بعد 8 أيام على وقوع الصدمة وفقدان الطبيبة الفلسطينية آلاء النجار أطفالها التسعة بقصف إسرائيلي لمنزلها في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، فُجعت الطبيبة مرة أخرى بعد الإعلان عن استشهاد زوجها الطبيب يحيى متأثرًا بجراحه الذي أصيب بها برفقة أبنائه العشرة.
الطبيب يحيى التحق بأبنائه التسعة: يحيى (12 عامًا)، ركان (10 أعوام)، رسلان (7 أعوام)، جبران (8 أعوام)، إيف (9 أعوام)، ريفان (5 أعوام)، سيدين (3 أعوام)، سيدار (6 أشهر)، ولقمان (عامان).
في تفاصيل الإبادة لهذه العائلة، كانت اختصاصية الأطفال الطبيبة آلاء تقدم الرعاية الطبية لأطفال قطاع غزة، وتعالج جرحى الحرب الإسرائيلية المستمرة، صرخت عليها إحدى زميلاتها لتخبرها بخبر مفجع، وهو وصول عدد من أطفالها جثثًا متفحمة داخل قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
هرعت آلاء ومعها زميلتها من داخل مستشفى التحرير للأطفال إلى قسم الاستقبال والطوارئ المجاور له، وبدأت بالبحث يمينًا ويسارًا عن أطفالها وزوجها بين الأسرة، لتتفاجأ بوجود زوجها داخل غرفة الإنعاش، والأطباء من حوله يحاولون إنقاذ حياته، وطفلها آدم (12 عامًا) على سرير آخر برفقة والده، والأجهزة الطبية تملأ جسده.
جلست الطبيبة آلاء على الأرض من الصدمة، ولكنها لم تعلم بعد أن باقي أطفالها التسعة قد تفحمت جثثهم ووصلوا إلى مشرحة مجمع ناصر الطبي، بعد تمكن جهاز الدفاع المدني الفلسطيني من انتشالهم من أسفل منزلهم الذي قُصف بصاروخ إسرائيلي.
لم تتمكن الطبيبة آلاء من التعرف على أي أحد من أطفالها التسعة الذين احترقت أجسادهم، لأن النيران أتت على ملامحهم وغيّرتها، ليتم وضعهم جميعًا في أكياس بلاستيكية بشكل منفصل وجماعي، إكرامًا لهم، وتجنبًا لمشاهدة أحد لهم في هذا المشهد المخيف وغير الإنساني.
دُفن الأطفال التسعة في جنازة واحدة من دون حضور والدهم الطبيب يحيى، لوجوده داخل قسم العناية المركزة نتيجة إصابته الخطيرة، ولا والدتهم الطبيبة آلاء التي تعيش حاليًا مرحلة الصدمة الشديدة نتيجة فقد أطفالها التسعة.
الأم المكلومة، على رغم ما تعانيه من صدمة الفقد، إلا أنها كانت تقف بجوار ابنها آدم وزوجها حمدي، الموجودين على سرير العلاج داخل مجمع ناصر الطبي.
بعد ثمانية أيام، لم يتحمّل جسد الطبيب يحيى كمية الشظايا التي أصابته نتيجة الصاروخ الإسرائيلي، والتحق بأطفاله التسعة، وبقت آلاء وحيدة تترقب مصير ابنها الناجي الوحيد آدم، الذي يتلقّى العلاج داخل مجمع ناصر الطبي.
تفاصيل الفاجعة
حول ما حدث، يروي علي النجار، شقيق الطبيب حمدي، بنبرة حسرة وحزن، أنه تفاجأ باستهداف منزل شقيقه، الذي يعمل طبيبًا، وزوجته طبيبة، أي عائلة طبيبين، لا يشكلان أي خطر على إسرائيل، ومهنتهما معروفة.
يقول النجار لـ”درج”: “وردني اتصال أن منزل شقيقي حمدي قُصف، فذهبت مسرعًا إليه من دون انتظار سيارات الإسعاف أو جهاز الدفاع المدني، فوجدت المنزل يحترق، وشقيقي مرميًا على الأرض، وبجانبه آدم، وأطفاله يحترقون داخل المنزل”.
حاول النجار سحب شقيقه وابنه آدم إلى السيارة التي كانت معه، ولكنه لم يستطع لأن جسمه ثقيل، فانتظر دقائق حتى وصلت سيارات الإسعاف والدفاع المدني، وتم انتشالهما وإيصالهما إلى مستشفى ناصر.
وصل النجار برفقة شقيقه وابنه إلى مجمع ناصر الطبي، ثم عاد مرة أخرى برفقة الدفاع المدني لإخراج أطفال أخيه التسعة الباقين من داخل المنزل المقصوف، ونجحوا في إخراج ثمانية، عدا لقمان، الطفل الأصغر.
احتاج إخراج لقمان الى أكثر من ثماني ساعات، حتى تمكنت طواقم الإنقاذ من إخراجه، ولكن بجثة من دون أي معالم، ليُدفن سريعًا برفقة أشقائه الثمانية.
أبدى النجار استغرابه من سبب استهداف الجيش الإسرائيلي شقيقه الدكتور حمدي، الذي يحمل الجنسية المصرية، وكان يعمل في عيادة خاصة أسّسها بنفسه، وزوجته طبيبة أطفال داخل مجمع ناصر الطبي.
عائلة النجار نزحت من منزلها في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة للمرة الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 2023، حين دخل جيش الاحتلال الإسرائيلي إليها، وتوجهت إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وعادت إليها بعد انسحابه منها في نيسان/ أبريل 2024.
بقيت العائلة في منزلها منذ ذلك الوقت، فقُتل أفرادها في غالبيتهم حرقًا بصاروخ إسرائيلي، ولم يعرف أحد السبب وراء استهدافهم.
رثاء الزملاء
وكيل وزارة الصحة في غزة، الدكتور يوسف أبو الريش، كتب عن زميلته الطبيبة آلاء وزوجها حمدي قبل موته، بعد فقدانهما تسعة من أطفالهما، قائلاً: “علمت أن الطبيبة آلاء كانت تقف أمام قسم العمليات في مستشفى ناصر، تنتظر بقلق بالغ أي خبر يطمئنها عن ابنها الوحيد الناجي، بعدما فقدت تسعة من أطفالها في قصف إسرائيلي غادر استهدف منزلها”.
وأضاف أبو الريش في منشور مكتوب وصل الى “درج”: “المنزل، الذي كان يحتضن أحلامًا متواضعة رغم الألم والخوف والجوع، تحول إلى رماد، وآلاء خرجت لأداء واجبها المهني والإنساني، تاركة أبناءها في ظل ظروف قاسية تعيشها كل عائلة في غزة”.
وتمثل الطبيبة النجار، حسب أبو الريش، نموذجًا فريدًا لطبيبة لم تثنها المآسي الشخصية عن أداء رسالتها تجاه مئات الأطفال المرضى الذين لا يجدون مأوى سوى مستشفى ناصر، حيث تختلط أصوات بكائهم مع أنين المرض والجوع.
وحول اللحظات الأولى لوصول عائلة الطبيبة آلاء، يقول أبو الريش: “وصلت إلى قسم العمليات، وكانت هناك سيدات ورجال يصطفون، بحثت سريعًا بين الوجوه الحائرة والقسمات التي ترسم وجع الكارثة، وميزت سريعًا أكثر تلك الوجوه قهرًا وحسرة، وقفت هناك وقد أدركت بفراستي أنها زميلتنا المنشودة، وبدأت ألمّ بعض الكلمات التي أواسيها بها”.
المدير العام لوزارة الصحة بقطاع غزة، منير البرش، أوضح في منشور له عبر منصة “إكس”، أن الدكتورة آلاء اختصاصية أطفال في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي.
خرجت النجار، بحسب البرش، مع زوجها الدكتور حمدي ليوصلها إلى عملها، وبعد دقائق فقط من عودته، سقط صاروخ على منزلهما، واستشهد تسعة من أطفالهما، وبقي طفل وحيد مصاب، وزوجها الذي تُوفي لاحقاً بعدما رقد في العناية المركزة أياماً عدة.
وأضاف: “هذا ما يعيشه كوادرنا الطبية في قطاع غزة؛ الكلمات لا تكفي لوصف الألم، وفي غزة، لا يُستهدف الكادر الطبي فحسب، بل يمعن الاحتلال الإسرائيلي في الإجرام، ويستهدف عائلات بكاملها”.
إقرأوا أيضاً:









