ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بيروت تدفع ثمن الفيول فساداً وليس كرامة: سوناطراك خارج المساءلة حول فضيحتها اللبنانيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“انقطاع التيار الكهربائي لم يستمر سوى ليلة ونصف نهار فقط”، قال وزير الطاقة وليد فياض. لكن الحقيقة هي أن اللبنانيين  يعيشون في الظلام منذ أربعين عاماً، وأزمة انقطاع الكهرباء ليست جديدة، بل أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ومع توقف معامل إنتاج الطاقة عن العمل إثر انقطاع الفيول الأسبوع الفائت، فقد اللبنانيون بضع ساعات من الكهرباء التي توفّرها مؤسسة كهرباء لبنان. 

في هذا السياق، خرج وزير الطاقة وليد فياض ليطمئن المواطنين ويشكر الجزائر على “إعادة النور” إلى لبنان. وأعلنت الجزائر عن إرسال 30 ألف طن من الفيول كمرحلة أولى، وبدأت شركة “سوناطرك” بشحنها إلى لبنان عبر ناقلة “إينيكر”، بناءً على تعليمات رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون. الصفقة النفطية الجديدة بين الجزائر وبيروت تأتي بعدما قررت “سوناطراك” عام 2020 مغادرة السوق اللبنانية عقب كشف فضيحة الفيول المغشوش. 

تتساءل الخبيرة في الغاز والنفط لوري هايتايان في حديثها مع “درج”، عن “المقابل” وراء نية الجزائر. تقول “وقتها انت تجي تعملي هيدي كل هالهمروجة على انو شكرا جزائر ورح تعطينا الجزائر فيول وبدها تنقذنا، إيه مقابل شو؟”، ووصفت التعامل في موضوع الكهرباء بـ “الشحاذة”. إلا أن وزير الطاقة قال “نحن ما عم نشحد، نحن عم ندين العالم كرامة نحن عم نعطي العالم كرامة”.

“هل هذه الهبة هي فعلاً هبة؟ والى أي مدة ستستمر؟ وهل حصل عليها لبنان مقابل تنازلات في قضية الملاحقات القانونية والقضائية؟”، تسأل هايتايان. 

حاول “درج” التواصل مع الوزير وليد فياض لسؤاله عن قضية الفيول الجزائري، إلا إنه لم يتلق إجابة حتى تاريخ النشر. لكنه صرّح لـ “سكاي نيوز عربية” بأن شحنة الوقود الجزائري“هبة غير مشروطة”

يقول المحامي المتابع للقضية نزار صاغية في حديث لـ”درج”، “عام 2005، وقعت الدولة عقداً فيه الكثير من الشوائب مع شركة “سوناطراك الجزائرية” ليتبين لاحقاً في التحقيقات أننا متعاقدون مع شركة مسجلة في الجزر العذراء البريطانية، وأن شركة ZR Energy S.A.L Off Shore، المملوكة من الأخوين رحمة هي المورد الحقيقي للفيول، بحسب القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور في تموز/ يوليو 2020″.

احتكرت “سوناطراك” استيراد الفيول إلى لبنان بعد موافقة مجلس الوزراء اللبناني على توقيع عقد معها في قراره 45/ 2005. ووفقاً للقرار الظني، فإن الشركة “أوكلت أمر تنفيذ العقد الموقع مع الدولة اللبنانية إلى شركات تعاقدت معها في الباطن ( ZR Energy DMCC و BB Energy DMCC)، خلافاً لمضمون العقد وأحكام القوانين الإدارية اللبنانية التي تمنع مثل هذا التعاقد في العقود الإدارية ما لم يكن منصوصاً عنها بشكل واضح وصريح في العقد”. ويضيف القرار الظني أن “سوناطراك” خضعت لملاحقات عدة في جرائم الاحتيال والغش وتبييض الأموال وتهريبها. وهذا ما يطرح علامات استفهام حول عودتها إلى السوق اللبنانية.

بالعودة إلى  قمة الدول العربية عام 2022، عقد وزيرا الطاقة اللبناني وليد فياض ونظيره الجزائري محمد عرقاب اجتماعاً في مقر وزارة الطاقة الجزائرية، وأبدى عرقاب استعداد بلاده لاستئناف توريد الفيول أويل والغاز أويل إلى لبنان بتسهيلات مالية. وخلص الإجتماع حينها إلى اتفاق على إنهاء ملف الفيول المغشوش بطريقة ودّية.

