لن نعرف كلّ التفاصيل بدقّة الآن، لكن ما سمعناه من واشنطن يخبرنا أن الأميركيين لم يكونوا على علمٍ بالضربة مسبقًا — هذا ما يُفهم من بيان البيت الأبيض، الذي قال حرفيًّا إنّ الضربة “لا تخدم مصالح الولايات المتحدة ولا إسرائيل”، وأشار أيضًا إلى أنّ وزارة الدفاع الأميركية — لا إسرائيل — هي من أعلمت البيت الأبيض.
أما الدوحة فقالت إنّ تحذيرًا أميركيًا جاء، لكن بعد الضربة بعشر دقائق. هل يكذب البيت الأبيض لينكر دورًا أو حتى موافقة على اعتداء سافر على سيادة حليف مهم؟ لن نتأكّد الآن، لكن النتيجة واحدة: بالنسبة إلى إسرائيل، إن لم يكن الأميركي متواطئًا فهو على الأقل مأمون الجانب، علمًا أنّ إسرائيل سبق أن انفردت بقرارات وأفعال من هذا النوع (تحديدًا مع إيران قبل أشهر).
من جهةٍ أخرى، الهدف لم يكن قيادات حمساوية فحسب، بل كلّ طريق لإنهاء الحرب. قبل الضربة بأيام قليلة، كان الرئيس الأميركي يتحدّث عن “مفاوضات عميقة” مع حماس؛ ضرب وفد التفاوض الحمساوي في الدوحة كان الردّ الفعلي على هذا “العمق”. لا جديد هنا أيضًا. واضح تمامًا أن بنيامين نتانياهو وحلفاءه من اليمين الديني المتطرّف لا رغبة لديهم — لا من قريب ولا من بعيد — في إيقاف المذبحة الجارية في غزة، أما الضفة فالاستيلاء عليها كاملةً هدف معلن. وللتذكير، من نسي أو تناسى، قبل أن نسمع بأسماء بن غفير وسموتريتش، وحليفتهم دانييلّا فايس (“أمّ المستوطنين”)، بنى نتانياهو إرثه السياسي على دفن فكرة الدولة الفلسطينية وغلق كلّ طريقٍ للمفاوضات.
من ناحيةٍ أخرى، الاعتداء على حليف مقرب من الولايات المتحدة – المقرّ لأكبر قواعدها في الخارج، وشريك في عمليات تفاوضية عدة معها – رسالة لكلّ المنطقة: السيد هنا إسرائيل، ولا رادع لها ولا أمان منها، كما تُظهر لنا مشاهد متكرّرة في لبنان واليمن وسوريا، وقبل ذلك إيران، وقبل ذلك، وأثناءه، وبعده فلسطين.
عدا إرثه المعادي للسلام، يهدف نتانياهو الى البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة؛ هذا معروف للجميع. من ناحية القضاء الإسرائيلي، فهو يطارده بتهم فساد (بما في ذلك جلسات استجواب قضائية في الأيام الأخيرة)، ومن ناحيةٍ أخرى هناك أسئلة كثيرة عن مسؤولياته يوم 7 أكتوبر 2023، أسئلة يهرب منها “بيبي” باستمرار نحو المزيد من الصواريخ والرصاص والقتل.
نتانياهو لم يعبأ حتى بأرواح الرهائن الإسرائيليين؛ فهل يُنتظر منه أن يعطي الفلسطينيين وزناً؟ أو أن يهتمّ عمومًا بنا نحن العرب، “راكبي الجمال” كما يصفنا بعض حلفائه من اليمين الديني المتطرّف؟
مشهد ضرب الدوحة يجب أن يثير شكوكًا في بعض المسلّمات التي اعتقدناها ثابتة: أي أمن توفّره قاعدة أميركية؟ أي تحالفٍ ذلك مع أميركا؟ وأي تطبيعٍ مع إسرائيل تحت قيادة نتانياهو؟
وإن كان السلام — أي سلام — مع إسرائيل مستحيلًا الآن، فهل أمامنا خياران لا ثالث لهما: تطبيعٌ يتجاهل واقع فلسطين تمامًا، أو مقاومةٌ ترى في الانتحار الجماعي إنجازًا؟ البداهة تقول إنه إن كانت هذه هي البدائل الوحيدة، فعلينا أن نبتكر بدائل أخرى. لكن حتى نطرح الأسئلة الصحيحة سنبقى أسرى خطاب الاستباحة الإسرائيلية.
إقرأوا أيضاً:












