ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بنية خطاب ترامب: تعقيدات هرمز خلف قناع “الجوزائية”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يمكن أن يغيّر ميزان القوى الحالي سوى انقلاب في ميزان القوى والتحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، تغيّر يُعيد تشكيل الستاتيكو الإقليمي برمته، وهو ما يسعى ترامب إلى تداركه أخيراً عبر استمالة تركيا رغم المعارضة الإسرائيلية الشديدة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يترنّح وقف إطلاق النار بين الولايات المتّحدة وإيران، في الوقت الذي يشهد فيه مضيق هرمز تصعيداً جديداً إثر إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاقه “حتى إشعار آخر”، وذلك في أعقاب استهدافه سفينة حاويات جديدة، وتنفيذ الجيش الأميركي جولة جديدة من الغارات ضد إيران، تبعها قصف إيراني متواصل لقواعد عسكرية في دول خليجية. 

وبالتزامن مع هذه الأحداث، وما سبقها من أحداث مماثلة طوال الشهرين الماضيين، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الجمع بين الإعلان عن مواصلة المحادثات مع إيران، والإعلان المتزامن بأن مذكّرة التفاهم قد انتهت.

هذا التناقض في خطاب ترامب في الملفّ الإيراني تحديداً، بخلاف غيره من الملفّات، لم يعد من الممكن اعتباره اعتباطياً، ولا دليلاً على “جنون ترامبي” يصعب تفسيره. لقد نظمَ ترامب خطاباً سياسياً محكماً طوال الأشهر الماضية، يستند في صلبه إلى تناقضات تبدو بنيوية في الظاهر، ورغم تأرجحه باستمرار بين لغة الإخضاع والدبلوماسية، وبين استعراض القوّة وادّعاء السعي نحو السلم، بدا في العمق متماسكاً إلى حدٍّ كبير.

وفي جميع الحالات، يحرص ترامب على التقدّم بأكثر من خطوة واحدة على الإيرانيين بشكل دائم. ولعلّه يجب ألا ننسى أن الولايات المتّحدة في موقع الهجوم وإيران في موقع الدفاع، وإن تفاعلت مع الهجمات الأميركية عبر إطلاق هجمات مضادّة على القواعد العسكرية في الخليج، وإحداث المزيد من الاضطراب في حركة الملاحة في هرمز، وبالتالي، فإن الدبلوماسية بالنسبة إلى الأميركيين ليست هي نفسها بالنسبة إلى الإيرانيين، حتى لو ارتبط الطرفان بمذكّرة تفاهم واحدة تحتوي على البنود نفسها. 

الدبلوماسية بالنسبة إلى ترامب هي أداة من أدوات الحرب، يحقّق من خلالها ما تعجز عن تحقيقه القنابل، أو يستخدمها بالتوازي مع القنابل فتصير فعّالية الاثنين مضاعفةً، بينما هي بالنسبة إلى الإيرانيين وسيلة لتأجيل الحرب أو إنهائها أو التخفيف من وطأتها.

في نظر الجمهور المتلقّي للخطاب، يبدو ترامب مستميتاً لإظهار أنه “يملك زمام المبادرة”، ولا ينفكّ يكرّر منذ أشهر أن الولايات المتّحدة تمكّنت من “سحق إيران عسكرياً”، أو “منعتها من حيازة سلاح نووي”، أو يتباهى بقدرات الجيش الأميركي والحصار البحري الذي فرضه على الموانئ الإيرانية… إلى آخر الديباجة التي غدت معروفة للجميع. 

ربما لم تحسب إدارة ترامب بدقّة خطورة إغلاق مضيق هرمز قبل بلوغ مرحلة محاولة إسقاط النظام في الحرب مع إيران (الهدف الذي فشلت في تحقيقه)، وذلك رغم تأكيد المسؤولين الأميركيين في البنتاغون والبيت الأبيض، أن التهديد في هرمز كان متوقّعاً ولم يخرج عن حساباتهم، إلا أن ردود الفعل الأميركية اللاحقة، الناتجة عن الإغلاق الفعلي للمضيق، اتّخذت مساراً أبعد ما يكون عن الارتجال.

ما تزال لدى إيران قدرة على إعاقة استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، سواء من خلال استهداف السفن والناقلات بالمسيّرات والصواريخ الموجّهة، أو نشر الألغام البحرية، أو التلويح بفرض رسوم عبور على السفن (مع معاملة تفضيلية لدول “صديقة”) بما يخالف اتّفاقية الأمم المتّحدة لقانون البحار، وقد نتج عن تسليح إيران هرمز، صدمات اقتصادية كبيرة وارتفاعات حادّة في أسعار النفط في الأشهر الأخيرة. إلا أن المفارقة في الجولة الأخيرة من الضربات المتبادلة وإعلان إغلاق المضيق مجدّداً، وبعد أن انخفضت أسعار النفط إلى مستويات قريبة من مستويات ما قبل الحرب بعد توقيع مذكّرة التفاهم، هي أن الأحداث الجديدة لم ينتج عنها – حتى الآن – سوى ارتفاع محدود في الأسعار مقارنةً بالارتفاعات السابقة، ما يرجّح احتمال أن تكون القوّات الأميركية قد فرضت واقعاً عسكرياً جديداً عبر مرافقة ناقلات النفط وحمايتها رغم المحاولات الإيرانية لفرض التعطيل الكامل لحركة الملاحة، وينعكس هذا الاحتمال على ثقة الأسواق، وهذا ما لمّحت إليه مذكّرة أصدرتها “برايس فيوتشرز غروب” يوم الجمعة الماضي.

بالإضافة إلى الواقع العسكري، فإن انخفاض الطلب العالمي على النفط وتراجع الواردات الآسيوية يُسهم بشكل كبير في امتصاص السوق لأيّ صدمة جديدة ناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، ويخفّف من “علاوة المخاطر” مقارنة بالفترات السابقة من الأزمة. وهناك عوامل أخرى تؤثّر بأسعار النفط رغم ثانويتها في الوقت الحالي، لكن سيتزايد تأثيرها مستقبلاً، حيث تسعى بعض دول الخليج إلى تطوير بدائل عن مضيق هرمز. 

فمنذ شهرين، أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) عن مشروع تطوير خطّ أنابيب “غرب- شرق 1” الجديد، الذي من شأنه أن يضاعف الطاقة التصديرية عبر ميناء الفجيرة، وبالتوازي، تستهدف “أدنوك” الإماراتية زيادة طاقتها الإنتاجية من النفط الخام لتصل إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول العام 2027. أما “أرامكو” السعودية فرفعت الطاقة التشغيلية لخطّ أنابيب “بترولاين” (غرب- شرق) الذي يصل حقول النفط الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، لتقفز السعة الإنتاجية من 5 ملايين برميل إلى 7 ملايين برميل يومياً.

لا تزال التدفّقات أقلّ من مستويات ما قبل الحرب، وتكبّدت دول الخليج، إلى جانب العراق، خسائر فادحة في الإنتاج والتصدير، فيما تفتقر بعض الدول الخليجية إلى البدائل، لا سيّما الكويت وقطر اللتين تعتمدان بشكل شبه كامل على مضيق هرمز لتمرير إمداداتهما من النفط والغاز المسال إلى الأسواق العالمية، علماً بأنهما تدرسان خيارات التصدير عبر الأراضي السعودية والإماراتية وموانئ خليج عُمان والبحر الأحمر. 

ولكن استناداً إلى جميع المعطيات المذكورة أعلاه، وإلى حقيقة أن أسواق النفط لم تعد تتأثّر بنفس المستوى الذي كانت عليه مع بدء الحرب، وسيتراجع مدى تأثرها مع مرور الوقت واجتراح البدائل، تتّضح ملامح مقاربة استراتيجية واقعية وطويلة الأمد في خطاب ترامب. مقاربة تراهن بشكل أساسي على عامل الوقت لتطويع طهران وإجبارها على القبول بجميع الشروط الأميركية.

يدرك ترامب أن ورقة الضغط الإيرانية الأهمّ المتمثّلة بإغلاق مضيق هرمز تفقد قيمتها الاستراتيجية تدريجياً مع مرور كل شهر. أمّا طهران، فتدرك بدورها أن هذه الورقة هي سلاحها الفعلي في المفاوضات، بعد أن ألحقت الهجمات الأميركية والإسرائيلية أضراراً كبيرة بالبرنامج النووي مسببةً بتأخيره لفترة يمكن أن تصل إلى عامين، وفق التقييمات الاستخباراتية الأميركية. وبينما يشتد الحصار البحري والاقتصادي على إيران، تبحث دول الخليج عن خيارات بديلة لتصدير نفطها وغازها.

هذا التحوّل التدريجي من شأنه أن يجرّد إيران من قدرتها على إحداث صدمة مستدامة في أسواق الطاقة من جهة، وأن يمنح إدارة ترامب قدرةً أكبر على إدارة الصراع ومواصلة الخنق الاقتصادي بأقلّ كلفة ممكنة على الاقتصاد الأميركي من جهة أخرى، ومن دون الحاجة إلى توسّل الكونغرس لتمرير تمويل إضافي بنحو 88 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب مع إيران، بعد أن قدّمت طلباً بذلك في أواخر حزيران/ يونيو.

كما أن فرض المرافقة العسكرية لناقلات النفط في هرمز يستند إلى معادلة استنزافية أخرى، حيث تستهدف الضربات الأميركية الجديدة الرادارات الإيرانية بشكل دقيق، ومخزونات الصواريخ والمسيّرات على السواحل الجنوبية المطلّة على المضيق. بهذا المعنى، لم تعد الولايات المتّحدة تريد حرباً على نطاق واسع، بل لم تعد حتى تقبل بتمويل مثل هذه الحرب، هي فقط تستهدف قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، وتجعل استمرارها في خيار تعطيل الملاحة بالغ الكلفة على المدى الطويل، وذلك رغم وجود وجهة نظر إيرانية تقول إن الضربات الأميركية ليست عشوائية بل ربما تكون تمهيداً لغزوٍ يطال الجزر الإيرانية ومن بينها جزيرة خرج الاستراتيجية.

لقد بدأ ترامب بقلب الطاولة على إيران لحظة إعلانه الحصار البحري على موانئها بعد أن عجز في فكّ الحصار الإيراني على مضيق هرمز، وقلب الطاولة مرّة أخرى حين فرض واقع المرافقة العسكرية للناقلات النفطية، وقلبها مرّة جديدة حين تذرّع أكثر من مرّة بخرق إيران مذكّرة التفاهم ليستكمل نزع مخالبها بهجمات تستهدف تجريدها من القدرة على تعطيل الملاحة وتعطيل قدراتها الهجومية والدفاعية على طول الساحل الجنوبي.

ليس ترامب “مجنوناً”، ولا “جوزائياً” متقلّب المواقف دون سبب حين يقول الشيء ونقيضه في آن معاً، كما يطيب لنا أن نكرّر على سبيل المزاح والعبث، ويبدو أن تجنّب عقلنة خطاب هذا الرجل أصبح أمراً اعتيادياً، حيث يبدو خطابه ارتجالياً إلى حدٍّ بعيد، لكنّ نظرة أشمل تشير إلى أنه يتعمّد استخدام خطاب متناقض بنيوياً في ظاهره، حيث يجمع المتناقضات، من التهديدات العسكرية المتواصلة إلى الدعوات المستمرّة إلى التفاوض، ليدير التصعيد ببطء محسوب بدقّة دون الانزلاق إلى سيناريو الحرب الشاملة التي لا تحظى بشعبية بين الأميركيين. 

وبذلك، لا يبدو أن ترامب يمانع استمرار الحرب مع إيران بالصورة التي آلت إليها لسنوات مقبلة، وربما حتى نهاية ولايته في كانون الثاني/ يناير 2029، مستخدماً الدبلوماسية كأداة من أدوات حربه، بينما يطمح الإيرانيون إلى إنهاء الحرب عبر الدبلوماسية نفسها.

يعيد ترامب إنتاج الواقع المادّي عبر عمليّات معقّدة ومتزامنة، قبل أن ينعكس ذلك في خطابه تعقيداً شديداً يصعب على المتلقّي تفكيكه بسهولة، ولمضيق هرمز الحصّة الأكبر في هذا التناقض الخطابي تجاه إيران، ومن الواضح أن ترسانة ترامب الخطابية تشمل إحداث البلبلة بين الإيرانيين أنفسهم، شعباً ونظاماً، والاستثمار في التناقضات الداخلية للنظام الإيراني، كما أن إدارة ترامب قد تأقلمت مع الجانب الاقتصادي المؤلم للحرب على إيران إلى حدود معيّنة، على الرغم من المخاطر السياسية والاقتصادية في الداخل الأميركي، ومن الواضح أيضاً أن النظام الإيراني يحاول التأقلم مع العدوانية الأميركية دون أن يتعرّض للانهيار رغم المخاطر الوجودية التي يواجهها، وفي الحالتين، يواجه الطرفان ضغوطاً دولية يبدو أنهما بدآ بالتأقلم معها أيضاً.

غير أن الكفّة في هذه اللعبة مرجّحة لمصلحة الولايات المتّحدة على المدى البعيد. إيران محاصرة بالفعل، فإذا بادرت إلى هجوم واسع النطاق مجدّداً ستتعرّض لضربات قاسية ستطال حتماً البنية التحتية المدنية، وإذا لم تبادر إلى الهجوم فهي في وضعية حرب استنزاف، وهي لم تعد تحبّذ تنفيذ هجمات مباشرة ضد إسرائيل لرفع مستوى الضغط بسبب الكلفة الباهظة لخروج الصراع عن السيطرة. ولا يمكن أن يغيّر ميزان القوى الحالي سوى انقلاب في ميزان القوى والتحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، تغيّر يُعيد تشكيل الستاتيكو الإقليمي برمته، وهو ما يسعى ترامب إلى تداركه أخيراً عبر استمالة تركيا رغم المعارضة الإسرائيلية الشديدة، ومن المحتمل أن يعلن عن دعمه صفقة بيع طائرات “إف-35” لتركيا، بعد أن أعلن تأييده رفع العقوبات التي فرضتها واشنطن على أنقرة إثر شراء الأخيرة منظومة “إس-400” الروسية للدفاع الجوّي في عام 2017، وذلك بعد مرور شهرين من زيارته بكين لإقناع الرئيس الصيني شي جينبينغ بتقليل الاعتماد على النفط الإيراني وشراء النفط الأميركي، ومذّاك قلّصت الصين أيضاً وارداتها النفطية بأكثر من 40%.

13.07.2026
زمن القراءة: 7 minutes

لا يمكن أن يغيّر ميزان القوى الحالي سوى انقلاب في ميزان القوى والتحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، تغيّر يُعيد تشكيل الستاتيكو الإقليمي برمته، وهو ما يسعى ترامب إلى تداركه أخيراً عبر استمالة تركيا رغم المعارضة الإسرائيلية الشديدة.

يترنّح وقف إطلاق النار بين الولايات المتّحدة وإيران، في الوقت الذي يشهد فيه مضيق هرمز تصعيداً جديداً إثر إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاقه “حتى إشعار آخر”، وذلك في أعقاب استهدافه سفينة حاويات جديدة، وتنفيذ الجيش الأميركي جولة جديدة من الغارات ضد إيران، تبعها قصف إيراني متواصل لقواعد عسكرية في دول خليجية. 

وبالتزامن مع هذه الأحداث، وما سبقها من أحداث مماثلة طوال الشهرين الماضيين، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الجمع بين الإعلان عن مواصلة المحادثات مع إيران، والإعلان المتزامن بأن مذكّرة التفاهم قد انتهت.

هذا التناقض في خطاب ترامب في الملفّ الإيراني تحديداً، بخلاف غيره من الملفّات، لم يعد من الممكن اعتباره اعتباطياً، ولا دليلاً على “جنون ترامبي” يصعب تفسيره. لقد نظمَ ترامب خطاباً سياسياً محكماً طوال الأشهر الماضية، يستند في صلبه إلى تناقضات تبدو بنيوية في الظاهر، ورغم تأرجحه باستمرار بين لغة الإخضاع والدبلوماسية، وبين استعراض القوّة وادّعاء السعي نحو السلم، بدا في العمق متماسكاً إلى حدٍّ كبير.

وفي جميع الحالات، يحرص ترامب على التقدّم بأكثر من خطوة واحدة على الإيرانيين بشكل دائم. ولعلّه يجب ألا ننسى أن الولايات المتّحدة في موقع الهجوم وإيران في موقع الدفاع، وإن تفاعلت مع الهجمات الأميركية عبر إطلاق هجمات مضادّة على القواعد العسكرية في الخليج، وإحداث المزيد من الاضطراب في حركة الملاحة في هرمز، وبالتالي، فإن الدبلوماسية بالنسبة إلى الأميركيين ليست هي نفسها بالنسبة إلى الإيرانيين، حتى لو ارتبط الطرفان بمذكّرة تفاهم واحدة تحتوي على البنود نفسها. 

الدبلوماسية بالنسبة إلى ترامب هي أداة من أدوات الحرب، يحقّق من خلالها ما تعجز عن تحقيقه القنابل، أو يستخدمها بالتوازي مع القنابل فتصير فعّالية الاثنين مضاعفةً، بينما هي بالنسبة إلى الإيرانيين وسيلة لتأجيل الحرب أو إنهائها أو التخفيف من وطأتها.

في نظر الجمهور المتلقّي للخطاب، يبدو ترامب مستميتاً لإظهار أنه “يملك زمام المبادرة”، ولا ينفكّ يكرّر منذ أشهر أن الولايات المتّحدة تمكّنت من “سحق إيران عسكرياً”، أو “منعتها من حيازة سلاح نووي”، أو يتباهى بقدرات الجيش الأميركي والحصار البحري الذي فرضه على الموانئ الإيرانية… إلى آخر الديباجة التي غدت معروفة للجميع. 

ربما لم تحسب إدارة ترامب بدقّة خطورة إغلاق مضيق هرمز قبل بلوغ مرحلة محاولة إسقاط النظام في الحرب مع إيران (الهدف الذي فشلت في تحقيقه)، وذلك رغم تأكيد المسؤولين الأميركيين في البنتاغون والبيت الأبيض، أن التهديد في هرمز كان متوقّعاً ولم يخرج عن حساباتهم، إلا أن ردود الفعل الأميركية اللاحقة، الناتجة عن الإغلاق الفعلي للمضيق، اتّخذت مساراً أبعد ما يكون عن الارتجال.

ما تزال لدى إيران قدرة على إعاقة استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، سواء من خلال استهداف السفن والناقلات بالمسيّرات والصواريخ الموجّهة، أو نشر الألغام البحرية، أو التلويح بفرض رسوم عبور على السفن (مع معاملة تفضيلية لدول “صديقة”) بما يخالف اتّفاقية الأمم المتّحدة لقانون البحار، وقد نتج عن تسليح إيران هرمز، صدمات اقتصادية كبيرة وارتفاعات حادّة في أسعار النفط في الأشهر الأخيرة. إلا أن المفارقة في الجولة الأخيرة من الضربات المتبادلة وإعلان إغلاق المضيق مجدّداً، وبعد أن انخفضت أسعار النفط إلى مستويات قريبة من مستويات ما قبل الحرب بعد توقيع مذكّرة التفاهم، هي أن الأحداث الجديدة لم ينتج عنها – حتى الآن – سوى ارتفاع محدود في الأسعار مقارنةً بالارتفاعات السابقة، ما يرجّح احتمال أن تكون القوّات الأميركية قد فرضت واقعاً عسكرياً جديداً عبر مرافقة ناقلات النفط وحمايتها رغم المحاولات الإيرانية لفرض التعطيل الكامل لحركة الملاحة، وينعكس هذا الاحتمال على ثقة الأسواق، وهذا ما لمّحت إليه مذكّرة أصدرتها “برايس فيوتشرز غروب” يوم الجمعة الماضي.

بالإضافة إلى الواقع العسكري، فإن انخفاض الطلب العالمي على النفط وتراجع الواردات الآسيوية يُسهم بشكل كبير في امتصاص السوق لأيّ صدمة جديدة ناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، ويخفّف من “علاوة المخاطر” مقارنة بالفترات السابقة من الأزمة. وهناك عوامل أخرى تؤثّر بأسعار النفط رغم ثانويتها في الوقت الحالي، لكن سيتزايد تأثيرها مستقبلاً، حيث تسعى بعض دول الخليج إلى تطوير بدائل عن مضيق هرمز. 

فمنذ شهرين، أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) عن مشروع تطوير خطّ أنابيب “غرب- شرق 1” الجديد، الذي من شأنه أن يضاعف الطاقة التصديرية عبر ميناء الفجيرة، وبالتوازي، تستهدف “أدنوك” الإماراتية زيادة طاقتها الإنتاجية من النفط الخام لتصل إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول العام 2027. أما “أرامكو” السعودية فرفعت الطاقة التشغيلية لخطّ أنابيب “بترولاين” (غرب- شرق) الذي يصل حقول النفط الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، لتقفز السعة الإنتاجية من 5 ملايين برميل إلى 7 ملايين برميل يومياً.

لا تزال التدفّقات أقلّ من مستويات ما قبل الحرب، وتكبّدت دول الخليج، إلى جانب العراق، خسائر فادحة في الإنتاج والتصدير، فيما تفتقر بعض الدول الخليجية إلى البدائل، لا سيّما الكويت وقطر اللتين تعتمدان بشكل شبه كامل على مضيق هرمز لتمرير إمداداتهما من النفط والغاز المسال إلى الأسواق العالمية، علماً بأنهما تدرسان خيارات التصدير عبر الأراضي السعودية والإماراتية وموانئ خليج عُمان والبحر الأحمر. 

ولكن استناداً إلى جميع المعطيات المذكورة أعلاه، وإلى حقيقة أن أسواق النفط لم تعد تتأثّر بنفس المستوى الذي كانت عليه مع بدء الحرب، وسيتراجع مدى تأثرها مع مرور الوقت واجتراح البدائل، تتّضح ملامح مقاربة استراتيجية واقعية وطويلة الأمد في خطاب ترامب. مقاربة تراهن بشكل أساسي على عامل الوقت لتطويع طهران وإجبارها على القبول بجميع الشروط الأميركية.

يدرك ترامب أن ورقة الضغط الإيرانية الأهمّ المتمثّلة بإغلاق مضيق هرمز تفقد قيمتها الاستراتيجية تدريجياً مع مرور كل شهر. أمّا طهران، فتدرك بدورها أن هذه الورقة هي سلاحها الفعلي في المفاوضات، بعد أن ألحقت الهجمات الأميركية والإسرائيلية أضراراً كبيرة بالبرنامج النووي مسببةً بتأخيره لفترة يمكن أن تصل إلى عامين، وفق التقييمات الاستخباراتية الأميركية. وبينما يشتد الحصار البحري والاقتصادي على إيران، تبحث دول الخليج عن خيارات بديلة لتصدير نفطها وغازها.

هذا التحوّل التدريجي من شأنه أن يجرّد إيران من قدرتها على إحداث صدمة مستدامة في أسواق الطاقة من جهة، وأن يمنح إدارة ترامب قدرةً أكبر على إدارة الصراع ومواصلة الخنق الاقتصادي بأقلّ كلفة ممكنة على الاقتصاد الأميركي من جهة أخرى، ومن دون الحاجة إلى توسّل الكونغرس لتمرير تمويل إضافي بنحو 88 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب مع إيران، بعد أن قدّمت طلباً بذلك في أواخر حزيران/ يونيو.

كما أن فرض المرافقة العسكرية لناقلات النفط في هرمز يستند إلى معادلة استنزافية أخرى، حيث تستهدف الضربات الأميركية الجديدة الرادارات الإيرانية بشكل دقيق، ومخزونات الصواريخ والمسيّرات على السواحل الجنوبية المطلّة على المضيق. بهذا المعنى، لم تعد الولايات المتّحدة تريد حرباً على نطاق واسع، بل لم تعد حتى تقبل بتمويل مثل هذه الحرب، هي فقط تستهدف قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، وتجعل استمرارها في خيار تعطيل الملاحة بالغ الكلفة على المدى الطويل، وذلك رغم وجود وجهة نظر إيرانية تقول إن الضربات الأميركية ليست عشوائية بل ربما تكون تمهيداً لغزوٍ يطال الجزر الإيرانية ومن بينها جزيرة خرج الاستراتيجية.

لقد بدأ ترامب بقلب الطاولة على إيران لحظة إعلانه الحصار البحري على موانئها بعد أن عجز في فكّ الحصار الإيراني على مضيق هرمز، وقلب الطاولة مرّة أخرى حين فرض واقع المرافقة العسكرية للناقلات النفطية، وقلبها مرّة جديدة حين تذرّع أكثر من مرّة بخرق إيران مذكّرة التفاهم ليستكمل نزع مخالبها بهجمات تستهدف تجريدها من القدرة على تعطيل الملاحة وتعطيل قدراتها الهجومية والدفاعية على طول الساحل الجنوبي.

