ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بعد 10 سنوات على “وثائق بنما”(2): لا يزال الميسّرون والمتهرّبون من الضرائب يُقدَّمون إلى العدالة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نظرة إلى عقدٍ من التغييرات بعد التحقيق الحائز جائزة بوليتزر، الذي هزّ عالم المال الخارجي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كارمن مولينا أكوستا

في محكمة بمدينة كولونيا الألمانية، جلس أحد المديرين التنفيذيين السابقين لشركة محاماة يستمع، بينما كان محاموه يتلون بيانًا باسمه.

“في النهاية، أقبل بالعواقب”، قال محاموه أمام المحكمة خلال الجلسة المنعقدة في آذار/ مارس.

بالنسبة إلى كريستوف تسولنغر، الذي يحمل الجنسيتين السويسرية والبنمية، وكان شريكًا سابقًا في مكتب المحاماة البنمي موساك فونسيكا، ويواجه اليوم اتهامات بتسهيل التهرب الضريبي، كانت هذه العواقب قيد التشكل منذ أكثر من عقد من الزمن.

وقد كُشف عن الجرائم المنسوبة إليه من خلال تحقيق «وثائق بنما» التاريخي، بينما يُنظر في محاكمته الحالية في كولونيا باعتبارها دليلًا على الامتداد الطويل للمشروع — وذراع العدالة البعيدة المدى.

في عام 2016، نشر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ الألمانية، بالشراكة مع أكثر من مئة وسيلة إعلامية، مئات التقارير المستندة إلى أكثر من 11.5 مليون وثيقة سرّية من شركة موساك فونسيكا. وقد وُصفت وثائق بنما آنذاك بأنها مشروع صحافي غير مسبوق وضع قضية التهرب الضريبي على جدول أعمال العالم.

ساهم التحقيق في سقوط قادة سياسيين في آيسلندا وباكستان وغيرهما، وأشعل موجة من الاعتقالات والتشريعات الجديدة والتحقيقات الحكومية في عشرات الدول. كما كشف شبكة دولية واسعة من الشركات الوهمية الخارجية أُنشئت لصالح عملاء أثرياء، من نجوم الرياضة وكبار رجال الأعمال إلى رؤساء دول.

حاز التحقيق جوائز صحافية بارزة عدة، بينها جائزة بوليتزر، وصُنّف الاتحاد الدولي ثاني أكثر جهة مؤثرة في مجال الضرائب عالميًا لعام 2016. كما ورد اسم “وثائق بنما” مئات آلاف المرات في التقارير الإعلامية في أكثر من 190 دولة حول العالم.

وخلال العقد الذي تلا ذلك، ثبتت وثائق بنما مكانتها كمفصل تاريخي في السعي العالمي نحو مزيد من الشفافية — وفي النقاشات العامة والسياسية حول الضرائب، والسرّية، وعدم المساواة.

قال الاقتصادي الحائز جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز لـ ICIJ: “لقد كشفت حجم ما كان يحدث. كان الأمر مدهشًا بحق، وأظهر أن الفساد لم يكن مقتصرًا على أفراد مشتبه بهم في دول ضعيفة الحوكمة، بل شمل أيضًا مسؤولين كبارًا في بلدان مثل آيسلندا والمملكة المتحدة”.

مسيرة بطيئة نحو العدالة

على رغم أن تسولنغر كان غادر شركة موساك فونسيكا قبل سنوات من نشر الصحافيين تسريبات وثائق بنما،تُظهر السجلات المسرّبة أنه كان متورطًا في بعض أكثر قرارات الشركة إثارةً للجدل، بما في ذلك عملها لصالح رجل الأعمال السوري الخاضع للعقوبات رامي مخلوف. وقد أصدر المحققون الألمان مذكرة توقيف دولية بحق تسولنغر عام 2020، قبل أن تُعلَّق في عام 2024 حين سلّم نفسه للمثول أمام القضاء.

تزعم السلطات الألمانية أن تسولنغر كان “عضوًا في مجموعة شركات” ساعدت عملاء من أنحاء العالم على تأسيس ما يُعرف بـ”الشركات الخارجية” في بنما أو في دول أخرى تُعدّ ملاذات ضريبية”. وإذا أُدين، فقد يواجه حكمًا بالسجن يصل إلى سبع سنوات ونصف السنة.

ربط الادعاء العام تسولنغر بخسائر ضريبية تُقدّر بنحو 13 مليون يورو، أي ما يعادل تقريبًا 15 مليون دولار أميركي، مرتبطة بخمسين شركة خارجية.

في بيانٍ تلاه محاميه أمام المحكمة، نفى تسولنغر تأسيس منظمة إجرامية، لكنه أقرّ بتهمة “المساعدة والتحريض” على التهرب الضريبي.

حضر فريدريك أوبرماير — أحد الصحافيين اللذين تلقّيا التسريب الأصلي لوثائق بنما، والمشارك في تأسيس وإدارة بيبر تريل ميديا — اليوم الأول من المحاكمة في كولونيا، وقال إن جلسات القضية تُظهر كيف بإمكان ملاحقات العدالة أن تستغرق سنوات طويلة، في ظل تعقيد الملفات العابرة للحدود.

لكنه أضاف أن المحاكمة يجب أن تكون أيضًا تذكيرًا لكل من يمارس الفساد بألا يشعر بالطمأنينة.

“إذا كنت تعمل في شركة محاماة أخرى، وتقوم بشيء مشابه، فعليك أن تدرك جيدًا أن هذا قد يكون مصيرك يومًا ما”، قال أوبرماير. “تجلس أمام قاضٍ في محكمة، وتُجبر على شرح ما فعلت”.

وقد واجه عدد من الشخصيات البارزة في قلب الفضيحة عواقب قانونية أو محاسبة علنية. أغلقت موساك فونسيكا أبوابها خلال أشهر من النشر. أما رئيس وزراء آيسلندا سيغموندور دافيد غونلوغسون، فقد استقال بعد احتجاجاتٍ واسعة أعقبت كشف امتلاكه هو وزوجته شركة في جزر العذراء البريطانية.

وفي عام 2017، أقالت المحكمة العليا الباكستانية رئيس الوزراء الأطول بقاءً في المنصب نواز شريف،إثر تسريبات وثائق بنما التي كشفت عن ممتلكات عائلته في الخارج. وبعد عام واحد، حُكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهم فساد، وغُرّم 10.6 مليون دولار. كما سقط سياسيون في منغوليا وإسبانيا وغيرهما.

استرداد أكثر من 1.3 مليار دولار من الضرائب

حتى بعد مرور عشر سنوات على وثائق بنما، لا تزال المستجدات المتعلقة بالتحقيق قادرة على جذب اهتمام الرأي العام. ففي وقت سابق من هذا العام، عندما تلقّت صحيفة إنديان إكسبريس ردًا على طلبها العلني للحصول على معلومات حول تحقيق الحكومة في وثائق بنما ووثائق باندوراوغيرها من التحقيقات المالية، كان الخبر ضخمًا بما يكفي ليتصدّر الصفحة الأولى. وعنونت الصحيفة: “مصلحة الضرائب تُخضع استثمارات خارجية غير مصرّح بها بقيمة 14,601 كرور روبية للضرائب“. ويتضمن هذا الرقم الإجمالي 13,800 كرور روبية – أي نحو 1.4 مليار دولار – مرتبطة بوثائق بنما.

تمثل هذه الأرقام المبالغ التي حُدّدت في قضايا ضرائب وأرسلت بشأنها إشعارات رسمية، بحسب ريتو سارين، عضو الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ومديرة الأخبار والتحقيقات في إنديان إكسبريس. وعلى رغم أن المبالغ لم تُحصَّل بعد، إلا أنها خطوة نحو الملاحقة القانونية وفرض العقوبات وفق القانون الهندي.

وكما في قضية تسولنغر في ألمانيا، فإن العدالة الحقيقية تحتاج إلى سنوات كي تكتمل.

قالت سارين: “في] المحاكم الهندية، تسير الأمور ببطء… التحقيقات تستغرق وقتًا طويلًا”.

وفي ردود سابقة على طلبات معلومات من إنديان إكسبريس، أشارت السلطات الضريبية الهندية إلى أنها قدّمت 46 شكوى جنائية، ونفّذت عمليات تفتيش ومصادرة ومسوحات ضمن 84 قضية مرتبطة بوثائق بنما.

ولا تقتصر الجهود على الهند. إذ يقدّر فريق بيانات ICIJ أن السلطات الدولية استردت ما لا يقل عن 1.3 مليار دولار يمكن ربطها مباشرةً بالتحقيق — وهو رقم يُرجَّح أنه أقل من الواقع، نظراً الى صعوبة تتبع الأموال المستردة وامتناع دول كثيرة عن الإعلان عن المبالغ التي جمعتها.

ووفقًا لتحليل الاتحاد الدولي وطلبات المعلومات التي قدّمها، تمكنت دول عدة حول العالم- من السويد وبلجيكا إلى نيوزيلندا وإسبانيا- من استرداد مبالغ بملايين الدولارات. وقد يرتفع الإجمالي لاحقًا، إذ لا تزال دول كثيرة، مثل الهند، منخرطة في إجراءات قانونية طويلة الأمد.

شكّل التحقيق نقطة تحوّل رئيسية في عمل الإدارات الضريبية وجهود الرقابة حول العالم.

قال مدير برنامج في مصلحة الضرائب السويدية لشبكة SVT عام 2025: “لقد تعلمنا الكثير من تسريب بنما، ونستخدم تلك المعرفة في تعاملنا مع التسريبات الجديدة. لقد اكتسبنا فهمًا أعمق لطرق التهرب الضريبي الدولي ولدور الميسّرين بمختلف أنواعهم”.

التحوّل نحو الشفافية

خلال العقد الذي تلا وثائق بنما، قادت دول عدة إصلاحات واسعة لتعزيز الشفافية، والحد من دور الميسّرين الماليين الذين يدعمون السرّية المصرفية، وسدّ الثغرات في النظام العالمي.

ومع ذلك، لا تزال أوجه عدم المساواة قائمة: فحجم الثروات غير الخاضعة للضرائب والمخبّأة في الخارج من قبل أغنى 0.1 في المئة من سكان العالم يفوق إجمالي ثروة نصف البشرية الأفقر، وفقًا لتحليل جديد صادر عن منظمة أوكسفام. ويمتلك هذا الـ0.1 في المئة نحو 80 في المئة من إجمالي الثروات الخارجية غير الخاضعة للضرائب.

لكن أوكسفام أشارت أيضًا إلى أنه رغم ارتفاع حجم الثروة الخارجية منذ نشر وثائق بنما، فإن نسبة الأموال غير الخاضعة للضرائب تراجعت بشكل كبير — وهو تحول يعزوه الباحثون إلى التقدّم في برامج تبادل المعلومات بين الدول.

قال غاري كالمَن، المدير التنفيذي لمنظمة الشفافية الدولية – الولايات المتحدة: “إذا نظرنا فقط إلى السياسات التي تغيّرت خلال السنوات العشر الماضية، فسنجد أن النتائج مذهلة”.

في بنما نفسها، ألزمت الحكومة شركات المحاماة بالتعرّف والتحقق من هوية المالك المستفيد النهائي الذي تعمل معه، وفرضت على السلطات الضريبية البنمية مشاركة معلومات دافعي الضرائب الأجانب — بما في ذلك بلدانهم الأصلية — ضمن حزمة من التغييرات.

أما جزر العذراء البريطانية — التي تضم أكبر عدد من الشركات الخارجية المذكورة في وثائق بنما – فقد أقرّت قانونًا عام 2017 يُلزم مزوّدي الخدمات الخارجية بإبلاغ السلطات المحلية بهويات المالكين الفعليين لتلك الشركات.

وفي أعقاب التسريبات، شدّدت نيوزيلندا قوانينها الخاصة بالـ”تراست” لمنع استغلالها من الأجانب الذين جذبهم سابقًا نظامها المالي النقي. وبمرور السنوات، تراجع عدد “التراستات الأجنبية” المسجلة في البلاد بنسبة 75 في المئة.

وفي المملكة المتحدة، استشهد النواب مرارًا بوثائق بنما أثناء تمريرهم تشريعًا عام 2017 استحدث أول جريمة جنائية في البلاد ضد المحامين الذين لا يبلغون عن تهرّب عملائهم الضريبي.

جاء التقدّم نحو الشفافية على شكل موجات. ففي الاتحاد الأوروبي، شددت التوجيهات الخاصة بمكافحة غسل الأموال الرقابة، وأغلقت ثغرات كثير ة. لكن في حين أن بعض الدول أطلقت سجلات علنية للملكية، أعادت دول أخرى النظر فيها بعدما قضت محكمة الاتحاد الأوروبي بأن السجل العام في لوكسمبورغ ينتهك خصوصية أصحاب الشركات، وقد يعرّضهم للمخاطر.

وفي الولايات المتحدة، شكّل صدور قانون الشفافية المؤسسية عام 2021 — الذي يُلزم مالكي الشركات الأميركية بالإفصاح عن هوياتهم لوزارة الخزانة — أكبر تعديل في ضوابط مكافحة غسل الأموال منذ جيل. لكن تنفيذ أهم بنوده، وهو قاعدة بيانات المالكين المستفيدين، توقف في ظل إدارة ترامب.

كما تتفاوض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على اتفاقية للتعاون الضريبي الدولي يمكن أن تتضمن إنشاء سجل عالمي للأصول. وفي الوقت ذاته، تحرز منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تقدمًا بطيئًا نحو وضع حد أدنى عالمي للضرائب على الشركات.

قالت توف رايدينغ، خبيرة السياسات الضريبية في الشبكة الأوروبية للدَّين والتنمية، لـ ICIJ: “على رغم أننا كنا نعرف أصل المشكلة، إلا أن قوة وثائق بنما جعلت بعض الأمور ممكنة سياسيًا فجأة. لقد كان زمنًا أصبحت فيه أشياء كانت مستحيلة سابقًا ممكنة سياسيًا”.

كما دفعت وثائق بنمامُبلِّغين جددًا إلى التحرك، وأثبتت أثر التعاون الصحافي العابر للحدود وإمكاناته — وكيف بإمكان الصحافيين أن يعملوا معًا ويحافظوا في الوقت نفسه على أمان مصادرهم، كما قال فريدريك أوبرماير.

وبينما لا يزال المبلّغ عن وثائق بنما، جون دو، يعيش في خوف على حياته، كتب أوبرماير وزميله باستيان أوبرماير في بيان، أن “فهمنا هو أن جون دو آمن في الوقت الحالي، ونأمل بأن يستمر ذلك”.

يتجلى أثر وثائق بنما في جميع المشاريع الصحافية التي أعقبتها: وثائق بارادايز (Paradise Papers)، وثائق باندورا (Pandora Papers)، ملفات FinCEN، قبرص السرية (Cyprus Confidential)، وغيرها.

قال أوبرماير: “قبل عشر سنوات، كان العمل في هذا النوع من التحقيقات يُعتبر شيئًا غريبًا تحتاج إلى تبريره وإقناع رؤسائك بأهميته”، مضيفًا: “أما اليوم، فلم تعد بحاجة إلى تلك النقاشات، لأن كل محرر استقصائي يعرف لماذا من المهم العمل ضمن فريق، وكل صحافي يدرك قوة العمل الجماعي في الصحافة الاستقصائية”.

“ما زالوا يتذكرون وثائق بنما”

كان جزء مما دفع الزخم نحو التغيير هو الطريقة التي أعاد بها التحقيق تشكيل وعي الجمهور. فبين ليلة وضحاها، أصبحت وثائق بنما مرادفًا عالميًا للحديث عن الفساد والجريمة المالية وعدم المساواة.

ربما لاحظ مشاهدو الموسم الأخير من المسلسل التشويقي على نتفليكس The Night Agent، إشارة عابرة إلى التحقيق، الذي ألهم أحد الخطوط الدرامية حول بنكٍ خفي يسهل التدفقات المالية غير المشروعة. وقال المشرف على المسلسل شون رايان لرابطة صُنّاع الأفلام في فبراير: “لقد انشغلت بهذه الفكرة منذ صدور وثائق بنما. هناك عالمٌ كامل من المصارف الموازية موجود لحماية الأثرياء الذين يحاولون التهرب من الضرائب، والطغاة الذين ينهبون بلدانهم”.

وعلى رغم أن تحقيقات سابقة مثل تسريبات الأوفشور (Offshore Leaks) وتسريبات سويسرا (Swiss Leaks) التي أجراها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين قد بدأت بالفعل في كشف عالم المال الخارجي، فإن وثائق بنما كانت اللحظة التي انكسرت فيها السدود فعلاً — حين أصبحت الملاذات الضريبية والسرّية المالية والعالم الخارجي جزءًا واضحًا من النقاش العام.

قالت توف رايدينغ مازحة: “كانت تلك اللحظة التي بدأت فيها أمّك فجأة تفهم طبيعة عملك”، متذكّرةً كيف امتدت المناقشات فجأة إلى موائد العشاء ومقاعد سيارات الأجرة.

كما امتدت تلك النقاشات إلى السينما والإعلام: فقد ألهمت وثائق بنما مباشرة فيلم The Laundromat عام 2019، من بطولة ميريل ستريب وغاري أولدمان وأنطونيو بانديراس، اللذين جسدا مالكي شركة موساك فونسيكا سيئي السمعة. وخلال العرض الأول للفيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، قالت ستريب إن القصة تروي «نكتة داكنة للغاية وسوداء القلب – نكتة تُمارس علينا جميعًا” من أولئك الذين جعلوا النظام المالي الخارجي حقيقة.

كما كان التحقيق موضوع فيلمٍ وثائقي عام 2018 للممثل والمخرج أليكس وينتر بعنوان The Panama Papers، يروي قصة الصحافيين الذين وقفوا وراء الكواليس.

ومنذ انطلاق التحقيق، تكرّرت الإشارات إليه في العروض التلفزيونية الساخرة مثل “The Daily Show” و“Last Week Tonight with John Oliver”، وفي رسوم الكاريكاتور في صحف ومجلات مثل نيويوركر، وحتى في برامج المسابقات مثل Jeopardy! وبرنامج الإذاعة الوطنية الأميركية “Wait, Wait, Don’t Tell Me”. كما ألهم التحقيق موسيقيين — إذ أُطلق اسمه على ما لا يقل عن خمس فرق موسيقية، و11 ألبومًا، و38 أغنية.

وحتى اليوم، لا يزال حضور وثائق بنما في الوعي العام قائمًا؛ إذ تتذكر ريتو سارين رحلة عودتها إلى بلدها بعد اجتماع لمجلس إدارة الاتحاد الدولي في واشنطن قبل عامين، حين تحدثت مع قائد القطار الذي تعرف فورًا على المشروع.

قالت سارين: “الطبع، مع مرور الوقت تبدأ الأمور بالتلاشي، لكن الناس لم ينسوا. كلا، إنهم يتذكرون وثائق بنما”.

ومع تفاقم عدم المساواة العالمية، واصلت الأفكار التي زرعتها وثائق بنما حول العدالة الضريبية والشفافية التأثير في النقاشات السياسية حول العالم.

قالت رايدينغ: “أصبح القول بضرورة فرض الضرائب على الأثرياء أمرًا سائدًا الآن. وهذه أيضًا إحدى رسائل وثائق بنما المهمة: لا يوجد نقص في المال في هذا العالم، لكن عندما يتعلق الأمر بتمويل الميزانيات العامة، هناك دائمًا أشخاص يدفعون ضرائبهم — وآخرون لا يدفعونها”.

