تُعرف بلدة الهبيط بكونها “بوابة إدلب” الجنوبية ونقطة الوصل الاستراتيجية نحو مدينة خان شيخون. كانت البلدة تعيش حراكًا ثقافيًا واقتصاديًا غير مسبوق في عام 2010، لكن تلك الملامح مُحيت تمامًا. فخلال الحملات العسكرية التي سبقت انهيار النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تعرضت البلدة لسياسة “الأرض المحروقة”، فاستُهدفت بأكثر من 9200 قذيفة صاروخية ومدفعية، ومئات الغارات الجوية، ما أدى إلى تدمير أكثر من 90 في المئة من منازل المدنيين والمرافق العامة.
بمجرد سقوط النظام، سارعت العائلات الى العودة، خصوصاً تلك القادمة من قسوة المخيمات. عاد قرابة الـ10 آلاف شخص من أصل 35 ألفاً كانوا يقطنون البلدة، ظناً منهم أن الموت قد توقف. يتحدث العم “أبو سامر” (بهاء العبدلله) لـ “درج” بلهجته المثقلة بالتعب: “رجعنا بالسادس، عنا دار منرجعلا، كنا بمخيم الهبيط غرب الدانا”. يسكن الرجل مع زوجته وأحفاده الثلاثة الأيتام في بيت أجرى فيه إصلاحات بدائية: “عمرنا ما تيسّر، بس كل الشتي بيدلف علينا”.

فقد أبو سامر ابنين خلال المعارك المفتوحة، أما ابنه الثالث، فكان ضحية السقف الذي ظنّ أنه سيحميه. يقول: “كان عم يعزل الدار، عمرو 30 سنة، عندو بنت وولد. في حيط عالي ضاربتو طيارة، راح ينضف البيت، قلتلو هالحيط خطر ما تقرب عليه… تغدينا، والله نيمني… صحنالو يتغدى ما إجا. فقدتو ما لقيتو، قلت عم يتدرج بهالأرض… نزلت لقيت هالحيط قالب عليه وميت”.
ومثل أبو سامر الكثيرون، إذ لم تقتصر موجات العودة على النازحين داخلياً، بل تعقّد المشهد الديموغرافي مع اندلاع الحرب الواسعة في لبنان. ففي ربيع عام 2026، ومع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية هناك، اضطر مئات الآلاف للعبور إلى سوريا، من بينهم أكثر من 234,000 سوري عادوا هرباً من الموت، ليتجه كثر منهم نحو مناطق متعددة من سوريا، من بينها ريف إدلب.
العودة إلى المنزل، لم تكن آمنة؛ بل كانت فراراً من موت سريع إلى موت مؤجل. تتحدث آمنة أحمد المصطفى عن ابن عمتها أحمد البكور (17 عاماً)، الذي نجا من اللجوء ليقتله جدار بيته: “طلع ع لبنان آخر 2011، ولمن رجعوا ع سوريا بيتن مهدود وما عندن شي. صار يشتغل بورشات العمار… بـ 10 رمضان كان عم يشتغل بالطابق التاني، هزت البناية وانهدت عليهن”.
كانت إصابة أحمد كبيرة ولا تحتمل الانتظار، ومع ذلك، اضطر أهله لقطع مسافة تأخذ 40 دقيقة نحو مستشفى حماة. توضح آمنة حجم الخذلان الطبي: “أقرب مشفى السقيلبية، بس الخدمات سيئة جداً جداً، لهيك أسعفناه ع حماة، بس حتى بحماة ما اهتموا فيه”.

لا تملك البلدة مستشفى مؤهلاً للتعامل مع الحالات الإسعافية أو الجراحية. يوضح جعفر عبد القادر الحمادي (23 عاماً) لـ “درج”، كيف تحاول المبادرات الأهلية سدّ فراغ الدولة: “عنا مركز صحي واحد اسمه مركز الهبيط، عملناه بجهود الأهالي وتبرعات من شباب الهبيط المغتربين، ولحد الآن ما صار في شي بدعم من الحكومة”.
مأساة “غياب” كل شيء!
يمكن تلخيص الحياة اليومية للأهالي بكلمة واحدة: “الغياب”. غياب الماء، الكهرباء، الصحة، وحتى الطرقات الآمنة. كل مهمة بديهية تتطلب جهداً استثنائياً. تتحدث المعلمة بثينة حماشو (33 عاماً)، التي تدرّس المرحلة الابتدائية في مدرسة “شهداء الهبيط الثانية للبنات”، بتهكم مرير يلخص الكارثة: “مافي شي مو مألوف… مافي مي، مافي كهربا، ع شوية ألغام… متلنا متل باقي هالضيع”.

لكن ما يرهق بثينة حقاً ليس إصابة الحرب التي تحملها في جسدها منذ عام 2016، ولا احتمالية أن ينفجر بها لغم في أي لحظة، بل وقوفها كمعلمة أمام أطفال يدرسون في بيئة خطرة تتطلب إغلاق المدرسة مراراً للترميم، ما يمزق تركيزهم الهش أصلاً. تقول: “كتر العطل أثر عليهن ذهنياً، فصار عندن ملل بشكل مو طبيعي، الطفل من أول ربع ساعة بالدوام ببلّش يسأل عن الرجعة للبيت، موضوع التركيز عندن سيئ”.

في غياب أبسط الأدوات، يصبح الروتين المدرسي عبئاً ثقيلاً: “الفرصة معاناة، ما في جرس، بضل أصرخ ربع ساعة: تعالوا، تعالوا”.
وتشرح بثينة سرّ تفوقهم الحسابي الذي هو في جوهره حيلة للبقاء: “مقبولين بالرياضيات لأنو بيستخدموا الأصابع… الوسيلة هي الأصابع. بينما مادة اللغة العربية عندن تشتت كبير لأنو مافي شي ملموس، مافي كتاب، مافي شي، كلو حكي وشرح”.
يُعتبر القطاع التعليمي الجرح الأعمق في الهبيط. فقد تعرضت مدارس مثل “اليرموك” و”الخنساء” لدمار كامل، حتى أن مدرسة اليرموك تحولت إلى مرعى للأغنام وشهدت حادثة مفجعة في نيسان/ أبريل 2026 أودت بحياة ثلاثة أطفال إثر انفجار لغم أرضي داخل باحتها. وهذا يشير الى أن كلمة “شوية ألغام” التي رمتها المعلمة بثينة بتهكّم، ليست مجرد مبالغة لغوية للتعبير عن سوء الحال، بل هي حقيقة تعيشها العائلات يوميًا، إذ تُعتبر سوريا واحدة من أخطر دول العالم في ما يتعلق بحوادث الذخائر غير المنفجرة، وفقًا لتقرير مرصد الألغام الأرضية لعام 2025.
الألغام المتروكة، واحدة من أكبر المعضلات التي يواجهها الأهالي. تقول المعلمة بثينة: “من بداية السنة انفجر لغم عنا بالمدرسة، لهيك كنا نوعي الأطفال بشكل دائم، أنا دائماً بحكي بس الأطفال ما بيخافوا، ماعندن إدراك، بس بعد الحادثة الأخيرة صار عندن خوف أكتر ووعي أكتر”.
“أدلبة سوريا” مقابل إدلب الحقيقية
تُعدّ الهبيط نموذجاً مصغراً لقرى ريف إدلب الجنوبي، التي عانت من التهميش مرة، ومن الحرب والقصف والفقر مرات، لتعود الآن، وبعدما سكتت المدافع، إلى الهامش ذاته. المفارقة هنا شديدة القسوة؛ فبينما يستهلك السياسيون والمحللون اسم المحافظة كرمزٍ مجرد، يُترك الأهالي ليواجهوا فوضى حقيقية لا تلتقطها كاميرات الاستديوهات: سقوفٌ تتداعى فوق العائدين، وألغامٌ تبتر أطراف الأطفال.
تلخص الناشطة مفيدة عنكير، وهي من أبناء الهبيط، حجم هذا التناقض لـ “درج” قائلة: “رغم كل الحكي عن إنو الأدالبة حكموا سوريا، الأدالبة الحقيقيين البسطاء هنن هدول، العالم يلي تحولوا من طلبة ماجستير ودكتوراه، لطلبة معونات!”.
وتشير مفيدة إلى عبء الوصم السياسي الذي يُضاف إلى أعبائهم الوجودية الثقيلة، مضيفة: “يلي بزعّل إنو هالبسطاء بيتحملوا فوق طاقتن، بيتم وصمهم وربطهم بالسلطة عند كل مجزرة، وكأنو هنن يلي ارتكبوها، وهنن يا دوب قدرانين يكفوا حياتن”.
هذا الخذلان البنيوي يكشف أن هؤلاء المنسيين هم من يدفعون فاتورة هذا التنظير السياسي الباهظة. لقد تُركوا للركام ليُجهز عليهم بهدوء. في الهبيط، المعركة لم تنتهِ بانهيار النظام، بل اتخذت شكلاً أكثر وحشية؛ صراعٌ بين عالمٍ خارجي مصمم على تجريدهم من إنسانيتهم وتحويلهم إلى مجرد مصطلح سياسي للوصم، وبين أطفال يجلسون في غرف دراسية ضيقة، يطوون أصابعهم الصغيرة، ويحاولون القبض بها على ما تبقى من يقين.
إقرأوا أيضاً:










