ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“بنو أميّة” و “روم بيزنطيون”:  المظلومية وصناعة الخرافة في سوريا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كلما أمعنت الجماعات بالاستسلام لمظلومياتها، كلما تنامت عندها الرغبة المكبوتة بالاعتماد على الخرافة الهويّاتية الانعزالية في عمليّة إيجاد قشّة خلاص وخلق حالة وجود مغاير. قد ينجو الأفراد والجماعات في هذه المحاولة، ولكن ستموت الاجتماعات والبلاد حتماً في المحصّلة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ هروب بشّار الأسد من سوريا ودخول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق، بدأت “الحكومة الانتقالية” استراتيجية “قتل” السياسة عبر تعطيل تشكيل مجلس الشعب، وتعيين الأعضاء من دون انتخابات، وتعيين رؤساء النقابات، وتأخّر صدور قانون أحزاب وغيرها من قرارات تمنع مشاركة السوريين بكامل أطيافهم في الحكم، وكأن السلطة الجديدة ماضية نحو “قتل” مفهومَي “المجتمع” (society) و”الشعب” (population).

واحدة من أدوات تحقيق عمليّة “القتل” هي إتاحة اختراع “هويّات قوموية” لتقسيم شرائح البنية المجتمعية المكوِّنة للشعب الذي تمثّله “الجمهورية السورية” إلى طوائف ومجموعات. 

فالسوريون لا يتحدّثون اليوم عن مجرّد اختلافات ثقافية تُمايز بينهم، بل يكرّرون الحديث عن انقسامات (وليس تنويعات) واختلافات (وليس تمايزات) وتضادّات (وليس تعدّديات)، وكلّها تشدّد على المغايرة المطلقة والصدامية مع الآخر.

لكن، من أين دخلت أيديولوجية “الوعي الهويّاتي القوموي” إلى المشهد السوري؟

 لقد شهد تاريخ سوريا الحديث وجود فلسفة “الهويّة القوموية” قبل الثورة وحتى قبل عهد الأسد. فالمشهد السوري كانت فيه هويّات “عروبية” و”سورية” و”كردية” وسريانية” و”آشورية”، قمعها نظام الأسد جميعها باستثناء “الهويّة العروبية”، التي تلخَّص بـالشعار الشهير: “سوريا قلب العروبة النابض”.

نشهد اليوم تفشيّاً متجدّداً لمظاهر أيديولوجيا “الهويّة القوموية” في المشهد السوري. وهو تفشٍّ يعلن نهاية، بل موت مظاهر الهويّة القوموية السابقة في المشهد: ما عاد بعض السوريين اليوم يتحدّثون فعلياً عن “هويّة عربية” أو “هويّة سورية”، لا بل لم يعد المسيحيون يكترثون كثيراً داخل سوريا بخطابات “الهويّة السريانية” أو “الهويّة الآشورية”، وإن كانت تلك الخطابات لا تزال موجودة في أوساط المسيحيين المهاجرين في العالم الغربي، ناهيك بـ”الهويّة الدرزية” التي تتشكّل مجدّداً عبر مرجعية “الباشان” التوراتية، التي  تنفي الانتماءات الوطنية والدينية المتصارعة حالياً.

الأمر الخطير والمخيف الذي تشهده الساحة السورية اليوم، هو ولادة مظاهر جديدة لأيديولوجية “الهويّة القوموية” لم تعهدها سوريا من قبل. لدينا بدايةً نموذج أيديولوجية “الهويّة الدرزية”. فاليوم، هناك تيّار قوي وسيادي في جنوب سوريا يعلن رغبته في الاستقلال والانفصال عن سوريا، أو التمتّع بسلطة إدارة مستقلّة عن السلطة المركزية في دمشق. 

يُقدّم هذا التيّار الحالي “الدرزية” لا كماهيّة دينية عقدية ذات تاريخ وخلفيّة مجتمعية وشعوبية (من شعب) وجمعيّة سوسيولوجية أو “ثـقافية” ربما (مع أن الحديث عن “ثقافة درزية” بالمعنى التاريخي للكلمة أمر يستحقّ الدراسة والفحص العلمي). يتحدّث هذا التيّار عن الدرزية على أنها هويّة ذات سمات ومكوّنات “قوموية”. بات الدروز اليوم، بهذا المعنى، جماعة قوموية لها آخريتها المفارقة التي تبيّن أنها ليست “عربية” ولا “إسلامية” ولا “سنّية” ولا “سورية”. 

سأكتفي بهذا القدر هنا، وأنتقل إلى النموذجين الهويّاتيين الآخرين اللذين يعنِيانني بشكل أكبر. أودّ أن أتوقّف عند الظاهرتين الهويّاتيتين المدعوّتين: “بني أميّة” و”الروم البيزنطيين”.

من هم “بنو أميّة”؟

منذ أن هبط أحمد الشرع قصر دمشق، حتى بدأت تتردّد عبارة “بني أميّة”، التي يتبنّاها “مؤيّدو الحكومة”، على كلّ شفة ولسان في سوريا. يغلب على أتباع هذه العبارة ومسوّقيها وكأنهم يوحون لنا بأنهم ليسوا “سوريين” ولا “عرباً” ولا حتى “مسلمين” هويّاتياً، بل هم شيء هويّاتي خاصّ مختلف اسمه “بني أميّة”.  يغدو المصطلح هنا إحالة إلى تعريف قوموي يدور حول مفاهيم “السنّي” و”الشامي” و”الأموي” ويُعيد تشكيلها. 

تعمل مكوّنات هويّة “بني أميّة” المزعومة، في الواقع، على استخدام المضامين الجديدة التي تحملها إلى مفردتي “سنّي” و”أموي” في تشطير الشارع المسلم السوري بحدّ ذاته وإلى تحويل جماعة مختارة (أو فرقة ناجية) من قلب هذا الشارع إلى “قـوم” مغايرين ومختلفين عن سواهم، لا من غير المسلمين فقط، بل من المسلمين، بل السنّة أنفسهم. 

تصبح كلمتا “أموي” و”سنّي” معيارين مغايرين تصنيفيين وإقصائيين لكلّ مسلم لا يؤيّد السلطة الحالية، التي تمثّل جماعة “بني أميّة” المدعوّة.  

إن من يعرف تاريخ الفكر الإسلامي الراديكالي السلفي، بإمكانه أن يلاحظ أن مجرّد فلسفة “الهويّة القومية” أو “الهويّة” الصرفة غير موجودة في الحـقيقة في منظومة الفكر السلفي التاريخي والتقليدي: الإسلام وأهل السنّة والجماعة في العـقل السلفي هم فوق- هويّاتيين، عابرون للهويّات ولأيّ تعريف قوموي أو إثني. لهذا، نجد إصراراً، مثلاً، على إدماج الجهاديين الأجانب غير السوريين اليوم في النسيج السوري المجتمعي والشعبي، عبر الحديث عن التجنيس.

 غير أن فكرة الهوية القوموية المدعوّة “بني أميّة” هي أيديولوجية استوردها سلفيو السلطة من الخطاب الأيديولوجي السياسي لتنظيم “الإخوان المسلمين”؛ وليس الفقهي بالضرورة، وذلك عن طريق خلق هويّة قوموية مغايرة ومرجعية في الشارع السوري المسلم الجديد اسمها “بني أميّة”، وفي نوع من التقليد الببغائي لفكرة “الهويّة العروبوية” التي اخترعها الفكر البعثي في سوريا والعراق، وفرضها قـمعياً على الشارع السوري وحكم باسمها البلاد والعباد. 

اليوم، يتحرّك “الإخوان المسلمون” في الخفاء، أو في “دهاليز الدبلوماسية” في وزارة الخارجية، لربما ردّاً على الدعوة الصريحة إلى حلّ التنظيم، التي أطلقها أحمد موفّق زيدان مستشار أحمد الشرع للشؤون الإعلامية، عبر منصّة قطرية (موقع قناة الجزيرة). وهم يشاركون في “تمكين” السلطة على كافّة الشرائح السورية الأخرى، من ضمنها المسلمون والسنّة، ويعزّزون الحكم على وطنية الآخرين وسوريتهم وفق معيار تبنّي الرموز الناظمة لهويّة “بني أميّة”.

“الروم البيزنطيون”: ليسوا عرباً ولا سوريين ولا أمويين

لدينا ظاهرة مشابهة بدأت تنتشر وتُسمِع صوتها بوضوح اليوم في الشارع المسيحي السوري. فقد بدأت تتفشّى في أوساط بعض شرائح المسيحية الأرثوذكسية أصداء خطاب هويّاتي قوموي يقول إن المسيحيين الأرثوذكس التابعين للتـقليد الكنسي الأنطاكي الخلقيدوني التاريخي، ليسوا “عرباً” وليسوا “سوريين” بهذا المعنى، وهم حتماً ليسوا “مسلمين” ولا “بني أميّة”. يرى هذا الخطاب أن المسيحيين الأرثوذكس الأنطاكيين في سوريا لديهم هويّة قوموية خاصّة بهم ذات جذور تاريخية عميقة وقديمة تعود إلى العصور العتيقة: إنهم “الروم” أو أحفاد الإمبراطورية الرومانية القديمة. 

لقد مضى بعض المنظّرين لتلك الهويّة القوموية الجديدة إلى حدّ إضافة مفردة “بيزنطي” إلى هذا التعريف، والقول إنهم “روم بيزنطيون”. كما راحوا مؤخّراً ينشرون صور علم خاصّ بهم، أسوةً بأعلام باقي جماعات الهويّات القوموية في المشهد السوري، مثـل علم بني أميّة وعلم الدروز وعلم الكرد وسواها. 

لدينا اليوم، إذاً، ظاهرة قوموية جديدة تنبثق في المشهد المسيحي السوري وتناهض هويّة “بني أميّة”: الهويّة الرومية البيزنطية. يريد المُتبنّون لهذا الخطاب الأيديولوجي من خلال هـويّة “رومي بيزنطي” أن يقولوا ببساطة إنهم ليسوا مجرّد جماعة ذات اختلاف وآخرية دينية أو ثقافية، بل هم أيضاً جماعة ذات أصول وأنثروبولوجية لا تعود إلى أيّ شيء له علاقة بما يختزنه “بنو أميّة” من تصنيفات.

ليست هويّة “الرومي البيزنطي” الظاهرة الهويوية الأولى في المشهد المسيحي السوري، فهناك أيضاً هويّتا “سرياني” و”آشوري”. يكمن الفرق هنا في أنها المرّة الأولى التي يشهد فيها الشارع المسيحي خطاباً هويّاتياً لا يتحدّث عن الروم الأرثوذكس بصفتهم “عرباً” أو “مشرقيين” أو حتى “يونان”، بل يقول عنهم إنهم “روم بيزنطيون”. 

خرافات الهويّة

لا يوجد متّسع من المساحة هنا للخوض في التفكيك العلمي للمغالطات بفهم مصطلحات “هويّة” و”ماهيّة” و”عِرق” وسواها، كي نبيّن الزيف التاريخي والخطأ العلمي الفادح للحديث عن “أموي” و”رومي” بصفتهما “هويّتين”، فهما لم يلعبا دور “الهويّة” في وجوديهما وأصليهما التاريخيين. 

لم يكن هناك في عصر الإمبراطورية الرومانية وجود لمفهوم “الهويّة” بالمعنى القومي أو العرقي. كان هناك مفهوم “مواطن روماني” وهو كلّ من يتمتّع بالحرّية ويعلن الولاء للقيصر. لقد احتضنت الإمبراطورية الرومانية قوموياً وعرقياً عشرات الجماعات والشعوب المختلفة الخلفيّات والأصول، ولم تطلب من أفرادها أن يتخلّوا أبداً عن هويّاتهم تلك، بل قدّمت لهم إطاراً دولتياً يمنحهم حقوق المواطنة الرومانية وليس “الهويّة” الرومانية. 

أمّا في عهد الإمبراطورية الرومانية الشرقية (المعروفة بالبيزنطية) فلم يكن هناك كذلك أيّ نوع من أنواع الوعي الهوياتيّ القوموي المُسمّى “بيزنطي” أو “الرومي بينزطي”. نحن اليوم كمختصّين في تاريخ المسيحية القديمة نعرف تماماً ونُقرّ بأنّ تسمية “بيزنطي” غير تاريخية، ولم تكن التسمية المستعملة للحديث عن تلك الإمبراطورية في التاريخ. 

لقد ظهر مصطلح “بيزنطة” للمرّة الأولى في عصر النهضة مع استخدام الفيلسوف الإيطالي فرانشيسكو بترارك، لمصطلح “بيزنطية” في نصوصه. فإذاً، كلّ حديث عن هويّة قوموية باسم “رومي” أو “بيزنطي” هو حديث غير تاريخي وغير علمي بالمرّة. هو مجرّد هرطقة أيديولوجية!

ينسحب الأمر نفسه على الحديث عن هويّة “أموي” أو حتى “سنّي”، فكلاهما لم يُستخدَم في التاريخ بدلالات هويّاتية قط. لم يكن عصر الخلافة الأموي عصر خلق هويّة خاصّة اسمها “أموية”. فأقـدم النصوص التاريخية لا تتحدّث عن “أموية”، بل تتحدّث عن “خلافة آل معاوية” أو “خلافة آل مروان”. 

بدأ أوّل حديث فعلي واصطلاحي عن “خلافة الأمويين” في الأدبيات التأريخية للعصر العباسي، فقد بدأت وقتها فكرة الماهيّة والهويّة تزرع بذورها الأولى في المجتمع المشرقي الإسلامي. وكلّ فكرة “الهويّة” بحدّ ذاتها لم تكن جزءاً من المخيال المعرفي والوعي الذاتي للإسلام المبكر، إلا مع وصولنا إلى النصف الثاني من القرن التاسع ومطلع القرن العاشر للميلاد/ الثالث والرابع للهجرة. كانت كلمة “مسلمين” أو “محمّديين” هي الماهيّة الهويّاتية الناظمة للجماعات المسلمة في قلب الخلافة، وليس “أمويين” أو حتى “سنّة”. 

أمّا مفردة “سنّي” فقد عنَت تاريخياً كلّ من يتبع تيّاراً لاهوتياً وفقهياً محدّداً خطّه ما يُصطلح على تسميته “أهل السنّة والجماعة”. ولم يكُن يُقال عمّن يتّبعه أنه “سنّي” بالمعنى الهويوي، بل بالمعنى الفقهي اللاهوتي، فهناك مفكّرون شيعة وزيديون وإباضيون تبعوا أيضاً نهج أهل السنّة والجماعة في الإسلام المبكر.

إن اختراع أيديولوجيات هويوية قوموية جديدة، مثـل “بني أميّة” و”رومي بيزنطي”، لا يستند لا إلى أرضية تاريخية حقيقية، ولا إلى أرضية مفهومية، أو معرفية علمية موثوقة. إنها نماذج عن خرافات هويوية نتجت عن اختبارات عيش وحياة وجودية معاصرة تدور بمجملها حول فكرة “المظلومية”. 

الخرافة والمظلومية

إن المظلوميات تخلق الخرافات، إذ تتحوّل المعاناة والمظالم الجمعيّة إلى وقود يؤجّج رغبة سيكولوجية عند الضحايا لخلق سردية وذاكرة جمعيّة، تجمع شمل أفراد المجموعة المذكورة وتوحّد بينهم من خلال دمجهم بذاكرة انتصار وحرّية ومجد ماضوي يدور حول استبدال الوعي القهري والظلمي، بوعي جمعي جديد تفريقي ومتعالٍ.

لقد تحوّلت المظلومية التاريخية للشريحة الإسلاموية في المجتمع السوري اليوم إلى أداة لخلق هويّة وذاكرة جمعيّة بديلة، قوامها ربط الوعي الذاتي بتاريخ ماضوي انتصاري ومجيد (متخيَّل وفنتازي غالباً)، ولهذا فاسم الجماعة في الهويّة الجديدة هو “بنو أميّة”.

 وكذلك في المعسكر المسيحي، تحوّل الشعور بالمظلومية الحالية، التي يختبرها المسيحيون من قِبل السلطة ذات الخلفيّة الجهادية وجمهور بني أميّة في سوريا، إلى أداة لخلق ذاكرة جمعية هويّاتية جديدة تربط المسيحيين المعنييّن سيكولوجياً وخلاصياً بماضٍ انتصاري ومجيد وسيادي، ولهذا فاسم الجماعة في الهويّة الجديدة هو “رومي بيزنطي”. لدينا في كلا الحالتين مسار انتقالي من حالة “الفرقة الظالمة المسحوقة” إلى حالة “الفرقة الناجية المنتصرة”. 

تعتمد سياسىة قتل “المجتمع”، التي تطبّقها السلطة الآن في سوريا، بشكل رئيسي على دفع الشرائح المجتمعية السورية إلى توظيف مظلومياتها الوجودية في خلق ذاكرات جمعيّة جديدة هويوية قوموية تفصل ما بين جماعات المجتمع وتشرذمها، وتخلق بينها جدراناً مغايرة حادّة وتضادّية وغير قابلة للشفاء أبداً. 

تهدف هذه المظلوميات وخرافاتها إلى إبقاء المشهد السوري مفكّكاً ومقسّماً ومن دون ديمومة، هذه السياسة المرعبة ليست من اختراع “هيئة تحرير الشام” أو السلفيين أو “الإخوان”، بل هي اختراع بريطاني أصيل طوّرته تاريخياً الإمبراطورية البريطانية، وطبّقته على أصقاع إمبراطوريتها التي لم تغب عنها الشمس في القرنين الثامن والتاسع عشر، بما فيها المشرق العربي.

 فكما دفعت بريطانيا جماعات بعينها في المشرق إلى خلق هويّات قوموية تقسيمية وتغايرية تضادّية عميقة (السريان والكرد والآشوريون والكلدان واليهود والتركمان)، ها هي تطبّق السياسة نفسها في سوريا الحالية. ونحن نعلم أن “هيئة تحرير الشام” وطاقمها القيادي، الذي يحكم سوريا اليوم بالكامل، قد تدرّب وتمّت تهيئته للهيمنة على سوريا وبناء خبراته المذكورة، بل ساعده على خلق هويّة “بني أميّة”، جهاز تدريب بريطاني محترف، عمل على هذا منذ العام 2018 في سياق إدلب.

 يتفشّى العقل البريطاني نفسه اليوم في أوساط سوريا برمّتها، ويجعل من هويّة “بني أميّة” الشعلة الأولى التي قادت إلى خلق هويّات قـوموية مكافئة ومضادّة، مثل: “رومي بيزنطي” و “درزي” وأيضاً “علوي” (علماً بأن “العلوية” لم تكن يوماً هويّة بالمعنى القوموي للكلمة، ولا حتى في عهد نظام الأسد). 

لدينا السياسة نفسها التي اتّبعتها بريطانيا في القرن التاسع عشر، يتمّ تطبيقها اليوم على يد ربيبة العقل السياسي البريطاني وتلميذته “هيئة تحرير الشام”، في سوريا.

إن سياسة قتل فكرة “المجتمع” ماضية حثيثاً وبقوّة في سوريا اليوم. إذ يتابع جهاز السلطة البديلة عن الدولة في سوريا مهمّته المرسومة، ألا وهي استخدام هويّة “بني أميّة” لتحفيز الآخرين على زرع هويّات مضادّة في قلب كافّة الجماعات السورية. 

وقد مارست الهيئة/ السلطة هذا باستخدام مجازر الساحل، فخلقت وعياً هويوياً قوموياً اسمه “هويّة علوية”، وفعلته كذلك في مجازر السويداء، فخلقت وعياً هويوياً قوموياً اسمه “هويّة درزية”. وهي بدأت وما زالت تفعل هذه السياسة في أوساط المسيحيين (تكثّـف تطبيق هذه المنهجية مؤخّراً في أوساط المسيحيين مع أحداث محردة والسقيلبية ودمشق وسواها) وقد بدأت هذه الاستراتيجية تؤتي أُكلها في أوساط أكبر شريحة مسيحية سورية، الروم الأرثوذكس، بعد أن بدأ أفراد من قلب تلك الجماعة يتحدّثون بصوت أعلى من السابق وأوسع انتشاراً، خاصّة في أوساط الشباب، عن هويّة قوموية اسمها “رومي بيزنطي”.

 إن استمرار هذه السياسة بالنجاح سيفكّك أيّ فرصة لخلق وجود مجتمعي (بالمعنى السوسيولوجي) حقيقي ومتماسك وينطبق عليه صفة “شعب” أو “أهل بلد” في سوريا. وهذا سيحقّق الهدف المرجوّ من تآلف القوى العالمية لإزاحة الأسد، ألا وهو تقسيم سوريا وتشطيرها من الداخل، لا جغرافياً ولكن بشرياً، وهذا أمر أكثر خطورة بما لا يقاس من التشطير الجغرافي. 

وكلما أمعنت الجماعات بالاستسلام لمظلومياتها، كلما تنامت عندها الرغبة المكبوتة بالاعتماد على الخرافة الهويّاتية الانعزالية في عمليّة إيجاد قشّة خلاص وخلق حالة وجود مغاير. قد ينجو الأفراد والجماعات في هذه المحاولة، ولكن ستموت الاجتماعات والبلاد حتماً في المحصّلة.         

08.04.2026
زمن القراءة: 9 minutes

كلما أمعنت الجماعات بالاستسلام لمظلومياتها، كلما تنامت عندها الرغبة المكبوتة بالاعتماد على الخرافة الهويّاتية الانعزالية في عمليّة إيجاد قشّة خلاص وخلق حالة وجود مغاير. قد ينجو الأفراد والجماعات في هذه المحاولة، ولكن ستموت الاجتماعات والبلاد حتماً في المحصّلة.

منذ هروب بشّار الأسد من سوريا ودخول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق، بدأت “الحكومة الانتقالية” استراتيجية “قتل” السياسة عبر تعطيل تشكيل مجلس الشعب، وتعيين الأعضاء من دون انتخابات، وتعيين رؤساء النقابات، وتأخّر صدور قانون أحزاب وغيرها من قرارات تمنع مشاركة السوريين بكامل أطيافهم في الحكم، وكأن السلطة الجديدة ماضية نحو “قتل” مفهومَي “المجتمع” (society) و”الشعب” (population).

واحدة من أدوات تحقيق عمليّة “القتل” هي إتاحة اختراع “هويّات قوموية” لتقسيم شرائح البنية المجتمعية المكوِّنة للشعب الذي تمثّله “الجمهورية السورية” إلى طوائف ومجموعات. 

فالسوريون لا يتحدّثون اليوم عن مجرّد اختلافات ثقافية تُمايز بينهم، بل يكرّرون الحديث عن انقسامات (وليس تنويعات) واختلافات (وليس تمايزات) وتضادّات (وليس تعدّديات)، وكلّها تشدّد على المغايرة المطلقة والصدامية مع الآخر.

لكن، من أين دخلت أيديولوجية “الوعي الهويّاتي القوموي” إلى المشهد السوري؟

 لقد شهد تاريخ سوريا الحديث وجود فلسفة “الهويّة القوموية” قبل الثورة وحتى قبل عهد الأسد. فالمشهد السوري كانت فيه هويّات “عروبية” و”سورية” و”كردية” وسريانية” و”آشورية”، قمعها نظام الأسد جميعها باستثناء “الهويّة العروبية”، التي تلخَّص بـالشعار الشهير: “سوريا قلب العروبة النابض”.

نشهد اليوم تفشيّاً متجدّداً لمظاهر أيديولوجيا “الهويّة القوموية” في المشهد السوري. وهو تفشٍّ يعلن نهاية، بل موت مظاهر الهويّة القوموية السابقة في المشهد: ما عاد بعض السوريين اليوم يتحدّثون فعلياً عن “هويّة عربية” أو “هويّة سورية”، لا بل لم يعد المسيحيون يكترثون كثيراً داخل سوريا بخطابات “الهويّة السريانية” أو “الهويّة الآشورية”، وإن كانت تلك الخطابات لا تزال موجودة في أوساط المسيحيين المهاجرين في العالم الغربي، ناهيك بـ”الهويّة الدرزية” التي تتشكّل مجدّداً عبر مرجعية “الباشان” التوراتية، التي  تنفي الانتماءات الوطنية والدينية المتصارعة حالياً.

الأمر الخطير والمخيف الذي تشهده الساحة السورية اليوم، هو ولادة مظاهر جديدة لأيديولوجية “الهويّة القوموية” لم تعهدها سوريا من قبل. لدينا بدايةً نموذج أيديولوجية “الهويّة الدرزية”. فاليوم، هناك تيّار قوي وسيادي في جنوب سوريا يعلن رغبته في الاستقلال والانفصال عن سوريا، أو التمتّع بسلطة إدارة مستقلّة عن السلطة المركزية في دمشق. 

يُقدّم هذا التيّار الحالي “الدرزية” لا كماهيّة دينية عقدية ذات تاريخ وخلفيّة مجتمعية وشعوبية (من شعب) وجمعيّة سوسيولوجية أو “ثـقافية” ربما (مع أن الحديث عن “ثقافة درزية” بالمعنى التاريخي للكلمة أمر يستحقّ الدراسة والفحص العلمي). يتحدّث هذا التيّار عن الدرزية على أنها هويّة ذات سمات ومكوّنات “قوموية”. بات الدروز اليوم، بهذا المعنى، جماعة قوموية لها آخريتها المفارقة التي تبيّن أنها ليست “عربية” ولا “إسلامية” ولا “سنّية” ولا “سورية”. 

سأكتفي بهذا القدر هنا، وأنتقل إلى النموذجين الهويّاتيين الآخرين اللذين يعنِيانني بشكل أكبر. أودّ أن أتوقّف عند الظاهرتين الهويّاتيتين المدعوّتين: “بني أميّة” و”الروم البيزنطيين”.

من هم “بنو أميّة”؟

منذ أن هبط أحمد الشرع قصر دمشق، حتى بدأت تتردّد عبارة “بني أميّة”، التي يتبنّاها “مؤيّدو الحكومة”، على كلّ شفة ولسان في سوريا. يغلب على أتباع هذه العبارة ومسوّقيها وكأنهم يوحون لنا بأنهم ليسوا “سوريين” ولا “عرباً” ولا حتى “مسلمين” هويّاتياً، بل هم شيء هويّاتي خاصّ مختلف اسمه “بني أميّة”.  يغدو المصطلح هنا إحالة إلى تعريف قوموي يدور حول مفاهيم “السنّي” و”الشامي” و”الأموي” ويُعيد تشكيلها. 

تعمل مكوّنات هويّة “بني أميّة” المزعومة، في الواقع، على استخدام المضامين الجديدة التي تحملها إلى مفردتي “سنّي” و”أموي” في تشطير الشارع المسلم السوري بحدّ ذاته وإلى تحويل جماعة مختارة (أو فرقة ناجية) من قلب هذا الشارع إلى “قـوم” مغايرين ومختلفين عن سواهم، لا من غير المسلمين فقط، بل من المسلمين، بل السنّة أنفسهم. 

تصبح كلمتا “أموي” و”سنّي” معيارين مغايرين تصنيفيين وإقصائيين لكلّ مسلم لا يؤيّد السلطة الحالية، التي تمثّل جماعة “بني أميّة” المدعوّة.  

إن من يعرف تاريخ الفكر الإسلامي الراديكالي السلفي، بإمكانه أن يلاحظ أن مجرّد فلسفة “الهويّة القومية” أو “الهويّة” الصرفة غير موجودة في الحـقيقة في منظومة الفكر السلفي التاريخي والتقليدي: الإسلام وأهل السنّة والجماعة في العـقل السلفي هم فوق- هويّاتيين، عابرون للهويّات ولأيّ تعريف قوموي أو إثني. لهذا، نجد إصراراً، مثلاً، على إدماج الجهاديين الأجانب غير السوريين اليوم في النسيج السوري المجتمعي والشعبي، عبر الحديث عن التجنيس.

 غير أن فكرة الهوية القوموية المدعوّة “بني أميّة” هي أيديولوجية استوردها سلفيو السلطة من الخطاب الأيديولوجي السياسي لتنظيم “الإخوان المسلمين”؛ وليس الفقهي بالضرورة، وذلك عن طريق خلق هويّة قوموية مغايرة ومرجعية في الشارع السوري المسلم الجديد اسمها “بني أميّة”، وفي نوع من التقليد الببغائي لفكرة “الهويّة العروبوية” التي اخترعها الفكر البعثي في سوريا والعراق، وفرضها قـمعياً على الشارع السوري وحكم باسمها البلاد والعباد. 

اليوم، يتحرّك “الإخوان المسلمون” في الخفاء، أو في “دهاليز الدبلوماسية” في وزارة الخارجية، لربما ردّاً على الدعوة الصريحة إلى حلّ التنظيم، التي أطلقها أحمد موفّق زيدان مستشار أحمد الشرع للشؤون الإعلامية، عبر منصّة قطرية (موقع قناة الجزيرة). وهم يشاركون في “تمكين” السلطة على كافّة الشرائح السورية الأخرى، من ضمنها المسلمون والسنّة، ويعزّزون الحكم على وطنية الآخرين وسوريتهم وفق معيار تبنّي الرموز الناظمة لهويّة “بني أميّة”.

“الروم البيزنطيون”: ليسوا عرباً ولا سوريين ولا أمويين

لدينا ظاهرة مشابهة بدأت تنتشر وتُسمِع صوتها بوضوح اليوم في الشارع المسيحي السوري. فقد بدأت تتفشّى في أوساط بعض شرائح المسيحية الأرثوذكسية أصداء خطاب هويّاتي قوموي يقول إن المسيحيين الأرثوذكس التابعين للتـقليد الكنسي الأنطاكي الخلقيدوني التاريخي، ليسوا “عرباً” وليسوا “سوريين” بهذا المعنى، وهم حتماً ليسوا “مسلمين” ولا “بني أميّة”. يرى هذا الخطاب أن المسيحيين الأرثوذكس الأنطاكيين في سوريا لديهم هويّة قوموية خاصّة بهم ذات جذور تاريخية عميقة وقديمة تعود إلى العصور العتيقة: إنهم “الروم” أو أحفاد الإمبراطورية الرومانية القديمة. 

لقد مضى بعض المنظّرين لتلك الهويّة القوموية الجديدة إلى حدّ إضافة مفردة “بيزنطي” إلى هذا التعريف، والقول إنهم “روم بيزنطيون”. كما راحوا مؤخّراً ينشرون صور علم خاصّ بهم، أسوةً بأعلام باقي جماعات الهويّات القوموية في المشهد السوري، مثـل علم بني أميّة وعلم الدروز وعلم الكرد وسواها. 

لدينا اليوم، إذاً، ظاهرة قوموية جديدة تنبثق في المشهد المسيحي السوري وتناهض هويّة “بني أميّة”: الهويّة الرومية البيزنطية. يريد المُتبنّون لهذا الخطاب الأيديولوجي من خلال هـويّة “رومي بيزنطي” أن يقولوا ببساطة إنهم ليسوا مجرّد جماعة ذات اختلاف وآخرية دينية أو ثقافية، بل هم أيضاً جماعة ذات أصول وأنثروبولوجية لا تعود إلى أيّ شيء له علاقة بما يختزنه “بنو أميّة” من تصنيفات.

ليست هويّة “الرومي البيزنطي” الظاهرة الهويوية الأولى في المشهد المسيحي السوري، فهناك أيضاً هويّتا “سرياني” و”آشوري”. يكمن الفرق هنا في أنها المرّة الأولى التي يشهد فيها الشارع المسيحي خطاباً هويّاتياً لا يتحدّث عن الروم الأرثوذكس بصفتهم “عرباً” أو “مشرقيين” أو حتى “يونان”، بل يقول عنهم إنهم “روم بيزنطيون”. 

خرافات الهويّة

لا يوجد متّسع من المساحة هنا للخوض في التفكيك العلمي للمغالطات بفهم مصطلحات “هويّة” و”ماهيّة” و”عِرق” وسواها، كي نبيّن الزيف التاريخي والخطأ العلمي الفادح للحديث عن “أموي” و”رومي” بصفتهما “هويّتين”، فهما لم يلعبا دور “الهويّة” في وجوديهما وأصليهما التاريخيين. 

لم يكن هناك في عصر الإمبراطورية الرومانية وجود لمفهوم “الهويّة” بالمعنى القومي أو العرقي. كان هناك مفهوم “مواطن روماني” وهو كلّ من يتمتّع بالحرّية ويعلن الولاء للقيصر. لقد احتضنت الإمبراطورية الرومانية قوموياً وعرقياً عشرات الجماعات والشعوب المختلفة الخلفيّات والأصول، ولم تطلب من أفرادها أن يتخلّوا أبداً عن هويّاتهم تلك، بل قدّمت لهم إطاراً دولتياً يمنحهم حقوق المواطنة الرومانية وليس “الهويّة” الرومانية. 

أمّا في عهد الإمبراطورية الرومانية الشرقية (المعروفة بالبيزنطية) فلم يكن هناك كذلك أيّ نوع من أنواع الوعي الهوياتيّ القوموي المُسمّى “بيزنطي” أو “الرومي بينزطي”. نحن اليوم كمختصّين في تاريخ المسيحية القديمة نعرف تماماً ونُقرّ بأنّ تسمية “بيزنطي” غير تاريخية، ولم تكن التسمية المستعملة للحديث عن تلك الإمبراطورية في التاريخ. 

لقد ظهر مصطلح “بيزنطة” للمرّة الأولى في عصر النهضة مع استخدام الفيلسوف الإيطالي فرانشيسكو بترارك، لمصطلح “بيزنطية” في نصوصه. فإذاً، كلّ حديث عن هويّة قوموية باسم “رومي” أو “بيزنطي” هو حديث غير تاريخي وغير علمي بالمرّة. هو مجرّد هرطقة أيديولوجية!

ينسحب الأمر نفسه على الحديث عن هويّة “أموي” أو حتى “سنّي”، فكلاهما لم يُستخدَم في التاريخ بدلالات هويّاتية قط. لم يكن عصر الخلافة الأموي عصر خلق هويّة خاصّة اسمها “أموية”. فأقـدم النصوص التاريخية لا تتحدّث عن “أموية”، بل تتحدّث عن “خلافة آل معاوية” أو “خلافة آل مروان”. 

بدأ أوّل حديث فعلي واصطلاحي عن “خلافة الأمويين” في الأدبيات التأريخية للعصر العباسي، فقد بدأت وقتها فكرة الماهيّة والهويّة تزرع بذورها الأولى في المجتمع المشرقي الإسلامي. وكلّ فكرة “الهويّة” بحدّ ذاتها لم تكن جزءاً من المخيال المعرفي والوعي الذاتي للإسلام المبكر، إلا مع وصولنا إلى النصف الثاني من القرن التاسع ومطلع القرن العاشر للميلاد/ الثالث والرابع للهجرة. كانت كلمة “مسلمين” أو “محمّديين” هي الماهيّة الهويّاتية الناظمة للجماعات المسلمة في قلب الخلافة، وليس “أمويين” أو حتى “سنّة”. 

أمّا مفردة “سنّي” فقد عنَت تاريخياً كلّ من يتبع تيّاراً لاهوتياً وفقهياً محدّداً خطّه ما يُصطلح على تسميته “أهل السنّة والجماعة”. ولم يكُن يُقال عمّن يتّبعه أنه “سنّي” بالمعنى الهويوي، بل بالمعنى الفقهي اللاهوتي، فهناك مفكّرون شيعة وزيديون وإباضيون تبعوا أيضاً نهج أهل السنّة والجماعة في الإسلام المبكر.

إن اختراع أيديولوجيات هويوية قوموية جديدة، مثـل “بني أميّة” و”رومي بيزنطي”، لا يستند لا إلى أرضية تاريخية حقيقية، ولا إلى أرضية مفهومية، أو معرفية علمية موثوقة. إنها نماذج عن خرافات هويوية نتجت عن اختبارات عيش وحياة وجودية معاصرة تدور بمجملها حول فكرة “المظلومية”. 

الخرافة والمظلومية

إن المظلوميات تخلق الخرافات، إذ تتحوّل المعاناة والمظالم الجمعيّة إلى وقود يؤجّج رغبة سيكولوجية عند الضحايا لخلق سردية وذاكرة جمعيّة، تجمع شمل أفراد المجموعة المذكورة وتوحّد بينهم من خلال دمجهم بذاكرة انتصار وحرّية ومجد ماضوي يدور حول استبدال الوعي القهري والظلمي، بوعي جمعي جديد تفريقي ومتعالٍ.

لقد تحوّلت المظلومية التاريخية للشريحة الإسلاموية في المجتمع السوري اليوم إلى أداة لخلق هويّة وذاكرة جمعيّة بديلة، قوامها ربط الوعي الذاتي بتاريخ ماضوي انتصاري ومجيد (متخيَّل وفنتازي غالباً)، ولهذا فاسم الجماعة في الهويّة الجديدة هو “بنو أميّة”.

 وكذلك في المعسكر المسيحي، تحوّل الشعور بالمظلومية الحالية، التي يختبرها المسيحيون من قِبل السلطة ذات الخلفيّة الجهادية وجمهور بني أميّة في سوريا، إلى أداة لخلق ذاكرة جمعية هويّاتية جديدة تربط المسيحيين المعنييّن سيكولوجياً وخلاصياً بماضٍ انتصاري ومجيد وسيادي، ولهذا فاسم الجماعة في الهويّة الجديدة هو “رومي بيزنطي”. لدينا في كلا الحالتين مسار انتقالي من حالة “الفرقة الظالمة المسحوقة” إلى حالة “الفرقة الناجية المنتصرة”. 

تعتمد سياسىة قتل “المجتمع”، التي تطبّقها السلطة الآن في سوريا، بشكل رئيسي على دفع الشرائح المجتمعية السورية إلى توظيف مظلومياتها الوجودية في خلق ذاكرات جمعيّة جديدة هويوية قوموية تفصل ما بين جماعات المجتمع وتشرذمها، وتخلق بينها جدراناً مغايرة حادّة وتضادّية وغير قابلة للشفاء أبداً. 

تهدف هذه المظلوميات وخرافاتها إلى إبقاء المشهد السوري مفكّكاً ومقسّماً ومن دون ديمومة، هذه السياسة المرعبة ليست من اختراع “هيئة تحرير الشام” أو السلفيين أو “الإخوان”، بل هي اختراع بريطاني أصيل طوّرته تاريخياً الإمبراطورية البريطانية، وطبّقته على أصقاع إمبراطوريتها التي لم تغب عنها الشمس في القرنين الثامن والتاسع عشر، بما فيها المشرق العربي.

 فكما دفعت بريطانيا جماعات بعينها في المشرق إلى خلق هويّات قوموية تقسيمية وتغايرية تضادّية عميقة (السريان والكرد والآشوريون والكلدان واليهود والتركمان)، ها هي تطبّق السياسة نفسها في سوريا الحالية. ونحن نعلم أن “هيئة تحرير الشام” وطاقمها القيادي، الذي يحكم سوريا اليوم بالكامل، قد تدرّب وتمّت تهيئته للهيمنة على سوريا وبناء خبراته المذكورة، بل ساعده على خلق هويّة “بني أميّة”، جهاز تدريب بريطاني محترف، عمل على هذا منذ العام 2018 في سياق إدلب.

 يتفشّى العقل البريطاني نفسه اليوم في أوساط سوريا برمّتها، ويجعل من هويّة “بني أميّة” الشعلة الأولى التي قادت إلى خلق هويّات قـوموية مكافئة ومضادّة، مثل: “رومي بيزنطي” و “درزي” وأيضاً “علوي” (علماً بأن “العلوية” لم تكن يوماً هويّة بالمعنى القوموي للكلمة، ولا حتى في عهد نظام الأسد). 

لدينا السياسة نفسها التي اتّبعتها بريطانيا في القرن التاسع عشر، يتمّ تطبيقها اليوم على يد ربيبة العقل السياسي البريطاني وتلميذته “هيئة تحرير الشام”، في سوريا.

إن سياسة قتل فكرة “المجتمع” ماضية حثيثاً وبقوّة في سوريا اليوم. إذ يتابع جهاز السلطة البديلة عن الدولة في سوريا مهمّته المرسومة، ألا وهي استخدام هويّة “بني أميّة” لتحفيز الآخرين على زرع هويّات مضادّة في قلب كافّة الجماعات السورية. 

وقد مارست الهيئة/ السلطة هذا باستخدام مجازر الساحل، فخلقت وعياً هويوياً قوموياً اسمه “هويّة علوية”، وفعلته كذلك في مجازر السويداء، فخلقت وعياً هويوياً قوموياً اسمه “هويّة درزية”. وهي بدأت وما زالت تفعل هذه السياسة في أوساط المسيحيين (تكثّـف تطبيق هذه المنهجية مؤخّراً في أوساط المسيحيين مع أحداث محردة والسقيلبية ودمشق وسواها) وقد بدأت هذه الاستراتيجية تؤتي أُكلها في أوساط أكبر شريحة مسيحية سورية، الروم الأرثوذكس، بعد أن بدأ أفراد من قلب تلك الجماعة يتحدّثون بصوت أعلى من السابق وأوسع انتشاراً، خاصّة في أوساط الشباب، عن هويّة قوموية اسمها “رومي بيزنطي”.

 إن استمرار هذه السياسة بالنجاح سيفكّك أيّ فرصة لخلق وجود مجتمعي (بالمعنى السوسيولوجي) حقيقي ومتماسك وينطبق عليه صفة “شعب” أو “أهل بلد” في سوريا. وهذا سيحقّق الهدف المرجوّ من تآلف القوى العالمية لإزاحة الأسد، ألا وهو تقسيم سوريا وتشطيرها من الداخل، لا جغرافياً ولكن بشرياً، وهذا أمر أكثر خطورة بما لا يقاس من التشطير الجغرافي. 

وكلما أمعنت الجماعات بالاستسلام لمظلومياتها، كلما تنامت عندها الرغبة المكبوتة بالاعتماد على الخرافة الهويّاتية الانعزالية في عمليّة إيجاد قشّة خلاص وخلق حالة وجود مغاير. قد ينجو الأفراد والجماعات في هذه المحاولة، ولكن ستموت الاجتماعات والبلاد حتماً في المحصّلة.