02.04.2026
زمن القراءة: 10 minutes

نظرة إلى عقدٍ من التغييرات بعد التحقيق الحائز جائزة بوليتزر، الذي هزّ عالم المال الخارجي.

كارمن مولينا أكوستا

في محكمة بمدينة كولونيا الألمانية، جلس أحد المديرين التنفيذيين السابقين لشركة محاماة يستمع، بينما كان محاموه يتلون بيانًا باسمه.

“في النهاية، أقبل بالعواقب”، قال محاموه أمام المحكمة خلال الجلسة المنعقدة في آذار/ مارس.

بالنسبة إلى كريستوف تسولنغر، الذي يحمل الجنسيتين السويسرية والبنمية، وكان شريكًا سابقًا في مكتب المحاماة البنمي موساك فونسيكا، ويواجه اليوم اتهامات بتسهيل التهرب الضريبي، كانت هذه العواقب قيد التشكل منذ أكثر من عقد من الزمن.

وقد كُشف عن الجرائم المنسوبة إليه من خلال تحقيق «وثائق بنما» التاريخي، بينما يُنظر في محاكمته الحالية في كولونيا باعتبارها دليلًا على الامتداد الطويل للمشروع — وذراع العدالة البعيدة المدى.

في عام 2016، نشر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ الألمانية، بالشراكة مع أكثر من مئة وسيلة إعلامية، مئات التقارير المستندة إلى أكثر من 11.5 مليون وثيقة سرّية من شركة موساك فونسيكا. وقد وُصفت وثائق بنما آنذاك بأنها مشروع صحافي غير مسبوق وضع قضية التهرب الضريبي على جدول أعمال العالم.

ساهم التحقيق في سقوط قادة سياسيين في آيسلندا وباكستان وغيرهما، وأشعل موجة من الاعتقالات والتشريعات الجديدة والتحقيقات الحكومية في عشرات الدول. كما كشف شبكة دولية واسعة من الشركات الوهمية الخارجية أُنشئت لصالح عملاء أثرياء، من نجوم الرياضة وكبار رجال الأعمال إلى رؤساء دول.

حاز التحقيق جوائز صحافية بارزة عدة، بينها جائزة بوليتزر، وصُنّف الاتحاد الدولي ثاني أكثر جهة مؤثرة في مجال الضرائب عالميًا لعام 2016. كما ورد اسم “وثائق بنما” مئات آلاف المرات في التقارير الإعلامية في أكثر من 190 دولة حول العالم.

وخلال العقد الذي تلا ذلك، ثبتت وثائق بنما مكانتها كمفصل تاريخي في السعي العالمي نحو مزيد من الشفافية — وفي النقاشات العامة والسياسية حول الضرائب، والسرّية، وعدم المساواة.

قال الاقتصادي الحائز جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز لـ ICIJ: “لقد كشفت حجم ما كان يحدث. كان الأمر مدهشًا بحق، وأظهر أن الفساد لم يكن مقتصرًا على أفراد مشتبه بهم في دول ضعيفة الحوكمة، بل شمل أيضًا مسؤولين كبارًا في بلدان مثل آيسلندا والمملكة المتحدة”.

مسيرة بطيئة نحو العدالة

على رغم أن تسولنغر كان غادر شركة موساك فونسيكا قبل سنوات من نشر الصحافيين تسريبات وثائق بنما،تُظهر السجلات المسرّبة أنه كان متورطًا في بعض أكثر قرارات الشركة إثارةً للجدل، بما في ذلك عملها لصالح رجل الأعمال السوري الخاضع للعقوبات رامي مخلوف. وقد أصدر المحققون الألمان مذكرة توقيف دولية بحق تسولنغر عام 2020، قبل أن تُعلَّق في عام 2024 حين سلّم نفسه للمثول أمام القضاء.

تزعم السلطات الألمانية أن تسولنغر كان “عضوًا في مجموعة شركات” ساعدت عملاء من أنحاء العالم على تأسيس ما يُعرف بـ”الشركات الخارجية” في بنما أو في دول أخرى تُعدّ ملاذات ضريبية”. وإذا أُدين، فقد يواجه حكمًا بالسجن يصل إلى سبع سنوات ونصف السنة.

ربط الادعاء العام تسولنغر بخسائر ضريبية تُقدّر بنحو 13 مليون يورو، أي ما يعادل تقريبًا 15 مليون دولار أميركي، مرتبطة بخمسين شركة خارجية.

في بيانٍ تلاه محاميه أمام المحكمة، نفى تسولنغر تأسيس منظمة إجرامية، لكنه أقرّ بتهمة “المساعدة والتحريض” على التهرب الضريبي.

حضر فريدريك أوبرماير — أحد الصحافيين اللذين تلقّيا التسريب الأصلي لوثائق بنما، والمشارك في تأسيس وإدارة بيبر تريل ميديا — اليوم الأول من المحاكمة في كولونيا، وقال إن جلسات القضية تُظهر كيف بإمكان ملاحقات العدالة أن تستغرق سنوات طويلة، في ظل تعقيد الملفات العابرة للحدود.

لكنه أضاف أن المحاكمة يجب أن تكون أيضًا تذكيرًا لكل من يمارس الفساد بألا يشعر بالطمأنينة.

“إذا كنت تعمل في شركة محاماة أخرى، وتقوم بشيء مشابه، فعليك أن تدرك جيدًا أن هذا قد يكون مصيرك يومًا ما”، قال أوبرماير. “تجلس أمام قاضٍ في محكمة، وتُجبر على شرح ما فعلت”.

وقد واجه عدد من الشخصيات البارزة في قلب الفضيحة عواقب قانونية أو محاسبة علنية. أغلقت موساك فونسيكا أبوابها خلال أشهر من النشر. أما رئيس وزراء آيسلندا سيغموندور دافيد غونلوغسون، فقد استقال بعد احتجاجاتٍ واسعة أعقبت كشف امتلاكه هو وزوجته شركة في جزر العذراء البريطانية.

وفي عام 2017، أقالت المحكمة العليا الباكستانية رئيس الوزراء الأطول بقاءً في المنصب نواز شريف،إثر تسريبات وثائق بنما التي كشفت عن ممتلكات عائلته في الخارج. وبعد عام واحد، حُكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهم فساد، وغُرّم 10.6 مليون دولار. كما سقط سياسيون في منغوليا وإسبانيا وغيرهما.

استرداد أكثر من 1.3 مليار دولار من الضرائب

حتى بعد مرور عشر سنوات على وثائق بنما، لا تزال المستجدات المتعلقة بالتحقيق قادرة على جذب اهتمام الرأي العام. ففي وقت سابق من هذا العام، عندما تلقّت صحيفة إنديان إكسبريس ردًا على طلبها العلني للحصول على معلومات حول تحقيق الحكومة في وثائق بنما ووثائق باندوراوغيرها من التحقيقات المالية، كان الخبر ضخمًا بما يكفي ليتصدّر الصفحة الأولى. وعنونت الصحيفة: “مصلحة الضرائب تُخضع استثمارات خارجية غير مصرّح بها بقيمة 14,601 كرور روبية للضرائب“. ويتضمن هذا الرقم الإجمالي 13,800 كرور روبية – أي نحو 1.4 مليار دولار – مرتبطة بوثائق بنما.

تمثل هذه الأرقام المبالغ التي حُدّدت في قضايا ضرائب وأرسلت بشأنها إشعارات رسمية، بحسب ريتو سارين، عضو الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ومديرة الأخبار والتحقيقات في إنديان إكسبريس. وعلى رغم أن المبالغ لم تُحصَّل بعد، إلا أنها خطوة نحو الملاحقة القانونية وفرض العقوبات وفق القانون الهندي.

وكما في قضية تسولنغر في ألمانيا، فإن العدالة الحقيقية تحتاج إلى سنوات كي تكتمل.

قالت سارين: “في] المحاكم الهندية، تسير الأمور ببطء… التحقيقات تستغرق وقتًا طويلًا”.

وفي ردود سابقة على طلبات معلومات من إنديان إكسبريس، أشارت السلطات الضريبية الهندية إلى أنها قدّمت 46 شكوى جنائية، ونفّذت عمليات تفتيش ومصادرة ومسوحات ضمن 84 قضية مرتبطة بوثائق بنما.

ولا تقتصر الجهود على الهند. إذ يقدّر فريق بيانات ICIJ أن السلطات الدولية استردت ما لا يقل عن 1.3 مليار دولار يمكن ربطها مباشرةً بالتحقيق — وهو رقم يُرجَّح أنه أقل من الواقع، نظراً الى صعوبة تتبع الأموال المستردة وامتناع دول كثيرة عن الإعلان عن المبالغ التي جمعتها.

ووفقًا لتحليل الاتحاد الدولي وطلبات المعلومات التي قدّمها، تمكنت دول عدة حول العالم- من السويد وبلجيكا إلى نيوزيلندا وإسبانيا- من استرداد مبالغ بملايين الدولارات. وقد يرتفع الإجمالي لاحقًا، إذ لا تزال دول كثيرة، مثل الهند، منخرطة في إجراءات قانونية طويلة الأمد.

شكّل التحقيق نقطة تحوّل رئيسية في عمل الإدارات الضريبية وجهود الرقابة حول العالم.

قال مدير برنامج في مصلحة الضرائب السويدية لشبكة SVT عام 2025: “لقد تعلمنا الكثير من تسريب بنما، ونستخدم تلك المعرفة في تعاملنا مع التسريبات الجديدة. لقد اكتسبنا فهمًا أعمق لطرق التهرب الضريبي الدولي ولدور الميسّرين بمختلف أنواعهم”.

التحوّل نحو الشفافية

خلال العقد الذي تلا وثائق بنما، قادت دول عدة إصلاحات واسعة لتعزيز الشفافية، والحد من دور الميسّرين الماليين الذين يدعمون السرّية المصرفية، وسدّ الثغرات في النظام العالمي.

ومع ذلك، لا تزال أوجه عدم المساواة قائمة: فحجم الثروات غير الخاضعة للضرائب والمخبّأة في الخارج من قبل أغنى 0.1 في المئة من سكان العالم يفوق إجمالي ثروة نصف البشرية الأفقر، وفقًا لتحليل جديد صادر عن منظمة أوكسفام. ويمتلك هذا الـ0.1 في المئة نحو 80 في المئة من إجمالي الثروات الخارجية غير الخاضعة للضرائب.

لكن أوكسفام أشارت أيضًا إلى أنه رغم ارتفاع حجم الثروة الخارجية منذ نشر وثائق بنما، فإن نسبة الأموال غير الخاضعة للضرائب تراجعت بشكل كبير — وهو تحول يعزوه الباحثون إلى التقدّم في برامج تبادل المعلومات بين الدول.

قال غاري كالمَن، المدير التنفيذي لمنظمة الشفافية الدولية – الولايات المتحدة: “إذا نظرنا فقط إلى السياسات التي تغيّرت خلال السنوات العشر الماضية، فسنجد أن النتائج مذهلة”.

في بنما نفسها، ألزمت الحكومة شركات المحاماة بالتعرّف والتحقق من هوية المالك المستفيد النهائي الذي تعمل معه، وفرضت على السلطات الضريبية البنمية مشاركة معلومات دافعي الضرائب الأجانب — بما في ذلك بلدانهم الأصلية — ضمن حزمة من التغييرات.

أما جزر العذراء البريطانية — التي تضم أكبر عدد من الشركات الخارجية المذكورة في وثائق بنما – فقد أقرّت قانونًا عام 2017 يُلزم مزوّدي الخدمات الخارجية بإبلاغ السلطات المحلية بهويات المالكين الفعليين لتلك الشركات.

وفي أعقاب التسريبات، شدّدت نيوزيلندا قوانينها الخاصة بالـ”تراست” لمنع استغلالها من الأجانب الذين جذبهم سابقًا نظامها المالي النقي. وبمرور السنوات، تراجع عدد “التراستات الأجنبية” المسجلة في البلاد بنسبة 75 في المئة.

وفي المملكة المتحدة، استشهد النواب مرارًا بوثائق بنما أثناء تمريرهم تشريعًا عام 2017 استحدث أول جريمة جنائية في البلاد ضد المحامين الذين لا يبلغون عن تهرّب عملائهم الضريبي.

جاء التقدّم نحو الشفافية على شكل موجات. ففي الاتحاد الأوروبي، شددت التوجيهات الخاصة بمكافحة غسل الأموال الرقابة، وأغلقت ثغرات كثير ة. لكن في حين أن بعض الدول أطلقت سجلات علنية للملكية، أعادت دول أخرى النظر فيها بعدما قضت محكمة الاتحاد الأوروبي بأن السجل العام في لوكسمبورغ ينتهك خصوصية أصحاب الشركات، وقد يعرّضهم للمخاطر.

وفي الولايات المتحدة، شكّل صدور قانون الشفافية المؤسسية عام 2021 — الذي يُلزم مالكي الشركات الأميركية بالإفصاح عن هوياتهم لوزارة الخزانة — أكبر تعديل في ضوابط مكافحة غسل الأموال منذ جيل. لكن تنفيذ أهم بنوده، وهو قاعدة بيانات المالكين المستفيدين، توقف في ظل إدارة ترامب.

كما تتفاوض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على اتفاقية للتعاون الضريبي الدولي يمكن أن تتضمن إنشاء سجل عالمي للأصول. وفي الوقت ذاته، تحرز منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تقدمًا بطيئًا نحو وضع حد أدنى عالمي للضرائب على الشركات.

قالت توف رايدينغ، خبيرة السياسات الضريبية في الشبكة الأوروبية للدَّين والتنمية، لـ ICIJ: “على رغم أننا كنا نعرف أصل المشكلة، إلا أن قوة وثائق بنما جعلت بعض الأمور ممكنة سياسيًا فجأة. لقد كان زمنًا أصبحت فيه أشياء كانت مستحيلة سابقًا ممكنة سياسيًا”.

كما دفعت وثائق بنمامُبلِّغين جددًا إلى التحرك، وأثبتت أثر التعاون الصحافي العابر للحدود وإمكاناته — وكيف بإمكان الصحافيين أن يعملوا معًا ويحافظوا في الوقت نفسه على أمان مصادرهم، كما قال فريدريك أوبرماير.

وبينما لا يزال المبلّغ عن وثائق بنما، جون دو، يعيش في خوف على حياته، كتب أوبرماير وزميله باستيان أوبرماير في بيان، أن “فهمنا هو أن جون دو آمن في الوقت الحالي، ونأمل بأن يستمر ذلك”.

يتجلى أثر وثائق بنما في جميع المشاريع الصحافية التي أعقبتها: وثائق بارادايز (Paradise Papers)، وثائق باندورا (Pandora Papers)، ملفات FinCEN، قبرص السرية (Cyprus Confidential)، وغيرها.

قال أوبرماير: “قبل عشر سنوات، كان العمل في هذا النوع من التحقيقات يُعتبر شيئًا غريبًا تحتاج إلى تبريره وإقناع رؤسائك بأهميته”، مضيفًا: “أما اليوم، فلم تعد بحاجة إلى تلك النقاشات، لأن كل محرر استقصائي يعرف لماذا من المهم العمل ضمن فريق، وكل صحافي يدرك قوة العمل الجماعي في الصحافة الاستقصائية”.

“ما زالوا يتذكرون وثائق بنما”

كان جزء مما دفع الزخم نحو التغيير هو الطريقة التي أعاد بها التحقيق تشكيل وعي الجمهور. فبين ليلة وضحاها، أصبحت وثائق بنما مرادفًا عالميًا للحديث عن الفساد والجريمة المالية وعدم المساواة.

ربما لاحظ مشاهدو الموسم الأخير من المسلسل التشويقي على نتفليكس The Night Agent، إشارة عابرة إلى التحقيق، الذي ألهم أحد الخطوط الدرامية حول بنكٍ خفي يسهل التدفقات المالية غير المشروعة. وقال المشرف على المسلسل شون رايان لرابطة صُنّاع الأفلام في فبراير: “لقد انشغلت بهذه الفكرة منذ صدور وثائق بنما. هناك عالمٌ كامل من المصارف الموازية موجود لحماية الأثرياء الذين يحاولون التهرب من الضرائب، والطغاة الذين ينهبون بلدانهم”.

وعلى رغم أن تحقيقات سابقة مثل تسريبات الأوفشور (Offshore Leaks) وتسريبات سويسرا (Swiss Leaks) التي أجراها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين قد بدأت بالفعل في كشف عالم المال الخارجي، فإن وثائق بنما كانت اللحظة التي انكسرت فيها السدود فعلاً — حين أصبحت الملاذات الضريبية والسرّية المالية والعالم الخارجي جزءًا واضحًا من النقاش العام.

قالت توف رايدينغ مازحة: “كانت تلك اللحظة التي بدأت فيها أمّك فجأة تفهم طبيعة عملك”، متذكّرةً كيف امتدت المناقشات فجأة إلى موائد العشاء ومقاعد سيارات الأجرة.

كما امتدت تلك النقاشات إلى السينما والإعلام: فقد ألهمت وثائق بنما مباشرة فيلم The Laundromat عام 2019، من بطولة ميريل ستريب وغاري أولدمان وأنطونيو بانديراس، اللذين جسدا مالكي شركة موساك فونسيكا سيئي السمعة. وخلال العرض الأول للفيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، قالت ستريب إن القصة تروي «نكتة داكنة للغاية وسوداء القلب – نكتة تُمارس علينا جميعًا” من أولئك الذين جعلوا النظام المالي الخارجي حقيقة.

كما كان التحقيق موضوع فيلمٍ وثائقي عام 2018 للممثل والمخرج أليكس وينتر بعنوان The Panama Papers، يروي قصة الصحافيين الذين وقفوا وراء الكواليس.

ومنذ انطلاق التحقيق، تكرّرت الإشارات إليه في العروض التلفزيونية الساخرة مثل “The Daily Show” و“Last Week Tonight with John Oliver”، وفي رسوم الكاريكاتور في صحف ومجلات مثل نيويوركر، وحتى في برامج المسابقات مثل Jeopardy! وبرنامج الإذاعة الوطنية الأميركية “Wait, Wait, Don’t Tell Me”. كما ألهم التحقيق موسيقيين — إذ أُطلق اسمه على ما لا يقل عن خمس فرق موسيقية، و11 ألبومًا، و38 أغنية.

وحتى اليوم، لا يزال حضور وثائق بنما في الوعي العام قائمًا؛ إذ تتذكر ريتو سارين رحلة عودتها إلى بلدها بعد اجتماع لمجلس إدارة الاتحاد الدولي في واشنطن قبل عامين، حين تحدثت مع قائد القطار الذي تعرف فورًا على المشروع.

قالت سارين: “الطبع، مع مرور الوقت تبدأ الأمور بالتلاشي، لكن الناس لم ينسوا. كلا، إنهم يتذكرون وثائق بنما”.

ومع تفاقم عدم المساواة العالمية، واصلت الأفكار التي زرعتها وثائق بنما حول العدالة الضريبية والشفافية التأثير في النقاشات السياسية حول العالم.

قالت رايدينغ: “أصبح القول بضرورة فرض الضرائب على الأثرياء أمرًا سائدًا الآن. وهذه أيضًا إحدى رسائل وثائق بنما المهمة: لا يوجد نقص في المال في هذا العالم، لكن عندما يتعلق الأمر بتمويل الميزانيات العامة، هناك دائمًا أشخاص يدفعون ضرائبهم — وآخرون لا يدفعونها”.