يوم 24 شباط/ فبراير 2022، اجتاحت القوّات الروسية الأراضي الأوكرانية ووصلت إلى مشارف العاصمة كييف، في محاولة لوضع اليد على هذا البلد الذي لطالما اعتبرته الحديقة الخلفية لها، خاصّة وأنه كان القلب النابض للاتّحاد السوفياتي وتحرّر منه سنة 1991.
تصدّى وقتها الجيش الأوكراني بمساعدة قوّات التحالف الأوروبية للهجوم الروسي، وتمكّن من إيقاف تقدّمه في الأراضي الأوكرانية، ولكنّ الحرب لم تنتهِ منذ ذلك الوقت.
جولات متتالية من المفاوضات منذ 2022، انتهت كلّها بالفشل لإنهاء هذه الحرب التي كلّفت الجانبين حتى كانون الأوّل/ ديسمبر 2025، نحو 2 مليون شخص بين جريح وقتيل ومفقود: 1.2 مليون من الجانب الروسي، بينهم 325 ألف قتيل، و600 ألف من الجانب الأوكراني، بينهم 140 ألف قتيل، يُضاف إليهم 5.7 مليون لاجئ أوكراني في العالم، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية العالمية (CSIS).
آخر هذه المفاوضات، هي الجولة التي حصلت يومي 17 و18 شباط/ فبراير الحالي في جنيف، والتي جمعت ممثّلي الجانبين بالإضافة إلى المبعوثين الأميركيين: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، ولم تسفر عن أيّة نتيجة، أمام إصرار الروس على الاحتفاظ بكلّ الأراضي التي احتلّوها منذ 2022، والتي تمثّل 20% من مساحة أوكرانيا، والسعي إلى وضع اليد على كامل إقليم الدونباس (شرق أوكرانيا)، في حين ما زالت أجزاء منه تحت سيطرة القوّات الأوكرانية.
من جهته، أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي استعداداً للتخلّي على الأراضي المحتلّة، بعد أن أدرك أن لا أمل في استعادتها في الوقت الحالي، ولكن بشروط، أهمّها الحصول على وقف لإطلاق النار يفتح الباب لمفاوضات جدّية حول الضمانات لعدم إعادة غزو روسيا لأوكرانيا، وانتشار القوّات الأوروبية في المناطق العازلة على الحدود الأوكرانية مع روسيا.
هذه المطالب لاقت رفضاً قاطعاً من الجانب الروسي، الذي تمسّك بموقفه بمواصلة الحرب، طالما لم يتمّ الاعتراف بسيادته على المناطق التي يحتلّها حالياً، والتي يرغب في توسعة رقعتها.
هكذا تُضاف جولة جديدة من المفاوضات الفاشلة بين البلدين، مهدّدة بتواصل النزاع الذي يدخل عامه الخامس، فماذا ستكون تكلفته على الجانبين؟
لم تُفلح استراتيجية الضغط والتهديد والوعيد التي انتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، فتارة يضغط على زيلنسكي ليقبل بالشروط الروسية من دون نقاش، ضغط وصل إلى حدّ الإهانة العلنية أمام كاميرات العالم، وتارة يُداعب الخصم الروسي فلاديمير بوتين، في محاولة لجرّه إلى طاولة المفاوضات والوصول إلى إنهاء النزاع، ليتفطّن فيما بعد أن هذا الأخير يُماطله ولا يرغب في ذلك، فيلوّح من جديد بتشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا، وبالنهاية، يزداد حنق ترامب بسبب هذه الحرب المستمرّة دون أفق محدّد لإنهائها.
في الأثناء، تخلّت الولايات المتّحدة عن دعمها العسكري المباشر لأوكرانيا، لتصبح الدول الأوروبية هي المسؤولة حصرياً عن توفير هذا الدعم، حيث أعلن الاتّحاد الأوروبي في أواخر سنة 2025، أنه سيمنح أوكرانيا قرضاً على مدى سنتين بمبلغ 90 مليار يورو، لدعم مجهودها الحربي.
إقرأوا أيضاً:
على الأرض، لا تبدو الأمور بأحسن حال، حيث لم تتغيّر خطوط المواجهة بين الجيشين كثيراً، فالطرفان يتنازعان على بضعة كيلومترات، ما إن يربحها الطرف الأوّل، حتى يستعيدها الطرف الثاني. وبحسب معهد دراسات الحرب (ISW) الموجود في واشنطن، فإن الجيش الروسي تقدّم 5600 كلم2 في الأراضي الأوكرانية على مدار سنة 2025، أي أقلّ من 1% من مساحة البلاد، مقابل كلفة بشرية تمّ تقديرها بفقدان ألف جندي روسي يومياً، ما يجعل هذه الحرب أقرب إلى حرب استنزاف لموارد البلدين، دون أن تُحسم لفائدة جانب على حساب جانب آخر.
” البرد كسلاح حرب” للضغط على الشعب الأوكراني
من جهة أخرى، فإن القوّات الروسية تسعى للضغط على معنويات الجيش والشعب الأوكراني، من خلال تطويل أمد الحرب، وجعل ظروف العيش اليومية أكثر صعوبة وتعقيداً، حيث لا تنفكّ تستهدف البنية التحتية الطاقية للبلاد، بهدف حرمان المواطنين من مصادر الكهرباء للتدفئة في مواجهة درجات حرارة أدنى من 20 درجة تحت الصفر، وجعلهم يعيشون أسوأ أيّام الشتاء، كما يجري حالياً.
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، صرحت مؤخّراً أن “روسيا تستعمل البرد كسلاح حرب”.
ولكنّ الشعب الأوكراني لا يزال يقاوم، مدركاً من جهة أن الحرب ستطول، ومن جهة أخرى أن أيّ استسلام في الوقت الحالي يعني النهاية بالنسبة إلى أوكرانيا، لأن لا شيء سيمنع بوتين من أن يغزو البلاد ويضعها تحت سيطرته.
ورد في دراسة نشرها المعهد الدولي للعلوم الاجتماعية في كييف في كانون الثاني/ يناير الماضي، أن 65% من الشعب الأوكراني أبدى استعداده لتحمّل الحرب مهما طال أمدها، في حين صرّح 52% منه أنه يرفض رفضاً قاطعاً التخلّي عن كامل إقليم الدونباس، الذي تُطالب به روسيا.
لكنّ روح المقاومة هذه لا يمكن أن تُخفي حقيقة أن الشعب الأوكراني يعيش وضعاً صعباً بسبب طول أمد الحرب، ويتجلّى ذلك من خلال الخسائر البشرية الكبيرة، حيث فقد 15 ألف مدني حياته خلال 2025 جرّاء النزاع، كما أن التوازن الديمغرافي بدأ يختلّ مع انخفاض نسبة الولادات إلى0.7%، في بلد يعُدّ 31 مليون نسمة حالياً، في حين كان يبلغ 42 مليون نسمة في 2022، إضافة إلى نزوح 5.9 مليون أوكراني خارج البلاد، معظمهم من النساء والأطفال، الذين من الصعب جدّاً أن يعودوا حتى بعد انتهاء الحرب.
تختزل الكاتبة الأوكرانية تاتيانا أوغاركوفا في كتابها “الحياة على الحافة”، الذي صدر مطلع هذا العام، الوضع الحالي بالكلمات التالية: “اليوم، يحب أن تقاتل أوكرانيا ليس فقط لكي لا تختفي أمام الزحف الروسي، إنما لتواصل البقاء”.
تكلفة بشرية واقتصادية مرتفعة للجانب الروسي
روسيا أيضا تدفع تكلفة كبيرة مقابل استمرار النزاع، فارتفاع الخسائر البشرية جعلها تحاول أن تجد البديل عبر ضمّ مقاتلين أجانب إلى جيشها بطرق غير شرعية، لتُقدمهم كوقود للحرب، فقد أثبتت التقارير الصحافية الأخيرة أن هناك استقطاباً لشبّان من إفريقيا ومن العالم العربي بحجّة عقود عمل وهمية، للالتحاق بالجيش الروسي، وبعد فترة تدريب قصيرة لا تتجاوز الشهر، يتمّ الإلقاء بهم في الصفوف الأمامية للحرب في أوكرانيا، ليلقى معظمهم حتفه، أو يتمّ أسره من قِبل القوّات الأوكرانية، مما يعكس نقصاً في الجنود تحاول روسيا تعويضه بأيّة طريقة.
كذلك، فإن الاقتصاد الروسي الذي حقّق نسب نموّ عالية في 2023 و2024 وصلت إلى 4%، بسبب توجّهه نحو المجهود الحربي؛ حيث إن 40% من ميزانية روسيا موجّهة لتغطية نفقات الحرب، شهد تراجعاً كبيراً خلال السنة الماضية، إذ وصلت نسبة النموّ إلى 0.6%، ومن المتوقّع أن يشهد انخفاضاً أكبر في 2026، ويعزو خبراء الاقتصاد ذلك إلى تراجع صادرات روسيا من النفط، بعد التضييق الكبير على “السفن الأشباح” التي تستعملها لبيع صادراتها من الطاقة، خاصّة في البحر الأسود، وتواصل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
إضافة إلى كلّ ذلك، فإن الحرب الحالية تُدار أساساً بالدرونات والصواريخ الباليستية، وفي حين قامت روسيا بتلافي النقص الحاصل عندها في هذه الأسلحة عبر الاستيراد من إيران والصين، استطاعت أوكرانيا تعزيز قدراتها على التسلّح بالدرونات، ليس فقط من خلال عمليّات الشراء من الولايات المتّحدة وأوروبا، ولكن أيضاً من خلال تصنيعها بنفسها، حيث أن 70% من الدرونات التي تستعملها مصنوعة محلّياً، هذا إلى جانب أنها اكتسبت خبرة كبيرة في استخدامها، وتمكّنت من تحقيق 820 ألف ضربة ناجحة خلال 2025، بحسب مقال نُشر في جريدة “أكسبرس” الفرنسية بتاريخ 19 شباط/ فبراير الحالي.
وفي تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية، بتاريخ 20 شباط/ فبراير الحالي أيضاً، قال زيلنسكي: “بصراحة لسنا بصدد خسارة الحرب”.
في الوقت نفسه، يبدو أن هذه الحرب عالقة، لذلك يحاول الجانب الأميركي حلحلة الوضع، فبعد فشل مفاوضات جنيف الأخيرة، صرّح المبعوث الخاصّ لترامب، ستيف ويتكوف لقناة “فوكس نيوز” الأميركية يوم 22 شباط/ فبراير الحالي، أن واشنطن لا تزال “متفائلة”، وأنها قدّمت للطرفين الروسي والأوكراني “مقترحات قد تساهم في تقريب وجهات النظر بينهما، وتُمكّن من الإعداد خلال الثلاثة أسابيع المقبلة لقمّة ممكنة بين الرئيسين زيلنسكي وبوتين، قد يحضرها ترامب نفسه”.
يبقى التساؤل مطروحاً حول إمكانية انعقاد مثل هذه القمّة، في ظلّ الاختلافات الكبيرة بين الطرفين، وتمسّك كلّ منهما بموقفه في ما يخصّ تصوّره لإنهاء الصراع.
إقرأوا أيضاً:














