ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بعد غناء الأثرياء لـ” شيد قصورك في المزارع” هل تبدأ الثورة الاجتماعية من “الساحل الشرير”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على مدار عقود، يتطور التفاوت الاجتماعي في الساحل الشمالي ليصبح شكلاً من أشكال العنف الاقتصادي والسياسي ضد الفقراء في مصر. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“شيد قصورك في المزارع” لم تكن مجرد أغنية عادية للثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، بل كانت بياناً ثورياً أولياً، خالداً في غضبه وتحذيره من آثار سياسات الانفتاح التي انتهجها أنور السادات، والتي سمحت لقلة من رجال الأعمال بأن تكوّن ثرواتها وتحتكرها في أجواء مشبوهة وفاسدة، لا تعرف رقيباً حقيقياً، لذا لا أحد يعرف موقف نجم وإمام، لو أتاح لهما العمر أن يستمعا إلى الأغنية تؤديها فرقة “شكون” السورية، في واحد من معاقل الرأسمالية الطفيلية المحمية من الحكومة، أو ما يُعرف باسم “الساحل الشرير”، الذي يفصله عن النسخة السابقة من الساحل الشمالي والمتشابهة في الفساد والتفاوت الطبقي، لكن بشكل أكثر رحمة وهدوء من نسخته الحالية، حد الاضطرار لتسميته بـ”الساحل الطيب”.

الأزمة بحسب تحليلات الباحث الاقتصادي علاء بيومي، والخبير الاقتصادي مدحت نافع، وكذلك تحليل صفحة “الموقف المصري” التي يصدرها عدد من الباحثين، أن “الساحل الشرير” يزيد من هشاشة الاقتصاد المصري، ويسرّع  في انحدار الجنيه، إذ يطرح سعرين للسلعة الواحدة، فضلاً عن تعميقه الفجوة الاجتماعية.

 ففيما يعيش حوالى ثلث السكان في فقر مدقع، ويقترب ثلث آخر من خط الفقر، تسمح الدولة بوجود قلعة محمية يعيش فيها الأغنياء بترف يقترب من السفه، ويناقض الظرف الاجتماعي الذي تعيشه مصر.

وصلت مبيعات العقارات في الساحل الشمالي خلال الستة أشهر الماضية، أي في النصف الأول من عام 2024، لدى أكبر 10 شركات في مصر إلى 330 جنيهاً مصرياً، أي ما يعادل 6.6 مليار دولار. السؤال الذي تطرحه تلك المبيعات الضخمة، هو لماذا لا تتحسّن الأوضاع الاقتصادية في البلد على رغم الرقم المهول؟ وأين تذهب تلك الأموال حقاً؟ والرقم يعد الأكبر في تاريخ مبيعات الساحل الشمالي، إذ إنها المرة الأولى في السنوات العشر الأخيرة التي تتجاوز فيها المبيعات رقم الستة مليارات دولار في ستة أشهر فقط.

إنها ظاهرة تعكس عملية تراكم الثروة في مصر من خلال بناء فقاعة اقتصادية في الساحل الشمالي، وعلى رغم ذلك فالعائد على الاقتصاد الوطني غير واضح، كما لا تعود الضرائب المحصلة من هذه المبيعات على النفع على المواطنين المصريين، إذ تتراكم الثروة في أيدي قلة، من دون أن يستفيد الجميع، إذ يسمح النظام الحالي في مصر بتزايد اللامساواة الاقتصادية، ظاهرة هي في الأساس الوصفة المثالية لتشكيل تهديدات خطيرة على الاستقرار والأمن في البلاد.

فيما كان الدولار بـ31 جنيهاً، قبل أن يصل كما هو الآن إلى حدود 50 جنيهاً، بلغت مبيعات أكبر 50 شركة عقارية العام الماضي أكثر من 800 مليار جنيه، أي ما يعادل 25 مليار دولار.

كذلك، تشهد الأسعار في الساحل الشمالي ارتفاعاً لا يقارن بارتفاع الأسعار في باقي بقاع مصر، إذ بلغ سعر متوسط الشاليهات 130 ألف جنيه، أي ما يعادل 2600 دولار، كإيجار ليوم واحد أو بضعة أيام، و160 ألف جنيه، أي 3200 دولار، وللكابينات 420 ألف جنيه، أي ما يعادل 8500 دولار، أسعار ضخمة جداً مقارنة بدول متقدمة، ما يشير إلى وجود فقاعة عقارية، لكن الأكثر خطورة هو أن عمليات الشراء والإيجار ليست إلا غسيلاً للأموال.

على مدار عقود، يتطور التفاوت الاجتماعي في الساحل الشمالي ليصبح شكلاً من أشكال العنف الاقتصادي والسياسي ضد الفقراء في مصر. 

إنه عنف اللامساواة الذي يزداد شراسة منذ خمسين عاماً على الأقل، لكن لم يكن ذلك التفاوت يصوّر يومياً صوتاً وصورة، قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يكن عنف اللامساواة قد بلغ تلك الشراسة، بخاصة مع انحدار المستوى الاقتصادي لغالبية المصريين، الذين يشاهدون يومياً صوراً وفيديوهات تظهر حياة البذخ والترف لمرتادي “الساحل الشرير”، وهو ما يُعد في عرف النظام المصري، كسراً لما فرضه النظام بوصفه “قيم الأسرة المصرية”، والتي سجن بسببها عدد كبير من فتيات “تيك توك”، لا لشيء إلا لكونهن فقيرات. 

لكن هذه القيود يتجاهلها النظام المصري في “الساحل الشرير”، الذي يحتفي بنظام أخلاقي متمرد ومستقل عن قيم السلطة، ويسمح بالحريات الفردية في الملبس والعيش، وهو ما يعطي صورة أن النظام المصري يستهدف الفقراء بشكل أساسي، بينما من يملك النقود اللازمة، بإمكانه الإفلات من أكواد السلطة وقيودها الخانقة.

بدأ ذلك الوضع والسياسات الاقتصادية التي عمّقت الفجوة بين غالبية فقيرة وأقلية ثرية، في عهد الرئيس أنور السادات، وهي سياسات لم تكن منضبطة، وأدت إلى انتفاضة الخبز عام 1977، التي كانت أكبر خطر على حكم السلطة، وهو ما استشعره السادات فحاول إبطاء وتيرة الانفتاح الاقتصادي، لكن من دون قدرة على السيطرة على الوضع المنفلت الذي أرساه بنفسه، أما حسني مبارك الذي وضع مصير السادات الذي جاوره أثناء اغتياله في حادث المنصة الشهير، نصب عينيه، فحاول في بداية عهده تبنّي مشروع للتصنيع، والذي فشل بسبب استشراء الفساد وسيطرة النخب الحاكمة على الدولة، ما أدى إلى أن يواجه النظام الحالي تحديات كبيرة، بسبب السياسات الاقتصادية التي تسببت في إفقار ملايين المصريين خدمة لنخبة قليلة مستفيدة.

وعلى هذا الأساس، ظلّت الطريقة الوحيدة للحصول على المال في مصر، هي الاعتماد على التقرب من شبكات النفوذ والسلطة للحصول على امتيازات، كبيع الأراضي والمصانع بأسعار منخفضة للغاية، ما أفضى إلى اقتصاد قائم على “السبوبة” والاستفادة الشخصية الدقيقة، فلا ضرورة لتحقيق أي تطوير حقيقي في البنية التحتية أو التكنولوجية للصناعة، أو إجراء بحوث جادة تساهم في وضع بنية صناعية واقتصادية حقيقية، بخاصة في ظل تعمّد إضعاف المؤسسات التي تكافح الفساد وتسنّ قوانين صارمة. 

هكذا فشل مشروع التصنيع والإنتاج في بداية عهد مبارك، وكوّنت الفئات المستفيدة من نظامه ثروات هائلة، لكن كان ينقصها وسيلة لغسل الأموال، التي حصلوا عليها بطرق مشبوهة، إذ كانت العقارات هي الوسيلة المثالية. في تلك الفترة، ظهر مشروع الساحل الشمالي، وتركزت فيه مظاهر الانقسام الطبقي والسياسي بين عالمين، وتحولت دفة الدولة بدلاً من الدفاع عن المواطنين في عهد جمال عبد الناصر، إلى حارس للفئة الثرية من الشعب، وكيان يخدم الأغنياء ويقمع الغالبية العظمى، بخاصة مع تدهور مؤسسات الدولة في نهاية عهد مبارك وتحوّلها إلى مراتع للفساد والمحسوبيات، وتحولت الدولة إلى حارس للانقسام الطبقي، من دون وجود سياسة حقيقية أو تمثيل ديمقراطي لأطياف الشعب المختلفة، مع إدارة الدولة بأسلوب أمني يصب في اتجاه حماية الأغنياء.

في الوقت الحاضر، تتخلّى الدولة بشكل كامل عن رعاية الفقراء، إذ رُفع الدعم بشكل شبه كامل عن كل السلع وارتفعت أسعار الخدمات الأساسية، وتحولت الدولة من كيان يرعى مصالح المواطن إلى دولة أمنية تحمي مصالح النظام. 

في النهاية، لم تعد الدولة تُمثّل مصالح الشعب، بل أصبحت تُركز على حماية النظام نفسه، وتحولت العلاقة بين الدولة والمواطنين إلى علاقة أمنية بحتة.

بشكل ما، قد يبدو الوضع شبيهاً بالدول الرأسمالية، حيث يوجد أغنياء ومشردون في الشوارع، كما يحدث في الولايات المتحدة على سبيل المثال. لكن في المقابل، توفر تلك الدول فرصاً كبيرة لعدد هائل من الناس، تسمح لهم بالترقي الاجتماعي والمادي، وتسمح لقاعدة كبيرة من الطبقة الوسطى، بالقدرة على الاستفادة من النظام، وتجعلهم مستعدين للدفاع عنه. أما النظام في مصر، فهو نظام مغلق تقريباً ولا يوفر فرصة حقيقية للناس، ما يؤدي إلى استشراء الإحباط واليأس.

ليس بإمكان غالبية الطبقة الوسطى التي تنحدر إلى حد الاقتراب من خط الفقر، أن تحلم بالاقتراب من “الساحل الشرير”، الصورة المجسدة لتركز الثروة والامتيازات في أيدي فئة صغيرة، مع انعدام الأمل بتحسين حياتهم أو الوصول إلى مستوى معيشي أفضل.

بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع، فإن مسألة تفاوت الأسعار بين الساحل الشمالي وعموم مصر، والانفلات السعري، لا يمكن الاكتفاء بتبريرها بالعرض والطلب، أو تجاهلها بحجة أن نقدها هو نتيجة للحقد الطبقي، فبعيداً عن تداعيات الجدار العنصري الوهمي الذي يفصل بين “الساحل الطيب” و”الساحل الشرير”، وبعيداً عن تداعيات المأزق الحالي للجنيه المصري، هناك حاجز نفسي لقيمة العملة وقوتها الشرائية، فبمجرد تحويل الألف جنيه إلى مقابل لركن سيارة، أو تحول المليون جنيه من حلم يراه معظم الشباب بعيد المنال إلى ثمن لتذكرة حفل غنائي، هو بمثابة كسر لحاجز نفسي جديد للعملة المصرية، يساهم في مضاعفة تراجع القوة الشرائية وسحق الأجور الرسمية والمدخرات. وتستخدم دول عدة أدوات مالية كي لا تكسر تلك الحواجز النفسية لقيمة العملة، ولو لتحقيق قدر بسيط من تقليل الفروق بين الدخول والثروات، من بينها فرض ضرائب الثروة، بخاصة في ظل تراجع العملة الوطنية. وتزيد الفوارق السعرية بين الساحل وعموم مصر، من تسريع ذلك التراجع.

كما أن سلوكيات الساحل بحسب نافع، تتعدى مجرد الظاهرة الاجتماعية إلى نظام اقتصادي واجتماعي مواز، يتمتع بخصائص شديدة التمايز عما يعرفه المجتمع، ولا يطور سلوكاً فردياً، بل هو سلوك جماعي متمايز لأقلية، وتطور الغرض من استغلال تلك البقعة الشمالية كمكان جميل ومثالي للاصطياف، إلى أسواق لبيع مختلف المهارات والمزايا التنافسية واستعراضها، وسلع وعقارات لا تباع بأسعارها الحقيقية، تزيد من خمسة إلى عشرة أمثال الوحدات السكنية في باقي مصر في مجال التطوير العقاري. وعلى رغم ذلك، لا تتوقف حركة الشراء والبيع، سواء للعقارات أو السيارات أو اليخوت أو غيرها من السلع، ولا يضطر البائعون لتمييز سلعهم وخدماتهم كي تستحق ذلك التباين الكبير في الأسعار، لأن تضخمها هو الغرض المطلوب في ذاته من عدد كبير من مستهلكي تلك السلع، لتحقيق أغراض المباهاة التي هي أكثر المنتجات رواجاً في أسواق الغرور vanity fair عند ذلك الشاطئ البعيد.

استعدادات المنافسة في أسواق الغرور من أصحاب الثروات تشمل أبناءهم من الأطفال والمراهقين الذين يتباهون بمصروف يومي أكبر من راتب وزير، وأزياء تحمل علامات تجارية عالمية قد لا تحويها خزانات ملابس نجوم هوليوود. بذخ يصل إلى  حد السفه، لا يمكن أن يصلح مؤشراً الى معدلات إنفاق المصريين، ولا تجوز مقارنته إلا بنمط إنفاق أثرياء الخليج العربي من أصحاب الفوائض النفطية.

أما باحثو الاقتصاد فسيتدارسون اقتصاديات الساحل الشمالي باستخدام نماذج خاصة وأدوات تحليل غير نمطية. فالاقتصاد الموازي الموسمي للعقارات والسلع والخدمات وتذاكر الحفلات، لا تصنعه ضرورة أو ندرة نسبية أو مطلقة، أو قواعد وتشريعات مانعة… إنما هو صنيعة طغمة شبابية تتحرك بما يشبه سلوك القطيع والمجموعات السمكية، لصناعة مشهد برّاق يزداد بريقاً بتعرضه لسياط النقد المعتادة سنوياً فى وسائل الإعلام، ويتهافت البائعون على تلبية حاجاتهم خلال أشهر معلومات، لا تعرف جائحة ولا تخضع لأية قواعد للتباعد الاجتماعي.
وإذا كانت للشواطئ النظيفة مزايا اقتصادية كلية كبرى بما تدره على الدولة من دخل مصدره السياحة الخارجية، وما تخلقه من رواج وتحفيز للطلب الفعّال، مصدره الإنفاق وحركة السياحة الداخلية، فإن مجتمع الساحل الموسمي فى مصر يمكن أن يكون فقاعة متنقلة تتحرك غرباً قريباً من الحدود الليبية، وجنوباً بعيداً عن البحر مع اتساع قطر الفقاعة الشاطئ وتخمته بالمنتجعات. وهو مجتمع شبيه من حيث الاستقلال والانغلاق على ذاته بمجتمعات الغجر فى أوروبا وقبائل الهنود الحمر فى الولايات المتحدة والبدو والبدون فى الخليج العربي. حتى أن هناك لغة واصطلاحات خاصة فى طريقهما إلى الظهور بين روّاد الساحل الشمالي.
لو أن نظاماً فيدرالياً يربط مصر بصورة ولايات متحدة، لكانت ولاية الساحل الشمالى ولاية غنية تتغير تركيبتها السكانية موسمياً بشكل لافت.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
27.08.2024
زمن القراءة: 8 minutes

على مدار عقود، يتطور التفاوت الاجتماعي في الساحل الشمالي ليصبح شكلاً من أشكال العنف الاقتصادي والسياسي ضد الفقراء في مصر. 

“شيد قصورك في المزارع” لم تكن مجرد أغنية عادية للثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، بل كانت بياناً ثورياً أولياً، خالداً في غضبه وتحذيره من آثار سياسات الانفتاح التي انتهجها أنور السادات، والتي سمحت لقلة من رجال الأعمال بأن تكوّن ثرواتها وتحتكرها في أجواء مشبوهة وفاسدة، لا تعرف رقيباً حقيقياً، لذا لا أحد يعرف موقف نجم وإمام، لو أتاح لهما العمر أن يستمعا إلى الأغنية تؤديها فرقة “شكون” السورية، في واحد من معاقل الرأسمالية الطفيلية المحمية من الحكومة، أو ما يُعرف باسم “الساحل الشرير”، الذي يفصله عن النسخة السابقة من الساحل الشمالي والمتشابهة في الفساد والتفاوت الطبقي، لكن بشكل أكثر رحمة وهدوء من نسخته الحالية، حد الاضطرار لتسميته بـ”الساحل الطيب”.

الأزمة بحسب تحليلات الباحث الاقتصادي علاء بيومي، والخبير الاقتصادي مدحت نافع، وكذلك تحليل صفحة “الموقف المصري” التي يصدرها عدد من الباحثين، أن “الساحل الشرير” يزيد من هشاشة الاقتصاد المصري، ويسرّع  في انحدار الجنيه، إذ يطرح سعرين للسلعة الواحدة، فضلاً عن تعميقه الفجوة الاجتماعية.

 ففيما يعيش حوالى ثلث السكان في فقر مدقع، ويقترب ثلث آخر من خط الفقر، تسمح الدولة بوجود قلعة محمية يعيش فيها الأغنياء بترف يقترب من السفه، ويناقض الظرف الاجتماعي الذي تعيشه مصر.

وصلت مبيعات العقارات في الساحل الشمالي خلال الستة أشهر الماضية، أي في النصف الأول من عام 2024، لدى أكبر 10 شركات في مصر إلى 330 جنيهاً مصرياً، أي ما يعادل 6.6 مليار دولار. السؤال الذي تطرحه تلك المبيعات الضخمة، هو لماذا لا تتحسّن الأوضاع الاقتصادية في البلد على رغم الرقم المهول؟ وأين تذهب تلك الأموال حقاً؟ والرقم يعد الأكبر في تاريخ مبيعات الساحل الشمالي، إذ إنها المرة الأولى في السنوات العشر الأخيرة التي تتجاوز فيها المبيعات رقم الستة مليارات دولار في ستة أشهر فقط.

إنها ظاهرة تعكس عملية تراكم الثروة في مصر من خلال بناء فقاعة اقتصادية في الساحل الشمالي، وعلى رغم ذلك فالعائد على الاقتصاد الوطني غير واضح، كما لا تعود الضرائب المحصلة من هذه المبيعات على النفع على المواطنين المصريين، إذ تتراكم الثروة في أيدي قلة، من دون أن يستفيد الجميع، إذ يسمح النظام الحالي في مصر بتزايد اللامساواة الاقتصادية، ظاهرة هي في الأساس الوصفة المثالية لتشكيل تهديدات خطيرة على الاستقرار والأمن في البلاد.

فيما كان الدولار بـ31 جنيهاً، قبل أن يصل كما هو الآن إلى حدود 50 جنيهاً، بلغت مبيعات أكبر 50 شركة عقارية العام الماضي أكثر من 800 مليار جنيه، أي ما يعادل 25 مليار دولار.

كذلك، تشهد الأسعار في الساحل الشمالي ارتفاعاً لا يقارن بارتفاع الأسعار في باقي بقاع مصر، إذ بلغ سعر متوسط الشاليهات 130 ألف جنيه، أي ما يعادل 2600 دولار، كإيجار ليوم واحد أو بضعة أيام، و160 ألف جنيه، أي 3200 دولار، وللكابينات 420 ألف جنيه، أي ما يعادل 8500 دولار، أسعار ضخمة جداً مقارنة بدول متقدمة، ما يشير إلى وجود فقاعة عقارية، لكن الأكثر خطورة هو أن عمليات الشراء والإيجار ليست إلا غسيلاً للأموال.

على مدار عقود، يتطور التفاوت الاجتماعي في الساحل الشمالي ليصبح شكلاً من أشكال العنف الاقتصادي والسياسي ضد الفقراء في مصر. 

إنه عنف اللامساواة الذي يزداد شراسة منذ خمسين عاماً على الأقل، لكن لم يكن ذلك التفاوت يصوّر يومياً صوتاً وصورة، قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يكن عنف اللامساواة قد بلغ تلك الشراسة، بخاصة مع انحدار المستوى الاقتصادي لغالبية المصريين، الذين يشاهدون يومياً صوراً وفيديوهات تظهر حياة البذخ والترف لمرتادي “الساحل الشرير”، وهو ما يُعد في عرف النظام المصري، كسراً لما فرضه النظام بوصفه “قيم الأسرة المصرية”، والتي سجن بسببها عدد كبير من فتيات “تيك توك”، لا لشيء إلا لكونهن فقيرات. 

لكن هذه القيود يتجاهلها النظام المصري في “الساحل الشرير”، الذي يحتفي بنظام أخلاقي متمرد ومستقل عن قيم السلطة، ويسمح بالحريات الفردية في الملبس والعيش، وهو ما يعطي صورة أن النظام المصري يستهدف الفقراء بشكل أساسي، بينما من يملك النقود اللازمة، بإمكانه الإفلات من أكواد السلطة وقيودها الخانقة.

بدأ ذلك الوضع والسياسات الاقتصادية التي عمّقت الفجوة بين غالبية فقيرة وأقلية ثرية، في عهد الرئيس أنور السادات، وهي سياسات لم تكن منضبطة، وأدت إلى انتفاضة الخبز عام 1977، التي كانت أكبر خطر على حكم السلطة، وهو ما استشعره السادات فحاول إبطاء وتيرة الانفتاح الاقتصادي، لكن من دون قدرة على السيطرة على الوضع المنفلت الذي أرساه بنفسه، أما حسني مبارك الذي وضع مصير السادات الذي جاوره أثناء اغتياله في حادث المنصة الشهير، نصب عينيه، فحاول في بداية عهده تبنّي مشروع للتصنيع، والذي فشل بسبب استشراء الفساد وسيطرة النخب الحاكمة على الدولة، ما أدى إلى أن يواجه النظام الحالي تحديات كبيرة، بسبب السياسات الاقتصادية التي تسببت في إفقار ملايين المصريين خدمة لنخبة قليلة مستفيدة.

وعلى هذا الأساس، ظلّت الطريقة الوحيدة للحصول على المال في مصر، هي الاعتماد على التقرب من شبكات النفوذ والسلطة للحصول على امتيازات، كبيع الأراضي والمصانع بأسعار منخفضة للغاية، ما أفضى إلى اقتصاد قائم على “السبوبة” والاستفادة الشخصية الدقيقة، فلا ضرورة لتحقيق أي تطوير حقيقي في البنية التحتية أو التكنولوجية للصناعة، أو إجراء بحوث جادة تساهم في وضع بنية صناعية واقتصادية حقيقية، بخاصة في ظل تعمّد إضعاف المؤسسات التي تكافح الفساد وتسنّ قوانين صارمة. 

هكذا فشل مشروع التصنيع والإنتاج في بداية عهد مبارك، وكوّنت الفئات المستفيدة من نظامه ثروات هائلة، لكن كان ينقصها وسيلة لغسل الأموال، التي حصلوا عليها بطرق مشبوهة، إذ كانت العقارات هي الوسيلة المثالية. في تلك الفترة، ظهر مشروع الساحل الشمالي، وتركزت فيه مظاهر الانقسام الطبقي والسياسي بين عالمين، وتحولت دفة الدولة بدلاً من الدفاع عن المواطنين في عهد جمال عبد الناصر، إلى حارس للفئة الثرية من الشعب، وكيان يخدم الأغنياء ويقمع الغالبية العظمى، بخاصة مع تدهور مؤسسات الدولة في نهاية عهد مبارك وتحوّلها إلى مراتع للفساد والمحسوبيات، وتحولت الدولة إلى حارس للانقسام الطبقي، من دون وجود سياسة حقيقية أو تمثيل ديمقراطي لأطياف الشعب المختلفة، مع إدارة الدولة بأسلوب أمني يصب في اتجاه حماية الأغنياء.

في الوقت الحاضر، تتخلّى الدولة بشكل كامل عن رعاية الفقراء، إذ رُفع الدعم بشكل شبه كامل عن كل السلع وارتفعت أسعار الخدمات الأساسية، وتحولت الدولة من كيان يرعى مصالح المواطن إلى دولة أمنية تحمي مصالح النظام. 

في النهاية، لم تعد الدولة تُمثّل مصالح الشعب، بل أصبحت تُركز على حماية النظام نفسه، وتحولت العلاقة بين الدولة والمواطنين إلى علاقة أمنية بحتة.

بشكل ما، قد يبدو الوضع شبيهاً بالدول الرأسمالية، حيث يوجد أغنياء ومشردون في الشوارع، كما يحدث في الولايات المتحدة على سبيل المثال. لكن في المقابل، توفر تلك الدول فرصاً كبيرة لعدد هائل من الناس، تسمح لهم بالترقي الاجتماعي والمادي، وتسمح لقاعدة كبيرة من الطبقة الوسطى، بالقدرة على الاستفادة من النظام، وتجعلهم مستعدين للدفاع عنه. أما النظام في مصر، فهو نظام مغلق تقريباً ولا يوفر فرصة حقيقية للناس، ما يؤدي إلى استشراء الإحباط واليأس.

ليس بإمكان غالبية الطبقة الوسطى التي تنحدر إلى حد الاقتراب من خط الفقر، أن تحلم بالاقتراب من “الساحل الشرير”، الصورة المجسدة لتركز الثروة والامتيازات في أيدي فئة صغيرة، مع انعدام الأمل بتحسين حياتهم أو الوصول إلى مستوى معيشي أفضل.

بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع، فإن مسألة تفاوت الأسعار بين الساحل الشمالي وعموم مصر، والانفلات السعري، لا يمكن الاكتفاء بتبريرها بالعرض والطلب، أو تجاهلها بحجة أن نقدها هو نتيجة للحقد الطبقي، فبعيداً عن تداعيات الجدار العنصري الوهمي الذي يفصل بين “الساحل الطيب” و”الساحل الشرير”، وبعيداً عن تداعيات المأزق الحالي للجنيه المصري، هناك حاجز نفسي لقيمة العملة وقوتها الشرائية، فبمجرد تحويل الألف جنيه إلى مقابل لركن سيارة، أو تحول المليون جنيه من حلم يراه معظم الشباب بعيد المنال إلى ثمن لتذكرة حفل غنائي، هو بمثابة كسر لحاجز نفسي جديد للعملة المصرية، يساهم في مضاعفة تراجع القوة الشرائية وسحق الأجور الرسمية والمدخرات. وتستخدم دول عدة أدوات مالية كي لا تكسر تلك الحواجز النفسية لقيمة العملة، ولو لتحقيق قدر بسيط من تقليل الفروق بين الدخول والثروات، من بينها فرض ضرائب الثروة، بخاصة في ظل تراجع العملة الوطنية. وتزيد الفوارق السعرية بين الساحل وعموم مصر، من تسريع ذلك التراجع.

كما أن سلوكيات الساحل بحسب نافع، تتعدى مجرد الظاهرة الاجتماعية إلى نظام اقتصادي واجتماعي مواز، يتمتع بخصائص شديدة التمايز عما يعرفه المجتمع، ولا يطور سلوكاً فردياً، بل هو سلوك جماعي متمايز لأقلية، وتطور الغرض من استغلال تلك البقعة الشمالية كمكان جميل ومثالي للاصطياف، إلى أسواق لبيع مختلف المهارات والمزايا التنافسية واستعراضها، وسلع وعقارات لا تباع بأسعارها الحقيقية، تزيد من خمسة إلى عشرة أمثال الوحدات السكنية في باقي مصر في مجال التطوير العقاري. وعلى رغم ذلك، لا تتوقف حركة الشراء والبيع، سواء للعقارات أو السيارات أو اليخوت أو غيرها من السلع، ولا يضطر البائعون لتمييز سلعهم وخدماتهم كي تستحق ذلك التباين الكبير في الأسعار، لأن تضخمها هو الغرض المطلوب في ذاته من عدد كبير من مستهلكي تلك السلع، لتحقيق أغراض المباهاة التي هي أكثر المنتجات رواجاً في أسواق الغرور vanity fair عند ذلك الشاطئ البعيد.

استعدادات المنافسة في أسواق الغرور من أصحاب الثروات تشمل أبناءهم من الأطفال والمراهقين الذين يتباهون بمصروف يومي أكبر من راتب وزير، وأزياء تحمل علامات تجارية عالمية قد لا تحويها خزانات ملابس نجوم هوليوود. بذخ يصل إلى  حد السفه، لا يمكن أن يصلح مؤشراً الى معدلات إنفاق المصريين، ولا تجوز مقارنته إلا بنمط إنفاق أثرياء الخليج العربي من أصحاب الفوائض النفطية.

أما باحثو الاقتصاد فسيتدارسون اقتصاديات الساحل الشمالي باستخدام نماذج خاصة وأدوات تحليل غير نمطية. فالاقتصاد الموازي الموسمي للعقارات والسلع والخدمات وتذاكر الحفلات، لا تصنعه ضرورة أو ندرة نسبية أو مطلقة، أو قواعد وتشريعات مانعة… إنما هو صنيعة طغمة شبابية تتحرك بما يشبه سلوك القطيع والمجموعات السمكية، لصناعة مشهد برّاق يزداد بريقاً بتعرضه لسياط النقد المعتادة سنوياً فى وسائل الإعلام، ويتهافت البائعون على تلبية حاجاتهم خلال أشهر معلومات، لا تعرف جائحة ولا تخضع لأية قواعد للتباعد الاجتماعي.
وإذا كانت للشواطئ النظيفة مزايا اقتصادية كلية كبرى بما تدره على الدولة من دخل مصدره السياحة الخارجية، وما تخلقه من رواج وتحفيز للطلب الفعّال، مصدره الإنفاق وحركة السياحة الداخلية، فإن مجتمع الساحل الموسمي فى مصر يمكن أن يكون فقاعة متنقلة تتحرك غرباً قريباً من الحدود الليبية، وجنوباً بعيداً عن البحر مع اتساع قطر الفقاعة الشاطئ وتخمته بالمنتجعات. وهو مجتمع شبيه من حيث الاستقلال والانغلاق على ذاته بمجتمعات الغجر فى أوروبا وقبائل الهنود الحمر فى الولايات المتحدة والبدو والبدون فى الخليج العربي. حتى أن هناك لغة واصطلاحات خاصة فى طريقهما إلى الظهور بين روّاد الساحل الشمالي.
لو أن نظاماً فيدرالياً يربط مصر بصورة ولايات متحدة، لكانت ولاية الساحل الشمالى ولاية غنية تتغير تركيبتها السكانية موسمياً بشكل لافت.