ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بيروت… المدينة التي لم تعد تشبه نفسها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد توقّف صوت القذائف والعمليّات العسكرية في بيروت، اكتشفت أن علاقتي وعلاقة كثيرين بها تبدّلت تماماً. فهي فقدت عفويتها، ولم يعد المرور في شوارعها فعلاً عادياً. أخذت مني الحرب شعور الطمأنينة والأمان، الذي كان يعتريني أثناء المشي في أزقّة هذه المدينة على الرغم من قلقها الدائم، وغرست الهدنة مكانه شعوراً بالحذر والترقّب.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أمشي في شوارع بيروت كضيف ثقيل على مدينة غريبة. أتلفتُ حولي فأرى غبار الموت يلفّ المكان وأتنشّق رائحته. لا أعرف متى بالتحديد بدأت المدينة تفقد ملامحها كما عرفتها. ولا متى تغيّرت رائحتها، وباتت تشي بالترقّب والانتظار. لكن ما أعرفه يقيناً أن هذه الحرب الثقيلة، لم تقتصر على إعادة تشكيل المشهد العامّ، لكنّها غيّرت أيضاً طريقة النظر إلى المدينة نفسها. فبيروت لم تعد في نظرنا كما كانت، حتى حين تعود الحياة إلى شوارعها بشكل شبه طبيعي.

في أحياء كثيرة في بيروت، ما زال أثر الحرب حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، حتى وإن كان بطريقة غير مباشرة. وكلّ تفصيل صغيرٍ فيها بات محمّلاً باحتمالات وأوجاع أكبر ممّا نستوعب وندرك. ففي أحياء مثل الباشورة أو تلّة الخيّاط أو زقاق البلاط مثلاً، ما زالت جدران بعض المباني تحمل آثار الشظايا، بينما تمرّ السيّارات ببطء في الأزقّة التي شهدت استهدافات قبل أسابيع فقط.

فبعد أن تطوي الحرب صفحتها، تتغيّر بنية المدينة، وينقلب الشعور الذي يرافق حركتنا فيها. وتختلف درجة الانتباه التي نعيش بها كلّ خطوة، فنمشي كأننا نتلمّس الأرض للمرّة الأولى. فحتى صوت إغلاق باب حديدي في زقاق ضيّق، أو توقّف مفاجئ لدراجة نارية، بات يثير توتّراً لحظياً لدى المارّة الذين يلتفتون قبل أن يكملوا طريقهم.

هكذا، تنسج لنا الحرب ذاكرة ما جرى، لا على أنه ماضٍ انقضى، لكنّ كظلّ يُرافقنا. فتصبح المدينة أقلّ عفوية، وأكثر يقظة، كأنها تعيد تعريف نفسها.

كيف تتغيّر علاقتنا ببيروت في زمن الهدنة؟

بعد توقّف صوت القذائف والعمليّات العسكرية في بيروت، اكتشفت أن علاقتي وعلاقة كثيرين بها تبدّلت تماماً. فهي فقدت عفويتها، ولم يعد المرور في شوارعها فعلاً عادياً. أخذت مني الحرب شعور الطمأنينة والأمان، الذي كان يعتريني أثناء المشي في أزقّة هذه المدينة على الرغم من قلقها الدائم، وغرست الهدنة مكانه شعوراً بالحذر والترقّب. وكأنني أحاول التقاط أنفاسي، تماماً كما تفعل بيروت.

ففي زمن الهدنة، أصبحت أكثر حذراً وانتباهاً لتفاصيل المدينة، وأكثر حساسية على الأصوات التي كنت أتجاهلها قبل الحرب. صوت الرعد والمطر الذي يذكّرني بالقذائف، وصوت مولّد الكهرباء الذي يشبه أزيز الطائرات المسيّرة التي تخترق أجواء البلاد، والازدحام المفاجئ الذي يشبه صور النزوح المؤلمة. جميعها تخلق ذاكرة مشوّهة، فخلف مشهد هذه المدينة، يُلازمني شعور غير مرئي، وهو أن كل ما يبدو مستقرّاً مؤقّت اليوم. 

هذه الحساسية الجديدة تجاه المدينة لا تقتصر على تجربة فردية، بل تصف حالة أوسع يعيشها كثير من السكّان، إذ تحوّل التفاعل مع المكان إلى فعل أكثر وعياً وأقلّ تلقائية. هكذا، في زمن الهدنة الهشّة، لم تعد بيروت مدينة حرب، لكنّها لم تصبح مدينة آمنة بعد، إنما هي مساحة معلّقة بين الاثنين. ونحن نتعلّم كيف نعيش فيها وكيف نحبّها من جديد، لكن من دون أن نطمئن كلياً، فالتردّد يرافقنا كشبحٍ ثقيل.

ذاكرة المدينة في مواجهة الواقع 

في زمن الحرب، اتّسعت الفجوة بين ذاكرة المدينة وواقعها. فبيروت التي أحملها في ذاكرتي، بضجيجها الحيّ وإيقاعها التلقائي وثقة خطوتي فيها، تصطدم بواقعٍ مختلف. واقع أكثر حذراً وأقلّ يقيناً، ومثقل بتغيّرات مفاجئة، وإحساس دائم بأن الاستقرار نفسه أصبح حالة مؤقّتة.

في ذاكرة سكّانها، تبدو المدينة مألوفة إلى حدّ الطمأنينة، نحفظ شوارعها ونسير فيها بلا تردّد. أمّا في الواقع، فكلّ تفصيل قابل للتبدّل، وكلّ مكان يحمل ظلّ ما مرّ فيه، خصوصاً بعد الأربعاء الدامي الذي شهدته بيروت قبل إعلان الهدنة مباشرةً.

الحرب هنا لم تُبدّل المكان فحسب، فهي أربكت طريقتي في تذكّره. ولم تعد الذاكرة مرجعاً ثابتاً أعود إليه بثقة، بل صارت جزءاً من هذا التوتّر بين ما كان وما صار. في هذه اللحظة، لا تفقد بيروت شكلها فقط، بل تكتسب طبقات إضافية من المعنى، فتتكوّن علاقتي الجديدة بالمكان.

التكيّف كطريقة للبقاء

في زمن الهدنة تُرغمنا بيروت على تعلّم طرق جديدة كل يوم، لنتكيّف مع وجهها الجديد. فنعيد ترتيب علاقتنا معها وفق ما يُجسّده الواقع لا وفق رغباتنا. 

لكنّ هذا التكيّف لا يعني بالضرورة التصالح الكامل، إنما هو شكل من أشكال الاستمرار. فأن نعيش في مدينة تغيّرت، يعني أن نتعلّم كيف نخفّف من توقّعاتنا وآمالنا وطموحاتنا.

هكذا، تصبح بيروت في زمن الهدنة مدينةً تُعاش بوعي مضاعف. فنحن نعرف أنها لم تعد كما كانت، ومع ذلك نحاول أن نعيش فيها كما لو أننا نستطيع استعادة بعض من ذلك الإحساس المفقود، ولو بشكل جزئي ومؤقّت.

لا تكمن المشكلة في أن بيروت غيّرت شكلها فقط، لكن في أن ما تبدّل لن يعود كما كان. شكل المدينة تغيّر إلى الأبد، فالحرب لا تمرّ كحدث عابر بل تترك سردية إضافية فوق الشوارع والتفاصيل والذاكرة والطريقة التي نرى بها مدينتنا عادةً.

المدينة كذاكرة 

لا تنتهي الحرب حين تصمت أصوات القذائف، بل يبدأ حينها إدراكنا نسخة المدينة الجديدة. فالحرب لا تُقاس بما يحدث خلالها فقط، بل بما تتركه وراءها من آثار مدمّرة على البشر والحجر، وعلى شكل المدينة التي لا تزال ترزح تحت ركام الحرب. لذلك، لا تعود بيروت بعد الهدنة إلى نقطة الصفر، بل تستمرّ مُثقلة بما سبقها، كجرح مفتوح لا يُغلق بسهولة.

هكذا، لم تعد بيروت تشبه نفسها. ليست مدينة ضاعت بالكامل، ولا مدينة نجت بالكامل. إنها مدينة تتشكّل أمامي، ببطء وثقل، وأنا أتشكّل معها. صحيح أنني أخسر فيها شيئاً من عفويتي، لكنّني أربح قدراً أكبر من الوعي. فأخفّف اندفاعي، وأحسب خطواتي، لكنّني أستمرّ في السير.

بالنسبة لي، ربما لم أعد أحبّها بالطريقة نفسها، لكنّني لم أتوقّف عن حبّها. وربما هذا، تحديداً، هو ما يُبقيها حيّة في داخلي، وما يُبقيني فيها.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
06.06.2026
زمن القراءة: 4 minutes

بعد توقّف صوت القذائف والعمليّات العسكرية في بيروت، اكتشفت أن علاقتي وعلاقة كثيرين بها تبدّلت تماماً. فهي فقدت عفويتها، ولم يعد المرور في شوارعها فعلاً عادياً. أخذت مني الحرب شعور الطمأنينة والأمان، الذي كان يعتريني أثناء المشي في أزقّة هذه المدينة على الرغم من قلقها الدائم، وغرست الهدنة مكانه شعوراً بالحذر والترقّب.


أمشي في شوارع بيروت كضيف ثقيل على مدينة غريبة. أتلفتُ حولي فأرى غبار الموت يلفّ المكان وأتنشّق رائحته. لا أعرف متى بالتحديد بدأت المدينة تفقد ملامحها كما عرفتها. ولا متى تغيّرت رائحتها، وباتت تشي بالترقّب والانتظار. لكن ما أعرفه يقيناً أن هذه الحرب الثقيلة، لم تقتصر على إعادة تشكيل المشهد العامّ، لكنّها غيّرت أيضاً طريقة النظر إلى المدينة نفسها. فبيروت لم تعد في نظرنا كما كانت، حتى حين تعود الحياة إلى شوارعها بشكل شبه طبيعي.

في أحياء كثيرة في بيروت، ما زال أثر الحرب حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، حتى وإن كان بطريقة غير مباشرة. وكلّ تفصيل صغيرٍ فيها بات محمّلاً باحتمالات وأوجاع أكبر ممّا نستوعب وندرك. ففي أحياء مثل الباشورة أو تلّة الخيّاط أو زقاق البلاط مثلاً، ما زالت جدران بعض المباني تحمل آثار الشظايا، بينما تمرّ السيّارات ببطء في الأزقّة التي شهدت استهدافات قبل أسابيع فقط.

فبعد أن تطوي الحرب صفحتها، تتغيّر بنية المدينة، وينقلب الشعور الذي يرافق حركتنا فيها. وتختلف درجة الانتباه التي نعيش بها كلّ خطوة، فنمشي كأننا نتلمّس الأرض للمرّة الأولى. فحتى صوت إغلاق باب حديدي في زقاق ضيّق، أو توقّف مفاجئ لدراجة نارية، بات يثير توتّراً لحظياً لدى المارّة الذين يلتفتون قبل أن يكملوا طريقهم.

هكذا، تنسج لنا الحرب ذاكرة ما جرى، لا على أنه ماضٍ انقضى، لكنّ كظلّ يُرافقنا. فتصبح المدينة أقلّ عفوية، وأكثر يقظة، كأنها تعيد تعريف نفسها.

كيف تتغيّر علاقتنا ببيروت في زمن الهدنة؟

بعد توقّف صوت القذائف والعمليّات العسكرية في بيروت، اكتشفت أن علاقتي وعلاقة كثيرين بها تبدّلت تماماً. فهي فقدت عفويتها، ولم يعد المرور في شوارعها فعلاً عادياً. أخذت مني الحرب شعور الطمأنينة والأمان، الذي كان يعتريني أثناء المشي في أزقّة هذه المدينة على الرغم من قلقها الدائم، وغرست الهدنة مكانه شعوراً بالحذر والترقّب. وكأنني أحاول التقاط أنفاسي، تماماً كما تفعل بيروت.

ففي زمن الهدنة، أصبحت أكثر حذراً وانتباهاً لتفاصيل المدينة، وأكثر حساسية على الأصوات التي كنت أتجاهلها قبل الحرب. صوت الرعد والمطر الذي يذكّرني بالقذائف، وصوت مولّد الكهرباء الذي يشبه أزيز الطائرات المسيّرة التي تخترق أجواء البلاد، والازدحام المفاجئ الذي يشبه صور النزوح المؤلمة. جميعها تخلق ذاكرة مشوّهة، فخلف مشهد هذه المدينة، يُلازمني شعور غير مرئي، وهو أن كل ما يبدو مستقرّاً مؤقّت اليوم. 

هذه الحساسية الجديدة تجاه المدينة لا تقتصر على تجربة فردية، بل تصف حالة أوسع يعيشها كثير من السكّان، إذ تحوّل التفاعل مع المكان إلى فعل أكثر وعياً وأقلّ تلقائية. هكذا، في زمن الهدنة الهشّة، لم تعد بيروت مدينة حرب، لكنّها لم تصبح مدينة آمنة بعد، إنما هي مساحة معلّقة بين الاثنين. ونحن نتعلّم كيف نعيش فيها وكيف نحبّها من جديد، لكن من دون أن نطمئن كلياً، فالتردّد يرافقنا كشبحٍ ثقيل.

ذاكرة المدينة في مواجهة الواقع 

في زمن الحرب، اتّسعت الفجوة بين ذاكرة المدينة وواقعها. فبيروت التي أحملها في ذاكرتي، بضجيجها الحيّ وإيقاعها التلقائي وثقة خطوتي فيها، تصطدم بواقعٍ مختلف. واقع أكثر حذراً وأقلّ يقيناً، ومثقل بتغيّرات مفاجئة، وإحساس دائم بأن الاستقرار نفسه أصبح حالة مؤقّتة.

في ذاكرة سكّانها، تبدو المدينة مألوفة إلى حدّ الطمأنينة، نحفظ شوارعها ونسير فيها بلا تردّد. أمّا في الواقع، فكلّ تفصيل قابل للتبدّل، وكلّ مكان يحمل ظلّ ما مرّ فيه، خصوصاً بعد الأربعاء الدامي الذي شهدته بيروت قبل إعلان الهدنة مباشرةً.

الحرب هنا لم تُبدّل المكان فحسب، فهي أربكت طريقتي في تذكّره. ولم تعد الذاكرة مرجعاً ثابتاً أعود إليه بثقة، بل صارت جزءاً من هذا التوتّر بين ما كان وما صار. في هذه اللحظة، لا تفقد بيروت شكلها فقط، بل تكتسب طبقات إضافية من المعنى، فتتكوّن علاقتي الجديدة بالمكان.

التكيّف كطريقة للبقاء

في زمن الهدنة تُرغمنا بيروت على تعلّم طرق جديدة كل يوم، لنتكيّف مع وجهها الجديد. فنعيد ترتيب علاقتنا معها وفق ما يُجسّده الواقع لا وفق رغباتنا. 

لكنّ هذا التكيّف لا يعني بالضرورة التصالح الكامل، إنما هو شكل من أشكال الاستمرار. فأن نعيش في مدينة تغيّرت، يعني أن نتعلّم كيف نخفّف من توقّعاتنا وآمالنا وطموحاتنا.

هكذا، تصبح بيروت في زمن الهدنة مدينةً تُعاش بوعي مضاعف. فنحن نعرف أنها لم تعد كما كانت، ومع ذلك نحاول أن نعيش فيها كما لو أننا نستطيع استعادة بعض من ذلك الإحساس المفقود، ولو بشكل جزئي ومؤقّت.

لا تكمن المشكلة في أن بيروت غيّرت شكلها فقط، لكن في أن ما تبدّل لن يعود كما كان. شكل المدينة تغيّر إلى الأبد، فالحرب لا تمرّ كحدث عابر بل تترك سردية إضافية فوق الشوارع والتفاصيل والذاكرة والطريقة التي نرى بها مدينتنا عادةً.

المدينة كذاكرة 

لا تنتهي الحرب حين تصمت أصوات القذائف، بل يبدأ حينها إدراكنا نسخة المدينة الجديدة. فالحرب لا تُقاس بما يحدث خلالها فقط، بل بما تتركه وراءها من آثار مدمّرة على البشر والحجر، وعلى شكل المدينة التي لا تزال ترزح تحت ركام الحرب. لذلك، لا تعود بيروت بعد الهدنة إلى نقطة الصفر، بل تستمرّ مُثقلة بما سبقها، كجرح مفتوح لا يُغلق بسهولة.

هكذا، لم تعد بيروت تشبه نفسها. ليست مدينة ضاعت بالكامل، ولا مدينة نجت بالكامل. إنها مدينة تتشكّل أمامي، ببطء وثقل، وأنا أتشكّل معها. صحيح أنني أخسر فيها شيئاً من عفويتي، لكنّني أربح قدراً أكبر من الوعي. فأخفّف اندفاعي، وأحسب خطواتي، لكنّني أستمرّ في السير.

بالنسبة لي، ربما لم أعد أحبّها بالطريقة نفسها، لكنّني لم أتوقّف عن حبّها. وربما هذا، تحديداً، هو ما يُبقيها حيّة في داخلي، وما يُبقيني فيها.