ليس ترامب “مجنوناً”، ولا “جوزائياً” متقلّب المواقف دون سبب حين يقول الشيء ونقيضه في آن معاً، كما يطيب لنا أن نكرّر على سبيل المزاح والعبث، ويبدو أن تجنّب عقلنة خطاب هذا الرجل أصبح أمراً اعتيادياً، حيث يبدو خطابه ارتجالياً إلى حدٍّ بعيد، لكنّ نظرة أشمل تشير إلى أنه يتعمّد استخدام خطاب متناقض بنيوياً في ظاهره، حيث يجمع المتناقضات، من التهديدات العسكرية المتواصلة إلى الدعوات المستمرّة إلى التفاوض، ليدير التصعيد ببطء محسوب بدقّة دون الانزلاق إلى سيناريو الحرب الشاملة التي لا تحظى بشعبية بين الأميركيين. 

وبذلك، لا يبدو أن ترامب يمانع استمرار الحرب مع إيران بالصورة التي آلت إليها لسنوات مقبلة، وربما حتى نهاية ولايته في كانون الثاني/ يناير 2029، مستخدماً الدبلوماسية كأداة من أدوات حربه، بينما يطمح الإيرانيون إلى إنهاء الحرب عبر الدبلوماسية نفسها.

يعيد ترامب إنتاج الواقع المادّي عبر عمليّات معقّدة ومتزامنة، قبل أن ينعكس ذلك في خطابه تعقيداً شديداً يصعب على المتلقّي تفكيكه بسهولة، ولمضيق هرمز الحصّة الأكبر في هذا التناقض الخطابي تجاه إيران، ومن الواضح أن ترسانة ترامب الخطابية تشمل إحداث البلبلة بين الإيرانيين أنفسهم، شعباً ونظاماً، والاستثمار في التناقضات الداخلية للنظام الإيراني، كما أن إدارة ترامب قد تأقلمت مع الجانب الاقتصادي المؤلم للحرب على إيران إلى حدود معيّنة، على الرغم من المخاطر السياسية والاقتصادية في الداخل الأميركي، ومن الواضح أيضاً أن النظام الإيراني يحاول التأقلم مع العدوانية الأميركية دون أن يتعرّض للانهيار رغم المخاطر الوجودية التي يواجهها، وفي الحالتين، يواجه الطرفان ضغوطاً دولية يبدو أنهما بدآ بالتأقلم معها أيضاً.

غير أن الكفّة في هذه اللعبة مرجّحة لمصلحة الولايات المتّحدة على المدى البعيد. إيران محاصرة بالفعل، فإذا بادرت إلى هجوم واسع النطاق مجدّداً ستتعرّض لضربات قاسية ستطال حتماً البنية التحتية المدنية، وإذا لم تبادر إلى الهجوم فهي في وضعية حرب استنزاف، وهي لم تعد تحبّذ تنفيذ هجمات مباشرة ضد إسرائيل لرفع مستوى الضغط بسبب الكلفة الباهظة لخروج الصراع عن السيطرة. ولا يمكن أن يغيّر ميزان القوى الحالي سوى انقلاب في ميزان القوى والتحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، تغيّر يُعيد تشكيل الستاتيكو الإقليمي برمته، وهو ما يسعى ترامب إلى تداركه أخيراً عبر استمالة تركيا رغم المعارضة الإسرائيلية الشديدة، ومن المحتمل أن يعلن عن دعمه صفقة بيع طائرات “إف-35” لتركيا، بعد أن أعلن تأييده رفع العقوبات التي فرضتها واشنطن على أنقرة إثر شراء الأخيرة منظومة “إس-400” الروسية للدفاع الجوّي في عام 2017، وذلك بعد مرور شهرين من زيارته بكين لإقناع الرئيس الصيني شي جينبينغ بتقليل الاعتماد على النفط الإيراني وشراء النفط الأميركي، ومذّاك قلّصت الصين أيضاً وارداتها النفطية بأكثر من 40%.