ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بريطانيا: بين انتخابات وأعمال شغب عنصريّة  (2 / 2)

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أدّت الانتخابات البرلمانية التي شهدتها بريطانيا في الرابع من شهر تموز/ يوليو الماضي إلى زلزالٍ سياسي. التعمّق في تفاصيل هذه الانتخابات يفسّر الاضطرابات الخطيرة التي أشعلها اليمين المتطرف في إنكلترا وأيرلندا الشمالية أخيراً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خسارات، انتصارات، فجوة في التمثيل وصعودٌ الى أقصى اليمين، بعد 14 عاماً في السلطة، مُني حزبُ المحافظين بهزيمةٍ لم يعرف مثلها منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، إذ انخفض عدد مقاعده في مجلس العموم البريطاني من 365 في البرلمان السابق (المُنتخَب 2019 )، إلى 121 فقط في البرلمان الجديد، بخسارة 244 مقعداً، أما الحزب الفائز باكتساح، العمال، فقد قفز نصيبه من 202 مقاعد في انتخابات 2019 إلى 411، مُحققاً غالبيةً هائلة:  86 عضواً (إجمالي عدد مقاعد مجلس العموم 650، نصفهم 325). لكن لم يكن المحافظون وحدهم من عَرِفوا خسارةً كارثية أو العمال فقط من حققواً انتصاراً مُدوياً.

الليبراليون الديمقراطيون، الحزب الثالث في بريطانيا منذ قرنٍ تقريباً (آخر وزارة شكّلها كانت عام 1922)، رفعوا نصيبهم من مقاعد البرلمان إلى 72 مقعداً، بزيادة 61 مقعداً عن برلمان 2019. أما في اسكتلندا، فقد مُني الحزبُ الوطني الاسكتلندي بخسارةٍ  فادحة، وهو الذي سادَ السياسةَ في هذا البلد في العقد ونصف العقد الأخيرين، إذ انخفض نصيبه من 48 مقعداً إلى 9 فقط  (إجمالي حصة اسكتلندا من مقاعد مجلس العموم البريطاني 57 مقعداً، وتشكل اسكتلندا مع إنكلترا وويلز وأيرلندا الشمالية المملكةَ المتحدة). لكنّ وراء المكاسب والخسائر أرقاماً ونسباً تُظهرُ أن ما كسبَه اليسار ضئيل، بل وتُبيّن اندفاعة نحو أقصى اليمين بان أثرها المخيف في الأسابيع الأخيرة.

منظومة الحكم في بريطانيا برلمانية، عمادها نظامٌ انتخابي يقومُ على الفوز بأكثر عددٍ من الأصوات المشاركة في الدائرة المعنية (الفوز لا يتطلب نصف مجمل الأصوات، بل فقط الحصول على أكبر عددٍ منها)، ثم يتسلّم الحزب صاحب الغالبية البرلمانية السلطة ويشكل الوزارة. من ثم قد تتباين النسبة التي يحصل عليها حزبٌ من مجمل الأصوات في البلاد ونسبة ما يحصده من مقاعد في البرلمان؛ وطبقاً لموقع هيئة الإذاعة البريطانية (الـ “بي بي سي”)، فإن الفارق بين النسبتين في انتخابات تموز/ يوليو 2024 الأخيرة هو الأعلى تاريخياً. 

 مجلس العموم الجديد (غرفة البرلمان الرئيسية، الأخرى مجلس اللوردات وهذه بالتعيين ومحدودة الصلاحيات) تبلغ نسبة مقاعد حزب العمال فيه أكثر من 63 في المئة، لكن نصيب الحزب من مُجمل الأصوات في كل البلاد لم يكن إلا 33.8 في المئة. أما  حزب المحافظين فبينما لم  يحصل إلا على ما يقارب الـ 19 في المئة من المقاعد، فقد حصد 23,7 في المئة من الأصوات. أما الأحرار الديمقراطيون فتقاربت نسبة نصيبهم من الأصوات والمقاعد، إذ نالوا نحو 12 في المئة و11 في المئة على التوالي. على أن حزباً آخر يُحسب على اليسار، الخضر، نال 7 في المئة من إجمالي الأصوات، لكن لم يفز إلا بأربعة مقاعد (أقل من واحد في المئة من مجلس العموم). 

لكن قوةً من أقصى اليمين أو قريبة منه حققت نصيباً ضخماً، وكانت سبباً رئيساً في المشهد الجديد للسياسة البريطانية (وترتبط بموجة الاحتجاجات العنصرية والمعادية للمسلمين التي رأيناها أخيراً). فقد حصل حزب “إصلاح المملكة المتحدة” Reform UK  على 14 في المئة من الأصوات وإن لم ينل إلا خمسة مقاعد فقط في البرلمان (أي أقل من واحد في المئة من المقاعد). قائد الحزب هو نايجل فاراج الذي أسس وقاد حزب “استقلال المملكة المتحدة” الذي كانت مهمته الأساس الدعوة الى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما تحقق نتيجةً لاستفتاء 2016.

 حزب استقلال المملكة المتحدة، كما حزب إصلاح المملكة المتحدة الذي خلَفه، يقفان إلى يمين المحافظين (فاراج وأتباعه اتُّهموا دوماً بالعنصرية). تجمع التحليلات المتاحة على أن الحصة الضخمة من الأصوات التي نالها حزب فاراج قد اقتنصها من مؤيدي حزب المحافظين، فكلها أتى من دوائر فاز فيها المحافظون في انتخابات 2019، أي أن كتلةً تصويتيةً ضخمة انتقلت من يمين الوسط إلى أقصى اليمين. وبحكم  نظام الانتخاب الذي بمقتضاه سيكون الفوز لمن يحصد أكبر عدد من الأصوات في الدائرة الانتخابية، فقد ضمن أداء “إصلاح المملكة المتحدة”  خَسارة المحافظين لعشرات المقاعد لصالح أحزابٍ أخرى. 

من جهة أخرى، فإن نصيب حزب العمال المحسوب على يسار الوسط من كامل الأصوات (لا المقاعد) لم يزد إلا أقل من 2 في المئة عن انتخابات 2019 التي خسرها لصالح المحافظين. أما الليبراليون الديمقراطيون الذي كسبوا 61 مقعداً في البرلمان الجديد كما أسلفنا، والذين يحسبون على الوسط أو يسار الوسط، فلم تزد حصتهم من الأصوات إلا بنسبةٍ أقل من واحد في المئة مقارنةً بعام 2019. أي أنه، بينما انتقل مركز الثقل في البرلمان من المحافظين الى العمال، وعانى الحزبُ للمرة الأولى هزيمةً ساحقة، فإن ذلك لا يعني أن قاعدةً شعبيةً ضخمة انتقلت إلى اليسار. ما جرى كان هزيمةً للمحافظين وانزياحاً لكثر من أتباع يمين الوسط نحو أقصى اليمين (وهو ما رأينا أثره المقلق بوضوح ) قبل أن يكون مكسباً للعمال. 

إخفاقات ونجاحات جاءت  متأخّرة

لكن هزيمة المحافظين الكارثية لا يمكن ردها فقط لتأثير حزبٍ شعبويٍ إلى يمينهم، ولا للأداء الانتخابي المحسوب للعمال والليبراليين الديمقراطيين الذين ركزوا جهدهم على حصد الدوائر لا النسبة الكلية من الأصوات . لا شك في أن بريطانيين كُثراً يلومون المحافظين على أوضاع البلاد بعد 14 عاماً في السلطة. فهذا هو الحزب الذي قدم فكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي للناخبين في استفتاء، علماً أن فكرة الخروج كانت موضع خلاف بين أعضاء الحزب ـ بل إن زعيم الحزب ورئيس الوزراء آنذاك، ديفيد كاميرون، لم يكن من مؤيديها. لكن حين صوّت أكثر من نصف البريطانيين لصالح الخروج، ما كان من كاميرون إلا أن ترك منصبه لتخلفه تيريزا ماي من الحزب نفسه. 

المعتاد أن يأتي الحزب الحاكم للسلطة عبر انتخابات يُقدمُ فيها زعيمه كمرشحٍ لرئاسة الوزراء. أي أن جزءاً من سبب اختيارك لمن تصوت له لعضوية البرلمان عن دائرتك هو شخص رئيس الوزراء المحتمل المرتبط به. لكن المحافظين كسروا هذا الارتباط مراراً بعد خروج كاميرون من السلطة. أتت تيريزا ماي لا عبر انتخابات اختارتها كرئيسةٍ للوزراء لكن كبديلٍ من حزب الغالبية. ثم في وجه أزماتٍ متتالية متعلقة بالتفاوض على الخروج من الاتحاد الأوروبي، قررت ماي أن ترمّم شرعيتها بانتخاباتٍ مبكرة في 2017، لكنها خسرت غالبيتها وبقيت، مع حزبها، في السلطة عبر تحالفٍ مع حزبٍ صغير من أيرلندا الشمالية ضَمن غالبيةً ضئيلة في البرلمان. 

تركت ماي رئاسة الوزراء في 2019 و خلفها بوريس جونسون و سرعان ما “عرض” هذا نفسه على انتخاباتٍ برلمانية دعا لها وفاز بها بأغلبيةٍ مريحة. جونسون كان من دعاة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو ما أتمه في عهده (وما يبدو أن آثاره السلبية حتى الآن تفوقُ أي آثارٍ إيجابية). ثم أتت جائحة كوفيد-19 وظهر بجلاء السلوك الفضائحي لجونسون، بما في ذلك كذبه المتواصل، ارتبط هذا بالقيود على التجمع التي فرضتها الدولة البريطانية على الناس فيما أقام جونسون حفلاتٍ بمقر رئاسة الوزراء. في النهاية وبعد ضغطٍ كبير، استقال جونسون في 2022، وعاد الأمرُ لحزب الغالبية، المحافظون، ليختار رئيساً للوزارة. 

الاختيار الأول كان ليز تراس، التي أيدتها قاعدة ناشطي حزب المحافظين، وهذه لم تدم في منصبها إلا سبعة أسابيع، إذ تبين سريعاً أن سياساتها الاقتصادية كارثية من ثَم أخرجها حزبها من منصبها، وتسلم السلطة ريشي سوناك الذي بقي في رئاسة الوزراء حتى هزيمة حزبه في الانتخابات. 

بعد سنوات سيئة، من أثر الجائحة والخروج من الاتحاد الأوروبي، كان الاقتصاد البريطاني  بدأ بالتعافي بقيادة سوناك، رجل الأعمال الشاب لكن المحنك.  لكن خليط  الفضائح والأزمات والصراعات الداخلية التي عاناها المحافظون، بخاصة مع بوريس جونسون، وانتقال زعامة حزب العمال من يسار الحزب، ممثلةً في شخص جيرمي كوربين الذي خسر انتخابات 2019، إلى قيادة كير ستارمر الأكثر وسطيةً ، حدّا بشدة من فرص فوز المحافظين. 

تضاف إلى ذلك كله، نُخبوية المحافظين الشهيرة، المقترنة بسياساتهم النيو-ليبرالية التي لا تقيم للأقل دخلاً وزناً، إذ عدا عن تخرج عدد من قياداتهم من مدارس النخبة (الداخلية) ثم من جامعة أكسفورد (النخبوية أيضاً)،  معروف عن كثير منهم الثراء الشديد، إن لم يكن الفاحش (هذه الصفات كلها تنطبق على ريشي سوناك، أول رئيس وزراء من أصل آسيوي في تاريخ البلاد). لكل هذه الأسباب وغيرها، سلمت دعاية المحافظين قبل 4 تموز (يوم الانتخابات) بالهزيمة بالفعل إذ كان مؤداها أن من تعرف خيرٌ ممن تجهل. 

عزوف عن التصويت وحضور غزة

لكن أموراً أخرى ميزت هذه الانتخابات، بعضها مقلق للمهتمّ بالشأن البريطاني خصوصاً والممارسة الديمقراطية عموماً. نسبة المشاركة الانتخابية كانت متدنية: نحو 60 في المئة، مقارنةً بـ 67 في المئة في انتخابات 2019. كثيرون تحدثوا عن غموض خطط حزب العمال، واعتمادهم في نجاحهم، الذي بدا مضموناً مسبقاً، على حالةٍ من السأم العام من المحافظين. 

عزوف قطاع واسع من الناخبين ربما سببه انحسار الفوارق بين الخيارات الرئيسية المتاحة. في تسعينات القرن الماضي، انتقل حزب العمال من يساريته التقليدية إلى أخرى أقرب الى الوسط، ما تناغم أكثر مع ميول قطاعٍ واسع من البريطانيين بعد سنواتٍ من حكم المحافظين، بخاصة بعدما أحدثته مارغريت ثاتشر وسياساتها النيو-ليبرالية من تغييرات جذرية في اقتصاد البلاد، بدت ناجحةً ساعتها.

من جهة أخرى، نجاح “حزب العمال الجديد”، كما كان توني بلير يسمي الحزب، ميّع الفوارق بين حزبه والمحافظين، ومن جهة أخرى فإن العودة إلى يسارٍ أكثر تقليدية وتشدداً كفيلة بالخسارة. هذا ما أثبته بوضوح نموذج جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال السابق،  الذي تحت قيادته عجز الحزب عن تحقيق غالبيةٍ برلمانية في انتخابات 2017 و2019. 

علماً أن شخص كوربين يؤشر لما في حزب العمال من انقسامات. كوربين، منعه حزبه من الترشح باسمه، في قرار اتخذته الهيئة التنفيذية للحزب تقدم به كير ستارمر عام 2023. ولماذا أٌقصي كوربين؟ يدور الأمر حول اتهامات للبرلماني اليساري المخضرم (أي كوربين)  بالتراخي في محاربة العداء للسامية داخل الحزب حين كان زعيماً له (وهو ما لا يمكن فصله عن فلسطين وما يجري فيها).

لكن كوربين ترشّح مستقلاً في الدائرة نفسها التي شغل مقعدها منذ ثمانينات القرن الماضي، إيزلنغتون نورث،  وانتزعها من الحزب الذي كان زعيمه سابقاً. مأساة غزة، عبر الأصوات المسلمة هنا، وفي دوائر أخرى لعبت دوراً أساسياً في النتيجة. طبقاً لمقال نشرته جريدة الديلي تلغراف الميّالة الى اليمين بعد الانتخابات مباشرةً، وفي لغةٍ لا تخفي الانحياز الواضح لإسرائيل، 13 في المئة من الناخبين في دائرة كوربين من المسلمين.

يُقدر عدد المسلمين من البريطانيين اليوم بحوالى أربعة ملايين (أكثر من 6 في المئة من السكان) وزادت نسبتهم عن 10 في المئة في الدائرة حيث خسر العمال في المتوسط 11 في المئة من نصيبهم من الأصوات، وفي الدوائر الانتخابية التي زاد فيها عدد المسلمين عن 40% انخفض نصيب العمال من الأصوات بنسبة قاربت 34 في المئة. الأصوات المسلمة كانت عادة شبه مضمونة لحزب العمال، لكن تحت تأثير مأساة غزة اختلفت الأمور، علماً أن التحول هذا غير مستغربٍ، لا لميول تعادي الغرب كما ادعى مقال الديلي تلغراف ومن لفّ لفّها يميناً، لكن لأن “سياسية الشتات” من أقليات مختلفة حول العالم تخلق ميولاً كهذه (بما في ذلك دعم كثير من يهودٍ حول العالم لإسرائيل ولو على حساب البلدان التي يعيشون فيها). علماً أن التعاطف مع الفلسطينيين ليس مقصوراً على المسلمين، وهو ما تتجاهله مقالة الديلي تلغراف. 

تحت تأثير “التصويت لغزة” خسر العمال أربعة مقاعد، منها ذلك الذي فاز به كوربين. لكن في مقاعد أخرى كثيرة، يحضر فيها المسلمون بقوة، لم يفز العمال إلا بغالبيةٍ ضئيلة، لا تتخطى بضعة مئات من الأصوات في بعض الحالات. خسارة العمال الفادحة كانت في دائرة مدينة ليستر الجنوبية حيث هَزم المستقل شوكت آدم مرشح العمال جوناثان آش-وورث. 

آش-وورث كان أحد وزراء حكومة الظل، ودائرته كانت تُعد مضمونةً للعمال، إذ اكتسحها في انتخابات 2019 بفارق هائل لصالحه (22 ألف صوت)، وكان من المنتظر أن يكون أحد أعضاء الوزارة الجديدة. آشورث ، وهذا أهم بما لا يقاس، كان منسق حملة العمال الانتخابية. عند إعلان النتيجة هتف الفائز من فوق المنصة: “هذا من أجل غزة.” حتى الآن، وبعد أسابيع من تسلم العمال السلطة، لا تغييرٍ جذري يُذكر في السياسية الخارجية البريطانية، بما في ذلك التعامل مع الملف الفلسطيني. لكن قدرةَ المسلمين البريطانيين على تجميع أصواتهم والخبرةَ التي اكتسبوها من هذه الانتخابات من المحتم أن تصنعا فارقاً في المستقبل (الصيغة الأساس في تنظيم الأصوات المسلمة كان عبر صفحة Muslim Vote على الإنترنت التي وفرت معلومات ووجهت لاختيارات معينة).

بغض النظر عن القضية الفلسطينية، صحيح كانت فرص جيريمي كوربين في الفوز كزعيم للعمال محدودة، لكن يغيب عن الساحة البريطانية يسار قوى يخاطب المجتمعات التي عانت بشدة من عقودٍ من التهميش والإفقار، بخاصةً في شمال إنكلترا، حيث كانت أعنف أعمال الشغب العنصرية أخيراً. تهميش أمثال كوربين وتياره المنحاز بقوة الى المهمشين، يترك مساحةً لقوىٍ سياسية تعلق مآسيهم على هجرة الأجانب والعضوية في الاتحاد الأوروبي وتقدم العنصرية كحلّ لمشاكلهم كحزب نايجل فاراج ورابطة الدفاع الإنكليزية.  

نظام سياسي كفؤ وواقع يثير التساؤلات

هل سيتغير النظام البرلماني البريطاني قريباً ليعتمد نظاماً أدق في تمثيله لأصوات الناخبين؟ تبدو الإجابة بالنفي. ففي العام 2011، شهدت البلاد استفتاءً حول هذا الأمر، وكانت النتيجة أن رفض 68 في المئة من المُصوتين فكرة الانتقال إلى نظام نسبي. علماً أن نظاماً قائماً على التمثيل النسبي قد يدفع الناخبين الى التصويت بطريقةٍ مختلفة. في ظل النظام الحالي ومع حكومة جديدة، ما الذي سيتغير إذاً؟ بداهةً، لا إجابة أكيدة. غير ظاهر أن الحكومة الجديدة ستغير الكثير جذرياً، لكنها تتجه نحو الحد من غلواء سياسيات المحافظين النيوليبرالية التي طحنت، في ظل حكوماتهم المتوالية، الطبقات الأفقر. خطبة الملك تشارلز الثالث للبرلمان الجديد (17 تموز)، والتي تقدم نهج “حكومته” الجديدة (كملكٍ دستوري محدود الصلاحيات لا يملك إلا أن يقرأ ما تمليه الحكومة المنتخبة) ركزت على سياسياتٍ تهدف الى تحقيق المساواة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة. 

أشارت أيضاً الى تغييرات ستعني استثماراً أكبر في التعليم والصحة، وهما قطاعان شهدا “تجفيفاً” شديداً تحت حكومات متوالية من المحافظين، بخاصة منظومة الصحة الوطنية التي لا تتوقف الشكاوى من تدهورها. أيضاً تحدثت الوزارة عبر الملك عن إعادة تأميم السكك الحديدية، وعن مواصلة التوسع في اللامركزية في إدارة البلاد الذي بدأ في عهد رئيس الوزراء العمالي توني بلير في التسعينات. أيضاً تتوجه الحكومة الجديدة لإلغاء ما بقي من مقاعد موروثة في مجلس اللوردات، عملية تغيير أخرى بدأت في عهد توني بلير.

من جهة، الديمقراطية في جوهرها هي إدارة التحولات السياسية عبر منظومةٍ متفق عليها، وهذا يبقى النظام البريطاني قادراً عليه بشكل جيد (مقارنةً، مثلاً، بالمشهد في الولايات المتحدة عند خسارة ترامب). علماً أن أسئلة كبيرة أخرى تبقى معلقة، على رأسها استقلال اسكتلندا؛ هل تعني الهزيمة المريرة التي عان منها الحزب القومي الاسكتلندي أن الفكرة قد ماتت؟ لا إجابة واضحة. وهل ستنجح الوزارة الجديدة التي تتباهى بأنها الأقل نخبويةً في تاريخ البلاد في خدمة الطبقات الأفقر وإعادة الحياة الى الخدمات العامة. 

عدد مقاعد العمال الضخم يخفي نسبة مصوتين غير كبيرة، وهو ما يعني قابليةً عاليةً للتبدل، علماً أنه مثلما انتزع اليمين المتطرف أصواتاً من المحافظين، انتزع المسلمون أصواتاً من  العمال، لكن الاندفاعة الضخمة لليمين، كما في كل أوروبا، وكما رأينا أخيراً، مخيفة. هل سينجح العمال في لجم الاستقطاب؟ وهل سيذهب المحافظون أبعد يميناً؟  الإجابات تبقى في علم الغيب. 

07.09.2024
زمن القراءة: 10 minutes

أدّت الانتخابات البرلمانية التي شهدتها بريطانيا في الرابع من شهر تموز/ يوليو الماضي إلى زلزالٍ سياسي. التعمّق في تفاصيل هذه الانتخابات يفسّر الاضطرابات الخطيرة التي أشعلها اليمين المتطرف في إنكلترا وأيرلندا الشمالية أخيراً.

خسارات، انتصارات، فجوة في التمثيل وصعودٌ الى أقصى اليمين، بعد 14 عاماً في السلطة، مُني حزبُ المحافظين بهزيمةٍ لم يعرف مثلها منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، إذ انخفض عدد مقاعده في مجلس العموم البريطاني من 365 في البرلمان السابق (المُنتخَب 2019 )، إلى 121 فقط في البرلمان الجديد، بخسارة 244 مقعداً، أما الحزب الفائز باكتساح، العمال، فقد قفز نصيبه من 202 مقاعد في انتخابات 2019 إلى 411، مُحققاً غالبيةً هائلة:  86 عضواً (إجمالي عدد مقاعد مجلس العموم 650، نصفهم 325). لكن لم يكن المحافظون وحدهم من عَرِفوا خسارةً كارثية أو العمال فقط من حققواً انتصاراً مُدوياً.

الليبراليون الديمقراطيون، الحزب الثالث في بريطانيا منذ قرنٍ تقريباً (آخر وزارة شكّلها كانت عام 1922)، رفعوا نصيبهم من مقاعد البرلمان إلى 72 مقعداً، بزيادة 61 مقعداً عن برلمان 2019. أما في اسكتلندا، فقد مُني الحزبُ الوطني الاسكتلندي بخسارةٍ  فادحة، وهو الذي سادَ السياسةَ في هذا البلد في العقد ونصف العقد الأخيرين، إذ انخفض نصيبه من 48 مقعداً إلى 9 فقط  (إجمالي حصة اسكتلندا من مقاعد مجلس العموم البريطاني 57 مقعداً، وتشكل اسكتلندا مع إنكلترا وويلز وأيرلندا الشمالية المملكةَ المتحدة). لكنّ وراء المكاسب والخسائر أرقاماً ونسباً تُظهرُ أن ما كسبَه اليسار ضئيل، بل وتُبيّن اندفاعة نحو أقصى اليمين بان أثرها المخيف في الأسابيع الأخيرة.

منظومة الحكم في بريطانيا برلمانية، عمادها نظامٌ انتخابي يقومُ على الفوز بأكثر عددٍ من الأصوات المشاركة في الدائرة المعنية (الفوز لا يتطلب نصف مجمل الأصوات، بل فقط الحصول على أكبر عددٍ منها)، ثم يتسلّم الحزب صاحب الغالبية البرلمانية السلطة ويشكل الوزارة. من ثم قد تتباين النسبة التي يحصل عليها حزبٌ من مجمل الأصوات في البلاد ونسبة ما يحصده من مقاعد في البرلمان؛ وطبقاً لموقع هيئة الإذاعة البريطانية (الـ “بي بي سي”)، فإن الفارق بين النسبتين في انتخابات تموز/ يوليو 2024 الأخيرة هو الأعلى تاريخياً. 

 مجلس العموم الجديد (غرفة البرلمان الرئيسية، الأخرى مجلس اللوردات وهذه بالتعيين ومحدودة الصلاحيات) تبلغ نسبة مقاعد حزب العمال فيه أكثر من 63 في المئة، لكن نصيب الحزب من مُجمل الأصوات في كل البلاد لم يكن إلا 33.8 في المئة. أما  حزب المحافظين فبينما لم  يحصل إلا على ما يقارب الـ 19 في المئة من المقاعد، فقد حصد 23,7 في المئة من الأصوات. أما الأحرار الديمقراطيون فتقاربت نسبة نصيبهم من الأصوات والمقاعد، إذ نالوا نحو 12 في المئة و11 في المئة على التوالي. على أن حزباً آخر يُحسب على اليسار، الخضر، نال 7 في المئة من إجمالي الأصوات، لكن لم يفز إلا بأربعة مقاعد (أقل من واحد في المئة من مجلس العموم). 

لكن قوةً من أقصى اليمين أو قريبة منه حققت نصيباً ضخماً، وكانت سبباً رئيساً في المشهد الجديد للسياسة البريطانية (وترتبط بموجة الاحتجاجات العنصرية والمعادية للمسلمين التي رأيناها أخيراً). فقد حصل حزب “إصلاح المملكة المتحدة” Reform UK  على 14 في المئة من الأصوات وإن لم ينل إلا خمسة مقاعد فقط في البرلمان (أي أقل من واحد في المئة من المقاعد). قائد الحزب هو نايجل فاراج الذي أسس وقاد حزب “استقلال المملكة المتحدة” الذي كانت مهمته الأساس الدعوة الى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما تحقق نتيجةً لاستفتاء 2016.

 حزب استقلال المملكة المتحدة، كما حزب إصلاح المملكة المتحدة الذي خلَفه، يقفان إلى يمين المحافظين (فاراج وأتباعه اتُّهموا دوماً بالعنصرية). تجمع التحليلات المتاحة على أن الحصة الضخمة من الأصوات التي نالها حزب فاراج قد اقتنصها من مؤيدي حزب المحافظين، فكلها أتى من دوائر فاز فيها المحافظون في انتخابات 2019، أي أن كتلةً تصويتيةً ضخمة انتقلت من يمين الوسط إلى أقصى اليمين. وبحكم  نظام الانتخاب الذي بمقتضاه سيكون الفوز لمن يحصد أكبر عدد من الأصوات في الدائرة الانتخابية، فقد ضمن أداء “إصلاح المملكة المتحدة”  خَسارة المحافظين لعشرات المقاعد لصالح أحزابٍ أخرى. 

من جهة أخرى، فإن نصيب حزب العمال المحسوب على يسار الوسط من كامل الأصوات (لا المقاعد) لم يزد إلا أقل من 2 في المئة عن انتخابات 2019 التي خسرها لصالح المحافظين. أما الليبراليون الديمقراطيون الذي كسبوا 61 مقعداً في البرلمان الجديد كما أسلفنا، والذين يحسبون على الوسط أو يسار الوسط، فلم تزد حصتهم من الأصوات إلا بنسبةٍ أقل من واحد في المئة مقارنةً بعام 2019. أي أنه، بينما انتقل مركز الثقل في البرلمان من المحافظين الى العمال، وعانى الحزبُ للمرة الأولى هزيمةً ساحقة، فإن ذلك لا يعني أن قاعدةً شعبيةً ضخمة انتقلت إلى اليسار. ما جرى كان هزيمةً للمحافظين وانزياحاً لكثر من أتباع يمين الوسط نحو أقصى اليمين (وهو ما رأينا أثره المقلق بوضوح ) قبل أن يكون مكسباً للعمال. 

إخفاقات ونجاحات جاءت  متأخّرة

لكن هزيمة المحافظين الكارثية لا يمكن ردها فقط لتأثير حزبٍ شعبويٍ إلى يمينهم، ولا للأداء الانتخابي المحسوب للعمال والليبراليين الديمقراطيين الذين ركزوا جهدهم على حصد الدوائر لا النسبة الكلية من الأصوات . لا شك في أن بريطانيين كُثراً يلومون المحافظين على أوضاع البلاد بعد 14 عاماً في السلطة. فهذا هو الحزب الذي قدم فكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي للناخبين في استفتاء، علماً أن فكرة الخروج كانت موضع خلاف بين أعضاء الحزب ـ بل إن زعيم الحزب ورئيس الوزراء آنذاك، ديفيد كاميرون، لم يكن من مؤيديها. لكن حين صوّت أكثر من نصف البريطانيين لصالح الخروج، ما كان من كاميرون إلا أن ترك منصبه لتخلفه تيريزا ماي من الحزب نفسه. 

المعتاد أن يأتي الحزب الحاكم للسلطة عبر انتخابات يُقدمُ فيها زعيمه كمرشحٍ لرئاسة الوزراء. أي أن جزءاً من سبب اختيارك لمن تصوت له لعضوية البرلمان عن دائرتك هو شخص رئيس الوزراء المحتمل المرتبط به. لكن المحافظين كسروا هذا الارتباط مراراً بعد خروج كاميرون من السلطة. أتت تيريزا ماي لا عبر انتخابات اختارتها كرئيسةٍ للوزراء لكن كبديلٍ من حزب الغالبية. ثم في وجه أزماتٍ متتالية متعلقة بالتفاوض على الخروج من الاتحاد الأوروبي، قررت ماي أن ترمّم شرعيتها بانتخاباتٍ مبكرة في 2017، لكنها خسرت غالبيتها وبقيت، مع حزبها، في السلطة عبر تحالفٍ مع حزبٍ صغير من أيرلندا الشمالية ضَمن غالبيةً ضئيلة في البرلمان. 

تركت ماي رئاسة الوزراء في 2019 و خلفها بوريس جونسون و سرعان ما “عرض” هذا نفسه على انتخاباتٍ برلمانية دعا لها وفاز بها بأغلبيةٍ مريحة. جونسون كان من دعاة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو ما أتمه في عهده (وما يبدو أن آثاره السلبية حتى الآن تفوقُ أي آثارٍ إيجابية). ثم أتت جائحة كوفيد-19 وظهر بجلاء السلوك الفضائحي لجونسون، بما في ذلك كذبه المتواصل، ارتبط هذا بالقيود على التجمع التي فرضتها الدولة البريطانية على الناس فيما أقام جونسون حفلاتٍ بمقر رئاسة الوزراء. في النهاية وبعد ضغطٍ كبير، استقال جونسون في 2022، وعاد الأمرُ لحزب الغالبية، المحافظون، ليختار رئيساً للوزارة. 

الاختيار الأول كان ليز تراس، التي أيدتها قاعدة ناشطي حزب المحافظين، وهذه لم تدم في منصبها إلا سبعة أسابيع، إذ تبين سريعاً أن سياساتها الاقتصادية كارثية من ثَم أخرجها حزبها من منصبها، وتسلم السلطة ريشي سوناك الذي بقي في رئاسة الوزراء حتى هزيمة حزبه في الانتخابات. 

بعد سنوات سيئة، من أثر الجائحة والخروج من الاتحاد الأوروبي، كان الاقتصاد البريطاني  بدأ بالتعافي بقيادة سوناك، رجل الأعمال الشاب لكن المحنك.  لكن خليط  الفضائح والأزمات والصراعات الداخلية التي عاناها المحافظون، بخاصة مع بوريس جونسون، وانتقال زعامة حزب العمال من يسار الحزب، ممثلةً في شخص جيرمي كوربين الذي خسر انتخابات 2019، إلى قيادة كير ستارمر الأكثر وسطيةً ، حدّا بشدة من فرص فوز المحافظين. 

تضاف إلى ذلك كله، نُخبوية المحافظين الشهيرة، المقترنة بسياساتهم النيو-ليبرالية التي لا تقيم للأقل دخلاً وزناً، إذ عدا عن تخرج عدد من قياداتهم من مدارس النخبة (الداخلية) ثم من جامعة أكسفورد (النخبوية أيضاً)،  معروف عن كثير منهم الثراء الشديد، إن لم يكن الفاحش (هذه الصفات كلها تنطبق على ريشي سوناك، أول رئيس وزراء من أصل آسيوي في تاريخ البلاد). لكل هذه الأسباب وغيرها، سلمت دعاية المحافظين قبل 4 تموز (يوم الانتخابات) بالهزيمة بالفعل إذ كان مؤداها أن من تعرف خيرٌ ممن تجهل. 

عزوف عن التصويت وحضور غزة

لكن أموراً أخرى ميزت هذه الانتخابات، بعضها مقلق للمهتمّ بالشأن البريطاني خصوصاً والممارسة الديمقراطية عموماً. نسبة المشاركة الانتخابية كانت متدنية: نحو 60 في المئة، مقارنةً بـ 67 في المئة في انتخابات 2019. كثيرون تحدثوا عن غموض خطط حزب العمال، واعتمادهم في نجاحهم، الذي بدا مضموناً مسبقاً، على حالةٍ من السأم العام من المحافظين. 

عزوف قطاع واسع من الناخبين ربما سببه انحسار الفوارق بين الخيارات الرئيسية المتاحة. في تسعينات القرن الماضي، انتقل حزب العمال من يساريته التقليدية إلى أخرى أقرب الى الوسط، ما تناغم أكثر مع ميول قطاعٍ واسع من البريطانيين بعد سنواتٍ من حكم المحافظين، بخاصة بعدما أحدثته مارغريت ثاتشر وسياساتها النيو-ليبرالية من تغييرات جذرية في اقتصاد البلاد، بدت ناجحةً ساعتها.

من جهة أخرى، نجاح “حزب العمال الجديد”، كما كان توني بلير يسمي الحزب، ميّع الفوارق بين حزبه والمحافظين، ومن جهة أخرى فإن العودة إلى يسارٍ أكثر تقليدية وتشدداً كفيلة بالخسارة. هذا ما أثبته بوضوح نموذج جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال السابق،  الذي تحت قيادته عجز الحزب عن تحقيق غالبيةٍ برلمانية في انتخابات 2017 و2019. 

علماً أن شخص كوربين يؤشر لما في حزب العمال من انقسامات. كوربين، منعه حزبه من الترشح باسمه، في قرار اتخذته الهيئة التنفيذية للحزب تقدم به كير ستارمر عام 2023. ولماذا أٌقصي كوربين؟ يدور الأمر حول اتهامات للبرلماني اليساري المخضرم (أي كوربين)  بالتراخي في محاربة العداء للسامية داخل الحزب حين كان زعيماً له (وهو ما لا يمكن فصله عن فلسطين وما يجري فيها).

لكن كوربين ترشّح مستقلاً في الدائرة نفسها التي شغل مقعدها منذ ثمانينات القرن الماضي، إيزلنغتون نورث،  وانتزعها من الحزب الذي كان زعيمه سابقاً. مأساة غزة، عبر الأصوات المسلمة هنا، وفي دوائر أخرى لعبت دوراً أساسياً في النتيجة. طبقاً لمقال نشرته جريدة الديلي تلغراف الميّالة الى اليمين بعد الانتخابات مباشرةً، وفي لغةٍ لا تخفي الانحياز الواضح لإسرائيل، 13 في المئة من الناخبين في دائرة كوربين من المسلمين.

يُقدر عدد المسلمين من البريطانيين اليوم بحوالى أربعة ملايين (أكثر من 6 في المئة من السكان) وزادت نسبتهم عن 10 في المئة في الدائرة حيث خسر العمال في المتوسط 11 في المئة من نصيبهم من الأصوات، وفي الدوائر الانتخابية التي زاد فيها عدد المسلمين عن 40% انخفض نصيب العمال من الأصوات بنسبة قاربت 34 في المئة. الأصوات المسلمة كانت عادة شبه مضمونة لحزب العمال، لكن تحت تأثير مأساة غزة اختلفت الأمور، علماً أن التحول هذا غير مستغربٍ، لا لميول تعادي الغرب كما ادعى مقال الديلي تلغراف ومن لفّ لفّها يميناً، لكن لأن “سياسية الشتات” من أقليات مختلفة حول العالم تخلق ميولاً كهذه (بما في ذلك دعم كثير من يهودٍ حول العالم لإسرائيل ولو على حساب البلدان التي يعيشون فيها). علماً أن التعاطف مع الفلسطينيين ليس مقصوراً على المسلمين، وهو ما تتجاهله مقالة الديلي تلغراف. 

تحت تأثير “التصويت لغزة” خسر العمال أربعة مقاعد، منها ذلك الذي فاز به كوربين. لكن في مقاعد أخرى كثيرة، يحضر فيها المسلمون بقوة، لم يفز العمال إلا بغالبيةٍ ضئيلة، لا تتخطى بضعة مئات من الأصوات في بعض الحالات. خسارة العمال الفادحة كانت في دائرة مدينة ليستر الجنوبية حيث هَزم المستقل شوكت آدم مرشح العمال جوناثان آش-وورث. 

آش-وورث كان أحد وزراء حكومة الظل، ودائرته كانت تُعد مضمونةً للعمال، إذ اكتسحها في انتخابات 2019 بفارق هائل لصالحه (22 ألف صوت)، وكان من المنتظر أن يكون أحد أعضاء الوزارة الجديدة. آشورث ، وهذا أهم بما لا يقاس، كان منسق حملة العمال الانتخابية. عند إعلان النتيجة هتف الفائز من فوق المنصة: “هذا من أجل غزة.” حتى الآن، وبعد أسابيع من تسلم العمال السلطة، لا تغييرٍ جذري يُذكر في السياسية الخارجية البريطانية، بما في ذلك التعامل مع الملف الفلسطيني. لكن قدرةَ المسلمين البريطانيين على تجميع أصواتهم والخبرةَ التي اكتسبوها من هذه الانتخابات من المحتم أن تصنعا فارقاً في المستقبل (الصيغة الأساس في تنظيم الأصوات المسلمة كان عبر صفحة Muslim Vote على الإنترنت التي وفرت معلومات ووجهت لاختيارات معينة).

بغض النظر عن القضية الفلسطينية، صحيح كانت فرص جيريمي كوربين في الفوز كزعيم للعمال محدودة، لكن يغيب عن الساحة البريطانية يسار قوى يخاطب المجتمعات التي عانت بشدة من عقودٍ من التهميش والإفقار، بخاصةً في شمال إنكلترا، حيث كانت أعنف أعمال الشغب العنصرية أخيراً. تهميش أمثال كوربين وتياره المنحاز بقوة الى المهمشين، يترك مساحةً لقوىٍ سياسية تعلق مآسيهم على هجرة الأجانب والعضوية في الاتحاد الأوروبي وتقدم العنصرية كحلّ لمشاكلهم كحزب نايجل فاراج ورابطة الدفاع الإنكليزية.  

نظام سياسي كفؤ وواقع يثير التساؤلات

هل سيتغير النظام البرلماني البريطاني قريباً ليعتمد نظاماً أدق في تمثيله لأصوات الناخبين؟ تبدو الإجابة بالنفي. ففي العام 2011، شهدت البلاد استفتاءً حول هذا الأمر، وكانت النتيجة أن رفض 68 في المئة من المُصوتين فكرة الانتقال إلى نظام نسبي. علماً أن نظاماً قائماً على التمثيل النسبي قد يدفع الناخبين الى التصويت بطريقةٍ مختلفة. في ظل النظام الحالي ومع حكومة جديدة، ما الذي سيتغير إذاً؟ بداهةً، لا إجابة أكيدة. غير ظاهر أن الحكومة الجديدة ستغير الكثير جذرياً، لكنها تتجه نحو الحد من غلواء سياسيات المحافظين النيوليبرالية التي طحنت، في ظل حكوماتهم المتوالية، الطبقات الأفقر. خطبة الملك تشارلز الثالث للبرلمان الجديد (17 تموز)، والتي تقدم نهج “حكومته” الجديدة (كملكٍ دستوري محدود الصلاحيات لا يملك إلا أن يقرأ ما تمليه الحكومة المنتخبة) ركزت على سياسياتٍ تهدف الى تحقيق المساواة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة. 

أشارت أيضاً الى تغييرات ستعني استثماراً أكبر في التعليم والصحة، وهما قطاعان شهدا “تجفيفاً” شديداً تحت حكومات متوالية من المحافظين، بخاصة منظومة الصحة الوطنية التي لا تتوقف الشكاوى من تدهورها. أيضاً تحدثت الوزارة عبر الملك عن إعادة تأميم السكك الحديدية، وعن مواصلة التوسع في اللامركزية في إدارة البلاد الذي بدأ في عهد رئيس الوزراء العمالي توني بلير في التسعينات. أيضاً تتوجه الحكومة الجديدة لإلغاء ما بقي من مقاعد موروثة في مجلس اللوردات، عملية تغيير أخرى بدأت في عهد توني بلير.

من جهة، الديمقراطية في جوهرها هي إدارة التحولات السياسية عبر منظومةٍ متفق عليها، وهذا يبقى النظام البريطاني قادراً عليه بشكل جيد (مقارنةً، مثلاً، بالمشهد في الولايات المتحدة عند خسارة ترامب). علماً أن أسئلة كبيرة أخرى تبقى معلقة، على رأسها استقلال اسكتلندا؛ هل تعني الهزيمة المريرة التي عان منها الحزب القومي الاسكتلندي أن الفكرة قد ماتت؟ لا إجابة واضحة. وهل ستنجح الوزارة الجديدة التي تتباهى بأنها الأقل نخبويةً في تاريخ البلاد في خدمة الطبقات الأفقر وإعادة الحياة الى الخدمات العامة. 

عدد مقاعد العمال الضخم يخفي نسبة مصوتين غير كبيرة، وهو ما يعني قابليةً عاليةً للتبدل، علماً أنه مثلما انتزع اليمين المتطرف أصواتاً من المحافظين، انتزع المسلمون أصواتاً من  العمال، لكن الاندفاعة الضخمة لليمين، كما في كل أوروبا، وكما رأينا أخيراً، مخيفة. هل سينجح العمال في لجم الاستقطاب؟ وهل سيذهب المحافظون أبعد يميناً؟  الإجابات تبقى في علم الغيب.