ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بنت جبيل… الكاميرا إذ تعطي الخراب زمناً أطول

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أهل بنت جبيل خارجها، والإشارة إلى البيوت صارت جرحاً قائماً بذاته. لا أحد يبحث عن الصور بقدر ما يبحث عن ذاكرته المفقودة فيها. وفي هذا التعلق المرير بالصور شيء من سادية هزلية مؤلمة: أن تلاحق صورة مكان لم تعد الذاكرة البصرية قادرة على حمله. لهذا يعود الجنوب، وتعود بنت جبيل أكثر منه، إلى اللسان والصوت والمشافهة، لأن ما كان يُرى اختفى، وما بقي لا يُستعاد إلا بالكلام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

للمرة الرابعة تخرج هناء جابر من بنت جبيل، بعينين حمراوين يعلو الدم فيهما قبل الدمع، وبشكل أوضح. لم أستطع أن أراها وأنا أتابع يومياً أخبار مدينة بنت جبيل. أبتعد عنها. لا أحتمل بكاء من يرعاني، ولا دمع أمي ولا أي دمع ممتلئ بالبراءة. كنت أعرف أنها ستبكي، لأنها قالت لي مرة: لا تقل أمامي عيترون. تلك الأرض الأقرب إلى قلبها، أرض أمها، وطريق أبناء الجنوب إلى فلسطين. في عيترون أرض أمها، وفي بنت جبيل ترك لها أبوها سرداً طويلاً عن الذين اقتنوا كُتباً كان أبوها قد أسس مكتبة عامة اسمها التهذيب.

 لكن هناء جابر نفسها صارت بنت جبيل، من دون صورة الدمار، الصورة الأكثر قرباً لي من كل أهل الجنوب، من دموعهم التي تختلط بالحيرة، كأنهم لا يعرفون إن كانوا قد خرجوا من المكان الذي خُلقوا فيه، أم أن المكان يريد أن يختصر نفسه ليصير اسماً أو لوناً على خريطة. لم أعرف بنت جبيل بقدمي، بل بعيني هناء، وبامتداد جسد أمها من أجل الخبز، ومن بيوت المقاومين الفلسطينيين القريبين من بيتها، الذين كانت تهديهم في صغرها عيديتها. كانت بنت جبيل تتسع في الخريطة لإصبع هناء الناعم، ولإصبع طفل أيضاً. وربما بقيت بنت جبيل كلها في طريقة إمساك هناء نظارتها، تثبتها على وجهها لكي تحجب دمعها، كأنها تمنع العين أيضاً من السقوط. ستبقى بنت جبيل معلقة بين شكلها على الخريطة، وبين صورتها في الذين خرجوا منها، كأن المدينة فقدت جسدها، وبقي اسمها يبحث عن أصابع سكانه التي ابتعدت عنه من كثافة الخجل وحجم الإبادة.

بنت جبيل قديمة. ليست رمزية بالمعنى الذي يحب المقاومون القدامى تكراره، ولا تختصر أهميتها في أنها قهرت الجنود الإسرائيليين، وليست مهمة كما يريد نتانياهو، كانتقام مؤجل. هذا جزء من حكايتها فقط، يبقى في إطار التلفاز، وفي أفواه الكتاب الأكثر توتراً وصخباً، وفي فم رجل إبادي كنتاج لخياله الدموي. أهميتها الأعمق في ذلك التواتر الذي يحمل سرداً، في تلك المساحة المثلى التي ربطت شمال فلسطين بجنوب لبنان وحوران. الكاميرا البعيدة تجعلها هضبة كثيراً ما انتظرت من لم يكونوا غرباء أبداً. وهي أيضاً أكثر من جغرافيا، وسط سردي بين ثلاث جهات اقتطعتها الدول لاحقاً من الحكاية، لكنها بقيت. قد يتحدث كثيرون عن بنت جبيل بوصفها مقتولة ومدمرة، لكن ذلك لا يكفي. فهي أيضاً صياغة طويلة لسرد سكاني وثقافي مع فلسطين، لا من جهة الشعار الأيديولوجي المقاوم فقط، بل من جهة المشافهات الطويلة، والأسماء، والمرور، وما ورثه الناس بعضهم عن بعض من سياق لم ينقطع تماماً حتى وهو يتكسر.

انهارت بنت جبيل. أهلها في غالبيتهم لم يظنوا أن هذا الدمار سيبلغها بهذه السهولة. لا قرص في الهاتف نترقب منه صوتاً يطمئننا على بيت، ولا خبر صغير يعيد إلى القلب بعض انتظامه. أبناء بنت جبيل يكتبون مأساتهم الرابعة أو الخامسة أو السادسة على صفحاتهم، كأن الكارثة لم تعد حدثاً، بل صارت عدداً متكرراً من الفقد. 

لكن فهم بنت جبيل، وأي منطقة جنوبية، لا يبدأ من كلمة الدمار، بل من الإهانة الطويلة التي تنزل على الذاكرة نزولاً شخصياً وخاصاً لا تلتقطه الكاميرات. ذاكرة الذين خرجوا من دون قطعة نحاس، من دون ألبوم صور، من دون أن يلتفتوا مرة أخيرة إلى خطوات أهلهم الغائبة في البيت. 

هناك شيء آخر غير الحرب، وغير الدمار. شيء يبقى في الوقت الذي يترسب داخل من عرفوا بنت جبيل عبر طبقات الذاكرة: الطرق، والزجل، والدخان، وسوق الخميس، والخبز، وشهوة الآخرين للوصول إلى بنت جبيل، والمكتبة الأولى، والشعور بالمكانة. لا تفسر هذه الطبقات بالحرب وحدها، ولا بالركام، لأنها لا تدخل كلها في السياسة، ولا تنحصر كلها في الذاكرة التي يمكن استعادتها في شرح بسيط. إنها طبقات تعلق على الأجساد، على تغيراتها، على الدمع، وعلى الأصابع وهي تحاول أن تشرح ما لا يُشرح. الأرض في بنت جبيل والجنوب تعلق على العيون. احمرت عينا هناء أكثر من ظهور الدمع، كأن هذا الاحمرار ليس اعترافاً بأن المصير دموي فقط، بل ذاكرة تراب يحمر لكي ينجو، أكثر مما هو بكاء.

كان اسم بنت جبيل سينجو على الخريطة، وعلى سرد طويل لأناس أحبوها. كانت الخرائط خضراء على نحو مهذب وبارد، كأن العالم لا يزال قابلاً للترتيب، فيما كانت بنت جبيل في الداخل تتآكل بلون آخر لا تعرفه الشاشات. هناك خضرة ولون رقمي واسم، أما إسرائيل فتصور الاسمنت المكلس المليء بالبياض. بطء الكاميرا الإسرائيلية لن يجعل هذا الدمار قابلاً للنسيان أبداً، بل يثبته أكثر، كأنها كلما أبطأت أعطت الخراب زمناً أطول كي يدخل في العين. ثم يخرج الدخان نفسه مرتبكاً، كأنه لا يعرف إن كانت الحرب انتهت أم لا. كاميرا الاحتلال بطيئة جداً، تصور الدمار كأنه شرح بارد، كأنه تفسير لما يمكن فهمه من تركة هائلة من الخراب. ليست العذابات المكتوبة هي المعنى، ولا الصور المأخوذة للخراب. المعنى في الصمت، في الكلمات القليلة التي يزنها الجنوبيون ببطء، في عيني هناء جابر، في تلك البراءة التي لا تملك إلا دمعها ومحاولتها إخفاءه. براءة لا تدافع عن نفسها، لأن براءتها هي فعلها الوحيد. لكنها، من دون أن تقصد، تجرحنا. تجرحنا نحن الذين ننظر من الخارج، لا بشماتة، ولا بنصر، ولا حتى بألم مكتمل. تجرحنا بقلة الحياة والحيلة التي كشف عنها فجأة. تعصر هناء عينيها. نظاراتها مدورة، والأحمر هو الطبقة الثانية بعد لون النظارات، ليس أحمر إسمنتياً، بل أحمر صرف الدم، أغلى من أي لون. تكره هناء الحدود. تترك دموعها على أصابعها الناعمة، وتترك في القلب ذلك السؤال الذي لا يهدأ: هل خرجنا حقاً من المكان الذي خُلقنا فيه؟ هذا مصير سوري ولبناني أبدي. أنا أهرب منك، لكنني أكتب.

الذين يبكون بنت جبيل مراراً هم أنفسهم الذين ظلوا، كل عشر سنوات منذ السبعينات، يظنون أنها مدينة يمكن السكن والاستقرار فيها أخيراً. وفي كل مرة كانت تخونهم الحرب أو الحدود أو التأجيل. هناك إهانة خاصة في هذا التعاقب بين ما قبل وما بعد، بين بيت كان قابلاً للعودة إليه، وبيت صار يحتاج إلى صورة قديمة كي يُستدل عليه. عشرات من أبناء بنت جبيل يُلتقطون اليوم وهم يبحثون في الصور القديمة عن بيوتهم، كأنهم لا يستعيدون ذاكرة فقط، بل يحاولون أن يدلوا على استضافة مؤجلة ومفقودة نحو بيوت تدمرت، وبقيت تنتظر أصحابها أكثر مما ينتظرونها.

أجيال من مواليد الأربعينات والخمسينات لا تعرف بنت جبيل إلا من جهة العودة إليها. لم تكن المدينة عندهم إقامة مستقرة، بل وعداً دائماً بالرجوع، وانتظاراً لعائد ما. حتى تحت الاحتلال كان هذا ممكناً، وحتى تحت دمار سابق كان بإمكان الناس أن يتعاضدوا، أن يصلوا، أن يسموا البيوت، وأن يرمموا شيئاً من صلتهم بها. اليوم لم تعد العودة وحدها صعبة، بل حتى التعاضد نفسه. أهل بنت جبيل خارجها، والإشارة إلى البيوت صارت جرحاً قائماً بذاته. لا أحد يبحث عن الصور بقدر ما يبحث عن ذاكرته المفقودة فيها. وفي هذا التعلق المرير بالصور شيء من سادية هزلية مؤلمة: أن تلاحق صورة مكان لم تعد الذاكرة البصرية قادرة على حمله. لهذا يعود الجنوب، وتعود بنت جبيل أكثر منه، إلى اللسان والصوت والمشافهة، لأن ما كان يُرى اختفى، وما بقي لا يُستعاد إلا بالكلام.

23.04.2026
زمن القراءة: 5 minutes

أهل بنت جبيل خارجها، والإشارة إلى البيوت صارت جرحاً قائماً بذاته. لا أحد يبحث عن الصور بقدر ما يبحث عن ذاكرته المفقودة فيها. وفي هذا التعلق المرير بالصور شيء من سادية هزلية مؤلمة: أن تلاحق صورة مكان لم تعد الذاكرة البصرية قادرة على حمله. لهذا يعود الجنوب، وتعود بنت جبيل أكثر منه، إلى اللسان والصوت والمشافهة، لأن ما كان يُرى اختفى، وما بقي لا يُستعاد إلا بالكلام.

للمرة الرابعة تخرج هناء جابر من بنت جبيل، بعينين حمراوين يعلو الدم فيهما قبل الدمع، وبشكل أوضح. لم أستطع أن أراها وأنا أتابع يومياً أخبار مدينة بنت جبيل. أبتعد عنها. لا أحتمل بكاء من يرعاني، ولا دمع أمي ولا أي دمع ممتلئ بالبراءة. كنت أعرف أنها ستبكي، لأنها قالت لي مرة: لا تقل أمامي عيترون. تلك الأرض الأقرب إلى قلبها، أرض أمها، وطريق أبناء الجنوب إلى فلسطين. في عيترون أرض أمها، وفي بنت جبيل ترك لها أبوها سرداً طويلاً عن الذين اقتنوا كُتباً كان أبوها قد أسس مكتبة عامة اسمها التهذيب.

 لكن هناء جابر نفسها صارت بنت جبيل، من دون صورة الدمار، الصورة الأكثر قرباً لي من كل أهل الجنوب، من دموعهم التي تختلط بالحيرة، كأنهم لا يعرفون إن كانوا قد خرجوا من المكان الذي خُلقوا فيه، أم أن المكان يريد أن يختصر نفسه ليصير اسماً أو لوناً على خريطة. لم أعرف بنت جبيل بقدمي، بل بعيني هناء، وبامتداد جسد أمها من أجل الخبز، ومن بيوت المقاومين الفلسطينيين القريبين من بيتها، الذين كانت تهديهم في صغرها عيديتها. كانت بنت جبيل تتسع في الخريطة لإصبع هناء الناعم، ولإصبع طفل أيضاً. وربما بقيت بنت جبيل كلها في طريقة إمساك هناء نظارتها، تثبتها على وجهها لكي تحجب دمعها، كأنها تمنع العين أيضاً من السقوط. ستبقى بنت جبيل معلقة بين شكلها على الخريطة، وبين صورتها في الذين خرجوا منها، كأن المدينة فقدت جسدها، وبقي اسمها يبحث عن أصابع سكانه التي ابتعدت عنه من كثافة الخجل وحجم الإبادة.

بنت جبيل قديمة. ليست رمزية بالمعنى الذي يحب المقاومون القدامى تكراره، ولا تختصر أهميتها في أنها قهرت الجنود الإسرائيليين، وليست مهمة كما يريد نتانياهو، كانتقام مؤجل. هذا جزء من حكايتها فقط، يبقى في إطار التلفاز، وفي أفواه الكتاب الأكثر توتراً وصخباً، وفي فم رجل إبادي كنتاج لخياله الدموي. أهميتها الأعمق في ذلك التواتر الذي يحمل سرداً، في تلك المساحة المثلى التي ربطت شمال فلسطين بجنوب لبنان وحوران. الكاميرا البعيدة تجعلها هضبة كثيراً ما انتظرت من لم يكونوا غرباء أبداً. وهي أيضاً أكثر من جغرافيا، وسط سردي بين ثلاث جهات اقتطعتها الدول لاحقاً من الحكاية، لكنها بقيت. قد يتحدث كثيرون عن بنت جبيل بوصفها مقتولة ومدمرة، لكن ذلك لا يكفي. فهي أيضاً صياغة طويلة لسرد سكاني وثقافي مع فلسطين، لا من جهة الشعار الأيديولوجي المقاوم فقط، بل من جهة المشافهات الطويلة، والأسماء، والمرور، وما ورثه الناس بعضهم عن بعض من سياق لم ينقطع تماماً حتى وهو يتكسر.

انهارت بنت جبيل. أهلها في غالبيتهم لم يظنوا أن هذا الدمار سيبلغها بهذه السهولة. لا قرص في الهاتف نترقب منه صوتاً يطمئننا على بيت، ولا خبر صغير يعيد إلى القلب بعض انتظامه. أبناء بنت جبيل يكتبون مأساتهم الرابعة أو الخامسة أو السادسة على صفحاتهم، كأن الكارثة لم تعد حدثاً، بل صارت عدداً متكرراً من الفقد. 

لكن فهم بنت جبيل، وأي منطقة جنوبية، لا يبدأ من كلمة الدمار، بل من الإهانة الطويلة التي تنزل على الذاكرة نزولاً شخصياً وخاصاً لا تلتقطه الكاميرات. ذاكرة الذين خرجوا من دون قطعة نحاس، من دون ألبوم صور، من دون أن يلتفتوا مرة أخيرة إلى خطوات أهلهم الغائبة في البيت. 

هناك شيء آخر غير الحرب، وغير الدمار. شيء يبقى في الوقت الذي يترسب داخل من عرفوا بنت جبيل عبر طبقات الذاكرة: الطرق، والزجل، والدخان، وسوق الخميس، والخبز، وشهوة الآخرين للوصول إلى بنت جبيل، والمكتبة الأولى، والشعور بالمكانة. لا تفسر هذه الطبقات بالحرب وحدها، ولا بالركام، لأنها لا تدخل كلها في السياسة، ولا تنحصر كلها في الذاكرة التي يمكن استعادتها في شرح بسيط. إنها طبقات تعلق على الأجساد، على تغيراتها، على الدمع، وعلى الأصابع وهي تحاول أن تشرح ما لا يُشرح. الأرض في بنت جبيل والجنوب تعلق على العيون. احمرت عينا هناء أكثر من ظهور الدمع، كأن هذا الاحمرار ليس اعترافاً بأن المصير دموي فقط، بل ذاكرة تراب يحمر لكي ينجو، أكثر مما هو بكاء.

كان اسم بنت جبيل سينجو على الخريطة، وعلى سرد طويل لأناس أحبوها. كانت الخرائط خضراء على نحو مهذب وبارد، كأن العالم لا يزال قابلاً للترتيب، فيما كانت بنت جبيل في الداخل تتآكل بلون آخر لا تعرفه الشاشات. هناك خضرة ولون رقمي واسم، أما إسرائيل فتصور الاسمنت المكلس المليء بالبياض. بطء الكاميرا الإسرائيلية لن يجعل هذا الدمار قابلاً للنسيان أبداً، بل يثبته أكثر، كأنها كلما أبطأت أعطت الخراب زمناً أطول كي يدخل في العين. ثم يخرج الدخان نفسه مرتبكاً، كأنه لا يعرف إن كانت الحرب انتهت أم لا. كاميرا الاحتلال بطيئة جداً، تصور الدمار كأنه شرح بارد، كأنه تفسير لما يمكن فهمه من تركة هائلة من الخراب. ليست العذابات المكتوبة هي المعنى، ولا الصور المأخوذة للخراب. المعنى في الصمت، في الكلمات القليلة التي يزنها الجنوبيون ببطء، في عيني هناء جابر، في تلك البراءة التي لا تملك إلا دمعها ومحاولتها إخفاءه. براءة لا تدافع عن نفسها، لأن براءتها هي فعلها الوحيد. لكنها، من دون أن تقصد، تجرحنا. تجرحنا نحن الذين ننظر من الخارج، لا بشماتة، ولا بنصر، ولا حتى بألم مكتمل. تجرحنا بقلة الحياة والحيلة التي كشف عنها فجأة. تعصر هناء عينيها. نظاراتها مدورة، والأحمر هو الطبقة الثانية بعد لون النظارات، ليس أحمر إسمنتياً، بل أحمر صرف الدم، أغلى من أي لون. تكره هناء الحدود. تترك دموعها على أصابعها الناعمة، وتترك في القلب ذلك السؤال الذي لا يهدأ: هل خرجنا حقاً من المكان الذي خُلقنا فيه؟ هذا مصير سوري ولبناني أبدي. أنا أهرب منك، لكنني أكتب.

الذين يبكون بنت جبيل مراراً هم أنفسهم الذين ظلوا، كل عشر سنوات منذ السبعينات، يظنون أنها مدينة يمكن السكن والاستقرار فيها أخيراً. وفي كل مرة كانت تخونهم الحرب أو الحدود أو التأجيل. هناك إهانة خاصة في هذا التعاقب بين ما قبل وما بعد، بين بيت كان قابلاً للعودة إليه، وبيت صار يحتاج إلى صورة قديمة كي يُستدل عليه. عشرات من أبناء بنت جبيل يُلتقطون اليوم وهم يبحثون في الصور القديمة عن بيوتهم، كأنهم لا يستعيدون ذاكرة فقط، بل يحاولون أن يدلوا على استضافة مؤجلة ومفقودة نحو بيوت تدمرت، وبقيت تنتظر أصحابها أكثر مما ينتظرونها.

أجيال من مواليد الأربعينات والخمسينات لا تعرف بنت جبيل إلا من جهة العودة إليها. لم تكن المدينة عندهم إقامة مستقرة، بل وعداً دائماً بالرجوع، وانتظاراً لعائد ما. حتى تحت الاحتلال كان هذا ممكناً، وحتى تحت دمار سابق كان بإمكان الناس أن يتعاضدوا، أن يصلوا، أن يسموا البيوت، وأن يرمموا شيئاً من صلتهم بها. اليوم لم تعد العودة وحدها صعبة، بل حتى التعاضد نفسه. أهل بنت جبيل خارجها، والإشارة إلى البيوت صارت جرحاً قائماً بذاته. لا أحد يبحث عن الصور بقدر ما يبحث عن ذاكرته المفقودة فيها. وفي هذا التعلق المرير بالصور شيء من سادية هزلية مؤلمة: أن تلاحق صورة مكان لم تعد الذاكرة البصرية قادرة على حمله. لهذا يعود الجنوب، وتعود بنت جبيل أكثر منه، إلى اللسان والصوت والمشافهة، لأن ما كان يُرى اختفى، وما بقي لا يُستعاد إلا بالكلام.