fbpx

بعد نصف عام… قارب الـ85 راكباً لا يزال مفقوداً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في 12 كانون الأول/ديسمبر 2023، انطلق قارب من شمال لبنان، على متنه 85 شخصاً من بينهم 35 طفلاً، من اللاجئين السوريين، يحاولون الهروب من واقعهم الصعب والبحث عن مستقبل أفضل، لكن سرعان ما تحولت الرحلة إلى مأساة، حين فُقد أثرهم جميعاً مع القارب، ولم يُعثر منذ ذاك الوقت سوى على 10 جثث، تم التعرف على واحدة فقط.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تسفر عمليات البحث عن القارب ومن على متنه أية نتائج تُذكر  على مدار ستة أشهر، ، فيما بدأت السلطات القضائية في لبنان أخيراً بالنظر في القضية، بشكل فعلي يوم الثلاثاء الماضي في 28 أيار/ مايو 2024 خلال الجلسة القضائية، خلال تلك الفترة عُثر على عدد من الجثث على مختلف الشواطئ، من بينها قبرص التركية وطرطوس وأنطاليا، إلا أنه لم يتم التعرف سوى على جثة واحدة تعود لأحد ركاب القارب المفقود، أما الجثث المتبقية فلا تزال هوياتها مجهولة، فيما يتجنب ذووها في لبنان إجراء فحوصات الحمض النووي، إذ يتخوف بعض الأهالي السوريين المقيمين في لبنان من الترحيل القسري إلى سوريا، في حال تيقنوا من هويات الجثث التي تعود إلى أحبائهم .

طوال هذه المدة، ظل أهالي المفقودين يناشدون المعنيين عبر وسائل الإعلام تارةً، وتارةً أخرى كانوا يلوذون بغرفة إلكترونية على تطبيق واتساب، تحت اسم “أهل”، التي تضم حوالي 122 فرداً من الأقارب بين أخ وأم وزوجة وزوج وجد وجدة، ويواسون بعضهم بعضاً، ويتناقلون الأخبار والشائعات التي يبثها المهربون أحياناً، كما يتبادلون الأدعية ويتشاركون الحزن يومياً.

هذه الحكاية هي أكثر من مجرد قصة عن قارب مفقود. ففي لبنان، حين يتعلق الأمر باللاجئين السوريين، تصبح القضية أكثر تعقيداً، حيث تحكم الظروف السياسية مصير 85 شخصاً، وسط مخاوف أقاربهم  من الترحيل، في سبيل معرفة الحقيقة.

جثث مجهولة الهوية في أنطاليا وقبرص وطرطوس

منذ اختفاء القارب، عُثر في أنطاليا التركية على جثث متحللة مجهولة المعالم، تحدثت عنها الصحافة الأجنبية، وفي قبرص التركية، دفنت 6 جثث في مقبرة “كارباس”، ولم يتم التعرف على الوفيات الذين وجدوا ملقين على الشاطئ في أماكن مختلفة من الجزيرة، وفقاً لخبر منشور في موقع haberkibriz ، يُعتقد أن هذه الجثث تعود لمهاجرين غير شرعيين غرق بهم قارب الهجرة، وألقت بهم الأمواج على الشواطئ، وقد عثر في كانون الأول/ ديسمبر عام 2023 على جثتين على  شاطئ الحميدية جنوب مدينة طرطوس، تبين لاحقاً أن إحداهما تعود لأحد ركاب المركب المفقود وهو محمد الخصاونة ، الذي تعيش عائلته في سوريا، مما سهّل إجراء فحص الحمض النووي.

معرفة هوية باقي الجثث، تستدعي من السلطات اللبنانية اتخاذ خطوات، لإجراء فحوصات الحمض النووي، ومراسلة السلطات التركية لمطابقتها مع الحمض النووي للجثث الموجودة في تركيا لتحديد هوياتهم، وكان المحامي محمد صبلوح تقدم بطلب إلى النيابة العامة التمييزية في الأول من شباط /فبراير 2024، لإصدار قرار يسمح بإجراء فحوصات الحمض النووي للأهالي الموجودين في لبنان، ومراسلة السلطات القضائية التركية لمطابقة الفحوصات ومعرفة هوية الجثث الموجودة على أراضيها “ولم يتم التجاوب مع الطلب حينها”، بحسب صبلوح.

معرفة هوية الجثث المتحللة مقابل “الترحيل” إلى سوريا؟ 

التعرف على هوية الجثث يواجه تحديات كبيرة في ظل حملات الترحيل القسرية، التي تنفذها الدولة اللبنانية بحق اللاجئين السوريين، وبحسب صبلوح “هناك عدد كبير من الأهالي غير قادرين على التنقل، وفي حال حضروا إلى ثكنة الحلو، إلى قسم الأدلة الجنائية حيث تُجرى الفحوصات مجاناً، بدعم من الصليب الأحمر الدولي، فيتم طلب نشراتهم الأمنية، مما قد يؤدي إلى تسليمهم إلى الأمن العام اللبناني ترحيلهم من لبنان”.

وفي حديثٍ لـ”درج ميديا”، أكد صبلوح أنه تواصل مع المدعي العام التمييزي الجديد جمال حجار، الذي أبدى تعاونه في القضية، ولكنه أشار إلى أنه “لا يمكن تجاوز الإجراءات القانونية المتبعة، وقال: “قد نضطر إلى نقل الأهالي على مسؤوليتنا الخاصة إلى سيدار، وإجراء فحوصات الحمض النووي في مستشفيات خاصة على نفقتنا الخاصة،و التكلفة باهظة ولم تُؤمَّن بعد، ومع ذلك، فإن كثرة الحواجز قد تعرضهم لخطر الترحيل أيضاً، لذا نعمل على خطة نسعى أن تكون آمنة”.

وسيعمل مركز “سيدار” للدراسات  القانونية، على التواصل مع المكتب الجديد في “الإنتربول” بعد إجراء الفحوصات لإرسالها إليهم، حيث يمتلك المكتب الصلاحية لمطابقة الفحوصات مع الجثث التي عثر عليها، إلا أن هذه العملية قد تستغرق وقتاً طويلاً جداً.

” أحياناً لا نذهب إلى أعمالنا هنا بسبب الخوف من خطر ترحيلنا، لأن إقاماتنا مكسورة”، يقول ممدوح العاموري وهو والد المفقود أحمد العاموري (20 عاماً)، المنحدر من مدينة إدلب شمال سوريا، والذي اضطر إلى الهجرة غير الشرعية نتيجة للأزمة المعيشية، ويضيف: “أحياناً لا ننام في خيمنا، بل ننام في حقول القمح والمزروعات، وذلك حين نعلم أن دورية لترحيل السوريين ستأتي، ثم نعود صباحاً إلى الخيم، لذلك نحن نخاف أن نتنقل”.

لا يزال ممدوح العاموري يأمل أن يكون نجله على قيد الحياة: “العثور على جثة واحدة تعود لأحد الركاب لا يعني أن الجميع قد ماتوا”، وهو واحد من ثلاثة من ذوي المفقودين الذين اعتصموا أمام السفارة القبرصية في بيروت، منتصف كانون الأول/ديسمبر 2024 للمطالبة بمعرفة مصير أقاربهم، قابلتهم “درج ميديا” هناك. 

ذلك اليوم حضر العاموري مع شخصين آخرين وقفوا لأكثر من ساعة أمام السفارة، بينما كان حراسها يستجوبونهم، واليوم، العاموري غير قادر على الحضور لإجراء فحوصات الحمض النووي بسبب الخوف من الترحيل.

الأهالي ضحايا شائعات المهربين ووعود قبرص

يصل  عدد الجثث المجهولة الهوية المعثور عليها في الدول المجاورة إلى أكثر من عشر جثث، فيما لا يزال أهالي المفقودين متمسكين بالأمل، ريثما تصلهم أخبار واضحة عن أولادهم، حيث يتلقون بشكل متكرر شائعات مختلفة حول مصيرهم، بحسب ما يتداولونه على مجموعة “واتساب” الإلكترونية، وهذا ما أكده صبلوح خلال حديثه. 

عدد من الأهالي (فضلوا عدم ذكر أسمائهم) تلقوا مكالمات تطلب منهم مبالغ خيالية لقاء معلومات عن  مصير أقاربهم، من أشخاص يتواصلون معهم على حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأكدوا لهم أن الركاب موجودون في قبرص.

في لبنان، تبدو العدالة دائماً غامضة منذ يومها الأول، القضايا تسقط بمرور الوقت، وتبقى أسر الضحايا وحدها تصرخ وتنادي على أمل الوصول إلى الحقيقة. اليوم، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر، لم تتحرك الدولة بجدية لمعرفة مصير المفقودين، وتتواصل رحلات الهجرة غير الشرعية من دون أي رادع، وتظل عصابات المهربين تعمل بحرية. 

هل تقاعست الأجهزة الأمنية في قضية القارب المفقود؟

منذ 12 كانون الأول/ديسمبر حتى اليوم، كل ما تم تحقيقه في هذا الملف، هو إلقاء القبض على محمود عيد، الذي نُسب القارب إلى اسمه، مقابل تغطية تكاليف علاج ابنه في المستشفى، وبعد توقيفه، عُرض عليه مبلغ كبير لتحمل المسؤولية وحده لكنه رفض، بحسب صبلوح “تعرف الأجهزة الأمنية وتحديداً فرع المعلومات مكان إقامة المهربين، لكنها لم تقبض عليهما رغم البلاغات المتكررة”، في تحقيق استقصائي لموقع “تفاصيل”، تم استدراجهما، وعلى رغم تصوير وجهيهما والاعترافات المسجلة، لم تتخذ الأجهزة الأمنية أي إجراء.

يشير صبلوح إلى “عدم تعاون فرع المعلومات في هذا الملف، الذي يعتبر الأكثر تعقيداً في قضايا الهجرة غير الشرعية، ولم يتم الرد على طلب الحصول على بيانات الاتصالات لمعرفة تفاصيل آخر ظهور لركاب القارب عبر واتساب”، ويقول: “فرع المعلومات لم يكن على قدر المسؤولية، عند مقتل الحزبي باسكال سليمان، تم الحصول على البيانات خلال ساعتين وعرفوا أنه في سوريا فهم لديهم الإمكانات”.

من جهته، رد رئيس شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، العقيد جوزيف مسلم، على اتهام عدم تسليم البيانات حتى الآن، قائلاً: “هناك ضغط كبير في ما يخص الحصول على بيانات الاتصالات، والأمر ليس فورياً، العملية تأخذ وقتاً طويلاً بسبب الضغط”، أما بخصوص عدم تجاوب فرع المعلومات مع البلاغات عن مكان المطلوبين، فاكتفى بقوله: “هل اتصلوا بالجيش؟ هناك العديد من الأجهزة المعنية بهذا الموضوع”.

أخيراً…جهود قضائية جديدة لكشف عصابة المهربين المتورطين

يؤكد صبلوح أن “العمل الجدي على ملف عصابة المهربين المتورطين في الهجرة غير الشرعية قد بدأ بالفعل”، وعقب الجلسة الثالثة التي أجرتها قاضية التحقيق الأولى في الشمال سمراندا نصار، تم تحقيق تقدم مهم في هذا الملف، وبحسب صبلوح أكدت القاضية نصار أنه “سيتم قريباً كشف بيانات الاتصالات الخاصة بركاب القارب، وتم الادعاء على عدد كبير من أفراد العصابة”، وطلبت هوياتهم تمهيداً لإصدار مذكرات توقيف بحقهم، جاء هذا التطور بعد أن قدم صبلوح نسخة من التحقيق الاستقصائي الذي أجراه موقع “تفاصيل” إلى القاضية، والذي يتضمن صور واعترافات المتورطين، ويُعد هذا التحقيق الاستقصائي أداة حاسمة يمكن أن تسهم بشكل كبير في دعم التحقيقات القضائية.

التحريض على الهجرة غير الشرعية

هذا القارب ليس الوحيد الذي تصدرت أخباره عناوين الصحف والمواقع، هناك الكثير من القوارب التي نُشر عنها سابقاً، وصار ركابها في عداد الأموات، فالهجرة غير الشرعية ليست بجديدة، ولا يمكن القول إنها توقفت.

تزداد خطورة الموضوع مع دعوة بعض السياسيين في لبنان علانية إلى فتح البحر أمام اللاجئين، في حين يرى آخرون أن السيطرة على هذه الهجرة تخدم مصالح الاتحاد الأوروبي، من دون النظر إلى خطورة ذلك على حياة العديد من الأطفال والنساء والعائلات، ولا يمكن تجاهل دور الخطابات السياسية في لبنان، التي تحث اللاجئين السوريين على الهجرة بقوارب الموت، فبعض السياسيين يستخدمون قضية اللاجئين كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، من دون النظر إلى المخاطر والنتائج الكارثية لهذه الدعوات.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
03.06.2024
زمن القراءة: 6 minutes

في 12 كانون الأول/ديسمبر 2023، انطلق قارب من شمال لبنان، على متنه 85 شخصاً من بينهم 35 طفلاً، من اللاجئين السوريين، يحاولون الهروب من واقعهم الصعب والبحث عن مستقبل أفضل، لكن سرعان ما تحولت الرحلة إلى مأساة، حين فُقد أثرهم جميعاً مع القارب، ولم يُعثر منذ ذاك الوقت سوى على 10 جثث، تم التعرف على واحدة فقط.

لم تسفر عمليات البحث عن القارب ومن على متنه أية نتائج تُذكر  على مدار ستة أشهر، ، فيما بدأت السلطات القضائية في لبنان أخيراً بالنظر في القضية، بشكل فعلي يوم الثلاثاء الماضي في 28 أيار/ مايو 2024 خلال الجلسة القضائية، خلال تلك الفترة عُثر على عدد من الجثث على مختلف الشواطئ، من بينها قبرص التركية وطرطوس وأنطاليا، إلا أنه لم يتم التعرف سوى على جثة واحدة تعود لأحد ركاب القارب المفقود، أما الجثث المتبقية فلا تزال هوياتها مجهولة، فيما يتجنب ذووها في لبنان إجراء فحوصات الحمض النووي، إذ يتخوف بعض الأهالي السوريين المقيمين في لبنان من الترحيل القسري إلى سوريا، في حال تيقنوا من هويات الجثث التي تعود إلى أحبائهم .

طوال هذه المدة، ظل أهالي المفقودين يناشدون المعنيين عبر وسائل الإعلام تارةً، وتارةً أخرى كانوا يلوذون بغرفة إلكترونية على تطبيق واتساب، تحت اسم “أهل”، التي تضم حوالي 122 فرداً من الأقارب بين أخ وأم وزوجة وزوج وجد وجدة، ويواسون بعضهم بعضاً، ويتناقلون الأخبار والشائعات التي يبثها المهربون أحياناً، كما يتبادلون الأدعية ويتشاركون الحزن يومياً.

هذه الحكاية هي أكثر من مجرد قصة عن قارب مفقود. ففي لبنان، حين يتعلق الأمر باللاجئين السوريين، تصبح القضية أكثر تعقيداً، حيث تحكم الظروف السياسية مصير 85 شخصاً، وسط مخاوف أقاربهم  من الترحيل، في سبيل معرفة الحقيقة.

جثث مجهولة الهوية في أنطاليا وقبرص وطرطوس

منذ اختفاء القارب، عُثر في أنطاليا التركية على جثث متحللة مجهولة المعالم، تحدثت عنها الصحافة الأجنبية، وفي قبرص التركية، دفنت 6 جثث في مقبرة “كارباس”، ولم يتم التعرف على الوفيات الذين وجدوا ملقين على الشاطئ في أماكن مختلفة من الجزيرة، وفقاً لخبر منشور في موقع haberkibriz ، يُعتقد أن هذه الجثث تعود لمهاجرين غير شرعيين غرق بهم قارب الهجرة، وألقت بهم الأمواج على الشواطئ، وقد عثر في كانون الأول/ ديسمبر عام 2023 على جثتين على  شاطئ الحميدية جنوب مدينة طرطوس، تبين لاحقاً أن إحداهما تعود لأحد ركاب المركب المفقود وهو محمد الخصاونة ، الذي تعيش عائلته في سوريا، مما سهّل إجراء فحص الحمض النووي.

معرفة هوية باقي الجثث، تستدعي من السلطات اللبنانية اتخاذ خطوات، لإجراء فحوصات الحمض النووي، ومراسلة السلطات التركية لمطابقتها مع الحمض النووي للجثث الموجودة في تركيا لتحديد هوياتهم، وكان المحامي محمد صبلوح تقدم بطلب إلى النيابة العامة التمييزية في الأول من شباط /فبراير 2024، لإصدار قرار يسمح بإجراء فحوصات الحمض النووي للأهالي الموجودين في لبنان، ومراسلة السلطات القضائية التركية لمطابقة الفحوصات ومعرفة هوية الجثث الموجودة على أراضيها “ولم يتم التجاوب مع الطلب حينها”، بحسب صبلوح.

معرفة هوية الجثث المتحللة مقابل “الترحيل” إلى سوريا؟ 

التعرف على هوية الجثث يواجه تحديات كبيرة في ظل حملات الترحيل القسرية، التي تنفذها الدولة اللبنانية بحق اللاجئين السوريين، وبحسب صبلوح “هناك عدد كبير من الأهالي غير قادرين على التنقل، وفي حال حضروا إلى ثكنة الحلو، إلى قسم الأدلة الجنائية حيث تُجرى الفحوصات مجاناً، بدعم من الصليب الأحمر الدولي، فيتم طلب نشراتهم الأمنية، مما قد يؤدي إلى تسليمهم إلى الأمن العام اللبناني ترحيلهم من لبنان”.

وفي حديثٍ لـ”درج ميديا”، أكد صبلوح أنه تواصل مع المدعي العام التمييزي الجديد جمال حجار، الذي أبدى تعاونه في القضية، ولكنه أشار إلى أنه “لا يمكن تجاوز الإجراءات القانونية المتبعة، وقال: “قد نضطر إلى نقل الأهالي على مسؤوليتنا الخاصة إلى سيدار، وإجراء فحوصات الحمض النووي في مستشفيات خاصة على نفقتنا الخاصة،و التكلفة باهظة ولم تُؤمَّن بعد، ومع ذلك، فإن كثرة الحواجز قد تعرضهم لخطر الترحيل أيضاً، لذا نعمل على خطة نسعى أن تكون آمنة”.

وسيعمل مركز “سيدار” للدراسات  القانونية، على التواصل مع المكتب الجديد في “الإنتربول” بعد إجراء الفحوصات لإرسالها إليهم، حيث يمتلك المكتب الصلاحية لمطابقة الفحوصات مع الجثث التي عثر عليها، إلا أن هذه العملية قد تستغرق وقتاً طويلاً جداً.

” أحياناً لا نذهب إلى أعمالنا هنا بسبب الخوف من خطر ترحيلنا، لأن إقاماتنا مكسورة”، يقول ممدوح العاموري وهو والد المفقود أحمد العاموري (20 عاماً)، المنحدر من مدينة إدلب شمال سوريا، والذي اضطر إلى الهجرة غير الشرعية نتيجة للأزمة المعيشية، ويضيف: “أحياناً لا ننام في خيمنا، بل ننام في حقول القمح والمزروعات، وذلك حين نعلم أن دورية لترحيل السوريين ستأتي، ثم نعود صباحاً إلى الخيم، لذلك نحن نخاف أن نتنقل”.

لا يزال ممدوح العاموري يأمل أن يكون نجله على قيد الحياة: “العثور على جثة واحدة تعود لأحد الركاب لا يعني أن الجميع قد ماتوا”، وهو واحد من ثلاثة من ذوي المفقودين الذين اعتصموا أمام السفارة القبرصية في بيروت، منتصف كانون الأول/ديسمبر 2024 للمطالبة بمعرفة مصير أقاربهم، قابلتهم “درج ميديا” هناك. 

ذلك اليوم حضر العاموري مع شخصين آخرين وقفوا لأكثر من ساعة أمام السفارة، بينما كان حراسها يستجوبونهم، واليوم، العاموري غير قادر على الحضور لإجراء فحوصات الحمض النووي بسبب الخوف من الترحيل.

الأهالي ضحايا شائعات المهربين ووعود قبرص

يصل  عدد الجثث المجهولة الهوية المعثور عليها في الدول المجاورة إلى أكثر من عشر جثث، فيما لا يزال أهالي المفقودين متمسكين بالأمل، ريثما تصلهم أخبار واضحة عن أولادهم، حيث يتلقون بشكل متكرر شائعات مختلفة حول مصيرهم، بحسب ما يتداولونه على مجموعة “واتساب” الإلكترونية، وهذا ما أكده صبلوح خلال حديثه. 

عدد من الأهالي (فضلوا عدم ذكر أسمائهم) تلقوا مكالمات تطلب منهم مبالغ خيالية لقاء معلومات عن  مصير أقاربهم، من أشخاص يتواصلون معهم على حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأكدوا لهم أن الركاب موجودون في قبرص.

في لبنان، تبدو العدالة دائماً غامضة منذ يومها الأول، القضايا تسقط بمرور الوقت، وتبقى أسر الضحايا وحدها تصرخ وتنادي على أمل الوصول إلى الحقيقة. اليوم، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر، لم تتحرك الدولة بجدية لمعرفة مصير المفقودين، وتتواصل رحلات الهجرة غير الشرعية من دون أي رادع، وتظل عصابات المهربين تعمل بحرية. 

هل تقاعست الأجهزة الأمنية في قضية القارب المفقود؟

منذ 12 كانون الأول/ديسمبر حتى اليوم، كل ما تم تحقيقه في هذا الملف، هو إلقاء القبض على محمود عيد، الذي نُسب القارب إلى اسمه، مقابل تغطية تكاليف علاج ابنه في المستشفى، وبعد توقيفه، عُرض عليه مبلغ كبير لتحمل المسؤولية وحده لكنه رفض، بحسب صبلوح “تعرف الأجهزة الأمنية وتحديداً فرع المعلومات مكان إقامة المهربين، لكنها لم تقبض عليهما رغم البلاغات المتكررة”، في تحقيق استقصائي لموقع “تفاصيل”، تم استدراجهما، وعلى رغم تصوير وجهيهما والاعترافات المسجلة، لم تتخذ الأجهزة الأمنية أي إجراء.

يشير صبلوح إلى “عدم تعاون فرع المعلومات في هذا الملف، الذي يعتبر الأكثر تعقيداً في قضايا الهجرة غير الشرعية، ولم يتم الرد على طلب الحصول على بيانات الاتصالات لمعرفة تفاصيل آخر ظهور لركاب القارب عبر واتساب”، ويقول: “فرع المعلومات لم يكن على قدر المسؤولية، عند مقتل الحزبي باسكال سليمان، تم الحصول على البيانات خلال ساعتين وعرفوا أنه في سوريا فهم لديهم الإمكانات”.

من جهته، رد رئيس شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، العقيد جوزيف مسلم، على اتهام عدم تسليم البيانات حتى الآن، قائلاً: “هناك ضغط كبير في ما يخص الحصول على بيانات الاتصالات، والأمر ليس فورياً، العملية تأخذ وقتاً طويلاً بسبب الضغط”، أما بخصوص عدم تجاوب فرع المعلومات مع البلاغات عن مكان المطلوبين، فاكتفى بقوله: “هل اتصلوا بالجيش؟ هناك العديد من الأجهزة المعنية بهذا الموضوع”.

أخيراً…جهود قضائية جديدة لكشف عصابة المهربين المتورطين

يؤكد صبلوح أن “العمل الجدي على ملف عصابة المهربين المتورطين في الهجرة غير الشرعية قد بدأ بالفعل”، وعقب الجلسة الثالثة التي أجرتها قاضية التحقيق الأولى في الشمال سمراندا نصار، تم تحقيق تقدم مهم في هذا الملف، وبحسب صبلوح أكدت القاضية نصار أنه “سيتم قريباً كشف بيانات الاتصالات الخاصة بركاب القارب، وتم الادعاء على عدد كبير من أفراد العصابة”، وطلبت هوياتهم تمهيداً لإصدار مذكرات توقيف بحقهم، جاء هذا التطور بعد أن قدم صبلوح نسخة من التحقيق الاستقصائي الذي أجراه موقع “تفاصيل” إلى القاضية، والذي يتضمن صور واعترافات المتورطين، ويُعد هذا التحقيق الاستقصائي أداة حاسمة يمكن أن تسهم بشكل كبير في دعم التحقيقات القضائية.

التحريض على الهجرة غير الشرعية

هذا القارب ليس الوحيد الذي تصدرت أخباره عناوين الصحف والمواقع، هناك الكثير من القوارب التي نُشر عنها سابقاً، وصار ركابها في عداد الأموات، فالهجرة غير الشرعية ليست بجديدة، ولا يمكن القول إنها توقفت.

تزداد خطورة الموضوع مع دعوة بعض السياسيين في لبنان علانية إلى فتح البحر أمام اللاجئين، في حين يرى آخرون أن السيطرة على هذه الهجرة تخدم مصالح الاتحاد الأوروبي، من دون النظر إلى خطورة ذلك على حياة العديد من الأطفال والنساء والعائلات، ولا يمكن تجاهل دور الخطابات السياسية في لبنان، التي تحث اللاجئين السوريين على الهجرة بقوارب الموت، فبعض السياسيين يستخدمون قضية اللاجئين كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، من دون النظر إلى المخاطر والنتائج الكارثية لهذه الدعوات.

03.06.2024
زمن القراءة: 6 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية