقّب بأبو فهد. وعد أبو سيف بأن يحتفظ بالمال إلى حين وصول وجدي بأمان إلى قبرص، ليتمّ بعدها دفع المبلغ للمهرّبين الأساسيين.

سرد ضياء رحلة عمّه: “أخذ أبو سيف عمّي إلى طرابلس، إلى منزل أبو فهد”، لكن بعد عشرة أيّام، أوقفت الشرطة اللبنانية وجدي وأعادته إلى سوريا. قضى أسبوعاً في السجن إلى أن دفع أبو سيف مبلغ 500 دولار لإطلاق سراحه، ثم هرّبه مرّة أخرى إلى لبنان.

أضاف ضياء: “أقام في بيت أبو سيف في وادي خالد نحو أسبوع، ثم نزل مجدداً إلى طرابلس، إلى منزل أبو فهد، حيث بقي قرابة شهر في انتظار اكتمال عدد الركّاب وتأمين القوارب”.

عندما اتصلنا بأبو سيف عبر الهاتف، بدا متوتّراً. أقرّ بمساعدته سوريين لعبور الحدود إلى لبنان وبإخراج وجدي من السجن، لكنّه نفى أي دور مباشر في التهريب، وقال: “إذا نُشر هذا الكلام في الإعلام، ستكون مصيبة”.

أوضح أنه لا يعرف شيئاً عن مصير القارب: “لا أعلم أين القارب، وعندي أقارب كانوا عليه”، لكنّه رفض الكشف عن هوّياتهم، أو ما إذا كانوا ركّاباً أم من طاقم القارب.

قال: “أنا رجل شغلي على الحدود، والناس تعرفني”، وأقرّ بأنه أحياناً “يُؤتمن على أموال الناس”، لكنّه اعتبر ذلك مجرّد ضمانات، أو خدمات لأشخاص يعبرون من خلال منزله. “الفكرة بأني أنا مَن يضع الناس على القوارب، أو يطلب تهريبهم غير صحيحة”، وأكّد أنه لا يغادر وادي خالد، مضيفاً: “شغلي هو فقط إيصالهم، لا أكثر ولا أقلّ”.

وتابع: “لدي معارف، وأعرف كيف تمشي الأمور. في النهاية، ليس كلّ شيء يُقال بصراحة”، وختم قائلاً: “أنا أريد أن تظهر الحقيقة”.

أما محمود العلي، زوج شيرين، فكان على تواصل هو الآخر مع أبو فهد. تعرّف عليه عبر صديق أثنى على نزاهته، كان محمود يريد أن تلتحق به شيرين وطفلاهما في قبرص، بعد فترة صعبة مرّت على زواجهما.

قال محمود: “قبل أسبوع من إرسال عائلتي، قال لي صديقي: “محمود، هذا الرجل موثوق وصادق، يمكنك الاعتماد عليه”. دفع 9 آلاف دولار لأبو فهد مقابل الرحلة، وأصرّ على أن يرافق شيرين والدها وشقيقها، وأضاف: “أحضرتهم خصوصاً لهذا السبب، كي يكونوا معها طوال الرحلة”.

كلّ شيء كان يسير كما هو مخطّط له حتى ظهرت المشكلة منذ البداية. في شبكات التهريب، تُعتبر كلّ عملية فرصة واحدة فقط، حيث تكون الرحلة باتّجاه واحد. بعض القباطنة وأفراد الطاقم يفضّلون البقاء عند الوصول، بينما يختار آخرون العودة. وغالباً ما يحاول من يقرّرون البقاء التسلّل بين المهاجرين، لكن يُكتشف أمرهم عادة، ويُعتبرون مهرّبين، فيُعتقلون وتُصادر القوارب كأدلّة. في بعض الحالات، يتقدّم هؤلاء بطلبات لجوء من داخل السجون، بحجّة أنهم كانوا يفرّون من النزاع، أو أُجبروا على قيادة القارب، أو أن إعادتهم إلى لبنان ستعرّضهم لانتهاكات.

في يوم الإبحار، اشترى المهرّبون قارب “برنسيس لولو”. ووفقاً لروايات أقارب ووثائق قضائية، فإن مالكه الأصلي، خالد القدور، رفض الإبحار بنفسه، وبدلاً من ذلك، باعه إلى المهرّبين مقابل 15 ألف دولار، في صفقة رتّبها أبو فهد، الذي رافق رجلاً يُدعى محمود عيد لتسجيل القارب باسمه.

خلال الفترة التي سبقت ذلك، كان عيد يعمل مع الشقيقين السوريين خالد وفراس البيطار، وهما من المهرّبين المعروفين. بداية العام 2023، تقرّب عيد منهما طالباً المال لعلاج ابنه، فوافق مقابل 1500 دولار على تسجيل قارب باسمه لتغطية ملكية الأخوين، وبحلول كانون الأوّل/ ديسمبر، أصبح بحاجة إلى المال مرّة أخرى.

بالمقابل، يروي محمود، زوج شيرين، تفاصيل إضافية تكشف ما هو أخطر. فبعد انسحاب القبطان الأصلي، الذي اكتشف وجود أعطال في القارب، تبيّن أيضاً أن هناك كميّة من المخدّرات مخبّأة على متنه، وهو ما دفعه إلى رفض الإبحار.

في أعقاب ذلك، استُبدل القبطان برجل يُدعى فارس طالب، رغم أنه كان يعاني من إعاقة جسدية في ذلك الوقت، وتمّ اصطحابه من منزله دون علم زوجته بنيّة إشراكه في الرحلة إلى قبرص.

أما الشخصيّة الرئيسية التي تولّت إدارة العمليّة بكاملها، من تعيين القبطان الجديد إلى الإشراف على شراء القارب، فهي رجل يُعرف بلقب “الحاج”، ويُعتقد أنه العقل المدبّر للرحلة الأخيرة.

المهرّبون يغيّرون رواياتهم

لم يقتنع أي من العائلات التي التقينا بها بأن القارب قد “اختفى” ببساطة. لا يزال بعضهم يأمل في أن يكون أقرباؤهم على قيد الحياة، محتجزين في مكان ما في قبرص أو لبنان أو سوريا، بعد تعرّضهم لعمليّة صدّ وإعادة قسرية.

ويعود السبب في هذا الغموض القاسي إلى المهرّبين أنفسهم، الذين ضلّلوا العائلات منذ بداية المأساة، بدايةً لجهلهم بما جرى، ولاحقاً في محاولة للحصول على الأموال المحتجزة لدى وسطاء الضمان.

في البداية، قد يكون هناك لبس حقيقي، إذ لم يكن من المفترض أن تبحر سوى ثلاثة قوارب في تلك الليلة، لكنّ قارباً رابعاً على متنه 19 شخصاً، أُطلق قبلها. فاضطرّ المهرّبون إلى التسريع في تحميل الركّاب على القوارب الثلاثة الأخرى، وكان “برنسيس لولو” آخرها، وتأخّر بسبب أعطال في المركب والطاقم.

هؤلاء الـ19 كانوا المجموعة الثانية التي وصلت إلى قبرص، وعندما وصل القارب الثالث، ظنّ المهرّبون والوكلاء أن القوارب كلّها قد وصلت بسلام، فبدأوا باستخدام شرائح الاتّصال التي صادروها من الركّاب لإرسال رسائل إلى ذويهم.

عند الساعة 11:30 ليلاً، استلمت شقيقة شيرين رسالة من رقمها عبر “واتساب”:
“نحن في قبرص / بس بعد في إجراءات / وهم بخير”.
وتبعها: “نحن يلي طلعناهم على القارب.”

تعتقد عائلة شيرين أن هذه الرسائل أُرسلت من هاتفها، ما يشير إلى أنها وصلت بسلام. لكنّ زوجها محمود أوضح أن شيرين كانت تملك شريحتين: واحدة سورية وأخرى لبنانية مخصّصة للاتّصال الدولي، وصادر المهرّبون فقط الشريحة السورية، وهو ما قد يفسّر سبب ردّ رجل على المكالمة التي أجرتها أختها عند السابعة مساء يوم 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، قائلاً “إن شيرين بأمان”.

في تلك الليلة نفسها، اتّصل أحد المهرّبين بمحمّد القاسم، شقيق قاسم، صانع الحلويات من القنيطرة، المدينة السورية المنزوعة السلاح في الجولان، قال له صوت عبر الهاتف: “الحمد لله على السلامة، الشبّان وصلوا بخير”.

لكنّ محمّد سأله: “ليش عم تتّصل من رقم أخي؟”، فردّ بأن قاسم أعطاه الشريحة قبل الصعود إلى القارب.

بعد هذه المكالمات الأوّلية، صمتت هواتف الركّاب تماماً.

ومع تزايد المؤشّرات على أن ركّاب “برنسيس لولو” لم يصلوا إلى المخيّمات، بدأ المهرّبون بتبديل رواياتهم، وابتكروا قصصاً لدعم مزاعم أن الركّاب موجودون في قبرص، لكن لا يُسمح لهم بالتواصل.
قالوا إنهم “قيد المعالجة”، وإن “البريطانيين يحتجزونهم في قاعدة عسكرية”، أو أنهم “في ميناء لارنكا والسلطات ترفض الإفراج عنهم”.
وانتشرت أيضاً شائعة مفادها أن السلطات القبرصية اعترضت القارب بسبب وجود عناصر من “حزب الله” على متنه، كانوا يخطّطون لهجمات ضدّ مصالح يهودية في قبرص.

أحد المهرّبين قال لزوجة أحد المفقودين: “لو كانوا غرقوا، كان طلع جثّة وحدة على الأقلّ. لكنّ الحقيقة أنهم معتقلون في قبرص، بس ما عنا معلومات أكتر”.

أما ضياء، فقال: “المهرّبون اخترعوا شائعات كثيرة، وقالوا إنهم بخير ومحتجزون”.
وكانت أكثرها تكراراً أن السلطات صادرت القارب واعتقلت الركّاب بسبب العثور على ثلاثة ملايين حبّة كبتاغون على متنه؛ وهو مزيج من المنشّطات يُصنّع في سوريا ويُعتبر من أبرز صادرات النظام غير الشرعية، وأكّد المهرّبون أن الركّاب سيُفرج عنهم فور انتهاء التحقيق.

لكن شائعات أخرى أكثر سوداوية وجنوناً انتشرت، تفيد بأن الركّاب لم يصلوا إلى قبرص أساساً، بل أُعيدوا إلى سوريا واختفوا في سجن صيدنايا السيّئ السمعة، أو أنهم أُرسلوا إلى ليبيا وتعرّضوا لسرقة أعضائهم.

يعتقد العديد من العائلات أن المهرّبين روّجوا لهذه القصص، كي يدفعوا العائلات للإفراج عن الأموال التي كانت محتجزة لدى أمثال أبو سيف وأبو فهد. بعضهم قال إن الأموال أُعيدت، لكنّ وسطاء آخرين احتفظوا بها مدّعين أن القوارب وصلت.

وبعد مرور ما يقارب الشهرين على اختفاء القارب، لاحظت زوجة أحد الركّاب أن حساب “واتساب” الخاصّ بزوجها أصبح “نشطاً على الإنترنت”، وبدأت ترسل له رسائل صوتية ونصّية بهلع، لتتلقّى ردوداً غريبة.
سألت: “من أنت؟” فجاء الردّ بالصينية:
“我是西莉亚” أي: “أنا سيلسيا”.

واصلت إرسال الرسائل متوسّلة، وكتبت: “أين صاحب هذا الهاتف؟ هل هو بخير؟”، “سنمنحك مكافأة مهما كانت، فقط أرسل لنا صورة تثبت أنه بخير”.

لكنّ الردّ جاء جافاً: “أنا لا أعرفك”.

“نحن نتعامل مع شياطين”

على مدى عشرين عاماً من مسيرته المهنية، خاض المحامي محمد صبلوح معارك قضائية ضدّ الحكومة والجيش بسبب قضايا التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، ما جعله عرضة لمضايقات مستمرّة من الدولة، ومنذ انضمامه إلى المركز في عام 2020، ركّز جهوده على “تقديم الدعم القانوني والتوعية للمهاجرين”.

التقينا بصبلوح في طرابلس في تمّوز/ يوليو، وتواصلنا معه في مناسبات عدّة منذ ذلك الحين. قال لنا: “هذه أعقد قضيّة أواجهها في حياتي. المشكلة أنني على تواصل دائم مع العائلات، يسألون عن أبنائهم في كلّ ساعة، ولا أملك ما أقدّمه لهم”.

وأضاف أن عائلة القبطان أبلغته بأن المهرّبين يطمئنونهم إلى أن القبطان سيخرج من السجن بعد شهرين، ثم تساءل: “أي سجن؟ لا نعلم. نحن نتعامل مع شياطين”.

حين أبلغته منظّمة “ألارم فون” في أواخر كانون الأوّل/ ديسمبر عن اختفاء قارب “برنسيس لولو” وعلى متنه العشرات، سارع صبلوح إلى التواصل مع وزير الخارجية اللبناني عبدالله بو حبيب، المعروف بقدرته على التواصل الدبلوماسي السريع. إلا أن بو حبيب “لم يردّ إطلاقاً”، واعتبر أن هؤلاء الأشخاص “مجرّد أرقام، لا بشر”، وأضاف صبلوح: “لم يتواصل مع أي دولة”.

وجّه صبلوح أيضاً رسائل إلى عدّة جهات حكومية وإنسانية، بينها مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتّحدة، في تركيا وقبرص ولبنان. كما خاطب السفارة البريطانية على خلفيّة معلومات أفادت بأن المفقودين محتجزون في القاعدة البريطانية في قبرص.

وقد أكّدت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن الركّاب ليسوا في قبرص، وأبلغه السفير القبرصي في بيروت: “لستُ كحال سوريا أو لبنان، حيث نحتجز الناس وننكر وجودهم. لدينا مخيّمات مفتوحة، ونرحّب باللاجئين، ولو كانوا هنا لكنّا أعلنّا ذلك”.

بدأ صبلوح بالتواصل مع أهالي المفقودين عبر مجموعة “عائلات القارب المفقود” على “فيسبوك”، وطلب منهم تزويده بالمعلومات. جمع في البداية قائمة تضمّ 75 اسماً، وسرعان ما ارتفع العدد إلى 85.

في مطلع كانون الثاني/ يناير، قدّم صبلوح شكوى قضائية في لبنان باسم أب أحد الركّاب. وأوضح أن هدفه في تلك المرحلة “لم يكن فضح شبكة التهريب بقدر ما كان الحصول على بيانات قضائية… لمعرفة مصير القارب”.

وبعد عشرة أيّام، أحال مكتب المدّعي العامّ القضيّة إلى “شعبة المعلومات” في قوى الأمن الداخلي. قال صبلوح إنه أبلغهم بأن رقم أحد الركّاب أظهر نشاطاً على الإنترنت، ما يعني إمكانيّة تتبّع موقع القارب عبر نظام تحديد المواقع GPS، إلا أن الشعبة “لم تتحمّل المسؤوليّة”، وكرّرت قطع الاتّصال به.

ورغم أن النيابة العامّة وجّهت تهماً إلى عدد من الأشخاص، منهم الأخوان البيطار، وهيثم الأرق (المعروف بأبو فهد) وصاحب القارب الأصلي، إلا أن أياً منهم لم يُعتقل. وفي شباط/ فبراير، أُلقي القبض على محمود عيد، الذي استخدمه الأخوان البيطار كواجهة قانونية لشراء القارب، لكنّ سائر أفراد الشبكة ظلّوا طلقاء.

ضاق صبلوح ذرعاً ببطء القضاء اللبناني، فقرّر التصرّف بنفسه. تعاون مع صحافي لبناني لإنتاج فيلم وثائقي من جزءين عن شبكات التهريب في طرابلس. وبمساعدة العائلات، بدأ بجمع الأسماء؛ ليس فقط أسماء السماسرة، بل من يقفون خلفهم، أولئك الذين خطّطوا للرحلة وحشدوا الركّاب، وقد أطلعت العائلات فريقنا على هذه الأسماء، وهي مذكورة كذلك في مستندات المحكمة.

وفيما كان أبو فهد وأبو سيف وغيرهم يعملون كوسطاء، فإن المنفّذين الرئيسيين كانا الأخوين السوريين خالد وفارس البيطار. أما “الحاج”، الذي يُقال إنه زعيم الشبكة، فهو عمر خالد المصومي، لبناني من بلدة تل معيان في عكار. أُدين المصومي في قضايا تهريب في عام 2019، ويصفه صبلوح بأنه “رأس عصابات تهريب البشر، خطير للغاية”.

وفي 25 حزيران/ يونيو، وبعد ثلاثة أيّام على تقديم الفيلم الوثائقي إلى القضاء، أُلقي القبض على المصومي، وأُعلن عن توقيفه عبر وسائل التواصل، لكن خلال ساعات، أُطلق سراحه.

هذا الاعتقال السريع أثار مخاوف جديدة بشأن سلامة محمود عيد، إذ تعرّض لتهديدات من نزلاء آخرين طالبوه بالتراجع عن أي صلة تربطه بالمصومي، فطلب صبلوح حمايته كشاهده الأساسي.

وفي المقابل، لم تحرز التحقيقات القضائية أي تقدّم بشأن مصير القارب. القاضية رندة نصّار، التي أُوكل إليها الملفّ، كانت “غير متعاونة”، ولم يتسلّم صبلوح حتى اليوم، أي بعد مرور أكثر من عام، بيانات الموقع الجغرافي التي طلبها من الجيش والأجهزة الأمنية.

ويتّهم صبلوح جهات في الأجهزة الأمنية اللبنانية بالتواطؤ مع شبكات التهريب، ويعتقد أنها تستفيد مالياً من الأموال الضخمة التي يدفعها اللاجئون وعائلاتهم. وقال: “كيف يمكن لأربعة قوارب أن تنطلق في ليلة واحدة دون أن تلاحظ الأجهزة الأمنية؟ هناك علامات استفهام حول أداء الأمن. ومع مرور الوقت، تبيّن أن لبنان يغض النظر رسمياً عن الهجرة غير الشرعية كوسيلة للضغط على الدول الأوروبية”.

كان ركّاب “برنسيس لولو” من بين آلاف اللاجئين الذين فرّوا من لبنان في ظلّ تصاعد موجات العداء ضدّ السوريين، من خطاب الكراهية، إلى الترحيل القسري، واعتداءات الشارع.

الدافع الرئيسي لهذا التصعيد، بحسب صبلوح، هو المال الأوروبي. في ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي بدأ في عام 2019، تعتمد الدولة اللبنانية سياسة مفادها: “إذا أردتم أن نكافح الهجرة غير الشرعية، ادفعوا لنا المال”. ولفت إلى أن وزير المهجرين السابق عصام شرف الدين قال مؤخّراً إنه مستعدّ لإرسال خمسة آلاف لاجئ عبر البحر. أما خليفته، كمال شحادة، فذهب أبعد من ذلك بوصفه اللاجئين السوريين بأنهم “تهديد وجودي للبنان”.

“نحن نعيش أخطر أزمة عنصرية في تاريخ تعامل لبنان مع اللاجئين السوريين”، قال صبلوح، مشيراً إلى أن الأمر لا يقتصر على لبنان وحده، بل إن بلداناً مجاورة كتركيا تشهد كذلك عنفاً شعبوياً منظّماً ضدّ أكثر من ثلاثة ملايين سوري على أراضيها.

لطالما استُخدم اللاجئون السوريون كورقة ضغط سياسية ضدّ الاتّحاد الأوروبي، الذي لا يجد صعوبة في دفع المال مقابل إيقاف موجات التهجير.

وفي 10 كانون الثاني/ يناير 2024، التقى الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس بنظيره اللبناني جوزيف عون في بيروت لبحث سبل التعاون الثنائي. وقد مهّدت هذه الزيارة لتوقيع اتّفاقية مساعدات مالية أوروبية بقيمة مليار يورو على مدى ثلاث سنوات، تشمل “مكافحة تهريب البشر”، ودعم الجيش اللبناني.

بحلول موعد هذه المحادثات رفيعة المستوى، كانت الأخبار قد بدأت تتسرّب عن جثث مشوّهة ومتحلّلة بدأت تلفظها أمواج البحر.

الـDNA… أمل معرقل

قال المحامي محمد صبلوح: “تلقّينا أنباء عن وجود جثث في تركيا، وأخرى في شمال قبرص”، مشيراً إلى أن ربط هذه الجثث بركّاب “برنسيس لولو” أعاد الأمل للعائلات في الحصول على إجابات. لكن سرعان ما برزت عقبات جديدة؛ إذ إن عائلات المفقودين موزّعة في دول مختلفة: لبنان، سوريا، قبرص، وتركيا، وكذلك الجثث، أما التعاون بين هذه الدول، فكان شبه معدوم.

في شباط/ فبراير، وبعد شهرين على اختفاء القارب، دخل المحامي القبرصي كوستانتينوس تامبورلاس على خطّ القضيّة، حين زاره بعض أقارب الركّاب في مكتبه في مدينة ليماسول. أخبرنا أن العائلات كانت لا تزال تعتقد بأن السلطات تحتجز ذويهم في ميناء لارنكا وتمنعهم من التواصل مع العالم الخارجي، ومع مرور الوقت، زاد الإنكار الصريح والمتكرّر من قِبل الشرطة من شعور العائلات بوجود مؤامرة.

لكن تامبورلاس يعتقد أن القارب لم يصل إلى قبرص أصلاً، وقال: “آلاف السوريين يصلون إلى قبرص سنوياً، ولم يحدث أبداً أن احتُجز أحدهم دون تواصل مع العالم الخارجي. هذا القارب كان على متنه 35 طفلاً، لا يمكن أن يُعتقلوا دون أن تعلن أي دولة عنهم”.

لذلك، تقدّم المحامي بطلب رسمي إلى الحكومة للسماح للعائلات المقيمة في قبرص، بتقديم عينات حمض نووي لمقارنتها بالجثث المجهولة. وأكّد لنا أن جميع الأقارب الذين قابلناهم هناك خضعوا لفحوص الحمض النووي. وقد جاءت نتائج الجثث التي وُجدت في شمال قبرص سلبية، أما الحكومة التركية، فلم تتعاون إطلاقاً.

وعلّق تامبورلاس: “نعم، إنها مشكلة سياسية. لا أحد من فريقنا يمكنه السفر إلى تركيا للتحقيق على المستوى الرسمي”.

وأضاف صبلوح: “للأسف، لا وجود للجنة الدولية للصليب الأحمر في تركيا، والهلال الأحمر التركي ليست لديه صلاحية في هذا الملفّ. وبالتالي، أي تواصل سيكون فقط من خلال القضاء التركي. ولا يوجد حلّ آخر”.

التحقيقات حول الجثث التي لفظتها أمواج تركيا لا تزال سرّية وغير محسومة. وقد أرسلنا استفسارات وطلبات للحصول على معلومات عبر قانون حرّية الوصول للمعلومة إلى عدد من الجهات، لكن جميعها رُفضت.

أما في لبنان، فواجهت عمليّة جمع عيّنات الحمض النووي من العائلات عقبات لوجستية وسياسية. إذ رفضت الدولة اللبنانية تغطية تكاليف الفحوص، ما أجبر العائلات – وغالبيتهم من الفقراء – على محاولة تأمين المبلغ بأنفسهم. إلا أن المال لم يكن العقبة الوحيدة، بل كان العداء البنيوي من الدولة اللبنانية تجاه اللاجئين السوريين أكبر حاجز.

وشرح صبلوح: “إذا استقلّوا سيارتك ومررت على حواجز أمنية، سيتمّ اعتقالهم وترحيلهم. وإذا أخذتهم إلى ثكنات قوى الأمن الداخلي لإجراء الفحص، سيجري التدقيق في ملفّاتهم. وإذا كانت إقامتهم غير شرعية، سيتمّ توقيفهم وتحويلهم إلى الأمن العامّ، ثم ترحيلهم”، ولهذا السبب، لم تتمكّن أي من العائلات في لبنان من تقديم عيّنات للفحص.

يرجّح صبلوح أن “القارب غرق قبل وصوله إلى قبرص”، لكنّه لا يستبعد أن يكون خفر السواحل قد اعترضه وأجبره على العودة قبل ذلك، وبالرغم من التعقيدات، لا يزال يأمل أن توفّر قاعدة بيانات “I-Familia” العالمية التابعة للإنتربول، والمتخصّصة في التعرف على الأشخاص المفقودين من خلال الحمض النووي، بعض الأجوبة “التي قد تُنهي معاناة العائلات وتسمح لها ببدء التعافي”.

وفي 7 شباط/ فبراير، أُقيمت مراسم دفن لأربع جثث لفظها البحر في منطقة كارباسيا، شمال قبرص.

جثّة رقم 2 

بعد أسبوعين على انطلاق القوارب من لبنان، لفظ البحر جثّتين إلى شاطئ بلدة الحميدية في محافظة طرطوس على الساحل السوري. ونشرت مجموعة الإنقاذ الموحّدة صورة لسوار نُقش عليه “آية الكرسي”، عُثر عليه في يد إحدى الجثث، ما لفت انتباه أقارب الشابّ حمادة في محافظة درعا. سارع عمّه وابن عمّه في اليوم نفسه إلى قطع مسافة أربع ساعات للوصول إلى طرطوس والتعرّف على الجثّة.

والدة حمادة، وفاء، أرادت أن ترافقهم في الرحلة، لكن “عمّه لم يسمح لي”، كما قالت، خوفاً من ردّة فعلها، وأضافت: “بس أنا أمّه، بعرفه من تيابه، من شكله، من ريحته”، وعندما تمكّنت أخيراً من زيارة طرطوس، لم يُسمح لها برؤية الجثّة.

وافقت وفاء على تقديم عيّنة من حمضها النووي، لكنّ الدولة أعلنت لاحقاً أن عطلاً في معدّات المختبر سيؤخّر النتائج لسنتين. اضطرّت العائلة إلى إجراء الفحص في مختبر خاصّ في دمشق، مقابل مبلغ مالي. وفي أثناء انتظار النتائج، لاحقت العائلة شائعات تقول إن المفقودين الذين كانوا على متن قارب 12 كانون الأوّل/ ديسمبر محتجزون في بلدة رومية شمال لبنان. 

“بعثنا ناس وسألوا، بس ما طلع معهم شي”، قالت وفاء. عادت العائلة بمعلومة جديدة: أن الرجال معتقلون في سجن القبّة شمال طرابلس. لكنّ هذا الخيط أيضاً لم يؤدِّ إلى شيء.

في آذار/ مارس 2024، صدرت نتائج تحليل الحمض النووي من الهيئة العامّة للطاقة الذرية في دمشق، وكانت وفاء متطابقة مع الجثّة رقم 2. وقالت: “تمّ تأكيد أني أمّ الجثّة رقم 2… هو الشابّ يلي هو ابني، بس مو ابني. إن شاء الله مو ابني”.

عقود من القمع والعنف والدعاية التي مارسها نظام الأسد، تركت الشعب السوري مصدوماً ومُشوّش الثقة حتى في الأمور المصيرية. “ما اقتنعت بالفحص، حتى ربع بالمية. ليش ما اقتنعت؟ ما بعرف”، قالت وفاء. وأضافت أن الفحوص جرت تحت إشراف حكومي، والجثّة الثانية كانت لرجل مسنّ، وليس لابن أخيها نضال البالغ من العمر 17 عاماً. ولم تجد سبباً منطقياً يمنع أن تطفو جثّتا الشابّين معاً على الشاطئ.

استلمت العائلة الجثّة ونقلتها إلى درعا حيث أُقيمت مراسم دفن شرعية. وقالت وفاء: “اندفن الجثمان على الطريقة الإسلامية. وجبته من طرطوس لدرعا بطريقة نظامية وبحضور المشايخ والشرطة وكلّ شي”.

ومع ذلك، لا تزال العائلة غارقة في الشكّ والانتظار. والد حمادة قال: “أنا خايف من شغلتين: إنو تكون الجثّة إلنا، وإنو ما تكون”.

رغم أن والدي حمادة ما زالا يشكّان في نتيجة تحليل الحمض النووي، فإن الجثّة والنتائج أعطتهما شيئاً ما – قصّة مأساوية يمكن تقبّلها أو رفضها. أمّا عائلات أخرى، فلم تنَل حتى هذا “الاحتمال”.

في بيروت، خلال صيف العام الماضي، انفجرت فاطمة هنادي في نوبة من الألم واليأس. ثمانية أشهر من الغموض، من الانتظار القاسي، من الفقدان. ابنها فؤاد غاب في البحر، والسلطات لم تفعل شيئاً، والمهرّبون خدعوهم بالكذب.

قالت فاطمة وهي تبكي: “أتمنّى أن أموت لكي يعيش هو”، ثم أضافت: “عروقي توجعني. فؤاد ذهب إلى البحر حتى أرتاح. أراد أن يعمل ويحسّن وضعنا. عروقي توجعني الآن، عندما أتكلمّ، أشعر أنها تتمزّق”.

“فؤاد، أنت الهواء الذي أتنفّسه. سأموت إذا حصل له شيء”.

حاولت العائلة إيجاد إجابات عبر جلسات استشارة روحية ودينية. تلك الليلة، رأت إحدى المشاركات في المنام أن القارب غرق، وأن الركّاب سقطوا في البحر، وأن فؤاد أنقذهم جميعاً. في الحلم، “كان شعره أطول”، كما تقول فاطمة، “لأنو مرق سبع شهور”.

اليأس أنهكها. لم تعد قادرة على الأكل، ولا على النوم، تقول: “ما بقى فيني كمّل. تعبت، تعبت. إذا ميتين، خبرونا وينهم. ببكي إذا مات. ليش اختفوا؟ شو عملوا؟ ليش ما عم يرد عليّ؟ ليش يا قلبي؟ كل أمّ بدها ابنها، متل كل الأمّهات. في ناس عملوا جلطات، وأنا بدي ابني، بدي ياه هلأ”.

تحليل الحمض النووي والسوار الذي عُثر عليه في يد حمادة يدعمان الرواية الأقرب للتصديق: أن ركّاب “برنسيس لولو” تعرّضوا لكارثة بحرية أدّت إلى غرقهم. كانوا يحملون معهم بعض الإطارات الهوائية علّها تنقذهم، لكنهم تُركوا دون أي عملية بحث أو إنقاذ، ليأخذهم التيّار في أعماق المتوسّط. بالنسبة إلى حمادة، قاده التيّار ليعود إلى الساحل السوري، إلى بلدة الحميدية، التي لا تبعد سوى 12 كيلومتراً عن نقطة انطلاقه في الشيخ زناد.

ظهرت حتى الآن 19 جثّة منذ اختفاء القارب. اثنتان من الجثث الـ11 التي ظهرت في أنطاليا وموغلا، تبيّن لاحقاً أنهما تعودان إلى مواطنين تركيين، لا علاقة لهما بقارب “برنسيس لولو”، وعلى عكس ما تأمله بعض العائلات، فإن أغلب المعنيّين بالقضيّة لم يعودوا يعتقدون بأن الركّاب نجوا. لقد مرّ وقت طويل جدّاً.

الشاهد الأخير

آخر شخص رأى “برنسيس لولو” كان راكباً على القارب الثالث الذي وصل إلى قبرص. طلب منّا عدم ذكر اسمه لأنه لبناني ويخشى أن يتمّ ترحيله.

قال لنا، وهو يكرّر الجملة بتوتّر: “شفتها، شفتها، شفتها. شفت القارب الرابع”. كان ذلك في وقت مبكر من بعد ظهر 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، حين وصلت مجموعته إلى الممرّ البحري المخصّص للسفن التجارية. كانوا لا يزالون بعيدين عن الشاطئ القبرصي، عندما لمح القارب الآخر خلفهم، وكان يحمل عدداً أكبر بكثير من الركّاب.

فجأة، مرّت سفينة شحن ضخمة بجوارهم، فخلّفت وراءها اضطراباً كبيراً في المياه. “الأمواج كادت تقلب قاربنا”، قال. بعد أن استعادوا توازنهم، التفت إلى الخلف ولم يعد يرى شيئاً “الأمواج خبّته… القارب اختفى”.

كانت هذه آخر مرّة يُشاهَد فيها قارب “برنسيس لولو”.

رغم أنه لم يستطع تحديد التوقيت بدقّة، فإنه قال إن الحادثة وقعت في أوائل بعد الظهر، بالتزامن مع بدء تدهور الطقس: “كنّا بعدنا شوي بعاد عن قبرص لأن الجو كان سيّئ… نحنا كمان كدنا نغرق”.

بعد ساعات، عند الساعة 5:30 مساءً، رصد خفر السواحل القبرصي قاربهم، وكان على بعد سبعة أميال بحرية فقط من الشاطئ. وعند وصولهم إلى الميناء في وقت لاحق من تلك الليلة، كان القاربان الآخران قد وصلا قبلهما. وسط فوضى إجراءات الوصول، لم يظهر “برنسيس لولو” أبداً.

من خلال تحديد وقت ومكان إنقاذه، تمكّنا من حساب الموقع التقريبي الذي قال إنه شهد مرور سفينة الشحن، وقد وقع هذا الموقع ضمن ممرّ ملاحي نشط تعبره بانتظام سفن شحن عملاقة، لكنّ هذا لم يكن الخطر الوحيد.

تُظهر بيانات الرادار أن عاصفة كانت تقترب من منطقة القوارب، وعندما ضربت، غطّت كامل المنطقة لمدّة 24 ساعة. كما أظهرت البيانات أن الرياح والأمواج كانت تدفع باتّجاه الشمال الشرقي، ما قد يفسّر كيف وصلت جثث الضحايا إلى سواحل سوريا وتركيا.

هذه النظرية دعمتها محافظة أنطاليا في اليوم التالي لظهور إحدى الجثث على شاطئ فندق “ليكيا وورلد أنطاليا” في كانون الثاني/ يناير. فقد أصدرت بياناً جاء فيه أن “سجلات الأرصاد الجوّية أظهرت أن الرياح السائدة كانت تأتي من الجنوب، وأن الأمواج كانت من الجنوب الشرقي، ويُرجّح أن الجثث التي عُثر عليها قد جرفتها التيّارات البحرية والرياح نتيجة غرق محتمل للقارب”.

سقوط النظام… وبصيص أمل

في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، سقط النظام السوري برئاسة بشار الأسد، بعد مرور عام تقريباً على مغادرة قارب “برنسيس لولو” سواحل لبنان، بدا أن هذا الانهيار يشير إلى تحوّل محتمل في الجهود الرامية إلى كشف مصير الركّاب المفقودين.

قال المحامي محمد صبلوح إن مسؤولاً في وزارة الخارجية السورية أخبره بأن “الحكومة الجديدة ستتعامل مع القضية بجدّية”. وفي الشهر الماضي، أفادت وفاء – والدة أحد المفقودين – أنها وعدداً من العائلات في سوريا عقدوا اجتماعاً مع الحكومة الجديدة، حيث طُلب منهم تقديم “شكوى جماعية” أمام المحاكم السورية. وأوضحت وفاء أن المقصود هو “رفع دعوى جماعية”، بمثابة دعوى قضائية موحّدة تمثّل جميع المتضرّرين.

لكن في الوقت الذي أبدت فيه السلطات السورية الجديدة استعداداً للتعاون، لا تزال قبرص ترفض حتى فتح تحقيق.

قبل شهرين، أعلن وزير الدفاع القبرصي فاسيليس بالماس، أمام لجنة برلمانية أن حكومته “لن تحقّق” في التهم الموجّهة إلى خفر السواحل بممارسة عمليّات صدّ قسرية. جاء هذا التصريح بعد حادثة انقلاب قارب مهاجرين قبالة السواحل القبرصية، كان قد انطلق من طرابلس وعلى متنه 20 شخصاً. تمّ انتشال سبع جثث، فيما لا يزال 11 شخصاً في عداد المفقودين. وأفاد الناجيان الوحيدان بأن خفر السواحل أطلق النار في محاولة لإجبارهم على العودة.

وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد أصدرت العام الماضي حكماً لصالح لاجئين سوريين، خلُص إلى أنهم حُرموا من حقوقهم القانونية وأُعيدوا قسراً إلى لبنان.

تواصلنا مع مكتب المدّعي العامّ في قبرص للسؤال عمّا إذا كان قد فُتح تحقيق رسمي، أو ما إذا كانت هناك نيّة للقيام بذلك، لكنّنا لم نتلقَّ أي ردّ.

وقبل أسبوع، أفادت منظّمة “ألارم فون” بأن زورقَي لاجئين تعرّضا “للصدّ القسري من قِبل السلطات القبرصية”، ضمن سياسة جديدة يجري تنفيذها في إطار “اتّفاق ثنائي للبحث والإنقاذ” بين قبرص وسوريا.

قبل ثلاثة أسابيع، رفضت محكمة في لبنان جميع التهم الجنائية الموجّهة ضدّ مهرّبي البشر، بما في ذلك عمر المصومي، وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبّد أو حتى الإعدام لو ثبتت. وأحالت المحكمة القضيّة إلى النيابة العامّة مع توجيه بتخفيض التهم المحتملة إلى جنح، التي تتراوح عقوبتها بين عدّة أشهر إلى ثلاث سنوات سجناً.

رغم أن القاضي قبل على الأرجح أن القارب غرق، وأن الركّاب قد فارقوا الحياة، ذكرت حيثيات الحكم أن المهرّبين لم يكن لديهم نيّة جنائية أو غرض إجرامي، “لأن غرق أي سفينة أثناء الرحلة البحرية يمكن أن يحدث سواء في رحلة قانونية أو غير قانونية”، ولم يُذكر في الحكم أي إشارة إلى الاكتظاظ الخطير أو نقص وسائل السلامة اللازمة.

وُجه أمر إلى عمر المصومي بدفع مبلغ 500 مليون ليرة لبنانية، منها 450 مليون كضمان مالي لمنعه من الهروب، وهو ما يعادل نحو 5000 يورو، أي ما كان يمكن أن يشتري له مقعداً ونصف مقعد على قارب “برنسيس لولو”.

تشير أحدث إحصاءات مشروع “المهاجرين المفقودين” إلى غرق 3129 مهاجراً على الأقلّ في البحر الأبيض المتوسّط في عام 2023، وهي أعلى حصيلة منذ 2016. وخلال العقد الماضي، فقد أكثر من 29,000 شخص حياتهم في هذه الرحلات الخطرة. بالنسبة إلى عائلات الذين صعدوا على متن “برنسيس لولو”، التي عاشت أكثر من عام ونصف العام في حالة من عدم اليقين، يبقى الخوف أن يُضاف أحباؤهم يوماً إلى هذه الإحصائيات، أو الأسوأ من ذلك، ألا يعرفوا مصيرهم أبداً.

داس بيستي أم نوردن - NDR NDR | 05.12.2025

“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.

في كانون الأوّل/ ديسمبر 2023، انطلقت أربعة قوارب تقلّ لاجئين سوريين من شواطئ مدينة طرابلس شمال لبنان باتّجاه جزيرة قبرص. ثلاثة منها وصلت بسلام، أما الرابع، الذي حمل على متنه 85 شخصاً بينهم 35 طفلاً، فقد اختفى دون أن يُعثر له على أثر. لم يتحرّك أحد من السلطات لمعرفة ما حدث، حتى عندما بدأت جثث متحلّلة بالظهور على شواطئ المتوسّط.

مساء 20 كانون الثاني/ يناير، لفظت أمواج البحر جثّة متحلّلة إلى شاطئ منتجع فخم في أنطاليا التركية. كان المنتجع خالياً من الروّاد، حيث لفتت بقعة حمراء قرب المياه نظر أحد الموظّفين. 

حين زار فريق “ذا بلاك سي” المكان في تمّوز/ يوليو العام الماضي، أطلعنا موظّف على صورة للجثّة، كانت بقايا هيكل عظمي تظهر من تحت قميص أو فستان أحمر. لم يتّضح ما إذا كان الموظّفون التقطوا الصورة قبل إبلاغ الشرطة أو بعده.

علم المختار عبد الرحمن أردوغان بالخبر، فتوجّه إلى المنتجع الذي يبعد عن مكتبه كيلومتراً واحداً. قال لاحقاً لصحيفة “حرّييت” التركية: “كان واضحاً أنها جثّة بشرية من شكل العظام، رأيتها بنفسي. كان المشهد أشبه بفيلم رعب”. 

في الأسابيع التالية، عُثر على جثث أخرى على طول الساحل من أنطاليا إلى موغلا، بعضها كان مقطّع الأوصال، فبدأت وسائل الإعلام المحلّية ومواقع التواصل تتكهّن: هل الضحايا فلسطينيون هاربون من قصف إسرائيلي؟ هل يوجد سفّاح طليق؟ أحد المنقذين على شاطئ قريب، تحدّث عن “عبدة شياطين من المشاهير” واتّهم مادونا.

لكن مع الوقت، بدأت التقارير تربط بين تلك الجثث، وبين جثث أخرى ظهرت في قبرص وسوريا، وسرعان ما تبيّن أن القصّة على الأرجح تتعلّق باللاجئين. حين عدنا لنسأل المختار أردوغان بعد أشهر، أنكر أنه شاهد الجثّة، قائلاً إن الدرك منعه من الدخول، ثم أضاف: “سمعنا أنهم لاجئون سوريون، فلم نكترث أبداً”.

في ليلة 11 كانون الأوّل/ ديسمبر 2023، تجمّع نحو 250 لاجئاً – معظمهم سوريون – في بلدة الشيخ زناد شمال لبنان، استعداداً للإبحار نحو قبرص. أبحرت القوارب الأربعة تباعاً خلال ساعات الليل. في مساء اليوم التالي، وصلت ثلاثة منها إلى شواطئ آيا نابا القبرصية، أما القارب الرابع، وهو قارب صيد اسمه “برنسيس لولو”، فلم يصل.

رغم أن السلطات القبرصية واللبنانية أُبلغت باحتمال وجود قارب في خطر، لم يجرِ أي تحرّك رسمي للبحث أو الإنقاذ، وحتى اليوم، لم تُفتح أية تحقيقات رسمية في لبنان، أو قبرص.

خلف هذا الإهمال الرسمي، تقف عشرات العائلات المنكوبة، التي ما زالت تبحث عن إجابات بشأن مصير أحبائها الذين كانوا على متن القارب، وما يزيد من ألمهم هو تضارب الأدلّة: بعض المؤشّرات تقول إن القارب وصل إلى قبرص، وأخرى توحي بأنه غرق.

المفارقة أن اختفاء هذا القارب لم يحظَ بأي اهتمام يُذكر، مقارنة بتغطية الكوارث البحرية الأخرى التي وقعت في الفترة نفسها، كاختفاء غوّاصة “تيتان” في المحيط الأطلسي، أو غرق يخت فاخر قبالة سواحل إيطاليا. والفرق أنه في تلك الحالات، كان المفقودون من الأغنياء.

سافرنا إلى تركيا وقبرص ولبنان لمحاولة تجميع خيوط قصّة “برنسيس لولو”، وربطها بالجثث التي ظهرت على سواحل المتوسط. استندنا إلى شهادات عائلات، ومحامين، وناشطين، وجمعنا مقاطع صوتية ورسائل نصّية، أرسلها الركّاب في الساعات الأخيرة قبل انقطاع الاتّصال بهم.

ما تكشّف لنا هو مزيج من الإهمال، والكذب من المهرّبين، والتقاعس من السلطات، وغياب أي محاسبة حقيقية على اختفاء ما يقارب مئة إنسان.

“البحر هادئ والرحلة هادئة”

غادر قارب “برنسيس لولو” قرابة الساعة 1 فجراً من يوم 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، وكان من المتوقّع أن تستغرق الرحلة أقلّ من يوم. في البداية، كانت الأجواء متفائلة، وأرسل الركّاب رسائل طمأنة إلى أهلهم. أحد الركّاب كان محمّد الخصاونة، طالب علوم حاسوب يبلغ 19 عاماً من درعا. 

كانت والدة محمد، وفاء، تناديه بـ”حمادة”، تصفه بأنه قطعة من قلبها. وشدّدت على أنه كان الأذكى بين جميع أبنائها، وهو الوحيد الذي التحق بالجامعة، قالت: “هو هادئ جدّاً، الله يحميه. ذكي”، وتميّز بهوايات متعدّدة كالرسم والكتابة والتصميم. 

كان حمادة مرتبطاً بفتاة من درعا، لكن بناءً على طلب الأهل، اتّفق الطرفان على أن يُكمل دراسته أوّلاً. تولّى أقارب له في قبرص ترتيب الرحلة عبر سماسرة، مع وعد بإمكانية تسجيله في الجامعة بمجرّد استقراره هناك.

وقبل مغادرته، أهدته خطيبته سواراً نُقش عليه “آية الكرسي”، وهي مقطع شهير من القرآن يُتلى عادة عند السفر للحماية، وتبيّن لاحقاً أن هذا السوار سيكون دليلاً مهمّاً.

كان على متن القارب أيضاً عمر البرهوم، عامل بناء من إدلب وأب لثمانية أطفال. أرسل رسائل صوتية طريفة لأخته رنا وهو على متن القارب، وطلب منها أن تدعو له، قال لها: “إذا وصلنا بالسلامة جيبيلي فروج مقلي”.

في قبرص، جلس شقيقه إبراهيم محاطاً برجال فقدوا عائلاتهم على متن القارب نفسه، قال إنه توسّل أخاه ألا يسافر لأنه عاش تجربة غرق مشابهة قبل خمس سنوات. واستعرض آخر الرسائل التي أرسلها عمر: “عنا بسكويت وكم غرض، نامي ماما”، وأضاف: “قالولي البحر هيج، بس هو هادي، والرحلة مريحة”.

ربطت إبراهيم بشقيقه علاقة متينة، إذ وصفه قائلاً: “أخي هو رفيقي”، وأضاف: “أبكي عليه كلّ يوم، ولا أستطيع الحديث مع أطفالي عن الأمر. والدتي ما زالت لا تعلم شيئاً، فهي مريضة بالقلب. أخبرناها أنه محتجز في مركز الشرطة قيد التحقيق، ولا يُسمح له بالتواصل. نحن نعاني في كلّ يوم”.

يعتقد إبراهيم أن شقيقه وصل إلى قبرص، ويستند في ذلك إلى مقطع فيديو صوّره أحد الركّاب على متن قارب “برنسيس لولو”، وأشار إلى الفيديو قائلا: “أنظر إلى هذا الفيديو، إنهم فرحون في عرض البحر، لا غرق ولا شيء، البحر كان هادئاً”.

يُظهر المقطع مجموعة من الشبّان يضحكون ويمزحون مع شروق الشمس خلفهم، بعد ليلة غامضة في عرض البحر. كانوا يرتدون حول خصورهم دواليب مطاطية منفوخة بدلاً من سترات النجاة، تماماً كما وصف عمر في رسائله إلى والدته.

وفي لحظة طريفة من التسجيل، قال أحدهم ضاحكاً، وهو يشير إلى شاب يُدعى الحزوري: “إذا رجعونا من قبرص، فبسببه”، قبل أن يضيف مازحاً: “الحزوري قضى الرحلة نائماً”، بينما كان الأخير يلوّح للكاميرا مبتسماً.

أكّد الأقارب هوّيات الشبّان الظاهرين في الفيديو، وهم: محمّد عزّو، خالد محمّد، بكر العرق، عبد الرحمن نجم، محمّد نجم، وأنس الحزوري، الذي ينادونه بـ”الحزوري” (يُذكر أن عزّو غير مُدرج رسمياً ضمن قائمة المفقودين، لكنّ مصادر أكّدت لنا أنه كان على متن القارب) أما من كان يُمسك بالهاتف أثناء التصوير، فهو فؤاد هنادي، شابّ يبلغ من العمر 25 عاماً.

في لبنان، قالت والدته فاطمة هنادي إن ابنها فؤاد غادر البلاد “لأنه لم يعد يحتمل العنصرية هنا. لأنه سوري، لا يريدونه. يتّهمونه بأخذ فرص العمل من اللبنانيين”. في صباح رحيله، حاولت كتم مشاعرها: “لم أرد أن أحزنه، لم أرافقه إلى السيّارة. لماذا؟ أندم كثيراً على ذلك. تمنّيت لو أنني عانقته”.

الفيديو الذي أُرسل عند الساعة 6:50 صباحاً، هو آخر تواصل مؤكّد مع قارب “برنسيس لولو”.

“الأميرة” المفقودة والاستجابة البطيئة

بعد الساعة الثانية من ظهر يوم الثلاثاء 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، رصدت شرطة المرافئ والبحرية القبرصية أوّل قارب على بُعد 10 أميال من آيا نابا، تلاه قاربان آخران خلال الساعتين التاليتين. وبحلول المساء، كانت القوارب الثلاثة قد تمّ اعتراضها ومرافقتها إلى الشاطئ. وأفادت صحيفة “Cyprus Mail” بوصول 170 راكباً إلى كيب غريكو، وتمّ نقلهم إلى مركز الاستقبال الأوّل “بورنارا”، وهو مخيّم لاجئين يقع خارج نيقوسيا.

أحدثت أخبار وصول القوارب ارتياحاً كبيراً لدى عائلات المهاجرين، وبدأ السماسرة والوسطاء بإرسال رسائل يؤكّدون فيها أن الركّاب قد وصلوا بسلام.

كانت شيرين العلي على متن قارب “برنسيس لولو” برفقة طفليها، إبراهيم (5 سنوات) وأحمد (6 سنوات) وفي تمام الساعة 11:30 ليلاً، تلقّت شقيقتها رسائل من حسابها على “واتساب” تؤكّد فيها أنها وصلت بسلام.

في هذا الوقت، كان زوجها محمود المحمّد، الموجود مسبقاً في قبرص، قد توجّه على الفور إلى مخيّم “بورنارا” لاستقبال زوجته وأولاده. يقول: “كنت أراقب الركّاب وهم ينزلون من الحافلات واحداً تلو الآخر”، لكن شيرين وطفليها لم يكونوا بينهم، ولا والدها حسن، ولا شقيقها حسين، اللذان رافقاها في الرحلة.

مضت ساعة دون أي خبر، فتوجّه محمود إلى أحد عناصر الأمن قائلاً: “الركّاب وصلوا، لكنّ أطفالي ليسوا بينهم”، فطمأنه الحارس بأن هناك “نحو مئة شخص لا يزالون على متن قارب آخر في الميناء ولم يتمّ نقلهم بعد إلى هنا”، فانتظر محمود في المخيّم أسبوعاً كاملاً.

وفي السياق نفسه، عندما علم ضياء رزق بوصول نحو 200 مهاجر إلى آيا نابا، افترض أن عمّه وجدي رزق، البالغ من العمر 28 عاماً، كان بينهم. فقد كانت آخر مرّة سمع فيها خبراً من وجدي قبل قرابة 24 ساعة، عبر رسالة قصيرة أُرسلت من هاتف أحد الركّاب الآخرين، وجاء فيها: “الجميع بخير، وسننطلق قريباً”.

توجّه ضياء فوراً إلى مركز اللاجئين في قبرص، وهو مخيّم “بورنارا”، حيث أخبروه أن ثلاثة قوارب وصلت من لبنان ذلك اليوم، وأكّد أن الأمن حاولوا مساعدته بأخذ اسم عمّه والبحث عنه، لكنّهم قالوا له إنه لم يصل.

تحوّلت الساعات إلى أيّام، وأصبح من الواضح أن هناك أمراً غير طبيعي. بدأ ضياء ومحمود وأقارب آخرون بإبلاغ الأمم المتّحدة والجهات الحكومية، محذّرين من احتمال وقوع كارثة، لكن دون أن يتلقّوا أي معلومات. كان هناك شعور متزايد بعدم الارتياح، يوحي بأن القارب ربما لم يكمل رحلته.

حينها، تواصلت العائلات مع تيم علي من “مجموعة الإنقاذ الموحّدة”، وهي فريق تطوّعي سوري ينبّه السلطات إلى حالات الطوارئ في البحر. قال علي في حديثه معنا: “قمنا على الفور بإبلاغ السلطات في لبنان وقبرص وقبرص التركية وفي عموم المنطقة، لكن للأسف، لم نتلقَّ أي استجابة جدّية”.

تواصل علي أيضاً مع شبكة “ألارم فون”، وهي شبكة أخرى من المتطوّعين تراقب خطاً ساخناً مخصّصاً للمهاجرين في حالات الخطر. قال: “طلبنا مساعدتهم لأن هناك 85 شخصاً على متن القارب، أرواح حقيقية في خطر. وعندما نصعّد بهذه الطريقة ونُشرك مزيداً من الناس، فإن ذلك يضغط على السلطات للتحرك”. إلى ذلك الوقت، كان قد مرّ على اختفاء الركّاب 4 أيّام.

لذلك، اعتبرت كورينا زايتس من منظّمة “ألارم فون” أن هذه الحالة: “كانت مختلفة عن الطريقة التي نتلقّى بها البلاغات عادةً”، وأضافت أن “الأشخاص الذين يعبرون البحر المتوسّط عادةً ما يعرفون أرقام الطوارئ، لكن في حالة “برنسيس لولو”، لم يتواصل أحد من على متن القارب”، وأوضحت أنها أبلغت خفر السواحل في قبرص، والسلطات المعنيّة في تركيا، وقبرص، ولبنان، وجمهورية شمال قبرص التركية، لكن لم تتّخذ أي جهة أي إجراء.

تُعتبر وكالات خفر السواحل والهيئات البحرية، بما فيها “فرونتكس” التابعة للاتّحاد الأوروبي، ملزمة قانوناً بمساعدة أي شخص في حالة خطر في البحر. وبموجب اتّفاقيات “مناطق البحث والإنقاذ” التابعة للمنظّمة البحرية الدولية، تقع معظم المياه بين لبنان وقبرص تحت ولاية الأخيرة.

ويُعدّ “مركز تنسيق الإنقاذ المشترك في لارنكا”، التابع لوزارة الدفاع القبرصية، الجهة المسؤولة عن توجيه عمليّات الإنقاذ، بما في ذلك تعبئة الموارد كالرادار المباشر والمراقبة الجوّية. ومن المفترض أن يقوم المركز بإبلاغ خفر السواحل والسفن التجارية والخاصّة القريبة بأي طارئ محتمل. كما أن هناك عدداً من المنظّمات غير الحكومية التي تُشغّل قوارب إنقاذ خاصّة بالمهاجرين.

وقد وجّهت منظّمات حقوقية وإعلامية تهماً متكرّرة لوكالات الإنقاذ في البحر المتوسّط بارتكاب انتهاكات ممنهجة بحقّ المهاجرين، يعتقد بعض الخبراء أنها تحوّلت إلى سياسة غير رسمية للاتّحاد الأوروبي، مثل الإعادة القسرية، والمنع القسري من الوصول، وغيرها من الخروقات للقانون الدولي، بما في ذلك أفعال قد تُعدّ جنائية وتسبّبت بوفاة مهاجرين.

لم يتّخذ مركز تنسيق الإنقاذ المشترك في لارنكا أي إجراء.

ثم بدأت تقارير ترد تشير إلى أن القارب قد تمّ إنقاذه، وقالت زايتس إن “شرطة المرافئ والبحرية القبرصية أكّدت ذلك أيضاً”، وأضافت: “هذه كانت المشكلة الأساسية في البداية، ولهذا السبب أغلقنا الملفّ في البداية، لأننا اعتقدنا أنه تمّ التعامل مع الحالة”.

جزء كبير من هذا الالتباس سبّبه وصول قارب آخر يحمل 75 لاجئاً بتاريخ 16 كانون الأوّل/ ديسمبر، لكن سرعان ما تبيّن أن تلك التطمينات كانت زائفة. تقول زايتس: “الأهالي هم من قالوا لنا: “لا، علينا مطابقة الأسماء”، كانت هناك بالفعل قائمة بالركّاب، ولم يكونوا ضمن القوارب التي وصلت”.

ولزيادة الطين بلّة، كان المهرّبون في لبنان يواصلون طمأنة العائلات بأن الركّاب بخير، بعد ساعات من اختفائهم. قال ضياء: “في أوّل يومين أو ثلاثة، كنّا عميان. المهرّبون كانوا يقولون إنهم وصلوا، لكن لا يعرفون شيئاً”.

ورغم أن القلق الأساسي تمحور حول تعرّض الركّاب لحادث في البحر مع حاجتهم للمساعدة، إلا أن هناك أيضاً من خشي أن تكون السلطات تتحضّر لترحيلهم قسراً إلى لبنان.

لم تفضِ محاولات تنظيم حملات بحث أو إطلاق تحقيق رسمي إلى شيء، فأوضح تيم علي أن “قبرص أغلقت الملفّ تقريباً بالكامل. من الاتّصالات التي تلقّيناها، فهمنا أن القارب كان قد دخل المياه القبرصية. لكن بالنسبة إلى قبرص، كان مجرّد قارب آخر قادم من لبنان”.

واستطرد علي “بصراحة، لا أستطيع تفسير ما حدث بوضوح، لكن هناك شيء غير مريح. وكأن القارب اقترب من قبرص… ثم توقّف كلّ شيء فجأة. هذا إحساسي الشخصي. لا أملك دليلاً قاطعاً، لكن هناك شيء لا يتطابق”.

هذا الغموض من جانب السلطات، مع الوعود الكاذبة من المهرّبين، خلق سحابة من الحيرة والارتباك لدى العائلات، وسرعان ما بدأ المهرّبون يغيّرون رواياتهم.

كيف تُهرَّب عائلة لاجئة؟

دفع ركّاب “برنسيس لولو” آلاف الدولارات لشبكة تهريب مقرّها مدينة طرابلس شمال لبنان، التي أصبحت في السنوات الأخيرة نقطة انطلاق رئيسية لعبور اللاجئين نحو أوروبا، وسط ازدهار في تجارة التهريب والوسطاء.

يروي ضياء أن رحلة عمّه وجدي بدأت قبل أسابيع، عندما غادر منزله في سوريا ودخل إلى لبنان بمساعدة رجل يُعرف بأبو سيف، واسمه الحقيقي خالد المحاميد. كان أبو سيف يعمل مهرّباً في منطقة وادي خالد القريبة من الحدود الشمالية، كما كان يربط المهاجرين بالمهرّبين الذين يمكنهم تأمين القوارب لإخراجهم من لبنان.

وبينما كان وجدي ينتظر في بيروت، رتّب ضياء مع أبو سيف لقاءً مع وسيط مالي في قبرص، وسلّمه 3100 دولار نقداً. تمّ تمرير المبلغ عبر مكتب سفريات اسمه “التاج” في دمشق، إلى أحد شركاء أبو سيف، الذي كان يتعاون مع وسيط آخر يُدعى حكمت العرق، الملقّب بأبو فهد. وعد أبو سيف بأن يحتفظ بالمال إلى حين وصول وجدي بأمان إلى قبرص، ليتمّ بعدها دفع المبلغ للمهرّبين الأساسيين.

سرد ضياء رحلة عمّه: “أخذ أبو سيف عمّي إلى طرابلس، إلى منزل أبو فهد”، لكن بعد عشرة أيّام، أوقفت الشرطة اللبنانية وجدي وأعادته إلى سوريا. قضى أسبوعاً في السجن إلى أن دفع أبو سيف مبلغ 500 دولار لإطلاق سراحه، ثم هرّبه مرّة أخرى إلى لبنان.

أضاف ضياء: “أقام في بيت أبو سيف في وادي خالد نحو أسبوع، ثم نزل مجدداً إلى طرابلس، إلى منزل أبو فهد، حيث بقي قرابة شهر في انتظار اكتمال عدد الركّاب وتأمين القوارب”.

عندما اتصلنا بأبو سيف عبر الهاتف، بدا متوتّراً. أقرّ بمساعدته سوريين لعبور الحدود إلى لبنان وبإخراج وجدي من السجن، لكنّه نفى أي دور مباشر في التهريب، وقال: “إذا نُشر هذا الكلام في الإعلام، ستكون مصيبة”.

أوضح أنه لا يعرف شيئاً عن مصير القارب: “لا أعلم أين القارب، وعندي أقارب كانوا عليه”، لكنّه رفض الكشف عن هوّياتهم، أو ما إذا كانوا ركّاباً أم من طاقم القارب.

قال: “أنا رجل شغلي على الحدود، والناس تعرفني”، وأقرّ بأنه أحياناً “يُؤتمن على أموال الناس”، لكنّه اعتبر ذلك مجرّد ضمانات، أو خدمات لأشخاص يعبرون من خلال منزله. “الفكرة بأني أنا مَن يضع الناس على القوارب، أو يطلب تهريبهم غير صحيحة”، وأكّد أنه لا يغادر وادي خالد، مضيفاً: “شغلي هو فقط إيصالهم، لا أكثر ولا أقلّ”.

وتابع: “لدي معارف، وأعرف كيف تمشي الأمور. في النهاية، ليس كلّ شيء يُقال بصراحة”، وختم قائلاً: “أنا أريد أن تظهر الحقيقة”.

أما محمود العلي، زوج شيرين، فكان على تواصل هو الآخر مع أبو فهد. تعرّف عليه عبر صديق أثنى على نزاهته، كان محمود يريد أن تلتحق به شيرين وطفلاهما في قبرص، بعد فترة صعبة مرّت على زواجهما.

قال محمود: “قبل أسبوع من إرسال عائلتي، قال لي صديقي: “محمود، هذا الرجل موثوق وصادق، يمكنك الاعتماد عليه”. دفع 9 آلاف دولار لأبو فهد مقابل الرحلة، وأصرّ على أن يرافق شيرين والدها وشقيقها، وأضاف: “أحضرتهم خصوصاً لهذا السبب، كي يكونوا معها طوال الرحلة”.

كلّ شيء كان يسير كما هو مخطّط له حتى ظهرت المشكلة منذ البداية. في شبكات التهريب، تُعتبر كلّ عملية فرصة واحدة فقط، حيث تكون الرحلة باتّجاه واحد. بعض القباطنة وأفراد الطاقم يفضّلون البقاء عند الوصول، بينما يختار آخرون العودة. وغالباً ما يحاول من يقرّرون البقاء التسلّل بين المهاجرين، لكن يُكتشف أمرهم عادة، ويُعتبرون مهرّبين، فيُعتقلون وتُصادر القوارب كأدلّة. في بعض الحالات، يتقدّم هؤلاء بطلبات لجوء من داخل السجون، بحجّة أنهم كانوا يفرّون من النزاع، أو أُجبروا على قيادة القارب، أو أن إعادتهم إلى لبنان ستعرّضهم لانتهاكات.

في يوم الإبحار، اشترى المهرّبون قارب “برنسيس لولو”. ووفقاً لروايات أقارب ووثائق قضائية، فإن مالكه الأصلي، خالد القدور، رفض الإبحار بنفسه، وبدلاً من ذلك، باعه إلى المهرّبين مقابل 15 ألف دولار، في صفقة رتّبها أبو فهد، الذي رافق رجلاً يُدعى محمود عيد لتسجيل القارب باسمه.

خلال الفترة التي سبقت ذلك، كان عيد يعمل مع الشقيقين السوريين خالد وفراس البيطار، وهما من المهرّبين المعروفين. بداية العام 2023، تقرّب عيد منهما طالباً المال لعلاج ابنه، فوافق مقابل 1500 دولار على تسجيل قارب باسمه لتغطية ملكية الأخوين، وبحلول كانون الأوّل/ ديسمبر، أصبح بحاجة إلى المال مرّة أخرى.

بالمقابل، يروي محمود، زوج شيرين، تفاصيل إضافية تكشف ما هو أخطر. فبعد انسحاب القبطان الأصلي، الذي اكتشف وجود أعطال في القارب، تبيّن أيضاً أن هناك كميّة من المخدّرات مخبّأة على متنه، وهو ما دفعه إلى رفض الإبحار.

في أعقاب ذلك، استُبدل القبطان برجل يُدعى فارس طالب، رغم أنه كان يعاني من إعاقة جسدية في ذلك الوقت، وتمّ اصطحابه من منزله دون علم زوجته بنيّة إشراكه في الرحلة إلى قبرص.

أما الشخصيّة الرئيسية التي تولّت إدارة العمليّة بكاملها، من تعيين القبطان الجديد إلى الإشراف على شراء القارب، فهي رجل يُعرف بلقب “الحاج”، ويُعتقد أنه العقل المدبّر للرحلة الأخيرة.

المهرّبون يغيّرون رواياتهم

لم يقتنع أي من العائلات التي التقينا بها بأن القارب قد “اختفى” ببساطة. لا يزال بعضهم يأمل في أن يكون أقرباؤهم على قيد الحياة، محتجزين في مكان ما في قبرص أو لبنان أو سوريا، بعد تعرّضهم لعمليّة صدّ وإعادة قسرية.

ويعود السبب في هذا الغموض القاسي إلى المهرّبين أنفسهم، الذين ضلّلوا العائلات منذ بداية المأساة، بدايةً لجهلهم بما جرى، ولاحقاً في محاولة للحصول على الأموال المحتجزة لدى وسطاء الضمان.

في البداية، قد يكون هناك لبس حقيقي، إذ لم يكن من المفترض أن تبحر سوى ثلاثة قوارب في تلك الليلة، لكنّ قارباً رابعاً على متنه 19 شخصاً، أُطلق قبلها. فاضطرّ المهرّبون إلى التسريع في تحميل الركّاب على القوارب الثلاثة الأخرى، وكان “برنسيس لولو” آخرها، وتأخّر بسبب أعطال في المركب والطاقم.

هؤلاء الـ19 كانوا المجموعة الثانية التي وصلت إلى قبرص، وعندما وصل القارب الثالث، ظنّ المهرّبون والوكلاء أن القوارب كلّها قد وصلت بسلام، فبدأوا باستخدام شرائح الاتّصال التي صادروها من الركّاب لإرسال رسائل إلى ذويهم.

عند الساعة 11:30 ليلاً، استلمت شقيقة شيرين رسالة من رقمها عبر “واتساب”:
“نحن في قبرص / بس بعد في إجراءات / وهم بخير”.
وتبعها: “نحن يلي طلعناهم على القارب.”

تعتقد عائلة شيرين أن هذه الرسائل أُرسلت من هاتفها، ما يشير إلى أنها وصلت بسلام. لكنّ زوجها محمود أوضح أن شيرين كانت تملك شريحتين: واحدة سورية وأخرى لبنانية مخصّصة للاتّصال الدولي، وصادر المهرّبون فقط الشريحة السورية، وهو ما قد يفسّر سبب ردّ رجل على المكالمة التي أجرتها أختها عند السابعة مساء يوم 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، قائلاً “إن شيرين بأمان”.

في تلك الليلة نفسها، اتّصل أحد المهرّبين بمحمّد القاسم، شقيق قاسم، صانع الحلويات من القنيطرة، المدينة السورية المنزوعة السلاح في الجولان، قال له صوت عبر الهاتف: “الحمد لله على السلامة، الشبّان وصلوا بخير”.

لكنّ محمّد سأله: “ليش عم تتّصل من رقم أخي؟”، فردّ بأن قاسم أعطاه الشريحة قبل الصعود إلى القارب.

بعد هذه المكالمات الأوّلية، صمتت هواتف الركّاب تماماً.

ومع تزايد المؤشّرات على أن ركّاب “برنسيس لولو” لم يصلوا إلى المخيّمات، بدأ المهرّبون بتبديل رواياتهم، وابتكروا قصصاً لدعم مزاعم أن الركّاب موجودون في قبرص، لكن لا يُسمح لهم بالتواصل.
قالوا إنهم “قيد المعالجة”، وإن “البريطانيين يحتجزونهم في قاعدة عسكرية”، أو أنهم “في ميناء لارنكا والسلطات ترفض الإفراج عنهم”.
وانتشرت أيضاً شائعة مفادها أن السلطات القبرصية اعترضت القارب بسبب وجود عناصر من “حزب الله” على متنه، كانوا يخطّطون لهجمات ضدّ مصالح يهودية في قبرص.

أحد المهرّبين قال لزوجة أحد المفقودين: “لو كانوا غرقوا، كان طلع جثّة وحدة على الأقلّ. لكنّ الحقيقة أنهم معتقلون في قبرص، بس ما عنا معلومات أكتر”.

أما ضياء، فقال: “المهرّبون اخترعوا شائعات كثيرة، وقالوا إنهم بخير ومحتجزون”.
وكانت أكثرها تكراراً أن السلطات صادرت القارب واعتقلت الركّاب بسبب العثور على ثلاثة ملايين حبّة كبتاغون على متنه؛ وهو مزيج من المنشّطات يُصنّع في سوريا ويُعتبر من أبرز صادرات النظام غير الشرعية، وأكّد المهرّبون أن الركّاب سيُفرج عنهم فور انتهاء التحقيق.

لكن شائعات أخرى أكثر سوداوية وجنوناً انتشرت، تفيد بأن الركّاب لم يصلوا إلى قبرص أساساً، بل أُعيدوا إلى سوريا واختفوا في سجن صيدنايا السيّئ السمعة، أو أنهم أُرسلوا إلى ليبيا وتعرّضوا لسرقة أعضائهم.

يعتقد العديد من العائلات أن المهرّبين روّجوا لهذه القصص، كي يدفعوا العائلات للإفراج عن الأموال التي كانت محتجزة لدى أمثال أبو سيف وأبو فهد. بعضهم قال إن الأموال أُعيدت، لكنّ وسطاء آخرين احتفظوا بها مدّعين أن القوارب وصلت.

وبعد مرور ما يقارب الشهرين على اختفاء القارب، لاحظت زوجة أحد الركّاب أن حساب “واتساب” الخاصّ بزوجها أصبح “نشطاً على الإنترنت”، وبدأت ترسل له رسائل صوتية ونصّية بهلع، لتتلقّى ردوداً غريبة.
سألت: “من أنت؟” فجاء الردّ بالصينية:
“我是西莉亚” أي: “أنا سيلسيا”.

واصلت إرسال الرسائل متوسّلة، وكتبت: “أين صاحب هذا الهاتف؟ هل هو بخير؟”، “سنمنحك مكافأة مهما كانت، فقط أرسل لنا صورة تثبت أنه بخير”.

لكنّ الردّ جاء جافاً: “أنا لا أعرفك”.

“نحن نتعامل مع شياطين”

على مدى عشرين عاماً من مسيرته المهنية، خاض المحامي محمد صبلوح معارك قضائية ضدّ الحكومة والجيش بسبب قضايا التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، ما جعله عرضة لمضايقات مستمرّة من الدولة، ومنذ انضمامه إلى المركز في عام 2020، ركّز جهوده على “تقديم الدعم القانوني والتوعية للمهاجرين”.

التقينا بصبلوح في طرابلس في تمّوز/ يوليو، وتواصلنا معه في مناسبات عدّة منذ ذلك الحين. قال لنا: “هذه أعقد قضيّة أواجهها في حياتي. المشكلة أنني على تواصل دائم مع العائلات، يسألون عن أبنائهم في كلّ ساعة، ولا أملك ما أقدّمه لهم”.

وأضاف أن عائلة القبطان أبلغته بأن المهرّبين يطمئنونهم إلى أن القبطان سيخرج من السجن بعد شهرين، ثم تساءل: “أي سجن؟ لا نعلم. نحن نتعامل مع شياطين”.

حين أبلغته منظّمة “ألارم فون” في أواخر كانون الأوّل/ ديسمبر عن اختفاء قارب “برنسيس لولو” وعلى متنه العشرات، سارع صبلوح إلى التواصل مع وزير الخارجية اللبناني عبدالله بو حبيب، المعروف بقدرته على التواصل الدبلوماسي السريع. إلا أن بو حبيب “لم يردّ إطلاقاً”، واعتبر أن هؤلاء الأشخاص “مجرّد أرقام، لا بشر”، وأضاف صبلوح: “لم يتواصل مع أي دولة”.

وجّه صبلوح أيضاً رسائل إلى عدّة جهات حكومية وإنسانية، بينها مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتّحدة، في تركيا وقبرص ولبنان. كما خاطب السفارة البريطانية على خلفيّة معلومات أفادت بأن المفقودين محتجزون في القاعدة البريطانية في قبرص.

وقد أكّدت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن الركّاب ليسوا في قبرص، وأبلغه السفير القبرصي في بيروت: “لستُ كحال سوريا أو لبنان، حيث نحتجز الناس وننكر وجودهم. لدينا مخيّمات مفتوحة، ونرحّب باللاجئين، ولو كانوا هنا لكنّا أعلنّا ذلك”.

بدأ صبلوح بالتواصل مع أهالي المفقودين عبر مجموعة “عائلات القارب المفقود” على “فيسبوك”، وطلب منهم تزويده بالمعلومات. جمع في البداية قائمة تضمّ 75 اسماً، وسرعان ما ارتفع العدد إلى 85.

في مطلع كانون الثاني/ يناير، قدّم صبلوح شكوى قضائية في لبنان باسم أب أحد الركّاب. وأوضح أن هدفه في تلك المرحلة “لم يكن فضح شبكة التهريب بقدر ما كان الحصول على بيانات قضائية… لمعرفة مصير القارب”.

وبعد عشرة أيّام، أحال مكتب المدّعي العامّ القضيّة إلى “شعبة المعلومات” في قوى الأمن الداخلي. قال صبلوح إنه أبلغهم بأن رقم أحد الركّاب أظهر نشاطاً على الإنترنت، ما يعني إمكانيّة تتبّع موقع القارب عبر نظام تحديد المواقع GPS، إلا أن الشعبة “لم تتحمّل المسؤوليّة”، وكرّرت قطع الاتّصال به.

ورغم أن النيابة العامّة وجّهت تهماً إلى عدد من الأشخاص، منهم الأخوان البيطار، وهيثم الأرق (المعروف بأبو فهد) وصاحب القارب الأصلي، إلا أن أياً منهم لم يُعتقل. وفي شباط/ فبراير، أُلقي القبض على محمود عيد، الذي استخدمه الأخوان البيطار كواجهة قانونية لشراء القارب، لكنّ سائر أفراد الشبكة ظلّوا طلقاء.

ضاق صبلوح ذرعاً ببطء القضاء اللبناني، فقرّر التصرّف بنفسه. تعاون مع صحافي لبناني لإنتاج فيلم وثائقي من جزءين عن شبكات التهريب في طرابلس. وبمساعدة العائلات، بدأ بجمع الأسماء؛ ليس فقط أسماء السماسرة، بل من يقفون خلفهم، أولئك الذين خطّطوا للرحلة وحشدوا الركّاب، وقد أطلعت العائلات فريقنا على هذه الأسماء، وهي مذكورة كذلك في مستندات المحكمة.

وفيما كان أبو فهد وأبو سيف وغيرهم يعملون كوسطاء، فإن المنفّذين الرئيسيين كانا الأخوين السوريين خالد وفارس البيطار. أما “الحاج”، الذي يُقال إنه زعيم الشبكة، فهو عمر خالد المصومي، لبناني من بلدة تل معيان في عكار. أُدين المصومي في قضايا تهريب في عام 2019، ويصفه صبلوح بأنه “رأس عصابات تهريب البشر، خطير للغاية”.

وفي 25 حزيران/ يونيو، وبعد ثلاثة أيّام على تقديم الفيلم الوثائقي إلى القضاء، أُلقي القبض على المصومي، وأُعلن عن توقيفه عبر وسائل التواصل، لكن خلال ساعات، أُطلق سراحه.

هذا الاعتقال السريع أثار مخاوف جديدة بشأن سلامة محمود عيد، إذ تعرّض لتهديدات من نزلاء آخرين طالبوه بالتراجع عن أي صلة تربطه بالمصومي، فطلب صبلوح حمايته كشاهده الأساسي.

وفي المقابل، لم تحرز التحقيقات القضائية أي تقدّم بشأن مصير القارب. القاضية رندة نصّار، التي أُوكل إليها الملفّ، كانت “غير متعاونة”، ولم يتسلّم صبلوح حتى اليوم، أي بعد مرور أكثر من عام، بيانات الموقع الجغرافي التي طلبها من الجيش والأجهزة الأمنية.

ويتّهم صبلوح جهات في الأجهزة الأمنية اللبنانية بالتواطؤ مع شبكات التهريب، ويعتقد أنها تستفيد مالياً من الأموال الضخمة التي يدفعها اللاجئون وعائلاتهم. وقال: “كيف يمكن لأربعة قوارب أن تنطلق في ليلة واحدة دون أن تلاحظ الأجهزة الأمنية؟ هناك علامات استفهام حول أداء الأمن. ومع مرور الوقت، تبيّن أن لبنان يغض النظر رسمياً عن الهجرة غير الشرعية كوسيلة للضغط على الدول الأوروبية”.

كان ركّاب “برنسيس لولو” من بين آلاف اللاجئين الذين فرّوا من لبنان في ظلّ تصاعد موجات العداء ضدّ السوريين، من خطاب الكراهية، إلى الترحيل القسري، واعتداءات الشارع.

الدافع الرئيسي لهذا التصعيد، بحسب صبلوح، هو المال الأوروبي. في ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي بدأ في عام 2019، تعتمد الدولة اللبنانية سياسة مفادها: “إذا أردتم أن نكافح الهجرة غير الشرعية، ادفعوا لنا المال”. ولفت إلى أن وزير المهجرين السابق عصام شرف الدين قال مؤخّراً إنه مستعدّ لإرسال خمسة آلاف لاجئ عبر البحر. أما خليفته، كمال شحادة، فذهب أبعد من ذلك بوصفه اللاجئين السوريين بأنهم “تهديد وجودي للبنان”.

“نحن نعيش أخطر أزمة عنصرية في تاريخ تعامل لبنان مع اللاجئين السوريين”، قال صبلوح، مشيراً إلى أن الأمر لا يقتصر على لبنان وحده، بل إن بلداناً مجاورة كتركيا تشهد كذلك عنفاً شعبوياً منظّماً ضدّ أكثر من ثلاثة ملايين سوري على أراضيها.

لطالما استُخدم اللاجئون السوريون كورقة ضغط سياسية ضدّ الاتّحاد الأوروبي، الذي لا يجد صعوبة في دفع المال مقابل إيقاف موجات التهجير.

وفي 10 كانون الثاني/ يناير 2024، التقى الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس بنظيره اللبناني جوزيف عون في بيروت لبحث سبل التعاون الثنائي. وقد مهّدت هذه الزيارة لتوقيع اتّفاقية مساعدات مالية أوروبية بقيمة مليار يورو على مدى ثلاث سنوات، تشمل “مكافحة تهريب البشر”، ودعم الجيش اللبناني.

بحلول موعد هذه المحادثات رفيعة المستوى، كانت الأخبار قد بدأت تتسرّب عن جثث مشوّهة ومتحلّلة بدأت تلفظها أمواج البحر.

الـDNA… أمل معرقل

قال المحامي محمد صبلوح: “تلقّينا أنباء عن وجود جثث في تركيا، وأخرى في شمال قبرص”، مشيراً إلى أن ربط هذه الجثث بركّاب “برنسيس لولو” أعاد الأمل للعائلات في الحصول على إجابات. لكن سرعان ما برزت عقبات جديدة؛ إذ إن عائلات المفقودين موزّعة في دول مختلفة: لبنان، سوريا، قبرص، وتركيا، وكذلك الجثث، أما التعاون بين هذه الدول، فكان شبه معدوم.

في شباط/ فبراير، وبعد شهرين على اختفاء القارب، دخل المحامي القبرصي كوستانتينوس تامبورلاس على خطّ القضيّة، حين زاره بعض أقارب الركّاب في مكتبه في مدينة ليماسول. أخبرنا أن العائلات كانت لا تزال تعتقد بأن السلطات تحتجز ذويهم في ميناء لارنكا وتمنعهم من التواصل مع العالم الخارجي، ومع مرور الوقت، زاد الإنكار الصريح والمتكرّر من قِبل الشرطة من شعور العائلات بوجود مؤامرة.

لكن تامبورلاس يعتقد أن القارب لم يصل إلى قبرص أصلاً، وقال: “آلاف السوريين يصلون إلى قبرص سنوياً، ولم يحدث أبداً أن احتُجز أحدهم دون تواصل مع العالم الخارجي. هذا القارب كان على متنه 35 طفلاً، لا يمكن أن يُعتقلوا دون أن تعلن أي دولة عنهم”.

لذلك، تقدّم المحامي بطلب رسمي إلى الحكومة للسماح للعائلات المقيمة في قبرص، بتقديم عينات حمض نووي لمقارنتها بالجثث المجهولة. وأكّد لنا أن جميع الأقارب الذين قابلناهم هناك خضعوا لفحوص الحمض النووي. وقد جاءت نتائج الجثث التي وُجدت في شمال قبرص سلبية، أما الحكومة التركية، فلم تتعاون إطلاقاً.

وعلّق تامبورلاس: “نعم، إنها مشكلة سياسية. لا أحد من فريقنا يمكنه السفر إلى تركيا للتحقيق على المستوى الرسمي”.

وأضاف صبلوح: “للأسف، لا وجود للجنة الدولية للصليب الأحمر في تركيا، والهلال الأحمر التركي ليست لديه صلاحية في هذا الملفّ. وبالتالي، أي تواصل سيكون فقط من خلال القضاء التركي. ولا يوجد حلّ آخر”.

التحقيقات حول الجثث التي لفظتها أمواج تركيا لا تزال سرّية وغير محسومة. وقد أرسلنا استفسارات وطلبات للحصول على معلومات عبر قانون حرّية الوصول للمعلومة إلى عدد من الجهات، لكن جميعها رُفضت.

أما في لبنان، فواجهت عمليّة جمع عيّنات الحمض النووي من العائلات عقبات لوجستية وسياسية. إذ رفضت الدولة اللبنانية تغطية تكاليف الفحوص، ما أجبر العائلات – وغالبيتهم من الفقراء – على محاولة تأمين المبلغ بأنفسهم. إلا أن المال لم يكن العقبة الوحيدة، بل كان العداء البنيوي من الدولة اللبنانية تجاه اللاجئين السوريين أكبر حاجز.

وشرح صبلوح: “إذا استقلّوا سيارتك ومررت على حواجز أمنية، سيتمّ اعتقالهم وترحيلهم. وإذا أخذتهم إلى ثكنات قوى الأمن الداخلي لإجراء الفحص، سيجري التدقيق في ملفّاتهم. وإذا كانت إقامتهم غير شرعية، سيتمّ توقيفهم وتحويلهم إلى الأمن العامّ، ثم ترحيلهم”، ولهذا السبب، لم تتمكّن أي من العائلات في لبنان من تقديم عيّنات للفحص.

يرجّح صبلوح أن “القارب غرق قبل وصوله إلى قبرص”، لكنّه لا يستبعد أن يكون خفر السواحل قد اعترضه وأجبره على العودة قبل ذلك، وبالرغم من التعقيدات، لا يزال يأمل أن توفّر قاعدة بيانات “I-Familia” العالمية التابعة للإنتربول، والمتخصّصة في التعرف على الأشخاص المفقودين من خلال الحمض النووي، بعض الأجوبة “التي قد تُنهي معاناة العائلات وتسمح لها ببدء التعافي”.

وفي 7 شباط/ فبراير، أُقيمت مراسم دفن لأربع جثث لفظها البحر في منطقة كارباسيا، شمال قبرص.

جثّة رقم 2 

بعد أسبوعين على انطلاق القوارب من لبنان، لفظ البحر جثّتين إلى شاطئ بلدة الحميدية في محافظة طرطوس على الساحل السوري. ونشرت مجموعة الإنقاذ الموحّدة صورة لسوار نُقش عليه “آية الكرسي”، عُثر عليه في يد إحدى الجثث، ما لفت انتباه أقارب الشابّ حمادة في محافظة درعا. سارع عمّه وابن عمّه في اليوم نفسه إلى قطع مسافة أربع ساعات للوصول إلى طرطوس والتعرّف على الجثّة.

والدة حمادة، وفاء، أرادت أن ترافقهم في الرحلة، لكن “عمّه لم يسمح لي”، كما قالت، خوفاً من ردّة فعلها، وأضافت: “بس أنا أمّه، بعرفه من تيابه، من شكله، من ريحته”، وعندما تمكّنت أخيراً من زيارة طرطوس، لم يُسمح لها برؤية الجثّة.

وافقت وفاء على تقديم عيّنة من حمضها النووي، لكنّ الدولة أعلنت لاحقاً أن عطلاً في معدّات المختبر سيؤخّر النتائج لسنتين. اضطرّت العائلة إلى إجراء الفحص في مختبر خاصّ في دمشق، مقابل مبلغ مالي. وفي أثناء انتظار النتائج، لاحقت العائلة شائعات تقول إن المفقودين الذين كانوا على متن قارب 12 كانون الأوّل/ ديسمبر محتجزون في بلدة رومية شمال لبنان. 

“بعثنا ناس وسألوا، بس ما طلع معهم شي”، قالت وفاء. عادت العائلة بمعلومة جديدة: أن الرجال معتقلون في سجن القبّة شمال طرابلس. لكنّ هذا الخيط أيضاً لم يؤدِّ إلى شيء.

