ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بعد مقتل والديه بغارة إسرائيلية…الفنان اللبناني علي شريّ يقاضي الجيش الإسرائيلي في فرنسا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المسار الإجرائي للشكوى التي تقدّم بها علي شرّي هو التالي: يقوم المدعي العام بدراسة الملف تمهيداً لاتخاذ قرار بإحالته إلى قاضي تحقيق. وفي حال الإحالة، يتمتع القاضي بصلاحيات واسعة تشمل إجراء تحقيقات ميدانية، والاستعانة بخبراء، وعقد جلسات استماع، وإصدار مذكرات توقيف لتحديد المسؤولية الجنائية عن الغارة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هي الشكوى الأولى من نوعها: بعد 16 شهراً على غارة جوّية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في منطقة النويري في بيروت، وأدّت إلى مقتل سبعة مدنيين، جميعهم من سكّان المبنى.

تقدّم المخرج والفنّان التشكيلي اللبناني-الفرنسي علي شرّي، في 2 نيسان/أبريل 2026، بشكوى ضدّ مجهول، بالاشتراك مع الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، أمام وحدة جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية التابعة لمحكمة باريس القضائية، على خلفية ارتكاب جريمة حرب.

كان محمود شرّي ونادرة حايك يقيمان في المبنى المذكور، وتحديداً في شقّة سكنية تقع في الطابق التاسع، وتعود ملكيتها إلى نجلهما علي. وقد أدّت الغارة إلى مقتلهما، إلى جانب العاملة المنزلية بيركي نيغيسا، التي كانت معهما في الشقّة نفسها.

يقول شرّي لموقع “درج”: “أمام هذه الفاجعة تساءلت عمّا يمكن فعله. العدالة لن تُعيد إليّ أهلي، لكنّني أرفض أن يكونوا مجرّد أرقام في تعداد الضحايا. خلف هذه الأرقام وجوه وأسماء وحيوات يجب تسليط الضوء عليها”.

لم يكن بوسع شرّي التقدّم بهذه الشكوى لولا حيازته الجنسية الفرنسية، كما توضح محاميته كليمانس بيكتارت لموقع “درج”: “وقوع الغارة خارج الأراضي الفرنسية لا يمنع اختصاص السلطات الفرنسية، طالما أن أحد المتضرّرين يحمل الجنسية الفرنسية، عملاً بمبدأ الشخصية السلبية المنصوص عليه في المادة 7-113 من القانون الجنائي الفرنسي“.

وبما أن أياً من محمود شرّي ونادرة حايك لا يحمل الجنسية الفرنسية، لا تعود إلى المحاكم الفرنسية صلاحية النظر في قضيّة مقتلهما. وعليه، انحصر مضمون الشكوى بالضرر المادّي اللاحق بالشقة السكنية التي يملكها اللبناني-الفرنسي علي شرّي.

يلفت شرّي إلى تواصله مع كليمانس بيكتارت في شباط/فبراير 2025، بعد اطّلاعه على مقالة صحافية نشرها “درج” في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تناولت سبل مقاضاة اللبنانيين للقادة الإسرائيليين: “إعداد ملفّ الشكوى ارتكز بشكل أساسي على توثيق منظّمة العفو الدولية لغارتين على منطقتي النويري والجناح، إلى جانب ما قامت به منظّمة العمارة الجنائية (Forensic Architecture) لجهة إعادة البناء الرقمي للغارة”.

وفقاً للبيان الصادر عن منظّمة العفو الدولية في 24 شباط/فبراير 2026، تعرّضت منطقة النويري في بيروت لغارة جوّية بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عند الساعة 5:30 مساءً، أي قبل 10 ساعات من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.

بحسب البيان، حلّل فريق المنظّمة عشرات المقاطع المصوّرة والصور الفوتوغرافية المأخوذة من موقع الغارة، إلى جانب فحص صور الأقمار الصناعية وإجراء مقابلات مع أهالي المنطقة، بالإضافة إلى تحليل أجراه خبراء الأسلحة لدى المنظّمة، ليتبيّن أن الشظايا تعود إلى قنبلة صغيرة من طراز GBU-39، وهي من الأسلحة دقيقة التوجيه، تُصنّعها شركة “أنظمة بوينغ الدفاعية المتكاملة” (Boeing Integrated Defense Systems) وتُصدَّر من الولايات المتحدة إلى إسرائيل.

في ما يتعلّق بالهدف المحتمل للغارة، نقلت منظّمة العفو الدولية عن سكّان المبنى ترجيحهم أن يكون المستهدف محمود محمّد شرّي وعماد محمّد شرّي (شقيقا نائب “حزب الله” أمين شرّي، غير المقيم في المبنى). وأضاف السكّان أن معلوماتهم لا تدلّ على ممارستهما أي نشاط عسكري، رغم الانتماء السياسي لشقيقهما.

وفي حال كان المقصود أحد الشقيقين، تساءل السكّان عن “سبب اختيار الجيش الإسرائيلي تنفيذ الضربة أثناء وجودهما في مبنى سكني، في وقت تكون فيه العائلات في منازلها، بدلاً من اختيار زمان أو مكان آخرين”، مضيفين: “لم يكونا مختبئين، بل كانا يمشيان في الشوارع كلّ يوم”.

وأفادت المنظّمة بأنها لم تعثر على ما يثبت عكس ذلك، كما لم تجد أي دليل يشير إلى وجود أهداف عسكرية مشروعة، معتبرة أنه حتى في حال استهداف شخص محدّد، فإن أسلوب التنفيذ يجعله يرقى إلى هجوم عشوائي، لا سيما في ظل غياب أي تحذير مسبق للسكان بوجوب إخلاء المنطقة.

راجع موقع “درج” جميع التحذيرات الإسرائيلية الصادرة بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 والمنشورة على صفحة الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على فيسبوك، ليتبيّن أنها لم تتضمن أي إشارة إلى منطقة النويري، رغم أن عدد التحذيرات في ذلك اليوم بلغ 25 تحذيراً.

وأعادت منظّمة العفو الدولية التذكير بما ينص عليه القانون الدولي الإنساني لجهة مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، الذي يفرض على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والعسكريين، وتوجيه الهجمات إلى المقاتلين حصراً، مع حظر الهجمات العشوائية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنّب إيقاع خسائر في صفوف المدنيين أو ممتلكاتهم، بما في ذلك إصدار إنذارات مسبقة.

وأوضحت المنظّمة أنها راسلت السلطات الإسرائيلية في 3 كانون الأول/ديسمبر 2025، طالبة معلومات حول الأهداف العسكرية التي استُهدفت في هذا الموقع والتدابير المتخذة لتقليل الأضرار بالمدنيين، من دون أن تتلقى أي رد حتى تاريخ نشر البيان.

وتابع شرّي حديثه، مشيراً إلى ما قامت به منظّمة العمارة الجنائية من إعادة بناء رقمي لموقع الغارة، ما سمح بالتأكيد على الطابع المتعمّد للهجوم الذي استهدف منطقة مدنية باستخدام أسلحة دقيقة.

وفي هذا السياق، استذكر المصوّر محمد شهاب، الذي وثّق ما حلّ بشقته السكنية قبل مقتله مع ابنته البالغة ثلاث سنوات، جرّاء غارة إسرائيلية على عرمون.

يؤكد كلّ من علي شرّي وكليمانس بيكتارت أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى المحاكمة: “تقديم الشكوى ليس إلا الخطوة الأولى في مسار قد يستغرق عدة سنوات، فالتحقيق في هذا النوع من القضايا لتحديد المسؤولية الجنائية أمر معقّد”، وفقاً لبيكتارت.

وعلى سبيل التوضيح، لا المقارنة، تقدّم عبيدة الدباغ بشكوى أمام وحدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2016، على خلفية الاختفاء القسري لشقيقه وابن شقيقه في سوريا، ليصدر حكم بإدانة ثلاثة مسؤولين أمنيين في النظام السوري في 24 أيار/مايو 2024.

المسار الإجرائي للشكوى التي تقدّم بها علي شرّي هو التالي: يقوم المدعي العام بدراسة الملف تمهيداً لاتخاذ قرار بإحالته إلى قاضي تحقيق. وفي حال الإحالة، يتمتع القاضي بصلاحيات واسعة تشمل إجراء تحقيقات ميدانية، والاستعانة بخبراء، وعقد جلسات استماع، وإصدار مذكرات توقيف لتحديد المسؤولية الجنائية عن الغارة.

ولا تستبعد كليمانس بيكتارت مواجهة صعوبات خلال هذا المسار، إذ رغم استقلالية القضاء الفرنسي، تبقى الموارد اللازمة لعمله مرتبطة بقرارات السلطة التنفيذية: “نخشى دائماً هذا النوع من العراقيل، فالجرائم الدولية تخضع لاعتبارات جيوسياسية”.

ورغم ذلك، عبّرت بيكتارت عن تفاؤلها، مشيرة إلى أن قضاة التحقيق في وحدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أثبتوا استقلاليتهم في محطات سابقة، ما يجعلها تأمل في نتائج إيجابية. وكرّرت هذا الموقف لدى سؤالها عن التأثير المحتمل للمناخ السياسي الفرنسي، الذي يُوصَف أحياناً بالمهادن تجاه الحكومة الإسرائيلية.

وانطلاقاً من خبرتها، بصفتها متخصّصة في القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وناشطة في عدد من الجمعيات الحقوقية، إلى جانب تمثيلها أطرافاً مدنية في دعاوى جرائم حرب، وجّه موقع “درج” سؤالاً إلى بيكتارت حول إمكان توقّع حجج فريق الدفاع في حال أفضت الشكوى إلى محاكمة جنائية، إلا أنها اعتبرت أن الإجابة عن هذا السؤال سابقة لأوانها.

غير أنها كانت قد علّقت، في حديث سابق مع موقع “درج”، على الحجة الإسرائيلية المتكررة بشأن وجود أهداف عسكرية بين المدنيين، والتي تُستخدم لتبرير استهداف مناطق مدنية أو التنصل من المسؤولية. وأوضحت أن ما يُطرح في الإعلام لا يمكن مقاربته بهذا التبسيط من الناحيتين القانونية والقضائية، قائلة:
“إذا وصلت الأمور إلى أروقة المحاكم، يجب تقديم أدلة تثبت وجود أنشطة عسكرية في المكان المستهدف، بما يبرّر وقوع ضحايا مدنيين فرنسيين أو إلحاق أضرار بممتلكاتهم الخاصة. وعلاوة على ذلك، حتى لو ثبت وجود هذه الأنشطة، ينبغي التأكد من أن الرد العسكري كان متناسباً مع حجم الخطر أو التهديد. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تبرير غارة أدّت إلى مقتل 100 مدني بذريعة وجود مقاتل واحد في المبنى المستهدف”.

صحيح أن علي شرّي لا يجزم حتى الآن بإمكان استصدار حكم قضائي، إلا أن الأهم، برأيه، يبقى توثيق الجريمة من مختلف جوانبها:
“النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية قام على قيم العدالة. إسرائيل تعتبر أعمالها مشروعة، وهذا أمر مرفوض. القضاة المستقلون هم المخوّلون البتّ في ذلك. وتجدد الحرب في لبنان يجعلني أكثر إصراراً على المضي في هذا المسار”.

وختم شرّي حديثه إلى “درج” بالقول:  “لا أجد سبيلاً آخر للمساهمة في محاولة وضع حدّ لمسلسل الإفلات الإسرائيلي من العقاب، إكراماً لذكرى والديّ، ولكل من لا تتاح له هذه الإمكانية”.

06.04.2026
زمن القراءة: 6 minutes

المسار الإجرائي للشكوى التي تقدّم بها علي شرّي هو التالي: يقوم المدعي العام بدراسة الملف تمهيداً لاتخاذ قرار بإحالته إلى قاضي تحقيق. وفي حال الإحالة، يتمتع القاضي بصلاحيات واسعة تشمل إجراء تحقيقات ميدانية، والاستعانة بخبراء، وعقد جلسات استماع، وإصدار مذكرات توقيف لتحديد المسؤولية الجنائية عن الغارة.

هي الشكوى الأولى من نوعها: بعد 16 شهراً على غارة جوّية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في منطقة النويري في بيروت، وأدّت إلى مقتل سبعة مدنيين، جميعهم من سكّان المبنى.

تقدّم المخرج والفنّان التشكيلي اللبناني-الفرنسي علي شرّي، في 2 نيسان/أبريل 2026، بشكوى ضدّ مجهول، بالاشتراك مع الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، أمام وحدة جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية التابعة لمحكمة باريس القضائية، على خلفية ارتكاب جريمة حرب.

كان محمود شرّي ونادرة حايك يقيمان في المبنى المذكور، وتحديداً في شقّة سكنية تقع في الطابق التاسع، وتعود ملكيتها إلى نجلهما علي. وقد أدّت الغارة إلى مقتلهما، إلى جانب العاملة المنزلية بيركي نيغيسا، التي كانت معهما في الشقّة نفسها.

يقول شرّي لموقع “درج”: “أمام هذه الفاجعة تساءلت عمّا يمكن فعله. العدالة لن تُعيد إليّ أهلي، لكنّني أرفض أن يكونوا مجرّد أرقام في تعداد الضحايا. خلف هذه الأرقام وجوه وأسماء وحيوات يجب تسليط الضوء عليها”.

لم يكن بوسع شرّي التقدّم بهذه الشكوى لولا حيازته الجنسية الفرنسية، كما توضح محاميته كليمانس بيكتارت لموقع “درج”: “وقوع الغارة خارج الأراضي الفرنسية لا يمنع اختصاص السلطات الفرنسية، طالما أن أحد المتضرّرين يحمل الجنسية الفرنسية، عملاً بمبدأ الشخصية السلبية المنصوص عليه في المادة 7-113 من القانون الجنائي الفرنسي“.

وبما أن أياً من محمود شرّي ونادرة حايك لا يحمل الجنسية الفرنسية، لا تعود إلى المحاكم الفرنسية صلاحية النظر في قضيّة مقتلهما. وعليه، انحصر مضمون الشكوى بالضرر المادّي اللاحق بالشقة السكنية التي يملكها اللبناني-الفرنسي علي شرّي.

يلفت شرّي إلى تواصله مع كليمانس بيكتارت في شباط/فبراير 2025، بعد اطّلاعه على مقالة صحافية نشرها “درج” في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تناولت سبل مقاضاة اللبنانيين للقادة الإسرائيليين: “إعداد ملفّ الشكوى ارتكز بشكل أساسي على توثيق منظّمة العفو الدولية لغارتين على منطقتي النويري والجناح، إلى جانب ما قامت به منظّمة العمارة الجنائية (Forensic Architecture) لجهة إعادة البناء الرقمي للغارة”.

وفقاً للبيان الصادر عن منظّمة العفو الدولية في 24 شباط/فبراير 2026، تعرّضت منطقة النويري في بيروت لغارة جوّية بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عند الساعة 5:30 مساءً، أي قبل 10 ساعات من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.

بحسب البيان، حلّل فريق المنظّمة عشرات المقاطع المصوّرة والصور الفوتوغرافية المأخوذة من موقع الغارة، إلى جانب فحص صور الأقمار الصناعية وإجراء مقابلات مع أهالي المنطقة، بالإضافة إلى تحليل أجراه خبراء الأسلحة لدى المنظّمة، ليتبيّن أن الشظايا تعود إلى قنبلة صغيرة من طراز GBU-39، وهي من الأسلحة دقيقة التوجيه، تُصنّعها شركة “أنظمة بوينغ الدفاعية المتكاملة” (Boeing Integrated Defense Systems) وتُصدَّر من الولايات المتحدة إلى إسرائيل.

في ما يتعلّق بالهدف المحتمل للغارة، نقلت منظّمة العفو الدولية عن سكّان المبنى ترجيحهم أن يكون المستهدف محمود محمّد شرّي وعماد محمّد شرّي (شقيقا نائب “حزب الله” أمين شرّي، غير المقيم في المبنى). وأضاف السكّان أن معلوماتهم لا تدلّ على ممارستهما أي نشاط عسكري، رغم الانتماء السياسي لشقيقهما.

وفي حال كان المقصود أحد الشقيقين، تساءل السكّان عن “سبب اختيار الجيش الإسرائيلي تنفيذ الضربة أثناء وجودهما في مبنى سكني، في وقت تكون فيه العائلات في منازلها، بدلاً من اختيار زمان أو مكان آخرين”، مضيفين: “لم يكونا مختبئين، بل كانا يمشيان في الشوارع كلّ يوم”.

وأفادت المنظّمة بأنها لم تعثر على ما يثبت عكس ذلك، كما لم تجد أي دليل يشير إلى وجود أهداف عسكرية مشروعة، معتبرة أنه حتى في حال استهداف شخص محدّد، فإن أسلوب التنفيذ يجعله يرقى إلى هجوم عشوائي، لا سيما في ظل غياب أي تحذير مسبق للسكان بوجوب إخلاء المنطقة.

راجع موقع “درج” جميع التحذيرات الإسرائيلية الصادرة بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 والمنشورة على صفحة الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على فيسبوك، ليتبيّن أنها لم تتضمن أي إشارة إلى منطقة النويري، رغم أن عدد التحذيرات في ذلك اليوم بلغ 25 تحذيراً.

وأعادت منظّمة العفو الدولية التذكير بما ينص عليه القانون الدولي الإنساني لجهة مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، الذي يفرض على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والعسكريين، وتوجيه الهجمات إلى المقاتلين حصراً، مع حظر الهجمات العشوائية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنّب إيقاع خسائر في صفوف المدنيين أو ممتلكاتهم، بما في ذلك إصدار إنذارات مسبقة.

وأوضحت المنظّمة أنها راسلت السلطات الإسرائيلية في 3 كانون الأول/ديسمبر 2025، طالبة معلومات حول الأهداف العسكرية التي استُهدفت في هذا الموقع والتدابير المتخذة لتقليل الأضرار بالمدنيين، من دون أن تتلقى أي رد حتى تاريخ نشر البيان.

وتابع شرّي حديثه، مشيراً إلى ما قامت به منظّمة العمارة الجنائية من إعادة بناء رقمي لموقع الغارة، ما سمح بالتأكيد على الطابع المتعمّد للهجوم الذي استهدف منطقة مدنية باستخدام أسلحة دقيقة.

وفي هذا السياق، استذكر المصوّر محمد شهاب، الذي وثّق ما حلّ بشقته السكنية قبل مقتله مع ابنته البالغة ثلاث سنوات، جرّاء غارة إسرائيلية على عرمون.

يؤكد كلّ من علي شرّي وكليمانس بيكتارت أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى المحاكمة: “تقديم الشكوى ليس إلا الخطوة الأولى في مسار قد يستغرق عدة سنوات، فالتحقيق في هذا النوع من القضايا لتحديد المسؤولية الجنائية أمر معقّد”، وفقاً لبيكتارت.

وعلى سبيل التوضيح، لا المقارنة، تقدّم عبيدة الدباغ بشكوى أمام وحدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2016، على خلفية الاختفاء القسري لشقيقه وابن شقيقه في سوريا، ليصدر حكم بإدانة ثلاثة مسؤولين أمنيين في النظام السوري في 24 أيار/مايو 2024.

المسار الإجرائي للشكوى التي تقدّم بها علي شرّي هو التالي: يقوم المدعي العام بدراسة الملف تمهيداً لاتخاذ قرار بإحالته إلى قاضي تحقيق. وفي حال الإحالة، يتمتع القاضي بصلاحيات واسعة تشمل إجراء تحقيقات ميدانية، والاستعانة بخبراء، وعقد جلسات استماع، وإصدار مذكرات توقيف لتحديد المسؤولية الجنائية عن الغارة.

ولا تستبعد كليمانس بيكتارت مواجهة صعوبات خلال هذا المسار، إذ رغم استقلالية القضاء الفرنسي، تبقى الموارد اللازمة لعمله مرتبطة بقرارات السلطة التنفيذية: “نخشى دائماً هذا النوع من العراقيل، فالجرائم الدولية تخضع لاعتبارات جيوسياسية”.

ورغم ذلك، عبّرت بيكتارت عن تفاؤلها، مشيرة إلى أن قضاة التحقيق في وحدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أثبتوا استقلاليتهم في محطات سابقة، ما يجعلها تأمل في نتائج إيجابية. وكرّرت هذا الموقف لدى سؤالها عن التأثير المحتمل للمناخ السياسي الفرنسي، الذي يُوصَف أحياناً بالمهادن تجاه الحكومة الإسرائيلية.

وانطلاقاً من خبرتها، بصفتها متخصّصة في القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وناشطة في عدد من الجمعيات الحقوقية، إلى جانب تمثيلها أطرافاً مدنية في دعاوى جرائم حرب، وجّه موقع “درج” سؤالاً إلى بيكتارت حول إمكان توقّع حجج فريق الدفاع في حال أفضت الشكوى إلى محاكمة جنائية، إلا أنها اعتبرت أن الإجابة عن هذا السؤال سابقة لأوانها.

غير أنها كانت قد علّقت، في حديث سابق مع موقع “درج”، على الحجة الإسرائيلية المتكررة بشأن وجود أهداف عسكرية بين المدنيين، والتي تُستخدم لتبرير استهداف مناطق مدنية أو التنصل من المسؤولية. وأوضحت أن ما يُطرح في الإعلام لا يمكن مقاربته بهذا التبسيط من الناحيتين القانونية والقضائية، قائلة:
“إذا وصلت الأمور إلى أروقة المحاكم، يجب تقديم أدلة تثبت وجود أنشطة عسكرية في المكان المستهدف، بما يبرّر وقوع ضحايا مدنيين فرنسيين أو إلحاق أضرار بممتلكاتهم الخاصة. وعلاوة على ذلك، حتى لو ثبت وجود هذه الأنشطة، ينبغي التأكد من أن الرد العسكري كان متناسباً مع حجم الخطر أو التهديد. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تبرير غارة أدّت إلى مقتل 100 مدني بذريعة وجود مقاتل واحد في المبنى المستهدف”.

صحيح أن علي شرّي لا يجزم حتى الآن بإمكان استصدار حكم قضائي، إلا أن الأهم، برأيه، يبقى توثيق الجريمة من مختلف جوانبها:
“النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية قام على قيم العدالة. إسرائيل تعتبر أعمالها مشروعة، وهذا أمر مرفوض. القضاة المستقلون هم المخوّلون البتّ في ذلك. وتجدد الحرب في لبنان يجعلني أكثر إصراراً على المضي في هذا المسار”.

وختم شرّي حديثه إلى “درج” بالقول:  “لا أجد سبيلاً آخر للمساهمة في محاولة وضع حدّ لمسلسل الإفلات الإسرائيلي من العقاب، إكراماً لذكرى والديّ، ولكل من لا تتاح له هذه الإمكانية”.