ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بعبع الجيم: كيف تصالحت مع شبح الذكورة في النادي الرياضي…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قضيت معظم سنوات دراستي دون رفاق، لأنني لم أكن “الرفيق الصبي” الذي يريدونه. في الحقيقة، صدّقت ما أرادوا أن يُلبسوني إيّاه: أنني لست رجلاً. فأصبحت أخشى صفاتي التي صنّفوها أنثوية. وبما أن النادي الرياضي هو مكان مخصّص “للذكور” و”الأقوياء”، لم أشعر يوماً أنني أنتمي إليه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

دخلتُ أثناء حياتي مرةً واحدة إلى الجيم (النادي الرياضي)…

لطالما أخافني هذا المكان؛ أشعر أن فيه ذكورة فائضة. كلما مررتُ بجانب نادٍ رياضي، أشعر بأشباح تهاجمني، وعضلات كبيرة تلتفّ حول عنقي.

خرجت يومها ولم أعد، وشطبت فكرة الجيم من قاموسي، معتبراً إيّاه غير موجود. في كل مرّة فكّرت بالذهاب مجدّداً، كنت أدفع الفكرة بعيداً عن رأسي بحجج مختلفة. فمن الذي وضع بعبع الجيم في رأسي؟

كبرت في بيئة محافظة، كانت تمارس كل النظريات التربوية التقليدية لجهة أدوار الفتيات والصبيان فيها. كان يُنتظَر مني قسوة وقوّة ومظهر مختلف، وكان عدم ملاءمتي لهذه المعايير يعرّضني للكثير من القسوة. 

أنا ذكر لا أمتثل إلى معايير الرجولة التي حدّدوها لي، أي لم أكن ذكراً بما يكفي، فوصموني بمصطلحات مثل: “بنّوتي”، و”مأنّث”، وغيرها من الألفاظ التي تنضح بالميزوجينية وكره كل ما هو “أنثوي”.

قضيت معظم سنوات دراستي دون رفاق، لأنني لم أكن “الرفيق الصبي” الذي يريدونه. في الحقيقة، صدّقت ما أرادوا أن يُلبسوني إيّاه: أنني لست رجلاً. فأصبحت أخشى صفاتي التي صنّفوها أنثوية. وبما أن النادي الرياضي هو مكان مخصّص “للذكور” و”الأقوياء”، لم أشعر يوماً أنني أنتمي إليه.

كنت أخاف الجيم كما خفت صالونات الحلاقة، وملاعب كرة القدم، وأي تجمّع يكتظّ بـ”الذكور الحقيقيين”. في البداية لم أفهم هذا الشعور؛ كنت فقط أتجنّب الذهاب إلى هذه الأماكن، وإن ذهبت إليها، أفقد النطق، لأنني كنت قد بُرمجت على أنني دخيل عليها. فأفقد كلماتي، وأتسمّر في مكاني. حتى إنني اختبرت أوّل نوبة هلع في صالون حلاقة، في إحدى المرّات.

في جلسات نقاش عديدة تحديداً في جلسات علاج نفسي تطرّقت مرّات عدّة إلى هذه المواضيع، حتى تبلور لي في نهاية المطاف أنها تقع في صلب السمات الجندرية التي يتوقّعها المجتمع منّا، وفي حالتي، التي توقّعتها أنا أيضاً من نفسي. فمن الذي يحدّد ما هو الأنثوي وما هو الذكري؟ ومن جزم بأن الضعف صفة أنثوية، وأن القوّة صفة ذكرية؟

في الحقيقة، ورثت معظم قوّتي عن جدّتي؛ المرأة التي زُوِّجت وهي طفلة، ثم كبرت لتتمرّد على ذكورية القرية والعائلة، وترفض، وتعتمد على صوتها العالي. صوتها الذي نهر الظلم الذي كان يُمارَس عليها، وفي الحقل، بينما كانت تحصد القمح، تغنّي مع النساء: “الدّيها، الدّيها عالدّيها”. أما بقية الأغنية فسأتحفّظ عن نشرها حفاظاً على حقوق النشر لزيزي التي ألّفتها… أو ربما لا.

فهمت بعدها أن ذكورتي ليست مرتبطة بما يحدّده محيطي على أنه ذكري. تصالحت مع ذكورتي، لا مع ذكوريتي حتماً.

مؤخّراً انتقلت إلى بلد جديد، وصادف وجود نادٍ رياضي إلى جانب منزلي، فقرّرت تجربته. دخلت وأنا أرتجف خوفاً، أشعر أن بعبعاً ما سيخرج من خلف الآلات ويلتهمني. كنت أحسّ أن عيون الرجال تثقبني، وتنبش عن عضلاتي بوصفها إثباتاً للرجولة. خفت، كما لو أن النادي الرياضي هو عقاب حياتي، وكأنني لن أنجو من ذلك النهار.

لكن لم يحدث أيّ من هذا. لم أجد شبحاً في النادي، ولم يهاجمني أحد. كنت متوقّعاً أن أموت بعد يوم التدريب الأوّل، لكنّني فوجئت بأن الحال لم تكن كذلك. على العكس، كان يوماً لطيفاً.

منذ ذلك اليوم، صرت أتردّد إلى النادي ثلاث مرّات في الأسبوع تقريباً، ترافقني عبر الهاتف مدرّبتي من بيروت، وأشعل بخوراً في وجه الأشباح، إن اقتربت مني. كان هذا قراري في نزع الجندرة عن النادي الرياضي، فبدأت أراه مكاناً لممارسة الرياضة، عوضاً عن كونه مكانًا لإثبات الذكورة الناقصة.

تصالحت مع بعبع الذكورة في النادي، بعدما طردته من رأسي.

مع الوقت لم أعد بحاجة إلى أحد ليقول لي إنني لا أنتمي إلى هذه الأمكنة. كانت أصوات السخرية قد انتقلت إلى داخلي وصرت أراقب نفسي في عيون الآخرين، فصرت أراقب جسدي، طريقة أداء الحركات الرياضية وحتى المساحة التي أحتلّها في الجيم بين رجال حولي…

 ربما ما تغيّر في النهاية أنني توقّفت عن اعتبار الجيم امتحاناً للرجولة أصلاً. لم أعد بحاجة إلى عضلات لأثبت هويّتي. فهمت أنه يمكن أن أكون قويّاً وهشّاً في آن، وأن أهتمّ بجسدي دون أن أحوّله إلى شهادة رجولة. 

الجيم عاد إلى مكانه الطبيعي، مكاناً للرياضة والصحّة، لا مصنعاً للرجال ومعايير الذكورة.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
29.08.2026
زمن القراءة: 3 minutes

قضيت معظم سنوات دراستي دون رفاق، لأنني لم أكن “الرفيق الصبي” الذي يريدونه. في الحقيقة، صدّقت ما أرادوا أن يُلبسوني إيّاه: أنني لست رجلاً. فأصبحت أخشى صفاتي التي صنّفوها أنثوية. وبما أن النادي الرياضي هو مكان مخصّص “للذكور” و”الأقوياء”، لم أشعر يوماً أنني أنتمي إليه.

دخلتُ أثناء حياتي مرةً واحدة إلى الجيم (النادي الرياضي)…

لطالما أخافني هذا المكان؛ أشعر أن فيه ذكورة فائضة. كلما مررتُ بجانب نادٍ رياضي، أشعر بأشباح تهاجمني، وعضلات كبيرة تلتفّ حول عنقي.

خرجت يومها ولم أعد، وشطبت فكرة الجيم من قاموسي، معتبراً إيّاه غير موجود. في كل مرّة فكّرت بالذهاب مجدّداً، كنت أدفع الفكرة بعيداً عن رأسي بحجج مختلفة. فمن الذي وضع بعبع الجيم في رأسي؟

كبرت في بيئة محافظة، كانت تمارس كل النظريات التربوية التقليدية لجهة أدوار الفتيات والصبيان فيها. كان يُنتظَر مني قسوة وقوّة ومظهر مختلف، وكان عدم ملاءمتي لهذه المعايير يعرّضني للكثير من القسوة. 

أنا ذكر لا أمتثل إلى معايير الرجولة التي حدّدوها لي، أي لم أكن ذكراً بما يكفي، فوصموني بمصطلحات مثل: “بنّوتي”، و”مأنّث”، وغيرها من الألفاظ التي تنضح بالميزوجينية وكره كل ما هو “أنثوي”.

قضيت معظم سنوات دراستي دون رفاق، لأنني لم أكن “الرفيق الصبي” الذي يريدونه. في الحقيقة، صدّقت ما أرادوا أن يُلبسوني إيّاه: أنني لست رجلاً. فأصبحت أخشى صفاتي التي صنّفوها أنثوية. وبما أن النادي الرياضي هو مكان مخصّص “للذكور” و”الأقوياء”، لم أشعر يوماً أنني أنتمي إليه.

كنت أخاف الجيم كما خفت صالونات الحلاقة، وملاعب كرة القدم، وأي تجمّع يكتظّ بـ”الذكور الحقيقيين”. في البداية لم أفهم هذا الشعور؛ كنت فقط أتجنّب الذهاب إلى هذه الأماكن، وإن ذهبت إليها، أفقد النطق، لأنني كنت قد بُرمجت على أنني دخيل عليها. فأفقد كلماتي، وأتسمّر في مكاني. حتى إنني اختبرت أوّل نوبة هلع في صالون حلاقة، في إحدى المرّات.

في جلسات نقاش عديدة تحديداً في جلسات علاج نفسي تطرّقت مرّات عدّة إلى هذه المواضيع، حتى تبلور لي في نهاية المطاف أنها تقع في صلب السمات الجندرية التي يتوقّعها المجتمع منّا، وفي حالتي، التي توقّعتها أنا أيضاً من نفسي. فمن الذي يحدّد ما هو الأنثوي وما هو الذكري؟ ومن جزم بأن الضعف صفة أنثوية، وأن القوّة صفة ذكرية؟

في الحقيقة، ورثت معظم قوّتي عن جدّتي؛ المرأة التي زُوِّجت وهي طفلة، ثم كبرت لتتمرّد على ذكورية القرية والعائلة، وترفض، وتعتمد على صوتها العالي. صوتها الذي نهر الظلم الذي كان يُمارَس عليها، وفي الحقل، بينما كانت تحصد القمح، تغنّي مع النساء: “الدّيها، الدّيها عالدّيها”. أما بقية الأغنية فسأتحفّظ عن نشرها حفاظاً على حقوق النشر لزيزي التي ألّفتها… أو ربما لا.

فهمت بعدها أن ذكورتي ليست مرتبطة بما يحدّده محيطي على أنه ذكري. تصالحت مع ذكورتي، لا مع ذكوريتي حتماً.

مؤخّراً انتقلت إلى بلد جديد، وصادف وجود نادٍ رياضي إلى جانب منزلي، فقرّرت تجربته. دخلت وأنا أرتجف خوفاً، أشعر أن بعبعاً ما سيخرج من خلف الآلات ويلتهمني. كنت أحسّ أن عيون الرجال تثقبني، وتنبش عن عضلاتي بوصفها إثباتاً للرجولة. خفت، كما لو أن النادي الرياضي هو عقاب حياتي، وكأنني لن أنجو من ذلك النهار.

لكن لم يحدث أيّ من هذا. لم أجد شبحاً في النادي، ولم يهاجمني أحد. كنت متوقّعاً أن أموت بعد يوم التدريب الأوّل، لكنّني فوجئت بأن الحال لم تكن كذلك. على العكس، كان يوماً لطيفاً.

منذ ذلك اليوم، صرت أتردّد إلى النادي ثلاث مرّات في الأسبوع تقريباً، ترافقني عبر الهاتف مدرّبتي من بيروت، وأشعل بخوراً في وجه الأشباح، إن اقتربت مني. كان هذا قراري في نزع الجندرة عن النادي الرياضي، فبدأت أراه مكاناً لممارسة الرياضة، عوضاً عن كونه مكانًا لإثبات الذكورة الناقصة.

تصالحت مع بعبع الذكورة في النادي، بعدما طردته من رأسي.

مع الوقت لم أعد بحاجة إلى أحد ليقول لي إنني لا أنتمي إلى هذه الأمكنة. كانت أصوات السخرية قد انتقلت إلى داخلي وصرت أراقب نفسي في عيون الآخرين، فصرت أراقب جسدي، طريقة أداء الحركات الرياضية وحتى المساحة التي أحتلّها في الجيم بين رجال حولي…

 ربما ما تغيّر في النهاية أنني توقّفت عن اعتبار الجيم امتحاناً للرجولة أصلاً. لم أعد بحاجة إلى عضلات لأثبت هويّتي. فهمت أنه يمكن أن أكون قويّاً وهشّاً في آن، وأن أهتمّ بجسدي دون أن أحوّله إلى شهادة رجولة. 

الجيم عاد إلى مكانه الطبيعي، مكاناً للرياضة والصحّة، لا مصنعاً للرجال ومعايير الذكورة.