لجأوا أوّلاً إلى الشيوخ والرقية، بعد إلحاح من شيماء، وافقوا على عرضها على طبيب نفسي نصح بالتوجّه إلى مستشفى العبّاسية. هناك، جرى احتجاز الأخت لمعاناتها من جنون الارتياب والفُصام.
بسبب تكدّس القسم المجاني، قرّرت الأسرة إيداعها في القسم الاقتصادي مقابل نحو 3000 جنيه شهرياً (قرابة 61 دولاراً). كان المبلغ كبيراً مقارنةً بنصف راتب الأب التقاعدي، لكنّه يظلّ أقلّ كثيراً من كلفة المصحّات الخاصّة، ومع دعم شيماء، استطاعت الأسرة تحمّل النفقات.
لم يدم الأمر طويلاً. فوجئت شيماء بقرار من وزارة الصحّة برفع تكلفة الإقامة في مستشفيات الصحّة النفسية. قفزت كلفة إقامة أختها إلى 9000 جنيه شهرياً (نحو 183 دولاراً) للإبقاء على المستوى نفسه، أو تخفيض الإقامة إلى درجة أقلّ، بكلفة 5400 جنيه (نحو 111 دولاراً) شهرياً، وذلك من دون احتساب أي خدمات علاجية أخرى. اختارت الأسرة التخفيض، فأصبحت الأخت تُقيم في غرفة تضمّ أربع مريضات أخريات.
أخت شيماء واحدة من آلاف الحالات التي تضرّرت من قرار وزير الصحّة رقم 220 لسنة 2025، الذي رفع أسعار خدمات العلاج النفسي في مصر بنسب تقترب من 330%، وأغلق فعلياً الباب الوحيد المتاح للفقراء والفئات الأضعف.
بحسب القرار الأخير، باتت تكلفة إقامة المريض داخل المستشفى تتراوح بين 150 و550 جنيهاً لليوم الواحد حسب الدرجة، من دون أن تشمل أي خدمات طبّية. وارتفع سعر الحجز الداخلي لعلاج الإدمان من 1800 إلى 4200 جنيه، كما ارتفع رسم الكشف الطبّي إلى 200 جنيه، وتذكرة العيادات التخصّصية للمرضى النفسيين ولمرضى الإدمان أو اضطراب طيف التوحّد إلى 20 جنيهاً.
وأصبحت جلسة الدعم النفسي لمريض الإدمان بـ100 جنيه، وجلسات المتابعة الشهرية بـ400 جنيه، وتذكرة الدخول بـ5 جنيهات، وارتفع سعر جلسة الإرشاد الأسري إلى 20 جنيهاً، أمّا خدمات الأطفال فصارت كالتالي: 50 جنيهاً لكشف التخاطب واختبار عُسر القراءة، 40 جنيهاً لجلسة التخاطب، 45 جنيهاً لجلسة تعديل السلوك، 60 جنيهاً لجلسة الرعاية النهارية، و30 جنيهاً لجلسة العلاج النفسي للأطفال والمراهقين.
تنصّ لائحة مستشفيات أمانة الصحّة النفسية على تخصيص 60% من الأسرة للعلاج المجاني، لكنّ النائب فريد البياضي صرّح للصحافة بأن “وزارة الصحّة سبق أن قلّصت نسبة العلاج المجاني إلى 25% فقط، ثم قرّرت إلغاءه بالكامل من دون إعلان أو شفافية”، على حدّ قوله. ورغم أن نصّ القرار المنشور لا يحدّد الفئات المشمولة، فإن مصدراً غير مُعرّف أفاد الصحف المصرية بأن الزيادات تخصّ مرضى القسم الاقتصادي فقط، وأن أقسام المجاني ما زالت تعمل… لا يوجد حتى الآن أي تأكيد رسمي واضح.
الميول الانتحارية
قبل أربع سنوات، فقدت سارة أبو المجد (19 عاماً) والدَيها وشقيقها الوحيد على نحوٍ مفاجئ. توفي الأب بأزمة قلبية، وفي العام نفسه، رحلت الأم حزناً على الابن الأصغر الذي فارق الحياة في حادث. انقلبت حياة سارة رأساً على عقب. أقامت أوّلاً لدى إحدى خالاتها، ثم انتقلت لتعيش مع أختها غير الشقيقة بعد طلاق الأخيرة.
بحثت سارة عن أي إحساس بالأمان، فدخلت علاقة حبّ مع أحد الأقارب. انتهت العلاقة سريعاً، فتلقّت صدمة عصبية دفعتها إلى محاولة الانتحار بتناول سمّ فئران. أنقذها حضور أخيها غير الشقيق المفاجئ، فاكتشفت أختها الواقعة ونقلتها إلى المستشفى، بعد التعافي الجسدي، ناقشت العائلة ضرورة العلاج النفسي.
بناءً على نصائح المقرّبين، قصدت الأسرة وحدة الطبّ النفسي في مستشفى الدمرداش. أوصى الأطباء بالاحتجاز بسبب اكتئاب حادّ وميول انتحارية شديدة. أُدخلت سارة بداية العام إلى القسم المجاني بمستشفى العبّاسية رغم الزحام وسوء الظروف. لاحقاً، قرّرت الأسرة نقلها إلى القسم الاقتصادي بسبب تدهور حالتها داخل المجاني.
مع إعلان الأسعار الجديدة، لم تجد أخت سارة بُدّاً من إخراجها من المستشفى والاكتفاء بالمراقبة المنزلية وتأمين الدواء قدر الإمكان.
إقرأوا أيضاً:
مبادرة رئاسية
قبل تسعة أشهر، أُطلقت مبادرة رئيس الجمهورية لدعم الصحّة النفسية تحت شعار “صحّتك سعادتك”، ضمن مبادرة “100 مليون صحّة”. تشمل المبادرة مسح طيف التوحّد، ومسحاً لأمراض القلق والاكتئاب، ودعماً نفسياً للحوامل وكبار السن، وعلاج إدمان المخدّرات والألعاب الإلكترونية، إضافة إلى دعم نفسي لذوي الأمراض المزمنة ولمصابي الأورام.
وبحسب موقع المبادرة، تجاوز عدد المستفيدين في القاهرة 40 ألف مواطن، ولم تنطلق بعد في بقية المحافظات. مع ذلك، لا تلتفت المبادرة إلى الحالات الحرجة التي تتطلّب حجزاً إجبارياً في مستشفيات الصحّة النفسية، مثل الذهان والفُصام والاكتئاب الحادّ المصحوب بميول انتحارية أو نزوع إلى العنف. هذه هي الفئات الأكثر تضرّراً من قرار وزير الصحّة الأخير.
تحت وسم “الصحّة النفسية ليست رفاهية”، حذّر أخصائي الطبّ النفسي وعلاج الإدمان فادي صفوت عبر “فيسبوك”، من تبعات القرار، وكتب:
“شهادة من واقع عملي في مستشفى العبّاسية على مدار 10 أعوام، شاهدت خلالها حالات إنسانية صعبة جدّاً لا تُنسى. أذكر حين رُفع ثمن تذكرة المترو إلى خمسة جنيهات، لم يتمكّن كثير من الأهالي من الحضور إلى العيادة، رغم أن رسوم الكشف كانت جنيهاً واحداً فقط. هذا هو مستوى الفقر الذي تعانيه الأسر التي ترعى مرضى نفسيين في مصر… ومع مرور الزمن تغيّرت طبيعة المتردّدين على العيادات الخارجية؛ صار بينهم طلّاب جامعيون وأفراد من الطبقة المتوسطة، بسبب حملات التوعية وارتفاع أسعار العلاج في العيادات الخاصّة. لكنّ الأسوأ كان نقص الأدوية الحادّ؛ قد يأتي المريض فلا يجد مضادّ ذهان واحداً متاحاً في بعض الأيام. ورغم ذلك، يواصل الناس الحضور… لأنه لا بديل”.
وأضاف: “اليوم الكارثة أكبر. صارت التذكرة بـ10 جنيهات، وهذا أهون ما في الأمر، بخاصّة مع غياب ضمان توفّر الدواء. الطامّة أن أسعار الحجز باتت تقترب من الخاصّة، بعدما كانت هناك أماكن مجانية للمعدمين، وأقسام اقتصادية بـ3000 جنيه شهرياً، أصبح السعر يبدأ من 5400 ويصل إلى 18000 جنيه شهرياً”.
وأكّد أن القرار يتعارض بوضوح مع هيكل أمانة الصحّة النفسية، الذي ينصّ على تخصيص ما لا يقلّ عن 60% من الأسرة مجاناً، معقّباً: “الواقع الجديد يُترجم ببساطة إلى: دَعِ الفقير يمرض… ربنا معاه”.
عدّد صفوت النتائج المتوقّعة: ارتفاع أعداد المنتحرين، ازدياد الضغط على أقسام الطوارئ، زيادة أعداد السجناء من المرضى النفسيين، تحميل الشرطة أعباء إضافية، تفاقم ظاهرة التشرّد وارتفاع معدّلات الجريمة.
يُذكّر بأن نسبة الفُصام عالمياً تُقدَّر بنحو 1% من السكان، ومصر تضمّ أكثر من 100 مليون نسمة، إضافة إلى اللاجئين.
يبلغ عدد مستشفيات الأمانة العامّة للصحّة النفسية في مصر 16 مستشفى، إلى جانب مراكز ووحدات داخل مستشفيات حكومية عامّة، في طليعتها الخانكة والعبّاسية وحلوان.
“الواقع الجديد يُترجم ببساطة إلى: دَعِ الفقير يمرض… ربنا معاه”.
مريض فاقد الأهليّة
يصف محمود فؤاد مدير “مركز الحقّ في الدواء” وعضو مجلس إدارة مستشفى الخانكة للصحّة النفسية سابقاً، قرار رفع الأسعار بـ”الكارثة”، ويوضح أن “المريض النفسي يكون في حالات كثيرة فاقد الأهليّة”، وأن “العلاج النفسي يُعدّ أولوية في العالم كلّه، لكن في مصر، ووفق سياسة وزارة الصحّة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، جرى التعامل معه كخدمة غير أولوية، مع تحميل المريض تكلفة العلاج عبر “صناديق تحسين الخدمات”، تماشياً مع اشتراطات صندوق النقد الدولي”، بحسب فؤاد.
يردّ فؤاد على مقولة إن القرار يقتصر على القسم الاقتصادي: “المقتدرون يستطيعون اللجوء إلى المصحّات الخاصّة مهما ارتفعت كلفتها. القسم الاقتصادي يخدم أبناء الطبقة المتوسطة الذين لا يطيقون الأسعار الخاصّة، ولا يريدون معالجة ذويهم في المجاني. حين تُرفع التكلفة عليهم، ماذا يفعلون؟”.
ويضيف أن “القرار شمل أيضاً رفع أسعار خدمات مكافحة الإدمان، مثل التحاليل الدورية وتكلفة الإقامة. وهذا يفتح الباب أمام اتّساع عمل المصحّات الخاصّة غير المرخّصة المنتشرة، ويمنح المصحّات الخاصّة المرخّصة ذريعة لرفع أسعارها”.
تكشف دراسة صادرة عن “المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” قبل عام، بعنوان “الصحّة النفسية والعقلية للعامل… الحقّ المُهدَر من معايير الصحّة والسلامة المهنية”، أن واحداً من كلّ أربعة مواطنين يعاني من مشكلات نفسية؛ أي قرابة 28 مليون شخص، أغلبهم من فئة العمّال. ذلك في ظلّ محدودية مؤسّسات العلاج وتدنّي دخولها من هذه الفئات. هذا العدد الضخم مهدّد اليوم بأن يصبح أسيراً لمرضه، بعد انهيار خطّ الدفاع الوحيد في مستشفيات الصحّة النفسية بسبب ارتفاع التكلفة، فيما تُعلن الدولة في الوقت نفسه عن مبادرة رئاسية للصحّة النفسية.
إقرأوا أيضاً:












