لم يكن ترشيح نوري المالكي لولاية ثالثة حدثاً مفاجئاً بحد ذاته داخل الإطار التنسيقي، بقدر ما كان اختباراً مبكراً لقدرة هذا التحالف على إدارة التناقضات العميقة بين حسابات الداخل وضغوط الخارج.
ما بدأ كنقاش داخلي اعتيادي حول “الأحقية” و”الأغلبية”، سرعان ما انزلق إلى أزمة سياسية مفتوحة وضعت العراق مجدداً في قلب اشتباك الإرادات الإقليمية والدولية.
في لحظاته الأولى، بدا أن الإطار يتعامل مع اسم المالكي بوصفه ورقة تفاوض أكثر من كونه خياراً نهائياً. التحفظات التي صدرت من قوى شيعية وازنة لم تُطرح بصيغة القطيعة، بل جاءت محكومة بسقف التوافق، في محاولة لتفادي انقسام داخلي مبكر. هذا السلوك عكس إدراكاً بأن المشكلة ليست فقط في الاسم، بل في التداعيات التي قد تترتب عليه، داخلياً وخارجياً.
يقول الصحافي محمد الباسم أن ترشيح المالكي لا يخرج كثيراً عن السياق الذي حكم اختيار رؤساء الحكومات في الدورات السابقة، فالمعادلة لا تزال محكومة بـ”دائرة مغلقة” داخل الأحزاب الكبيرة، لا تثق ببعضها ولا تفتح المجال لظهور أسماء جديدة خارج هذا الإطار، مشيراً إلى أن تجارب الذهاب إلى “الخطوط الثانية والثالثة” مثل مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني لم تُنتج نتائج إيجابية، ما دفع القوى السياسية إلى العودة مجدداً إلى “ميدان الصقور”.
غير أن المشهد تغيّر بسرعة، دخول العامل الأميركي، أولاً بصيغة رسائل غير موقّعة، ثم بتصريحات مباشرة من مبعوثين ومسؤولين، نقل النقاش من كونه خلافاً سياسياً عراقياً إلى كونه سؤالاً عن موقع العراق في معادلة النفوذ الإقليمي، وحدود استقلال قراره السياسي. اللافت أن واشنطن لم تطرح اعتراضها بلغة بروتوكولية ناعمة، بل ربطت بشكل واضح بين هوية رئيس الحكومة المقبلة ومستقبل العلاقة مع العراق، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
تغريدة دونالد ترامب شكّلت الذروة في هذا المسار، فهي لم تكن مجرد رأي شخصي، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان، خاطبت صناع القرار العراقيين مباشرة، وبمنطق المشروطية الصريحة: لا دعم مع المالكي. هنا، لم يعد بالإمكان التعامل مع الموقف الأميركي بوصفه “تدخلاً يمكن احتواؤه”، بل كفيتو معلن، يضع الإطار أمام خيارات محدودة وكلفة عالية لأي تجاهل محتمل.
وفي هذا السياق، أعلن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي رفضه القاطع لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن ترشيحه لرئاسة الحكومة العراقية، مؤكداً استمراره بالترشح استناداً إلى قرار الإطار التنسيقي.
وقال المالكي في بيان، “نرفض رفضاً قاطعاً التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكاً لسيادته ومخالفاً للنظام الديمقراطي في العراق بعد العام 2003، وتعدياً على قرار الإطار التنسيقي لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء”.
وأضاف أن “لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد”.
وأكد أنه “انطلاقاً من احترامي للإرادة الوطنية، وقرار الإطار التنسيقي الذي كفله الدستور العراقي، سأستمر بالعمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي”.
ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد ردود الفعل السياسية الداخلية على تصريحات ترامب، الذي قال في تدوينة على منصة “تروث سوشيال”، إن عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة “أمر لا ينبغي السماح به”، معتبراً أن العراق “انزلق إلى الفقر والفوضى” خلال ولايته السابقة.
وأضاف ترامب أن الولايات المتحدة ستتوقف عن تقديم العون للعراق في حال انتخاب المالكي مجدداً، محذراً من أن ذلك سيقوض فرص العراق في “النجاح أو الازدهار أو الحرية”، وختم بالقول: “لنُعد العراق عظيماً من جديد”.
ويشير الباسم إلى أن الفارق الجوهري هذه المرة أن رفض ترامب كان مباشراً وواضحاً، بخلاف الإشارات السابقة التي استخدمها بعض القادة المحليين كالحلبوسي، موضحاً أن واشنطن ميّزت بوضوح بين رفض شخصية معينة وبين الذهاب إلى إجراءات عقابية شاملة ضد بغداد، وهي إجراءات يعتقد أن البيئة الإقليمية لا تسمح بحدوثها.
الصدمة التي أحدثها الموقف الأميركي لم تقتصر على الإطار وحده. القوى السنية، وفي مقدمها حزب تقدم، وجدت في اللحظة فرصة لإعادة تثبيت سرديتها حول “القبول الوطني” ورفض العودة إلى مراحل تُستحضر في الذاكرة الجمعية بوصفها فترات انقسام حاد. الموقف السني هذه المرة لم يكن تفاوضياً، بل أقرب إلى إعلان خطوط حمراء، ما وسّع دائرة الأزمة وجعلها عابرة للطوائف.
من جانبه، يفيد المتخصص في الشأن السياسي علي البيدر بأن ردود الفعل يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات: دولية، محلية، وإقليمية. على الصعيد الدولي، يبرز رفض المالكي كمؤشر إلى حدة التوجه الأميركي نحو بغداد، وانعكاس التوترات الأميركية-الإيرانية على الداخل العراقي. داخلياً، يوضح البيدر أن الرأي العام منقسم بين من يرى في الموقف الأميركي تدخلاً سافراً، ومن يراه انعكاساً لتوازنات إقليمية حساسة، مؤكداً أن البيت الشيعي فشل في إنتاج عنوان سياسي جديد، ما دفع إلى إعادة إنتاج الأسماء القديمة، مع كل ما يترتب على ذلك من انقسامات وتحديات.
إقرأوا أيضاً:
وبرز خطاب مضاد داخل البيئة الشيعية، يُبصر في الرفض الأميركي مساساً بالسيادة، ومحاولة لفرض وصاية سياسية، حتى لو كان هذا الخطاب يدرك في العمق صعوبة ترجمة هذا الموقف إلى قرار عملي يتحدى واشنطن. هذا التناقض بين الخطاب والقدرة على الفعل هو جوهر المأزق الحالي: كيف يمكن للإطار أن يرفع شعار الاستقلال، فيما يدرك أن المضي بخيار مرفوض دولياً قد يفتح أبواب عزلة سياسية واقتصادية هو في غنى عنها؟
وفي رد ضمني على التهديدات الأميركية، اكتفى حزب الدعوة الإسلامية بنشر صورة للمالكي مرفقة بآيات قرآنية تقول: “الله ولي المؤمنين، يخرجهم من الظلمات إلى النور… وأولياء الكفار الطاغوت”، في إشارة واضحة إلى موقف الحزب من الانتقادات الدولية.
وفي موقف لاحق أكثر وضوحاً، حذّر حزب الدعوة الإسلامية الإطار التنسيقي من فتح “ثغرة” في قراره قد تجر البلاد إلى مزيد من التعقيد، معيداً التذكير بمرحلة التفجيرات والاغتيالات، ومؤكداً أن المالكي شخصية سياسية وطنية وأحد أعمدة العملية السياسية بعد عام 2003، وأن احترام سيادة العراق يقتضي رفض أي تدخل خارجي بلغة الإملاء والتهديد، داعياً القوى السياسية إلى الدفاع عن القرار الوطني المستقل.
عودة اسم المالكي إلى الواجهة لا يمكن فصلها عن هذا السياق، فعلى رغم الجدل الواسع حول تجربته السابقة، ما زال يمتلك نفوذاً تنظيمياً داخل الإطار، وتنظر إليه بعض القوى بوصفه “مرشح الصدام” القادر على إعادة خلط الأوراق، لكن هذا الرهان يبدو مكلفاً في لحظة إقليمية تتجه فيها واشنطن إلى تشديد سياسة الضغط على إيران وحلفائها، والعراق إحدى ساحات هذا الاشتباك.
يضيف محمد الباسم أن المالكي لا يُنظر إليه بوصفه تهديداً للاستقرار الأمني بقدر ما يمثل مصدر قلق على مستوى الطمأنينة المجتمعية، معتبراً أن الأزمات الأمنية هي نتاج خلل بنيوي في النظام السياسي، لا نتيجة شخص بعينه.
التحركات الأميركية الأخيرة، سواء عبر ملف الفساد أو ملف الفصائل المسلحة، تشير إلى أن واشنطن لا تتعامل مع تشكيل الحكومة العراقية كاستحقاق داخلي معزول، بل كجزء من إعادة ترتيب أوسع للمنطقة. الرسائل المتعلقة بتتبع الأموال، والعقارات، والجوازات الأجنبية، لا تنفصل عن محاولة رسم حدود جديدة للنفوذ، واستخدام أدوات القانون والاقتصاد بديلاً عن التدخل العسكري المباشر.
ويقول الكاتب سليم سوزه إن كل التطمينات التي حاول المالكي إرسالها إلى واشنطن، سواء مباشرة أو غير مباشرة، لم تكسر القلق الأميركي من استمرار نفوذه وسيطرة الميليشيات المقربة منه، معتبراً أن واشنطن تنظر إلى المالكي بوصفه “قديماً يعيد إنتاج نفسه”، وليس خياراً انتقالياً يمكن الرهان عليه.
هل يمكن للمالكي أن يتراجع؟ من الناحية الشكلية، التراجع سيُسوّق على أنه “تضحية من أجل المصلحة العامة”، لكن من الناحية السياسية، هو اعتراف ضمني بأن ميزان القوة لا يسمح بمواجهة هذا الرفض الدولي.
والإصرار عليه قد يمنح خصومه ورقة قوية لتعطيل تشكيل الحكومة، أو على الأقل لإضعافها منذ اليوم الأول. ويذهب سوزه إلى أن هذا الانسداد قد يعيد خلط الأوراق لمصلحة محمد شياع السوداني، لكنه يحذر من أن المعادلة تغيّرت وأن سياسة “إمساك العصا من المنتصف” لم تعد مقبولة أميركياً، خصوصاً في ظل التصعيد المرتبط بالملف الإيراني.
الأجواء الحالية داخل الإطار تشير إلى حالة ارتباك أكثر منها حالة مواجهة. فالكلام عن الإجماع، وعن تحويل الترشيح إلى “مسألة كرامة”، يصطدم بواقع حسابي وسياسي معقّد: حكومة بلا قبول دولي، وبلا شراكة سنية وكردية مريحة، ستكون حكومة أزمة دائمة، لا حكومة استقرار.
ويؤكد البيدر أن أي خيار للمالكي اليوم سيربط العراق بتحديات إقليمية مباشرة، وقد يؤدي إلى ضعف السيادة المحلية أو مواجهة مع القوى الدولية.
الخيارات المطروحة أمام الإطار ليست كثيرة، إما المضي في مسار تسوية داخلية تُفضي إلى مرشح بديل يحظى بقبول نسبي داخلياً وخارجياً، مع محاولة حفظ ماء الوجه للمالكي، أو الإصرار على خيار يفتح الباب أمام صدام سياسي طويل، قد لا يكون العراق مهيأً لتحمّل كلفته في هذه المرحلة.
ويشرح الباسم أن مرحلة اختيار المالكي جاءت بعد فشل ذريع لحكومة محمد شياع السوداني التي انصهرت فيها مليارات الدولارات، ما أعاد قناعة الأحزاب بأن هذا المنصب يحتاج إلى “شخص قوي”، ومع غياب البدائل المقبولة، بات المالكي خيار “اللاحل” داخل الإطار التنسيقي.
ويعتقد سوزه أن موقف واشنطن الصريح أزال أي غموض حول الرغبة الأميركية في الحد من نفوذ الميليشيات وحلفائها، مشيراً إلى أن المالكي في السلطة غير المالكي خارجها، إذ يعرف كيف يواجه هذه الفصائل عندما تكون تهديداً لكرسيه، لكنه قد يستخدمها كورقة ضغط عندما يكون خارج الحكم.
إلى ذلك، يوضح البيدر أن أي محاولة لتثبيت المالكي اليوم ستضع العراق أمام اختبار سيادة حقيقي، فيما يتصاعد التوتر الإقليمي، ويصبح القرار العراقي مرهوناً بتوازنات خارجية لا يمكن تجاهلها.
في المجمل، ما يحدث يتجاوز شخص المالكي، ويتعلق بسؤال أعمق: إلى أي مدى يستطيع النظام السياسي العراقي اليوم أن ينتج قراراً مستقلاً، من دون أن يدفع ثمناً باهظاً؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتضح فقط من اسم رئيس الحكومة المقبل، بل من الطريقة التي ستدار بها هذه الأزمة، ومن التنازلات التي ستُقدَّم، ومن الخطوط التي ستُرسم بين الداخل والخارج في المرحلة المقبلة، في ظل أجواء إقليمية متوترة واحتمالات صدام محتملة في الشرق الأوسط.












