ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“بطاقة التسوية”: العدالة المرتجلة في سوريا وبيروقراطيتها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لقد كانت تلك الورقة، التي وعدت أن تكون بدايةً جديدة، كفناً رمزياً، لم تعد أداة إدماج، بل تحوّلت إلى شاهد قبر مؤجّل، توضع على ذاكرة فرد سوري، تقول له: أنت لست حيّاً تماماً، ولا ميتاً تماماً، أنت فقط مؤجّل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

حجم المصطلحات التي يمكن جمعها لتوصيف الأساليب العقابية، التي أنتجتها السلطة الجديدة في سوريا هائل، ومركّب، هي ليست مصطلحات اعتباطية أو لغوية فحسب، بل تعكس شبكة معقّدة من الوظائف النفسية، والاجتماعية، والسياسية، وسطوة عقابية وتأديبية، تطبّق على طيف واسع من السوريين، طيف يتحرّك بين “الفلول”، انتهاء بمن يهين “هيبة الدولة”، مروراً بمن “يلطّش بنت”.

منذ اللحظة الأولى لوصول السلطة الجديدة، ظهرت مقاربات متعدّدة لمفهوم المحاسبة، تمّ تسليط الضوء بدايةً على الفاعل الأمني المباشر: رجال الأمن والعسكر الذين ظهروا في تسجيلات مصوّرة وهم يعذّبون، ويركلون، ويقتلون، ويهانون، أمام الكاميرات وأمام الناس. هؤلاء صاروا يُشكّلون “المتّهم العاري”، حيث لم يعد الفعل فقط هو موضع الإدانة، بل الجسد والوجه والاسم، كلّها أصبحت جزءاً من مشهد الجريمة.

إلا أن هذا النموذج الظاهر لم يكن سوى جزء من طيف أوسع وأكثر مراوغة. فهناك من لم يضرب ولم يُطلق النار، لكنهم دعموا، وبرّروا، وصمتوا، وتعاونوا، أو استفادوا من المنظومة. هؤلاء يُمكن تسميتهم بـ “المتواطئين” شخصيّات مدنية وعادية، أدارت ظهرها للعنف، أو امتصّته داخلياً، إما بدافع الخوف، وإما التماهي، وإما المصلحة، هؤلاء يروّج بأنهم “البيئة الحاضنة للنظام”، وللمفارقة، فقط العلويون من يتعرّضون لعنف هذه الوصمة.

ويبرز أيضاً من كان جزءاً من جهاز السلطة الرمزي، إعلاميون، وصحافيون، وممثّلون، وكتّاب، وأكاديميون، ممن استنبطوا خطاب السلطة وتبنّوا لغتها، وساهموا في تسويق سرديتها الأمنية والطائفية. هؤلاء نالوا ما يمكن تسميته بـ”العقاب الرمزي الاجتماعي”، وهو عقاب لا يُمارس بقوّة القانون، بل عبر السخرية والنفي والتشهير، وحرمانهم من رمزية الفاعلية أو الجدارة.

بين كلّ هؤلاء، يتشكّل الطيف الرمادي للذنب، الممتدّ من الجلّاد إلى المتفرّج، من الضابط إلى الصحافي، من العسكري إلى المخرج الذي حوّل الرعب إلى دراما، أو المقدّم التلفزيوني الذي جعل من إنكار القتل طقساً إعلامياً يومياً.

 المساحات المتداخلة لا يمكن التعامل معها فقط بالعدالة القانونية، بل تستدعي عدالة ثقافية وأخلاقية واجتماعية، تُعيد مساءلة الأدوار والأقنعة، لا الأشخاص فقط. فالعدالة الانتقالية لا تُبنى فقط بمحاكم، بل بنقد خطاب السلطة، وتحليل أثره النفسي والاجتماعي، وبالاعتراف، لا التواطؤ؛ بالمساءلة، لا التسوية.

إن خطر المرحلة ليس في العنف القديم فقط، بل في إعادة إنتاج السلطة عبر التسويات، ودمج رموزها السابقة في بنية جديدة بلا نقد. ولهذا، فإن تفكيك الوظائف الرمزية للسلطة، من الإعلام إلى الفن، من التعليم إلى الدين، هو أمر أساسي لأي خروج حقيقي من بنية الجريمة.

في اليوم الخامس لسقوط النظام، ظهرت طوابير جديدة، ليست طوابير الخبز أو البنزين، بل طوابير أمنية وعسكرية امتدّت أمام مراكز مخصّصة لعقد “التسوية”. رجال بلباس مدني، صامتون، واقفون في انتظار ورقة، ورقة أعدّتها السلطة الجديدة لكلّ من خدم سابقاً في أجهزة النظام من عسكريين، وأمنيين، وحتى متعاونين إداريين.

ما هي “التسوية”؟

كانت “التسوية” في ظاهرها محاولة لاستيعاب من لم تتلطّخ أيديهم بالدم بشكل مباشر، أو أولئك الذين لم يواجهوا السلطة الجديدة بالسلاح. ورقة التسوية كانت وثيقة مؤقتة، تمنح حاملها صفة “المسوّى وضعه”، وتسمح له بالتحرّك ريثما تصدر أوراق ثبوتية رسمية، أو يتمّ تحديد موقفه النهائي أمام محكمة أو لجنة قضائية. شكل من أشكال “العبور” من نظام إلى آخر، لكنّها أيضاً وسم رمزي، يعلن أن هذا الشخص لا يزال قيد المراجعة، قيد التقييم، قيد التعليق الأخلاقي.

ظهرت بذلك “الهوّية المعلّقة” كحالة وجودية، قانونية، يعيشها الفرد الذي لا يُدان تماماً، ولا يُبرأ تماماً. فهو لا يزال خارج النظام الجديد، وخارج النظام القديم، في فراغ نفسي واجتماعي تُنتجه الورقة كعلامة مؤقتة. هذه الهوّية المعلّقة ولّدت حالة من “القلق التوقّعي”، قلق من المحاسبة المؤجّلة، من أن تصبح الورقة جسراً نحو الإدانة بدل التبرئة، أو مجرّد إثبات على الانتماء الخاطئ في لحظة خاطئة.

كانت التسوية ” وقائية”؛ أي إجراء سياسي، إداري يهدف إلى تجنّب الانفجار الأهلي، وتقديم صورة عن سلطة قادرة على استيعاب الماضي، دون أن تواجهه فعلياً، لكنّها في الوقت نفسه لم تكن اعترافاً ولا عدالة، بل شكل من “الاعتراف السلبي”: أن تحمل ورقة تدلّ على الشكّ، دون اعتراف حقيقي، ودون تبرئة صريحة. لقد أصبحت الورقة أداة للإرجاء، لا للحسم، دليلاً على الخوف، لا على الانتماء.

السلطة الجديدة كانت تسعى، أو تُظهر سعيها، نحو نوع من التصالح الاجتماعي الوقائي، أرادت تجنّب مذبحة، أو انزلاق نحو حرب أهلية، فاختارت منطق التسويات الفردية بدل المحاكمات الجماعية. بدا كأنها تُحوّل العنف من الجسد إلى الورقة، من الدم إلى الملفّ، من الرصاصة إلى الطابور.

لكنّ هذه التسوية في جوهرها، لم تكن سوى خلط مشوّش بين العقاب والصفح، بين الاندماج والإدانة، بين الخلاص والوهم. فبدل أن تكون تسوية حقيقية تُعيد ترتيب الذاكرة والعدالة والمستقبل، تحوّلت إلى أداة إدارية تمتصّ الغضب، وتُهدّئ الرأي العامّ، وتُعيد إنتاج السيطرة من دون بنية مساءلة واضحة.

وبهذا، أصبح العقاب شكلاً من التمييع الرمزي، لا ينبني على سردية قانونية واضحة، بل على تقاطع هشّ بين الرغبة في الاندماج، والخوف من الانتقام، والحاجة إلى إعادة كتابة العلاقة مع الدولة والآخر والمجتمع.

التسوية كانت أيضاً شكلاً من أشكال الهندسة النفسية الجمعية؛ فهي تمنح الأمل للمذنب، وتُلقي الشكّ على البريء، وتُبقي الجميع في حالة انتظار معلّق، في فضاء عامّ ملغوم، حيث الورقة لا تعني الغفران، بل تعليق المصير.

من يعطي الأمان ومن يزعزعه

انكسر مفهوم التسوية في قلب حقيقة الثورة الجذرية، التي زعمت السلطة الجديدة أنها لن تتبنّاها بشكلها الأقصى، إذ أخفتها لبعض الوقت. كانت تسعى إلى إظهار نفسها كوسيط عاقل، لا كقاطع جذري مع الماضي، حتى بدت التسوية محاولة لتلطيف الانتقال لا اقتلاعه.

لكن شيئاً فشيئاً، ظهرت الملامح للثورة المؤجّلة، وارتفع صوتها من خلال المعلّقين: “في المعلّقين عدل”، كأن التعليق نفسه على المصير، على الوظيفة، على الانتماء، هو شكل من العدالة. هذه الجملة العابرة، التي تكرّرت على ألسنة مسؤولي السلطة الجدد أو مناصريهم، كانت تحمل في طياتها منطقاً بارداً: العدالة لا تتحقّق بالفعل بل بالتجميد، لا بالمساءلة بل بالإلغاء الصامت.

وهكذا، تحوّلت هوّية من حصل على “ورقة تسوية” إلى “هوّية منفيّة اجتماعياً”، لم يعد من يحمل هذه الورقة “مواطناً قيد الإدماج”، بل أصبح في نظر المجتمع شخصاً رمادياً، مشكوكاً فيه، خارجاً عن طهرانية الثورة، دون أن يكون متّهماً قانونياً بشكل مباشر.

ما عمّق النفي والخوف، هو مجازر الساحل، بصورة أدقّ ما قبلها، مجازر في ريف حمص، ارتُكبت بحقّ من “يمتلكون أوراق تسوية” أي من سلّموا السلاح، تداول أخبار مفادها أن من هاجم الأمن العامّ في الساحل، بعضهم كان يحمل “بطاقة تسوية”، بعدها وقعت المجزرة، لكن تحوّلت التسوية إلى “تهمة” لا يأمن صاحبها!

بيروقراطية الاتّهام المرتجل

تحوّلت الدولة الجديدة نفسها، لا إلى كيان عدلي يُعيد إنتاج العقد الاجتماعي، بل إلى “كيان تنظيمي قاهر”، يُدير الملفّات دون تفكيك المأساة، ويُعيد إنتاج السيطرة لا الأخلاق. سلطة بيروقراطية حادّة، تملك القدرة على التصنيف، دون امتلاك أدوات الفهم أو الاعتراف أو المساءلة الفعلية.

وما كان في بدايته تسوية وقائية، تحوّل لاحقاً إلى نظام للإزاحة النفسية والسياسية، حيث العقاب لا يُقال، بل يُترك، يتسرّب من النظرات، من التعامل، من التوظيف، من الفضاء الاجتماعي.

صار النظام السابق كلّه وكأنه كتلة واحدة قد ارتكبت الجريمة، فتمّت معاقبته أخلاقياً ومجتمعياً بصمت، دون تمييز بين الفاعل المباشر والمندمج قسراً. وهذا لا يأتي في سياق التبرير، بل في سياق الدفاع عن الفرد، لا عن المؤسّسة. فالمجتمع السوري، بتركيبته المأزومة، تكيّف مع وجود المؤسّسة العسكرية والأمنية دون أن يختارها تماماً؛ كانت جزءاً من الواقع، من البقاء، من آليات النجاة داخل الدولة.

لكنّ الثورة حين تُعلن أنها ضدّ الجميع، تفقد وجهتها. العدالة لا تعني الانتقام من الذاكرة، بل مساءلتها، لا تعني الإزاحة بل الاعتراف، ولا تعني اختزال الدولة القديمة في جريمة موحّدة، بل تفكيكها قطعة قطعة، وتحويل المؤسّسة من جهاز إكراه إلى فضاء مشترك للحقّ.

كان على شابّ سوري يُدعى عرفان حيدر، أن يُحرق هوّيته المعلّقة. عرفان، المعارض للنظام منذ سنواته الأولى، عاش في حالة فرار دائم، صنع لنفسه طاقة صغيرة للهروب؛ نافذة نحو الحياة، نحو النجاة، نحو حلم الضوء. كان يهتمّ بالبيئة، يزرع، يرسم، يكتب، لكنه كان أيضاً مطارداً، لأنه لم يكن فقط فرداً، بل ذاكرة حيّة لجريمة كبرى امتدّت أربعة عشر عاماً في عهد بشّار الأسد.

صادر النظام السابق أوراقه الثبوتية، ومن بعده، حين جاءت السلطة الجديدة، منحته ورقة مؤقتة، هوّية معلّقة، أو كما وصفها عرفان لأصدقائه: “وثيقة لتأجيل الحياة”. لم يُبتّ بوضعه، لم يُبرّأ، لم يُحاكم، لم يُدمج، بل تُرك في منطقة رمادية، فضاء قانوني معلّق، يحمل ورقة بلا دلالة، كتذكرة عبور إلى اللا شيء.

وفي لحظة ضيق ويأس واعتراض رمزي، أخرج عرفان الورقة وأحرقها. حرق الورقة لم يكن عدواناً أبداً، بل كان محاولة نجاة، فعلاً دفاعياً لاستعادة الذات حين تُسلب كلّ سيادتها، كان احتجاجاً على آلية التعليق، على دولة تُعلّق الفرد كما تُعلّق الجمل في البيانات، بلا مساءلة ولا إدماج.

لقد كانت تلك الورقة، التي وعدت أن تكون بدايةً جديدة، كفناً رمزياً، لم تعد أداة إدماج، بل تحوّلت إلى شاهد قبر مؤجّل، توضع على ذاكرة فرد سوري، تقول له: أنت لست حيّاً تماماً، ولا ميتاً تماماً، أنت فقط مؤجّل.

لكن حتى هذا الاحتجاج الصامت لم يُغفر له، لم ينجُ عرفان من العقاب، فالورقة التي يحمل مثلها المئات، لم تمنع القتل، كما حدث في مجزرة ريف اللاذقية، التي ستبقى وصمة في تاريخ ما بعد الأسد. كثيرون ممّن حملوا أوراق تسوية قُتلوا، وآخرون سُجنوا فقط لأنهم احتجّوا على مرارتها.

نحن أمام ثورة جذرية لا تتنازل عن هذه الجذرية سوى بالأوهام وبعض الأشكال التقنية، لا تفكّك النظام السابق بقدر ما تفكّك المجتمع نفسه؛ فكلّ من ارتبط بالنظام يُعتبر ملوّثاً، إلا من تختاره السلطة ليكون بريئاً وفق معاييرها الخاصّة.

النظام الجديد لا يتخلّى عن أدوات السلطة القديمة، بل يستعيدها كما هي: الطابور، الورقة، التسوية، الانتظار، والذلّ. تأجيل الاعتراف بأصحاب التسوية لا يُعد إجراء إدارياً، بل هو عقاب رمزي طويل الأمد، يمارس على الأفراد كنوع من التعليق القسري لوجودهم.

إنها السلطة الحيوية التي تحدّث عنها فوكو، حيث يُعاد تنظيم حياة الأفراد وسلوكهم من خلال الملفّات، والقيود، والبطاقات، والتحكّم بـ”قوّة” الأجساد، وضبط احتشادها، وقنوات تدافعها، لا عبر العقاب الجسدي المباشر.
وحين أحرق أحدهم الورقة، لم يكن ذلك مجرّد رفض فردي، بل إشارة وجودية تُشعل ردّ فعل السلطة فوراً، وتُطلق آليات الضبط والسيطرة. في هذا السياق، تظهر الطهرانية الثورية كقوّة نفي لا تنتهي؛ إنها نفي لا يتوقّف، لكنّها لا تبني شيئاً في المقابل. إنها ثورة هادِمة، بلا روح جديدة، بلا مشروع يتجاوز النقمة إلى المعنى.

03.07.2025
زمن القراءة: 7 minutes

لقد كانت تلك الورقة، التي وعدت أن تكون بدايةً جديدة، كفناً رمزياً، لم تعد أداة إدماج، بل تحوّلت إلى شاهد قبر مؤجّل، توضع على ذاكرة فرد سوري، تقول له: أنت لست حيّاً تماماً، ولا ميتاً تماماً، أنت فقط مؤجّل.

حجم المصطلحات التي يمكن جمعها لتوصيف الأساليب العقابية، التي أنتجتها السلطة الجديدة في سوريا هائل، ومركّب، هي ليست مصطلحات اعتباطية أو لغوية فحسب، بل تعكس شبكة معقّدة من الوظائف النفسية، والاجتماعية، والسياسية، وسطوة عقابية وتأديبية، تطبّق على طيف واسع من السوريين، طيف يتحرّك بين “الفلول”، انتهاء بمن يهين “هيبة الدولة”، مروراً بمن “يلطّش بنت”.

منذ اللحظة الأولى لوصول السلطة الجديدة، ظهرت مقاربات متعدّدة لمفهوم المحاسبة، تمّ تسليط الضوء بدايةً على الفاعل الأمني المباشر: رجال الأمن والعسكر الذين ظهروا في تسجيلات مصوّرة وهم يعذّبون، ويركلون، ويقتلون، ويهانون، أمام الكاميرات وأمام الناس. هؤلاء صاروا يُشكّلون “المتّهم العاري”، حيث لم يعد الفعل فقط هو موضع الإدانة، بل الجسد والوجه والاسم، كلّها أصبحت جزءاً من مشهد الجريمة.

إلا أن هذا النموذج الظاهر لم يكن سوى جزء من طيف أوسع وأكثر مراوغة. فهناك من لم يضرب ولم يُطلق النار، لكنهم دعموا، وبرّروا، وصمتوا، وتعاونوا، أو استفادوا من المنظومة. هؤلاء يُمكن تسميتهم بـ “المتواطئين” شخصيّات مدنية وعادية، أدارت ظهرها للعنف، أو امتصّته داخلياً، إما بدافع الخوف، وإما التماهي، وإما المصلحة، هؤلاء يروّج بأنهم “البيئة الحاضنة للنظام”، وللمفارقة، فقط العلويون من يتعرّضون لعنف هذه الوصمة.

ويبرز أيضاً من كان جزءاً من جهاز السلطة الرمزي، إعلاميون، وصحافيون، وممثّلون، وكتّاب، وأكاديميون، ممن استنبطوا خطاب السلطة وتبنّوا لغتها، وساهموا في تسويق سرديتها الأمنية والطائفية. هؤلاء نالوا ما يمكن تسميته بـ”العقاب الرمزي الاجتماعي”، وهو عقاب لا يُمارس بقوّة القانون، بل عبر السخرية والنفي والتشهير، وحرمانهم من رمزية الفاعلية أو الجدارة.

بين كلّ هؤلاء، يتشكّل الطيف الرمادي للذنب، الممتدّ من الجلّاد إلى المتفرّج، من الضابط إلى الصحافي، من العسكري إلى المخرج الذي حوّل الرعب إلى دراما، أو المقدّم التلفزيوني الذي جعل من إنكار القتل طقساً إعلامياً يومياً.

 المساحات المتداخلة لا يمكن التعامل معها فقط بالعدالة القانونية، بل تستدعي عدالة ثقافية وأخلاقية واجتماعية، تُعيد مساءلة الأدوار والأقنعة، لا الأشخاص فقط. فالعدالة الانتقالية لا تُبنى فقط بمحاكم، بل بنقد خطاب السلطة، وتحليل أثره النفسي والاجتماعي، وبالاعتراف، لا التواطؤ؛ بالمساءلة، لا التسوية.

إن خطر المرحلة ليس في العنف القديم فقط، بل في إعادة إنتاج السلطة عبر التسويات، ودمج رموزها السابقة في بنية جديدة بلا نقد. ولهذا، فإن تفكيك الوظائف الرمزية للسلطة، من الإعلام إلى الفن، من التعليم إلى الدين، هو أمر أساسي لأي خروج حقيقي من بنية الجريمة.

في اليوم الخامس لسقوط النظام، ظهرت طوابير جديدة، ليست طوابير الخبز أو البنزين، بل طوابير أمنية وعسكرية امتدّت أمام مراكز مخصّصة لعقد “التسوية”. رجال بلباس مدني، صامتون، واقفون في انتظار ورقة، ورقة أعدّتها السلطة الجديدة لكلّ من خدم سابقاً في أجهزة النظام من عسكريين، وأمنيين، وحتى متعاونين إداريين.

ما هي “التسوية”؟

كانت “التسوية” في ظاهرها محاولة لاستيعاب من لم تتلطّخ أيديهم بالدم بشكل مباشر، أو أولئك الذين لم يواجهوا السلطة الجديدة بالسلاح. ورقة التسوية كانت وثيقة مؤقتة، تمنح حاملها صفة “المسوّى وضعه”، وتسمح له بالتحرّك ريثما تصدر أوراق ثبوتية رسمية، أو يتمّ تحديد موقفه النهائي أمام محكمة أو لجنة قضائية. شكل من أشكال “العبور” من نظام إلى آخر، لكنّها أيضاً وسم رمزي، يعلن أن هذا الشخص لا يزال قيد المراجعة، قيد التقييم، قيد التعليق الأخلاقي.

ظهرت بذلك “الهوّية المعلّقة” كحالة وجودية، قانونية، يعيشها الفرد الذي لا يُدان تماماً، ولا يُبرأ تماماً. فهو لا يزال خارج النظام الجديد، وخارج النظام القديم، في فراغ نفسي واجتماعي تُنتجه الورقة كعلامة مؤقتة. هذه الهوّية المعلّقة ولّدت حالة من “القلق التوقّعي”، قلق من المحاسبة المؤجّلة، من أن تصبح الورقة جسراً نحو الإدانة بدل التبرئة، أو مجرّد إثبات على الانتماء الخاطئ في لحظة خاطئة.

كانت التسوية ” وقائية”؛ أي إجراء سياسي، إداري يهدف إلى تجنّب الانفجار الأهلي، وتقديم صورة عن سلطة قادرة على استيعاب الماضي، دون أن تواجهه فعلياً، لكنّها في الوقت نفسه لم تكن اعترافاً ولا عدالة، بل شكل من “الاعتراف السلبي”: أن تحمل ورقة تدلّ على الشكّ، دون اعتراف حقيقي، ودون تبرئة صريحة. لقد أصبحت الورقة أداة للإرجاء، لا للحسم، دليلاً على الخوف، لا على الانتماء.

السلطة الجديدة كانت تسعى، أو تُظهر سعيها، نحو نوع من التصالح الاجتماعي الوقائي، أرادت تجنّب مذبحة، أو انزلاق نحو حرب أهلية، فاختارت منطق التسويات الفردية بدل المحاكمات الجماعية. بدا كأنها تُحوّل العنف من الجسد إلى الورقة، من الدم إلى الملفّ، من الرصاصة إلى الطابور.

لكنّ هذه التسوية في جوهرها، لم تكن سوى خلط مشوّش بين العقاب والصفح، بين الاندماج والإدانة، بين الخلاص والوهم. فبدل أن تكون تسوية حقيقية تُعيد ترتيب الذاكرة والعدالة والمستقبل، تحوّلت إلى أداة إدارية تمتصّ الغضب، وتُهدّئ الرأي العامّ، وتُعيد إنتاج السيطرة من دون بنية مساءلة واضحة.

وبهذا، أصبح العقاب شكلاً من التمييع الرمزي، لا ينبني على سردية قانونية واضحة، بل على تقاطع هشّ بين الرغبة في الاندماج، والخوف من الانتقام، والحاجة إلى إعادة كتابة العلاقة مع الدولة والآخر والمجتمع.

التسوية كانت أيضاً شكلاً من أشكال الهندسة النفسية الجمعية؛ فهي تمنح الأمل للمذنب، وتُلقي الشكّ على البريء، وتُبقي الجميع في حالة انتظار معلّق، في فضاء عامّ ملغوم، حيث الورقة لا تعني الغفران، بل تعليق المصير.

من يعطي الأمان ومن يزعزعه

انكسر مفهوم التسوية في قلب حقيقة الثورة الجذرية، التي زعمت السلطة الجديدة أنها لن تتبنّاها بشكلها الأقصى، إذ أخفتها لبعض الوقت. كانت تسعى إلى إظهار نفسها كوسيط عاقل، لا كقاطع جذري مع الماضي، حتى بدت التسوية محاولة لتلطيف الانتقال لا اقتلاعه.

لكن شيئاً فشيئاً، ظهرت الملامح للثورة المؤجّلة، وارتفع صوتها من خلال المعلّقين: “في المعلّقين عدل”، كأن التعليق نفسه على المصير، على الوظيفة، على الانتماء، هو شكل من العدالة. هذه الجملة العابرة، التي تكرّرت على ألسنة مسؤولي السلطة الجدد أو مناصريهم، كانت تحمل في طياتها منطقاً بارداً: العدالة لا تتحقّق بالفعل بل بالتجميد، لا بالمساءلة بل بالإلغاء الصامت.

وهكذا، تحوّلت هوّية من حصل على “ورقة تسوية” إلى “هوّية منفيّة اجتماعياً”، لم يعد من يحمل هذه الورقة “مواطناً قيد الإدماج”، بل أصبح في نظر المجتمع شخصاً رمادياً، مشكوكاً فيه، خارجاً عن طهرانية الثورة، دون أن يكون متّهماً قانونياً بشكل مباشر.

ما عمّق النفي والخوف، هو مجازر الساحل، بصورة أدقّ ما قبلها، مجازر في ريف حمص، ارتُكبت بحقّ من “يمتلكون أوراق تسوية” أي من سلّموا السلاح، تداول أخبار مفادها أن من هاجم الأمن العامّ في الساحل، بعضهم كان يحمل “بطاقة تسوية”، بعدها وقعت المجزرة، لكن تحوّلت التسوية إلى “تهمة” لا يأمن صاحبها!

بيروقراطية الاتّهام المرتجل

تحوّلت الدولة الجديدة نفسها، لا إلى كيان عدلي يُعيد إنتاج العقد الاجتماعي، بل إلى “كيان تنظيمي قاهر”، يُدير الملفّات دون تفكيك المأساة، ويُعيد إنتاج السيطرة لا الأخلاق. سلطة بيروقراطية حادّة، تملك القدرة على التصنيف، دون امتلاك أدوات الفهم أو الاعتراف أو المساءلة الفعلية.

وما كان في بدايته تسوية وقائية، تحوّل لاحقاً إلى نظام للإزاحة النفسية والسياسية، حيث العقاب لا يُقال، بل يُترك، يتسرّب من النظرات، من التعامل، من التوظيف، من الفضاء الاجتماعي.

صار النظام السابق كلّه وكأنه كتلة واحدة قد ارتكبت الجريمة، فتمّت معاقبته أخلاقياً ومجتمعياً بصمت، دون تمييز بين الفاعل المباشر والمندمج قسراً. وهذا لا يأتي في سياق التبرير، بل في سياق الدفاع عن الفرد، لا عن المؤسّسة. فالمجتمع السوري، بتركيبته المأزومة، تكيّف مع وجود المؤسّسة العسكرية والأمنية دون أن يختارها تماماً؛ كانت جزءاً من الواقع، من البقاء، من آليات النجاة داخل الدولة.

لكنّ الثورة حين تُعلن أنها ضدّ الجميع، تفقد وجهتها. العدالة لا تعني الانتقام من الذاكرة، بل مساءلتها، لا تعني الإزاحة بل الاعتراف، ولا تعني اختزال الدولة القديمة في جريمة موحّدة، بل تفكيكها قطعة قطعة، وتحويل المؤسّسة من جهاز إكراه إلى فضاء مشترك للحقّ.

كان على شابّ سوري يُدعى عرفان حيدر، أن يُحرق هوّيته المعلّقة. عرفان، المعارض للنظام منذ سنواته الأولى، عاش في حالة فرار دائم، صنع لنفسه طاقة صغيرة للهروب؛ نافذة نحو الحياة، نحو النجاة، نحو حلم الضوء. كان يهتمّ بالبيئة، يزرع، يرسم، يكتب، لكنه كان أيضاً مطارداً، لأنه لم يكن فقط فرداً، بل ذاكرة حيّة لجريمة كبرى امتدّت أربعة عشر عاماً في عهد بشّار الأسد.

صادر النظام السابق أوراقه الثبوتية، ومن بعده، حين جاءت السلطة الجديدة، منحته ورقة مؤقتة، هوّية معلّقة، أو كما وصفها عرفان لأصدقائه: “وثيقة لتأجيل الحياة”. لم يُبتّ بوضعه، لم يُبرّأ، لم يُحاكم، لم يُدمج، بل تُرك في منطقة رمادية، فضاء قانوني معلّق، يحمل ورقة بلا دلالة، كتذكرة عبور إلى اللا شيء.

وفي لحظة ضيق ويأس واعتراض رمزي، أخرج عرفان الورقة وأحرقها. حرق الورقة لم يكن عدواناً أبداً، بل كان محاولة نجاة، فعلاً دفاعياً لاستعادة الذات حين تُسلب كلّ سيادتها، كان احتجاجاً على آلية التعليق، على دولة تُعلّق الفرد كما تُعلّق الجمل في البيانات، بلا مساءلة ولا إدماج.

لقد كانت تلك الورقة، التي وعدت أن تكون بدايةً جديدة، كفناً رمزياً، لم تعد أداة إدماج، بل تحوّلت إلى شاهد قبر مؤجّل، توضع على ذاكرة فرد سوري، تقول له: أنت لست حيّاً تماماً، ولا ميتاً تماماً، أنت فقط مؤجّل.

لكن حتى هذا الاحتجاج الصامت لم يُغفر له، لم ينجُ عرفان من العقاب، فالورقة التي يحمل مثلها المئات، لم تمنع القتل، كما حدث في مجزرة ريف اللاذقية، التي ستبقى وصمة في تاريخ ما بعد الأسد. كثيرون ممّن حملوا أوراق تسوية قُتلوا، وآخرون سُجنوا فقط لأنهم احتجّوا على مرارتها.

نحن أمام ثورة جذرية لا تتنازل عن هذه الجذرية سوى بالأوهام وبعض الأشكال التقنية، لا تفكّك النظام السابق بقدر ما تفكّك المجتمع نفسه؛ فكلّ من ارتبط بالنظام يُعتبر ملوّثاً، إلا من تختاره السلطة ليكون بريئاً وفق معاييرها الخاصّة.

النظام الجديد لا يتخلّى عن أدوات السلطة القديمة، بل يستعيدها كما هي: الطابور، الورقة، التسوية، الانتظار، والذلّ. تأجيل الاعتراف بأصحاب التسوية لا يُعد إجراء إدارياً، بل هو عقاب رمزي طويل الأمد، يمارس على الأفراد كنوع من التعليق القسري لوجودهم.

إنها السلطة الحيوية التي تحدّث عنها فوكو، حيث يُعاد تنظيم حياة الأفراد وسلوكهم من خلال الملفّات، والقيود، والبطاقات، والتحكّم بـ”قوّة” الأجساد، وضبط احتشادها، وقنوات تدافعها، لا عبر العقاب الجسدي المباشر.
وحين أحرق أحدهم الورقة، لم يكن ذلك مجرّد رفض فردي، بل إشارة وجودية تُشعل ردّ فعل السلطة فوراً، وتُطلق آليات الضبط والسيطرة. في هذا السياق، تظهر الطهرانية الثورية كقوّة نفي لا تنتهي؛ إنها نفي لا يتوقّف، لكنّها لا تبني شيئاً في المقابل. إنها ثورة هادِمة، بلا روح جديدة، بلا مشروع يتجاوز النقمة إلى المعنى.