“بيتي مش فدا حدا، خلص، بيتي مش فدا حدا”.
ليس هذا مشهداً من مسرحية، بل صوت امرأة من جنوب لبنان تتفقد منزلها الذي هدمته الصواريخ الإسرائيلية، في فيديو تم تداوله بشكل واسع… في الفيديو نسمعها تصرخ بصوت واحد جملتها المكررة، “بيتي مش فدا حدا”. لم نشاهد وجهها، لكن صوتها كان عالياً بما يكفي لنكاد نتخيل وجهها وملامحها وعمرها وقهر عينيها. حاول من حولها إسكاتها، كأنّ صرختها ليست ما هو متوقع. لعل من حاول إسكاتها يفترض أن الكلمات الجاهزة التي ينبغي أن تُقال هي حصراً عن الصبر، التضحية، الفداء أو حتى الصمت من دون خروج أي صوت أو تعبير. لكنها رفضت كل إطار لغوي يُراد فرضه عليها، وقالت ببساطة ما يخصها هي: “بيتي مش فدا حدا” رسالتها الوحيدة. كان وجهها خفياً، ولهذا الخفاء معنى آخر. من كلماتها القليلة عرفنا قصّتها كلها. بيتها كان سردها، وتعبها، وشقاءها. ثلاث كلمات كانت كافية كي نرى دمار البيت، ونتخيل الحياة التي كانت فيها. نحن لا نصف العالم بالكلمات فقط، بل نسكن اللغة أيضاً، لقد سكن صوتها في كل حرف وفي عجزنا أيضاً. ولهذا كانت تلك الكلمات القليلة كافية. كلمات بسيطة تخفي وراءها مئات الوقائع عن بيت تهدم، وذاكرة، وحياة لا تريد أن تتحول إلى شعار.
في خلفية هذه الصرخة تاريخٌ من اللغة التي صيغت بعد الحروب لتبرير الخسارة. بعد حرب تموز/ يوليو عام 2006 تحديداً، انتشرت على نطاق واسع عبارات من نوع “فدا السيّد” و”فدا صرماية السيّد”، في إشارة إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، ثم توسّعت لاحقاً إلى صيغ مثل “فدا المقاومة”. ظهرت هذه العبارات في سياق تغطيات إعلامية وتم تطويب أهل الجنوب الذين خرجوا من تحت الركام معلنين استعدادهم لتحمّل الدمار والخسائر بوصفهما تضحية في سبيل المقاومة، حتى تحوّلت تدريجياً إلى جزء من خطاب عام يمجّد الفداء ويمنح معنىً للكارثة ويكاد يقطع على أي تعبير آخر معاكس. بهذا المعنى لم تكن تلك اللغة مجرد تعبير عاطفي، بل إطاراً سياسياً وأخلاقياً يختزل الخراب في فكرة التضحية، ويؤجل سؤال المساءلة: من يقرر الحرب؟ ومن يدفع ثمنها؟ لذلك تبدو جملة تلك المرأة اليوم “بيتي مش فدا حدا” كأنها كسرٌ لهذا القاموس كله، خروجٌ من لغة الفداء الجماعية إلى لغة الخسارة الشخصية، التي ترفض من خلالها أن تتحول حياتها وبيتها إلى شعار.
في لبنان، هناك اتجاه آخذ في الاتساع لسلب البعض من قدرتهم على تسمية تجربتهم وما يعيشونه. يظهر ذلك بوضوح في خطاب حزب الله وإعلامه المؤيد للحرب، إذ يتم العمل على إعادة صياغة اللغة التي يصف بها الناس حياتهم وما يصيبهم. هذا لا يحدث بسهولة، فاللغة جزء من تجربة البشر اليومية ومن قدرتهم على تسمية ما يعيشونه. لكن حين يفقد الأيديولوجيون قدرتهم على فهم الواقع أو مداراة تعقيده، يلجأون إلى اللغة كي يعيدوا ترتيب هذا الواقع بدلاً من تفسيره.
يظهر ذلك في المعجم اللغوي الذي يُفرض على جمهور المقاومة أو على الشيعة اللبنانيين، هناك صراع على أفواه الناس، وعلى الحديث معهم، لتوكيد كلمات تتالى: الصابرون، المجاهدون، المتحملون أشرف الناس، هذه الكلمات لا تنشأ عفوياً، على الرغم من أهمية إعطاء الضحية بُعداً أخلاقياً من كونها محايدة عن المسؤولية، وليس من إلباسها قناعاً عبر اللغة.
أي هناك مصطلحات تُلبَّس للجمهور عبر الإعلام والخطب والصحف والأمنيين والمشايخ بخاصة، الذين يدورون على مراكز النزوح لتوكيد النزوح بوصفه قدراً وتجربة مماثلة لآل البيت. في المقابل، تُستبعد كلمات أخرى تصف التجربة كما هي: نازح، لاجئ، تارك لبيته. يصبح الامتناع عن تسمية الواقع جزءاً من قهرٍ فخري يُفرض على الناس.
يصبح النزوح مرتبطاً بالكرامة، وتتحول الخسارة إلى امتحان أخلاقي. تُلزَق الكلمات الجديدة بالناس عنوة وبجدية حتى تبدو وكأنها التعبير الطبيعي عن الواقع. هناك كلمات يُظن أن لها قوة شبه سحرية، لكنها في الحقيقة ليست سوى وسيلة لتبسيط التعقيد: النزوح يصبح صَبراً وتجربة.
خسارة البيت تصبح كرامة. المعاناة تصبح ابتلاءً إلهياً.
إقرأوا أيضاً:
هكذا تصنع الجماعات السياسية معجماً خاصاً يحدد كيف يفهم الأفراد الواقع. حين تختفي كلمات مثل نازح، لاجئ، ضحية… وتحل مكانها كلمات مثل مجاهد، صابر، مبتلى… يعاد تعريف التجربة الإنسانية نفسها، وتكفّ عن أن تكون تجربة حرة لتصبح جزءاً من ماكينة تدور داخل الحياة بلا خيار ولا اختيار.
الهدف من هذا التحول اللغوي واضح: نقل الحدث من المجال السياسي إلى المجال الأخلاقي أو الديني، حيث تختفي الأسئلة المتعلقة بالفعل البشري والمسؤولية السياسية، ويصبح ما يحدث تجربة تُقدَّم بوصفها طريقاً إلى المعنى أو امتحاناً يُساق إليه الناس.
بهذا المعنى لا تعود اللغة أداة لوصف الواقع، بل وسيلة لإعادة صياغته. تتحول المعاناة من واقعة تاريخية يمكن فهمها ومساءلة أسبابها إلى تجربة رمزية يُطلب من الناس أن يعيشوها بوصفها فضيلة.
لكن الأمر لا يقتصر على تحويل الحدث من المجال السياسي إلى الأخلاقي أو الديني، بل أيضاً يُنزع التوصيف الإنساني المباشر عن الناس. لم يعودوا أفراداً يعيشون تجربة نزوح وخسارة بيت وحياة مهددة، بل يُعاد وضعهم داخل تموضع جاهز: شيعي، مقاوم، جمهور الحزب. هكذا تُختصر التجربة الإنسانية المعقدة داخل هوية سياسية وطائفية محددة سلفاً، وتُصادر أيضاً طريقة فهم الإنسان لنفسه. فبدلاً من أن يصف ما يعيشه بوصفه تجربة إنسانية خاصة، يُطلب منه أن يعيشها داخل تعريف سياسي جاهز يحدده الحزب.
هذه مشكلة كلاسيكية في الفهم تُعرف بما يسمى أسطورة المعطى: الاعتقاد أن الإنسان يرى الواقع أولاً ثم يسميه. لكن الواقع لا يُفهم مباشرة، بل داخل إطار لغوي يرتبط بالثقافة وتاريخ الإنسان وتطوره، وهذا الإطار يفترض أن يكون حراً لا مفروضاً. الكلمات التي نستخدمها لا تصف الواقع فقط، بل تحدد أيضاً كيف نراه. وحين يتغير المعجم يتغير شكل التجربة نفسها.
في حالة حزب الله لا يقتصر الأمر على استخدام لغة معينة، بل يمتد إلى إعادة تعريف الحياة نفسها داخل منظومته، نظامه المالي والاجتماعي والكياني والسياسي، الذي بات في كثير من جوانبه أكبر من الدولة نفسها. ضمن هذا الإطار تصبح اللغة جزءاً من السيطرة على تفسير الهوية وعلى الطريقة التي يفهم بها الناس تجربتهم وموقعهم في العالم.
وسط هذا المعجم المغلق يظهر أحياناً صوت يكسر هذه اللغة: “بيتي مش فدا حدا”. لا يريدون لهذه الجملة أن تُقال، لكن تلك المرأة قالتها.
حول أماكن النزوح يقف غالباً أمنيون أو أنصار للحزب، يحاولون إبعاد الصحافيين، بينما يفضل كثيرون الصمت أمام الإعلام. في المقابل، يمكن دائماً الاستماع إلى ممثلي الحزب ومنصاته التي تتكفل بتفسير ما يحدث.
لا شك في أن الحزب يملك خزاناً واسعاً من المؤيدين داخل بيئته. لكن ما يظهر في هذه اللحظات هو شكل آخر من القسوة الخاصة به، ما لم نقل السادية، القوة القادرة على فرض خطابها وتعمل تحديداً في المساحات الأضعف من المجتمع المنهار والذي لا يملك إلا كرامة الدين لزمن البحبوحة الذي قدمه الحزب. فالمساعدة لا تأتي دائماً بوصفها تضامناً خالصاً، بل كآلية ضم وإلحاق تستند إلى ذاكرة الناس عن قدرة الحزب سابقاً على التعويض والرعاية. فيصبح الأضعف والأقل قدرة على التعويض أكثر عرضة للاستقطاب، إذ تتحول المساعدة نفسها إلى وسيلة لمصادرة القرار وربط حياة الناس بمعجم الحزب وخياره السياسي. ها هنا لا يُفرض الخطاب باللغة فقط، بل بالحياة نفسها. يصبح جزء من جمهور الحزب ضحيةً لهذا النظام اللغوي والسياسي. فالتجربة التي يعيشها الناس لا تُترك لهم كي يعبّروا عنها بلغتهم، بل يُطلب منهم فهمها داخل معجم جاهز، تُعاد فيه صياغة المعاناة بطريقة تجعل الخسارة نفسها قابلة للتبرير. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الحزب لا يملك مؤيدين فعليين، بل إن القوة التي يملكها تجعل معجمه وتفسيره للواقع يبدوان أحياناً كأنهما اللغة الوحيدة الممكنة. ما زال صوت السيدة هو جانب الحرية الأكثر وضوحاً وصدقاً، ليس من فراغ قيل إن الصوت هو أصدق من أي شيء مدون أو مهيئ قوله. صوتها أهم من كل الوجوه والمقالات التي سُتكتب. ثم إنها عرفت كيف تنجو من قسوة الحزب، فأخفت وجهها وبطريقة ما عرفت أن صوتها أكثر قوة من أي وجه.
إقرأوا أيضاً:












