يقول الفيلسوف اليوناني هرقليطس: “نحن لا ننزل النهر مرّتين”.
تأخذني هذه العبارة إلى البيوت التي “ننزلها”، فلا أجدها تنطبق عليها.
فبيوتنا التي نولد فيها أو نبنيها ونعيش فيها ثم نغادرها مرّات ومرّات، إنما نعود إليها نفسها في كل مرّة.
نعلم أماكن الأشياء فيها، والزوايا التي تحتاج تصليح، والكنبة التي تُشهّينا على قيلولة بعد ظهر، وما الأطعمة التي تحفظها المطبقيّات في البراد. في بيوتنا لا تتغيّر أماكن مراطبين الزعتر والبرغل والدبس والزيت والزيتون.
ومهما تعدّدت مرّات المغادرة نشمّ رائحة البيت نفسه كلما عدنا، والضوء المتسرّب من نافذته والمنعكس على بلاطه، ونرى فيه كل السنوات التي مضت، ونتغطّى بالشرشف الأبيض القطني نفسه الذي تزيّنه ورود زهرية بغصون خضراء.
أغراض البيوت ليست مجرّد أغراض بل قصص، ونحن نحفظ تلك القصص، وحفظنا لها جماعي يربطنا ببعضنا بعضاً، بالأخصّ مع الذين غادرت أجسادهم البيوت إلى الأبد، هؤلاء تبقى آثارهم فيه أيضاً إلى الأبد.
نحن نتذكّر البيوت قبل بنائها، عندما كانت لا تزال حلماً ورثنا همّ تحقيقه من أهالينا، ونتذكّرها عندما بنيناها معهم ثم بدلاً عنهم.
غرفة جلوسنا ليست فقط غرفة جلوس، بل هي المساحة التي كانت حديقة خلفية للبيت، لعبنا فيها سنوات قبل أن تصير دكّاناً لجدّي، ثم صارت في مخيّلتنا غرفة سفرة، وفي أرض الواقع تحوّلت لتصير غرفة جلوس أمّي وإقامتها الدائمة.
غرفة الجلوس هي الحديقة الخلفية ودكّان جدّي وجدّي وأمّي، كلها في آن معاً وفي كل مرّة.
إقرأوا أيضاً:
غرفة نومي قبل أن تصير غرفة نومي كانت السطح، وكانت رسماً على ورق كالك، والحمّام الذي صارت تضمّه كان هواءً يعلو شرفة المطبخ، احتلت على الهواء وأضفت إلى الشرفة دعائم وسقفاً حتى حصلت على مساحة كافية صارت حمّامي.
الدرج الذي يصل الصالون بالطابق العلوي كان حلماً عند أبي، صمّمه مستديراً وحوَّلت وأخوتي مبالغ طائلة لتحقيق تلك الاستدارة، وظلّ فترة طويلة لا يوصلنا إلا إلى السطح.
أبي غادر قبل أن يصل به الدرج إلى الطابق العلوي، وأثناء مرضه صار يغافلنا ويصعد الدرج ظانّاً أنه متّجه إلى بيته.
بيتنا كان بيت جدّي وجدّتي، قبل أن يصير بيتنا الصغير ويستضيفنا نهاية عطلة أسبوع تلو نهاية عطلة أسبوع، وصيفاً تلو صيف، وحرباً تلو حرب، ثم صار بيت أهلي الدائم.
البيت الذي أسهمنا على مدار سنوات في تحويله ليصبح بيتاً كبيراً، وأمضيت صيفاً طويلاً بالإِشراف على عمليّة بناء طابقه العلوي.
بيتنا الذي فارق فيه أبي حياتنا ثم فارقت حياتنا فيه أمّي، لم تفارقه آثارهما.
هذا البيت صار أكبر من حاجتي، لكنّه يتّسع لكل السنوات التي جمعتنا تحت سقفه وفي حديقته.
خسارة الأرواح لا تقارن بخسارة البيوت، لكنّ البيوت كالبشر أيضاً لا تعوّض، ويصبح من الصحيح القول عندما يدمرّ بيت ما: “نحن لا ننزل البيت مرّتين”.
فالبيت الذي يدمّر لا يعود أبداً، لن تعمّر بيتك مرّة أخرى، ولن تسكنه مرّة أخرى.
ستعمّر بيتاً آخر، تعيش فيه حياة أخرى وقصصاً وأِشياء أخرى، وستطلق فيه ضحكات أخرى ونوبات بكاء أخرى… غير تلك التي عشتها في بيتك الذي كان عامراً قبل أن يدمّر.
فالبيت الذي كان لك وحمل حياتك وشهد على خيباتك وأفراحك، والذي ورثت حمل بنائه وتورّطت في الارتباط به، وكبر وتوسّع أمامك ستخسره إلى الأبد، وعندما يتحوّل إلى ركام ستتحوّل معه كل سنواتك فيه إلى ركام.
محاولات البعض استصغار هذا الألم والحزن والخوف على فقدان البيوت وتصويره على أنه تخاذل، هي محاولات بائسة للتقليل من شأن ما يعنينا، وما نلتصق به، وما يفترض ألا نستسهل التفريط فيه تحت أي ذريعة. هذه المحاولات هدفها التعظيم من شأن قرارات وتضحيات لا نوافق على تقديمها ولا نتبنّاها.
التطبيع مع تجمير القرى وبيوت أهلها هو نتيجة أمر جعله “حزب الله” منفرداً أمراً واقعاً، نتيجة قرارت ثأره وإسناده التي انفرد بها، واضطرّ للجوء إلى مقولة “عدم الشبّث بالجغرافيا” وما تحمله من بيوت، كنتيجة طبيعية لعدم تمكّنه أصلاً من التشبّث بالجغرافيا نتيجة تفاوت موازين القوى والقتال.
أما نحن المتمسّكين بهذه الحياة الوحيدة التي سنعيشها، ولا نريد أن ندفعها ثمناً لتحسين شروط عيشها، متمسّكين أيضاً بالجغرافيا حيث تقع قرانا وأنهارها وجسورها وأشجارها، ونرى أن منازلنا أيضاً ثمن باهظ لا نريد أن ندفعه، وإذا صار وخسرناها فليس فداءً لأحد، إنما غصباً عن إرادتنا وقناعاتنا وغصباً عن أحجار البيوت نفسها.
بيوتنا نريد أن نعود إليها كل مرّة، ليس فقط مرّتين.
إقرأوا أيضاً:












