ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بريطانيا بين انتخابات وأعمال شغب عنصريّة  (1 / 2)

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في تحالف ضمني مع التظاهرات المعارضة لكراهية الأجانب والمسلمين واللاجئين، نجح التعامل الأمني والقضائي الحازم في إيقاف موجة العنف العنصرية هذه. فقد صدرت بالفعل عشرات الأحكام القضائية بالسجن، ليس فقط لتهم بالعنف والتخريب والنهب، بل لنشر معلوماتٍ مغلوطة والحض على الكراهية العرقية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في 4 تموز/ يوليو الماضي، شهدت بريطانيا انتخابات برلمانية، ألحقت بحزب المحافظين خسارةً فادحة بعد عقدٍ ونصف في السلطة، وأوصلت حزب العمال إلى رئاسة الحكومة على رأس غالبية برلمانية هائلة بعد نصرٍ عز نظيره. وبعد 25 يوماً بالضبط من هذا التغيير السياسي الكبير، وقعت جريمة بشعة في مدينة ساوثبورت في شمال غربي إنكلترا، إذ هاجم مراهق حفلاً راقصاً للأطفال، وقتل ثلاث صغيرات أكبرهن في التاسعة من العمر، وأصاب آخرين. 

خلال أقل من ساعتين من وقوع الجريمة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ادعاءات؛ ثبت كذبها لاحقاً، أن القاتل طالب لجوء مسلم اسمه علي الشاكاتي. 

طبقاً لما نقلته وكالة “أسوشيتد برس” عن شركة “لوجيكاللي” المتخصصة في تحليل الدعاية المشابهة، انتشرت المعلومات المغلوطة على منصة “X” و”فيسبوك”، ثم بعد ذلك، طبقاً للمصادر نفسها، نقلت هذه الإشاعة وسائل إعلام مرتبطة بروسيا، على رأسها وكالة “تاس” وقناة “RT”. وفي اليوم التالي للجريمة، اجتمع متظاهرون في مدينة ساوثبورت، حيث مسرح الجريمة، وقذفوا مسجد المدينة بالحجارة والزجاجات. 

وفق الشرطة، كان المهاجمون من مناصري “رابطة الدفاع الإنكليزية” المحظورة، التي نظمت تظاهرات معادية للمسلمين سابقاً. وبسرعة شديدة امتدت التظاهرات العنيفة  إلى لندن وهارتلبوول ومانشيستر ومدن أخرى في إنكلترا،  ثم امتدت أعمال الشغب إلى أيرلندا الشمالية. 

في أكثر من مكان هاجم المتظاهرون الشرطة والمساجد والمحال التجارية وفنادق آوت الحكومة فيها طالبي لجوء. بل إن الهجمات طاولت مراكز خدمات حكومية ومكتبةً عامة. 

وبحسب كبير مراسلي “بي بي سي” المحليين، فإنه لم يشهد ذلك كله فحسب، بل رأى، وتحديداً في مدينة ساندرلاند شمال شرقي إنكلترا جنوب نيوكاسل، عائلاتٍ، آباء وأمهات مع أطفالهم يصفقون لما يجري من عنف، وقد تدثروا بالعلم الإنكليزي (علم القديس جورج ذو الصليب الأحمر على خلفية أرضية بيضاء، وهذا غير علم المملكة المتحدة). 

أعنف المشاهد كان في منطقة ميرزي- سايد حيث مدينة ساوثبورت التي شهدت الجريمة، حسب ما نشرته صحيفة “الغارديان” يوم 11 آب/ أغسطس بعد 12 يوماً من بدء الأحداث، وقد تم القبض على 779 شخصاً بتهم متعلقةٍ بالتظاهرات، وتم توجيه تهم تقضي بمحاكمة 349 منهم، بينما جُرح 200 شرطي، منهم 93 في ميرسي سايد وحدها (أكثر من مائة من إجمالي أفراد الشرطة تطلبت إصاباتهم دخول المستشفيات)، علماً أن السلطات وعدت بأن مئات من المشتبه بهم سيتم القبض عليهم في الأسابيع المقبلة، اعتماداً على تكنولوجيا التعرف على الوجوه.

وفي خطوة غير معتادة لدحض الإشاعات، كشفت السلطات عن اسم المتهم بجريمة ساوثبورت، أكسيل موغانوا روداكوبانا، مراهق يبلغ من العمر 17 عاماً، هاجر والداه من رواندا، ومولود في ويلز قبل أن ينتقل إلى مدينة ساوثبورت؛ أي ليس مسلماً أو طالب لجوء، وإن كان أبواه من المهاجرين، بغض نظر عن أن أفعال فردٍ لا تمثل جماعةً على أية حال. عدا رد الفعل الأمني الحاسم، بدءاً من السابع من آب/ أغسطس، أسكتت أعمال الشغب والاحتجاجات العنصرية تظاهرات كبيرة معادية للعنصرية واليمين المتطرف.

لكن المشهد كانت مقدماته في الانتخابات الأخيرة وتقسيم الأصوات فيها، بل وفي ما سبقها من سياسات وخطابات لحزب المحافظين وفي دفع قوى فاعلة فيه للخروج من الاتحاد الأوروبي، بتوافق ضمني مع قوى سياسية تُحسب على أقصى اليمين. المشهد عاد إلى الهدوء، لكن ما أشعله ما زال موجوداً.

تحالف ضمني بين المحافظين واليمين المتطرف

واحدة من التظاهرات المعادية للعنصرية كانت أمام مقر حزب “إصلاح المملكة المتحدة”، إذ اتهم المنظمون زعيم هذا الحزب نايجل فاراج بتحريك هذه “التظاهرات الفاشية”، حسب تعبير الهيئة المُنظمة “قاوم العنصرية” Stand up to Racism.

فاز حزب “إصلاح المملكة المتحدة” المحسوب على أقصى اليمين، والمتّهم بالفاشية، بخمسة مقاعد في الانتخابات الأخيرة (أي أقل من واحد في المئة من مقاعد مجلس العموم)، لكن نصيبه من إجمالي الأصوات في أرجاء المملكة المتحدة كان 14 في المئة، أصوات انتزعها كلها تقريباً من المحافظين في دوائر كانت عادةً محسومةً لهم. 

حسب استطلاع نشره موقع yougov الإحصائي عما شهدته بريطانيا أخيراً من اضطرابات، فإن 8 في المئة فقط ممن شملهم الاستطلاع أيدوا التظاهرات وما صاحبها من أعمال شغب، لكن النسبة الأكبر من هؤلاء كانت ممن صوّتوا لحزب “إصلاح المملكة المتحدة” في الانتخابات الأخيرة.

وبينما أبدت الغالبية الكاسحة من المشاركين في الاستفتاء معارضتها لأعمال الشغب، أبدى 21 في المئة من مؤيدي حزب “إصلاح المملكة المتحدة” تعاطفاً معها، أما تفهّم أو حتى تأييد أسباب التظاهرات، من دون تأييد أعمال الشغب، فكانت نسبته بين مؤيدي الحزب اليميني نفسه 81 في المئة. وبين المحافظين، كانت 43 في المئة وأدنى من 20 في المئة بين مؤيدي حزب “العمال” الحاكم وحزب “الليبراليين الديمقراطيين”؛ الحزب الثالث في البرلمان بعد العمال والمحافظين. 

لذلك، كان بديهياً أن تتّجه تظاهرات معادية للعنصرية إلى مقر حزب (إصلاح المملكة المتحدة) هذه آراء أعضائه، وغير مستغرب أيضاً أن الحزب الأقرب إليه، وإن على يساره “المحافظون”، خرجت قيادات منه لتهاجم حزب “العمال” الحاكم وتتهمه بـ”الصمم” تجاه أصل المشكلة المزعوم: الهجرة غير الشرعية، هذا ما كتبه بوريس جونسون في هجوم لاذع على رئيس الوزراء الحالي في عمود له (أي جونسون) في أحد الصحف  اليمينية. 

الإنترنت وX والأكاذيب واليمين المتطرف

اتُّهم نايجل فاراج وحزبه بالترويج لنظريات المؤامرة ونشر معلوماتٍ مغلوطة، لا في الأيام الأخيرة فقط، بل عبر السنوات الماضية. ربما يصح ذلك في حالة هذا الحزب وزعيمه بالذات، لكن أسماء أخرى يبدو دورها في التظاهرات الأخيرة شديد الحضور ولا يحتمل التأويل. 

كما أسلفنا، وحسب ما نشرته “بي بي سي”، لعب “المؤثرون” على وسائل التواصل الاجتماعي الدور الأساس في تحريك التظاهرات وأعمال الشغب المعادية للأجانب عموماً وللمسلمين خصوصاً. 

نشر هؤلاء مزاعم كاذبة عن هوية مرتكب جريمة ساوثبورت أثرت في عدد كبير من الناس ممن لا علاقة مباشرة لهم باليمين المتطرف، وهذا بدوره لا ينفصل عن دور خطير لعبته منصة “X” ومالكها الجنوب أفريقي المولد إيلون ماسك ـ الذي يمكننا الآن أن نتحدث بثقة عن ميوله اليمينة بعد مقابلة معه، وتأييد رآه العالم أجمع لدونالد ترامب.

تنبأ ماسك أيضاً بأن المملكة المتحدة تسير نحو حرب أهلية، وهو ما استدعى ردوداً حادة من ساسة بريطانيين من تياراتٍ مختلفةـ اسم مؤثر يتكرر ظهوره في كل التقارير عما جرى هو تومي روبينسون (اسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون) مؤسس “رابطة الدفاع الإنكليزية” المحلولة كما أسلفنا، روبينسون أو ياكسلي- لينون، الذي سُجن سابقاً بسبب أنشطته العنصرية والمعادية للمسلمين وله مليون متابع على منصة “X”، خاطب متابعيه برسائل تحريضية من قبرص حيث كان في عطلة، علماً أنه كان ممنوعاً من استخدام “تويتر” حتى استحوذ عليه إيلون ماسك.

وبعد أيام من ذلك، وتغيير الاسم إلى “X”، سُمح لروبينسون بالعودة إلى استخدام المنصة مع صورةٍ له مكمم الفم. حسب مقال كتبه روب بيتشيتا على موقع “سي إن إن”، يكاد يكون كل ما يغرده روبينسون معادياً بشدة للمهاجرين، شرعيين وغير شرعيين على حد سواء، ويستخدم لغة تنزع عنهم الإنسانية وتشدد على كونهم  “آخر” مختلفاً مناقضاً للهوية الإنكليزية. 

في ما يبدو، وحسب ما نفهم من مصادر عدة، على رأسها موقع “بي بي سي”، لم تكن هناك جهة واحدة تحرك التظاهرات وأعمال الشغب.  فتغريدات روبينسون حركت أفراداً ومجموعاتٍ صغيرة قامت بدورها بتحريك التظاهرات، هذا كله عبر قنوات التواصل الاجتماعي على الإنترنت بما في ذلك تطبيق “تيليغرام”. 

فاشية من نوع جديد

الفاشية حاضرة هنا، وقد اتخذت ثوباً جديداً يتمسح بالقيم الليبرالية الغربية ويسعى الى التحالف مع من كانوا بالأمس أعدى أعدائها. صحيح أن التظاهرات ضمّت منذ يومها الأول أعضاء من الأحزاب اليمينية المتطرفة القديمة (نسبياً) كـ”الجبهة القومية” والحزب “الوطني البريطاني”؛ لم يحظ أي منهما بتمثيلٍ في البرلمان، لكن رابطة “الدفاع الإنكليزية” المحلولة، التي كان لأعضائها الدور الأبرز في  موجة الاحتجاجات الأخيرة، تميزت بتمحورها حول العداء للإسلام لا العنصرية العرقية، فهي على عكس اليمين المتطرف التقليدي، لا ترى غضاضةً في التواصل مع، أو حتى ضم أعضاء من غير البيض، اليهود، المثليين وعابري الهوية الجنسية. 

التعريف الأساس هنا هو العداء للإسلام الذي يُقدَم كهوية سياسية وثقافية، محورها الجهاد والرغبة في الاستيلاء على أوروبا وإقامة حكم الشريعة. فبحسب وجهة نظر “رابطة الدفاع الإنكليزية”، يستحيل أن يصبح الإسلام جزءاً من المجتمع الإنكليزي، بل إن المسلمين خطر داهم عليه.

العنصرية هنا ثقافية إن جاز التعبير، ثم تقدّم الرابطة (أو من بقي منتسباً إليها بعد حلّها) نفسها كحليفٍ للصهيونية ولإسرائيل، بل وكحام لليهود ضد “الآخر” المسلم.

مثلاً لا حصراً، في أيار/ مايو الماضي، عرضت إحدى دور السينما في لندن فيلماً عن هجوم “حماس” على مهرجان نوفا الموسيقي يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. فيما نُظمت خارجها تظاهرات مؤيدة ومعارضة لإسرائيل. 

دعت الرابطة إلى الانضمام إلى التظاهرة الأولى، التي نظمها يهود من ساكني لندن، ورفع أعضاؤها علمي إنكلترا وإسرائيل، والتزموا (أي أعضاء الرابطة) عادتهم بتوجيه إهانات عنصرية الى المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين. ولأن هذا المشهد بتفاصيله لم يكن فريداً، دعا يهود بريطانيون إلى الابتعاد عن تنظيمات بعض أفرادها يشمون أجسادهم بالصليب المعقوف ويؤدون التحية النازية. 

في تحالف ضمني مع التظاهرات المعارضة لكراهية الأجانب والمسلمين واللاجئين، نجح التعامل الأمني والقضائي الحازم في إيقاف موجة العنف العنصرية هذه. فقد صدرت بالفعل عشرات الأحكام القضائية بالسجن، ليس فقط لتهم بالعنف والتخريب والنهب، بل لنشر معلوماتٍ مغلوطة والحض على الكراهية العرقية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

لكن هذا بدوره يؤشر إلى عمق الأزمة. فمن جهة، هناك حتمية التعامل مع فوضى المعلومات، حسب ما نقلته “سي إن إن” الأميركية، فقد صرح رئيس الوزراء البريطاني بأن حكومته “ستنظر في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل شامل بعد الفوضى الحالية”، بل ربما، خلال العام الجاري، سيُفعل قانون أمان التواصل الإلكتروني (the Online Safety Act) الذي يقضي، ضمن إجراءات أخرى، بمسح المواد المخالفة للقانون من على صفحات التواصل الاجتماعي. 

ومن جهة أخرى، الإجراءات القانونية وحدها، سواء لضبط الشغب أو للتحكم في ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لن تنزع الجذور التي أنتجت أزمة الأسابيع الماضية. 

تعليق الصعوبات الاقتصادية على شماعة الهجرة كان سياسة انتهجها المحافظون في السنوات السابقة وجنى ثمارها حزب “إصلاح المملكة المتحدة” اليميني- المتطرف في الانتخابات الأخيرة (كما سنفصل في الجزء الثاني والأخير من هذه السلسلة).

مفهوم أن تكون الهجرة غير الشرعية مصدر قلق، لكن تعليق أزمات الإنفاق العام التي أنتجتها سياسيات المحافظين النيوليبرالية عليها شأن آخر. 

رئيس الوزراء العمالي الجديد كير ستارمر الذي اكتسح حزبه الانتخابات الأخيرة، ألغى سياسة ترحيل اللاجئين إلى رواندا التي  انتهجها حزب المحافظين، ووعد بتخفيض الهجرة غير الشرعية بالتعاون مع الدول الأوروبية. علماً أن سياسية المحافظين في مكافحة الهجرة غير الشرعية كلفت الحكومة البريطانية نحو بليونين ونصف البليون جنيه إسترليني، فيما تعاني خدمات حكومية من نقص حاد في التمويل. 

وفي الخلفية من ذلك كله، واقع وصفه تقرير أصدره حزب “العمال” نهاية عام 2016، عن الانسجام المجتمعي (community cohesion)  أشرفت عليه عضوة الحزب البارزة لويز كاسي (عضوة مجلس اللوردات حالياً)، إذ حذر التقرير هذا من أن تجاهل التحديات التي تواجه تحقيق هذه الانسجام، بما في ذلك التردي الاقتصادي بين كثيرٍ من البريطانيين، “يترك المجال مفتوحاً أمام اليمين المتطرف من جهة، والمتطرفين الإسلاميين من جهة أخرى”؛ نقيضان يتفقان في رؤيتيهما على أن الإسلام وبريطانيا الحديثة طرفا نقيض. 

22.08.2024
زمن القراءة: 8 minutes

في تحالف ضمني مع التظاهرات المعارضة لكراهية الأجانب والمسلمين واللاجئين، نجح التعامل الأمني والقضائي الحازم في إيقاف موجة العنف العنصرية هذه. فقد صدرت بالفعل عشرات الأحكام القضائية بالسجن، ليس فقط لتهم بالعنف والتخريب والنهب، بل لنشر معلوماتٍ مغلوطة والحض على الكراهية العرقية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

في 4 تموز/ يوليو الماضي، شهدت بريطانيا انتخابات برلمانية، ألحقت بحزب المحافظين خسارةً فادحة بعد عقدٍ ونصف في السلطة، وأوصلت حزب العمال إلى رئاسة الحكومة على رأس غالبية برلمانية هائلة بعد نصرٍ عز نظيره. وبعد 25 يوماً بالضبط من هذا التغيير السياسي الكبير، وقعت جريمة بشعة في مدينة ساوثبورت في شمال غربي إنكلترا، إذ هاجم مراهق حفلاً راقصاً للأطفال، وقتل ثلاث صغيرات أكبرهن في التاسعة من العمر، وأصاب آخرين. 

خلال أقل من ساعتين من وقوع الجريمة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ادعاءات؛ ثبت كذبها لاحقاً، أن القاتل طالب لجوء مسلم اسمه علي الشاكاتي. 

طبقاً لما نقلته وكالة “أسوشيتد برس” عن شركة “لوجيكاللي” المتخصصة في تحليل الدعاية المشابهة، انتشرت المعلومات المغلوطة على منصة “X” و”فيسبوك”، ثم بعد ذلك، طبقاً للمصادر نفسها، نقلت هذه الإشاعة وسائل إعلام مرتبطة بروسيا، على رأسها وكالة “تاس” وقناة “RT”. وفي اليوم التالي للجريمة، اجتمع متظاهرون في مدينة ساوثبورت، حيث مسرح الجريمة، وقذفوا مسجد المدينة بالحجارة والزجاجات. 

وفق الشرطة، كان المهاجمون من مناصري “رابطة الدفاع الإنكليزية” المحظورة، التي نظمت تظاهرات معادية للمسلمين سابقاً. وبسرعة شديدة امتدت التظاهرات العنيفة  إلى لندن وهارتلبوول ومانشيستر ومدن أخرى في إنكلترا،  ثم امتدت أعمال الشغب إلى أيرلندا الشمالية. 

في أكثر من مكان هاجم المتظاهرون الشرطة والمساجد والمحال التجارية وفنادق آوت الحكومة فيها طالبي لجوء. بل إن الهجمات طاولت مراكز خدمات حكومية ومكتبةً عامة. 

وبحسب كبير مراسلي “بي بي سي” المحليين، فإنه لم يشهد ذلك كله فحسب، بل رأى، وتحديداً في مدينة ساندرلاند شمال شرقي إنكلترا جنوب نيوكاسل، عائلاتٍ، آباء وأمهات مع أطفالهم يصفقون لما يجري من عنف، وقد تدثروا بالعلم الإنكليزي (علم القديس جورج ذو الصليب الأحمر على خلفية أرضية بيضاء، وهذا غير علم المملكة المتحدة). 

أعنف المشاهد كان في منطقة ميرزي- سايد حيث مدينة ساوثبورت التي شهدت الجريمة، حسب ما نشرته صحيفة “الغارديان” يوم 11 آب/ أغسطس بعد 12 يوماً من بدء الأحداث، وقد تم القبض على 779 شخصاً بتهم متعلقةٍ بالتظاهرات، وتم توجيه تهم تقضي بمحاكمة 349 منهم، بينما جُرح 200 شرطي، منهم 93 في ميرسي سايد وحدها (أكثر من مائة من إجمالي أفراد الشرطة تطلبت إصاباتهم دخول المستشفيات)، علماً أن السلطات وعدت بأن مئات من المشتبه بهم سيتم القبض عليهم في الأسابيع المقبلة، اعتماداً على تكنولوجيا التعرف على الوجوه.

وفي خطوة غير معتادة لدحض الإشاعات، كشفت السلطات عن اسم المتهم بجريمة ساوثبورت، أكسيل موغانوا روداكوبانا، مراهق يبلغ من العمر 17 عاماً، هاجر والداه من رواندا، ومولود في ويلز قبل أن ينتقل إلى مدينة ساوثبورت؛ أي ليس مسلماً أو طالب لجوء، وإن كان أبواه من المهاجرين، بغض نظر عن أن أفعال فردٍ لا تمثل جماعةً على أية حال. عدا رد الفعل الأمني الحاسم، بدءاً من السابع من آب/ أغسطس، أسكتت أعمال الشغب والاحتجاجات العنصرية تظاهرات كبيرة معادية للعنصرية واليمين المتطرف.

لكن المشهد كانت مقدماته في الانتخابات الأخيرة وتقسيم الأصوات فيها، بل وفي ما سبقها من سياسات وخطابات لحزب المحافظين وفي دفع قوى فاعلة فيه للخروج من الاتحاد الأوروبي، بتوافق ضمني مع قوى سياسية تُحسب على أقصى اليمين. المشهد عاد إلى الهدوء، لكن ما أشعله ما زال موجوداً.

تحالف ضمني بين المحافظين واليمين المتطرف

واحدة من التظاهرات المعادية للعنصرية كانت أمام مقر حزب “إصلاح المملكة المتحدة”، إذ اتهم المنظمون زعيم هذا الحزب نايجل فاراج بتحريك هذه “التظاهرات الفاشية”، حسب تعبير الهيئة المُنظمة “قاوم العنصرية” Stand up to Racism.

فاز حزب “إصلاح المملكة المتحدة” المحسوب على أقصى اليمين، والمتّهم بالفاشية، بخمسة مقاعد في الانتخابات الأخيرة (أي أقل من واحد في المئة من مقاعد مجلس العموم)، لكن نصيبه من إجمالي الأصوات في أرجاء المملكة المتحدة كان 14 في المئة، أصوات انتزعها كلها تقريباً من المحافظين في دوائر كانت عادةً محسومةً لهم. 

حسب استطلاع نشره موقع yougov الإحصائي عما شهدته بريطانيا أخيراً من اضطرابات، فإن 8 في المئة فقط ممن شملهم الاستطلاع أيدوا التظاهرات وما صاحبها من أعمال شغب، لكن النسبة الأكبر من هؤلاء كانت ممن صوّتوا لحزب “إصلاح المملكة المتحدة” في الانتخابات الأخيرة.

وبينما أبدت الغالبية الكاسحة من المشاركين في الاستفتاء معارضتها لأعمال الشغب، أبدى 21 في المئة من مؤيدي حزب “إصلاح المملكة المتحدة” تعاطفاً معها، أما تفهّم أو حتى تأييد أسباب التظاهرات، من دون تأييد أعمال الشغب، فكانت نسبته بين مؤيدي الحزب اليميني نفسه 81 في المئة. وبين المحافظين، كانت 43 في المئة وأدنى من 20 في المئة بين مؤيدي حزب “العمال” الحاكم وحزب “الليبراليين الديمقراطيين”؛ الحزب الثالث في البرلمان بعد العمال والمحافظين. 

لذلك، كان بديهياً أن تتّجه تظاهرات معادية للعنصرية إلى مقر حزب (إصلاح المملكة المتحدة) هذه آراء أعضائه، وغير مستغرب أيضاً أن الحزب الأقرب إليه، وإن على يساره “المحافظون”، خرجت قيادات منه لتهاجم حزب “العمال” الحاكم وتتهمه بـ”الصمم” تجاه أصل المشكلة المزعوم: الهجرة غير الشرعية، هذا ما كتبه بوريس جونسون في هجوم لاذع على رئيس الوزراء الحالي في عمود له (أي جونسون) في أحد الصحف  اليمينية. 

الإنترنت وX والأكاذيب واليمين المتطرف

اتُّهم نايجل فاراج وحزبه بالترويج لنظريات المؤامرة ونشر معلوماتٍ مغلوطة، لا في الأيام الأخيرة فقط، بل عبر السنوات الماضية. ربما يصح ذلك في حالة هذا الحزب وزعيمه بالذات، لكن أسماء أخرى يبدو دورها في التظاهرات الأخيرة شديد الحضور ولا يحتمل التأويل. 

كما أسلفنا، وحسب ما نشرته “بي بي سي”، لعب “المؤثرون” على وسائل التواصل الاجتماعي الدور الأساس في تحريك التظاهرات وأعمال الشغب المعادية للأجانب عموماً وللمسلمين خصوصاً. 

نشر هؤلاء مزاعم كاذبة عن هوية مرتكب جريمة ساوثبورت أثرت في عدد كبير من الناس ممن لا علاقة مباشرة لهم باليمين المتطرف، وهذا بدوره لا ينفصل عن دور خطير لعبته منصة “X” ومالكها الجنوب أفريقي المولد إيلون ماسك ـ الذي يمكننا الآن أن نتحدث بثقة عن ميوله اليمينة بعد مقابلة معه، وتأييد رآه العالم أجمع لدونالد ترامب.

تنبأ ماسك أيضاً بأن المملكة المتحدة تسير نحو حرب أهلية، وهو ما استدعى ردوداً حادة من ساسة بريطانيين من تياراتٍ مختلفةـ اسم مؤثر يتكرر ظهوره في كل التقارير عما جرى هو تومي روبينسون (اسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون) مؤسس “رابطة الدفاع الإنكليزية” المحلولة كما أسلفنا، روبينسون أو ياكسلي- لينون، الذي سُجن سابقاً بسبب أنشطته العنصرية والمعادية للمسلمين وله مليون متابع على منصة “X”، خاطب متابعيه برسائل تحريضية من قبرص حيث كان في عطلة، علماً أنه كان ممنوعاً من استخدام “تويتر” حتى استحوذ عليه إيلون ماسك.

وبعد أيام من ذلك، وتغيير الاسم إلى “X”، سُمح لروبينسون بالعودة إلى استخدام المنصة مع صورةٍ له مكمم الفم. حسب مقال كتبه روب بيتشيتا على موقع “سي إن إن”، يكاد يكون كل ما يغرده روبينسون معادياً بشدة للمهاجرين، شرعيين وغير شرعيين على حد سواء، ويستخدم لغة تنزع عنهم الإنسانية وتشدد على كونهم  “آخر” مختلفاً مناقضاً للهوية الإنكليزية. 

في ما يبدو، وحسب ما نفهم من مصادر عدة، على رأسها موقع “بي بي سي”، لم تكن هناك جهة واحدة تحرك التظاهرات وأعمال الشغب.  فتغريدات روبينسون حركت أفراداً ومجموعاتٍ صغيرة قامت بدورها بتحريك التظاهرات، هذا كله عبر قنوات التواصل الاجتماعي على الإنترنت بما في ذلك تطبيق “تيليغرام”. 

فاشية من نوع جديد

الفاشية حاضرة هنا، وقد اتخذت ثوباً جديداً يتمسح بالقيم الليبرالية الغربية ويسعى الى التحالف مع من كانوا بالأمس أعدى أعدائها. صحيح أن التظاهرات ضمّت منذ يومها الأول أعضاء من الأحزاب اليمينية المتطرفة القديمة (نسبياً) كـ”الجبهة القومية” والحزب “الوطني البريطاني”؛ لم يحظ أي منهما بتمثيلٍ في البرلمان، لكن رابطة “الدفاع الإنكليزية” المحلولة، التي كان لأعضائها الدور الأبرز في  موجة الاحتجاجات الأخيرة، تميزت بتمحورها حول العداء للإسلام لا العنصرية العرقية، فهي على عكس اليمين المتطرف التقليدي، لا ترى غضاضةً في التواصل مع، أو حتى ضم أعضاء من غير البيض، اليهود، المثليين وعابري الهوية الجنسية. 

التعريف الأساس هنا هو العداء للإسلام الذي يُقدَم كهوية سياسية وثقافية، محورها الجهاد والرغبة في الاستيلاء على أوروبا وإقامة حكم الشريعة. فبحسب وجهة نظر “رابطة الدفاع الإنكليزية”، يستحيل أن يصبح الإسلام جزءاً من المجتمع الإنكليزي، بل إن المسلمين خطر داهم عليه.

العنصرية هنا ثقافية إن جاز التعبير، ثم تقدّم الرابطة (أو من بقي منتسباً إليها بعد حلّها) نفسها كحليفٍ للصهيونية ولإسرائيل، بل وكحام لليهود ضد “الآخر” المسلم.

مثلاً لا حصراً، في أيار/ مايو الماضي، عرضت إحدى دور السينما في لندن فيلماً عن هجوم “حماس” على مهرجان نوفا الموسيقي يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. فيما نُظمت خارجها تظاهرات مؤيدة ومعارضة لإسرائيل. 

دعت الرابطة إلى الانضمام إلى التظاهرة الأولى، التي نظمها يهود من ساكني لندن، ورفع أعضاؤها علمي إنكلترا وإسرائيل، والتزموا (أي أعضاء الرابطة) عادتهم بتوجيه إهانات عنصرية الى المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين. ولأن هذا المشهد بتفاصيله لم يكن فريداً، دعا يهود بريطانيون إلى الابتعاد عن تنظيمات بعض أفرادها يشمون أجسادهم بالصليب المعقوف ويؤدون التحية النازية. 

في تحالف ضمني مع التظاهرات المعارضة لكراهية الأجانب والمسلمين واللاجئين، نجح التعامل الأمني والقضائي الحازم في إيقاف موجة العنف العنصرية هذه. فقد صدرت بالفعل عشرات الأحكام القضائية بالسجن، ليس فقط لتهم بالعنف والتخريب والنهب، بل لنشر معلوماتٍ مغلوطة والحض على الكراهية العرقية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

لكن هذا بدوره يؤشر إلى عمق الأزمة. فمن جهة، هناك حتمية التعامل مع فوضى المعلومات، حسب ما نقلته “سي إن إن” الأميركية، فقد صرح رئيس الوزراء البريطاني بأن حكومته “ستنظر في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل شامل بعد الفوضى الحالية”، بل ربما، خلال العام الجاري، سيُفعل قانون أمان التواصل الإلكتروني (the Online Safety Act) الذي يقضي، ضمن إجراءات أخرى، بمسح المواد المخالفة للقانون من على صفحات التواصل الاجتماعي. 

ومن جهة أخرى، الإجراءات القانونية وحدها، سواء لضبط الشغب أو للتحكم في ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لن تنزع الجذور التي أنتجت أزمة الأسابيع الماضية. 

تعليق الصعوبات الاقتصادية على شماعة الهجرة كان سياسة انتهجها المحافظون في السنوات السابقة وجنى ثمارها حزب “إصلاح المملكة المتحدة” اليميني- المتطرف في الانتخابات الأخيرة (كما سنفصل في الجزء الثاني والأخير من هذه السلسلة).

مفهوم أن تكون الهجرة غير الشرعية مصدر قلق، لكن تعليق أزمات الإنفاق العام التي أنتجتها سياسيات المحافظين النيوليبرالية عليها شأن آخر. 

رئيس الوزراء العمالي الجديد كير ستارمر الذي اكتسح حزبه الانتخابات الأخيرة، ألغى سياسة ترحيل اللاجئين إلى رواندا التي  انتهجها حزب المحافظين، ووعد بتخفيض الهجرة غير الشرعية بالتعاون مع الدول الأوروبية. علماً أن سياسية المحافظين في مكافحة الهجرة غير الشرعية كلفت الحكومة البريطانية نحو بليونين ونصف البليون جنيه إسترليني، فيما تعاني خدمات حكومية من نقص حاد في التمويل. 

وفي الخلفية من ذلك كله، واقع وصفه تقرير أصدره حزب “العمال” نهاية عام 2016، عن الانسجام المجتمعي (community cohesion)  أشرفت عليه عضوة الحزب البارزة لويز كاسي (عضوة مجلس اللوردات حالياً)، إذ حذر التقرير هذا من أن تجاهل التحديات التي تواجه تحقيق هذه الانسجام، بما في ذلك التردي الاقتصادي بين كثيرٍ من البريطانيين، “يترك المجال مفتوحاً أمام اليمين المتطرف من جهة، والمتطرفين الإسلاميين من جهة أخرى”؛ نقيضان يتفقان في رؤيتيهما على أن الإسلام وبريطانيا الحديثة طرفا نقيض.