في آذار/ مارس 2024، صدرت نتائج تحليل الحمض النووي من الهيئة العامّة للطاقة الذرية في دمشق، وكانت وفاء متطابقة مع الجثّة رقم 2. وقالت: “تمّ تأكيد أني أمّ الجثّة رقم 2… هو الشابّ يلي هو ابني، بس مو ابني. إن شاء الله مو ابني”.

عقود من القمع والعنف والدعاية التي مارسها نظام الأسد، تركت الشعب السوري مصدوماً ومُشوّش الثقة حتى في الأمور المصيرية. “ما اقتنعت بالفحص، حتى ربع بالمية. ليش ما اقتنعت؟ ما بعرف”، قالت وفاء. وأضافت أن الفحوص جرت تحت إشراف حكومي، والجثّة الثانية كانت لرجل مسنّ، وليس لابن أخيها نضال البالغ من العمر 17 عاماً. ولم تجد سبباً منطقياً يمنع أن تطفو جثّتا الشابّين معاً على الشاطئ.

استلمت العائلة الجثّة ونقلتها إلى درعا حيث أُقيمت مراسم دفن شرعية. وقالت وفاء: “اندفن الجثمان على الطريقة الإسلامية. وجبته من طرطوس لدرعا بطريقة نظامية وبحضور المشايخ والشرطة وكلّ شي”.

ومع ذلك، لا تزال العائلة غارقة في الشكّ والانتظار. والد حمادة قال: “أنا خايف من شغلتين: إنو تكون الجثّة إلنا، وإنو ما تكون”.

رغم أن والدي حمادة ما زالا يشكّان في نتيجة تحليل الحمض النووي، فإن الجثّة والنتائج أعطتهما شيئاً ما – قصّة مأساوية يمكن تقبّلها أو رفضها. أمّا عائلات أخرى، فلم تنَل حتى هذا “الاحتمال”.

في بيروت، خلال صيف العام الماضي، انفجرت فاطمة هنادي في نوبة من الألم واليأس. ثمانية أشهر من الغموض، من الانتظار القاسي، من الفقدان. ابنها فؤاد غاب في البحر، والسلطات لم تفعل شيئاً، والمهرّبون خدعوهم بالكذب.

قالت فاطمة وهي تبكي: “أتمنّى أن أموت لكي يعيش هو”، ثم أضافت: “عروقي توجعني. فؤاد ذهب إلى البحر حتى أرتاح. أراد أن يعمل ويحسّن وضعنا. عروقي توجعني الآن، عندما أتكلمّ، أشعر أنها تتمزّق”.

“فؤاد، أنت الهواء الذي أتنفّسه. سأموت إذا حصل له شيء”.

حاولت العائلة إيجاد إجابات عبر جلسات استشارة روحية ودينية. تلك الليلة، رأت إحدى المشاركات في المنام أن القارب غرق، وأن الركّاب سقطوا في البحر، وأن فؤاد أنقذهم جميعاً. في الحلم، “كان شعره أطول”، كما تقول فاطمة، “لأنو مرق سبع شهور”.

اليأس أنهكها. لم تعد قادرة على الأكل، ولا على النوم، تقول: “ما بقى فيني كمّل. تعبت، تعبت. إذا ميتين، خبرونا وينهم. ببكي إذا مات. ليش اختفوا؟ شو عملوا؟ ليش ما عم يرد عليّ؟ ليش يا قلبي؟ كل أمّ بدها ابنها، متل كل الأمّهات. في ناس عملوا جلطات، وأنا بدي ابني، بدي ياه هلأ”.

تحليل الحمض النووي والسوار الذي عُثر عليه في يد حمادة يدعمان الرواية الأقرب للتصديق: أن ركّاب “برنسيس لولو” تعرّضوا لكارثة بحرية أدّت إلى غرقهم. كانوا يحملون معهم بعض الإطارات الهوائية علّها تنقذهم، لكنهم تُركوا دون أي عملية بحث أو إنقاذ، ليأخذهم التيّار في أعماق المتوسّط. بالنسبة إلى حمادة، قاده التيّار ليعود إلى الساحل السوري، إلى بلدة الحميدية، التي لا تبعد سوى 12 كيلومتراً عن نقطة انطلاقه في الشيخ زناد.

ظهرت حتى الآن 19 جثّة منذ اختفاء القارب. اثنتان من الجثث الـ11 التي ظهرت في أنطاليا وموغلا، تبيّن لاحقاً أنهما تعودان إلى مواطنين تركيين، لا علاقة لهما بقارب “برنسيس لولو”، وعلى عكس ما تأمله بعض العائلات، فإن أغلب المعنيّين بالقضيّة لم يعودوا يعتقدون بأن الركّاب نجوا. لقد مرّ وقت طويل جدّاً.

الشاهد الأخير

آخر شخص رأى “برنسيس لولو” كان راكباً على القارب الثالث الذي وصل إلى قبرص. طلب منّا عدم ذكر اسمه لأنه لبناني ويخشى أن يتمّ ترحيله.

قال لنا، وهو يكرّر الجملة بتوتّر: “شفتها، شفتها، شفتها. شفت القارب الرابع”. كان ذلك في وقت مبكر من بعد ظهر 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، حين وصلت مجموعته إلى الممرّ البحري المخصّص للسفن التجارية. كانوا لا يزالون بعيدين عن الشاطئ القبرصي، عندما لمح القارب الآخر خلفهم، وكان يحمل عدداً أكبر بكثير من الركّاب.

فجأة، مرّت سفينة شحن ضخمة بجوارهم، فخلّفت وراءها اضطراباً كبيراً في المياه. “الأمواج كادت تقلب قاربنا”، قال. بعد أن استعادوا توازنهم، التفت إلى الخلف ولم يعد يرى شيئاً “الأمواج خبّته… القارب اختفى”.

كانت هذه آخر مرّة يُشاهَد فيها قارب “برنسيس لولو”.

رغم أنه لم يستطع تحديد التوقيت بدقّة، فإنه قال إن الحادثة وقعت في أوائل بعد الظهر، بالتزامن مع بدء تدهور الطقس: “كنّا بعدنا شوي بعاد عن قبرص لأن الجو كان سيّئ… نحنا كمان كدنا نغرق”.

بعد ساعات، عند الساعة 5:30 مساءً، رصد خفر السواحل القبرصي قاربهم، وكان على بعد سبعة أميال بحرية فقط من الشاطئ. وعند وصولهم إلى الميناء في وقت لاحق من تلك الليلة، كان القاربان الآخران قد وصلا قبلهما. وسط فوضى إجراءات الوصول، لم يظهر “برنسيس لولو” أبداً.

من خلال تحديد وقت ومكان إنقاذه، تمكّنا من حساب الموقع التقريبي الذي قال إنه شهد مرور سفينة الشحن، وقد وقع هذا الموقع ضمن ممرّ ملاحي نشط تعبره بانتظام سفن شحن عملاقة، لكنّ هذا لم يكن الخطر الوحيد.

تُظهر بيانات الرادار أن عاصفة كانت تقترب من منطقة القوارب، وعندما ضربت، غطّت كامل المنطقة لمدّة 24 ساعة. كما أظهرت البيانات أن الرياح والأمواج كانت تدفع باتّجاه الشمال الشرقي، ما قد يفسّر كيف وصلت جثث الضحايا إلى سواحل سوريا وتركيا.

هذه النظرية دعمتها محافظة أنطاليا في اليوم التالي لظهور إحدى الجثث على شاطئ فندق “ليكيا وورلد أنطاليا” في كانون الثاني/ يناير. فقد أصدرت بياناً جاء فيه أن “سجلات الأرصاد الجوّية أظهرت أن الرياح السائدة كانت تأتي من الجنوب، وأن الأمواج كانت من الجنوب الشرقي، ويُرجّح أن الجثث التي عُثر عليها قد جرفتها التيّارات البحرية والرياح نتيجة غرق محتمل للقارب”.

سقوط النظام… وبصيص أمل

في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، سقط النظام السوري برئاسة بشار الأسد، بعد مرور عام تقريباً على مغادرة قارب “برنسيس لولو” سواحل لبنان، بدا أن هذا الانهيار يشير إلى تحوّل محتمل في الجهود الرامية إلى كشف مصير الركّاب المفقودين.

قال المحامي محمد صبلوح إن مسؤولاً في وزارة الخارجية السورية أخبره بأن “الحكومة الجديدة ستتعامل مع القضية بجدّية”. وفي الشهر الماضي، أفادت وفاء – والدة أحد المفقودين – أنها وعدداً من العائلات في سوريا عقدوا اجتماعاً مع الحكومة الجديدة، حيث طُلب منهم تقديم “شكوى جماعية” أمام المحاكم السورية. وأوضحت وفاء أن المقصود هو “رفع دعوى جماعية”، بمثابة دعوى قضائية موحّدة تمثّل جميع المتضرّرين.

لكن في الوقت الذي أبدت فيه السلطات السورية الجديدة استعداداً للتعاون، لا تزال قبرص ترفض حتى فتح تحقيق.

قبل شهرين، أعلن وزير الدفاع القبرصي فاسيليس بالماس، أمام لجنة برلمانية أن حكومته “لن تحقّق” في التهم الموجّهة إلى خفر السواحل بممارسة عمليّات صدّ قسرية. جاء هذا التصريح بعد حادثة انقلاب قارب مهاجرين قبالة السواحل القبرصية، كان قد انطلق من طرابلس وعلى متنه 20 شخصاً. تمّ انتشال سبع جثث، فيما لا يزال 11 شخصاً في عداد المفقودين. وأفاد الناجيان الوحيدان بأن خفر السواحل أطلق النار في محاولة لإجبارهم على العودة.

وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد أصدرت العام الماضي حكماً لصالح لاجئين سوريين، خلُص إلى أنهم حُرموا من حقوقهم القانونية وأُعيدوا قسراً إلى لبنان.

تواصلنا مع مكتب المدّعي العامّ في قبرص للسؤال عمّا إذا كان قد فُتح تحقيق رسمي، أو ما إذا كانت هناك نيّة للقيام بذلك، لكنّنا لم نتلقَّ أي ردّ.

وقبل أسبوع، أفادت منظّمة “ألارم فون” بأن زورقَي لاجئين تعرّضا “للصدّ القسري من قِبل السلطات القبرصية”، ضمن سياسة جديدة يجري تنفيذها في إطار “اتّفاق ثنائي للبحث والإنقاذ” بين قبرص وسوريا.

قبل ثلاثة أسابيع، رفضت محكمة في لبنان جميع التهم الجنائية الموجّهة ضدّ مهرّبي البشر، بما في ذلك عمر المصومي، وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبّد أو حتى الإعدام لو ثبتت. وأحالت المحكمة القضيّة إلى النيابة العامّة مع توجيه بتخفيض التهم المحتملة إلى جنح، التي تتراوح عقوبتها بين عدّة أشهر إلى ثلاث سنوات سجناً.

رغم أن القاضي قبل على الأرجح أن القارب غرق، وأن الركّاب قد فارقوا الحياة، ذكرت حيثيات الحكم أن المهرّبين لم يكن لديهم نيّة جنائية أو غرض إجرامي، “لأن غرق أي سفينة أثناء الرحلة البحرية يمكن أن يحدث سواء في رحلة قانونية أو غير قانونية”، ولم يُذكر في الحكم أي إشارة إلى الاكتظاظ الخطير أو نقص وسائل السلامة اللازمة.

وُجه أمر إلى عمر المصومي بدفع مبلغ 500 مليون ليرة لبنانية، منها 450 مليون كضمان مالي لمنعه من الهروب، وهو ما يعادل نحو 5000 يورو، أي ما كان يمكن أن يشتري له مقعداً ونصف مقعد على قارب “برنسيس لولو”.

تشير أحدث إحصاءات مشروع “المهاجرين المفقودين” إلى غرق 3129 مهاجراً على الأقلّ في البحر الأبيض المتوسّط في عام 2023، وهي أعلى حصيلة منذ 2016. وخلال العقد الماضي، فقد أكثر من 29,000 شخص حياتهم في هذه الرحلات الخطرة. بالنسبة إلى عائلات الذين صعدوا على متن “برنسيس لولو”، التي عاشت أكثر من عام ونصف العام في حالة من عدم اليقين، يبقى الخوف أن يُضاف أحباؤهم يوماً إلى هذه الإحصائيات، أو الأسوأ من ذلك، ألا يعرفوا مصيرهم أبداً.

|

اشترك بنشرتنا البريدية