المفارقة بحسب صاغية، أنه كانت هناك “ضغوطات في الملف ولم يدّعِ القرار الظني على “شركة سوناطراك الجزائرية”، وهي الطرف الأساسي في العقد مع الدولة اللبنانية، وصدر رأي مخالف لقاضٍ في الهيئة الاتهامية  بإلزامية الادعاء على الشركة”. 

وأظهر القرار الظني أن رشاوى دُفعت لتغيير نتائج فحوصات عينات النفط، وادعى على 21 شخصاً لتورطهم في القضية”. لكن الملف وصل إلى محكمة الجنايات في جبل لبنان، وهو عالق حالياً في محكمة التمييز بسبب تقديم أحد المدعى عليهم دفوعاً شكلية، بحسب صاغية. 

وهذا يطرح تساؤلات عدة، منها: هل الملف معطل بسبب الوضع المعروف للقضاء اللبناني، وحاله حال معظم الدعاوى التي قد تستمر لشهور لا بل لسنوات قبل صدور أحكام مبرمة فيها؟ أم أنه دُفن مقابل شحنة الفيول الجزائري؟

يسأل صاغية، “هل الفيول الجزائري هبة أم هبة مشروطة أم عقد؟ فالأخير عليه الخضوع لشروط القانون العام”. ومن الضروري تجنب الوقوع في خطأ مماثل يتمثل في إبرام عقد غير واضح. ويتخوف صاغية من “صدور قرار استشاري لديوان المحاسبة يسمح لشركة كهرباء لبنان بالخروج عن قاعدة المناقصة العمومية في ملف تجديد عقد صيانة وتشغيل محركات معمليْ الذوق والجية، نظراً “الى الظروف الاستثنائية” في البلاد”. 

يثير قرار ديوان المحاسبة قلقاً كبيراً حول إمكانية حدوث مشكلات قانونية في قضية استيراد الفيول، إذ يفتح المجال لمزيد من الغموض في المناقصات المتعلقة بالكهرباء. وهذا الوضع قد يعرض الدولة لجولة جديدة من الفساد في هذا الملف. 

“من الضروري التأكد من أن شروط الحصول على الفيول، سواء من الجزائر أو من أي مصدر آخر، خالية من أي أمور مشبوهة. وفي حال وجود شروط، يجب أن تكون معقولة وشفافة، لتفادي أي تلاعب قد يؤدي إلى تكرار الهدر المالي الذي كلف الشعب اللبناني نحو 5 مليارات دولار”، وفقاً لما ذكره صاغية.

وكشف وزير الطاقة وليد فياض أن شحنة الفيول الجزائري التي أرسلتها  “سوناطراك”  في آب/ أغسطس 2024 جاءت مطابقة للمواصفات والمعايير اللبنانية. لكن تجربة لبنان في استيراد الفيول لا تبشر بالخير، وبحسب القرار الظني في قضية الفيول المغشوش، فإن  عدداً من الموظفين في المختبرات استلموا مبالغ مالية “مقابل تعديل نتائج فحوصات” العينات عبر مزجها مع الفيول المطابق لجعل نتيجته قريبة من بلد المنشأ. 

بين “السيادة” والتسوّل 

 “نحن منحكي عن السيادة والاستقلال ومضمون الحرية” قال وزير الطاقة وليد فياض عند حديثه عن شحنة الفيول الجزائري. لكن ما قيمة “السيادة” عندما يظهر لبنان بمظهر المتسوّل دائماً من الخارج؟  تقول هايتايان إن “مصلحة الجزائر في مساعدة لبنان قد تكون لأغراض سياسية داخلية وإقليمية. ففي ظل صراعها مع المغرب الذي وقع اتفاقية سلام مع إسرائيل، تريد الظهور كمساند عربي وحيد للبنان” في ظل الحرب القائمة في الجنوب منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وتعود “سوناطراك” إلى لبنان بعدما واجهت البلاد مشكلة في دفع تكاليف الفيول العراقي. وينص العقد، بحسب هايتايان، على أن “تدفع الدولة اللبنانية 100 مليار دولار للعراق مقابل ما يسمى “خدمات طبية”، فيما كان لبنان يعاني من أزمة في القطاع الطبي ونقص في الأدوية والمعدات الطبية”.

يشرح النائب مارك ضو في مقابلة مع “درج”، قائلاً: “الحكومة اللبنانية كانت ستقوم بإيداع ثمن النفط الخام العراقي لدى مصرف لبنان بالليرة اللبنانية، وهو مبلغ يمكن أن تستخدمه الدولة العراقية لدفع رواتب الأطباء العاملين في المستشفيات الحكومية اللبنانية، لكن لم  يكن أي من هؤلاء الأطباء مستعداً للسفر إلى العراق مقابل راتب بالليرة اللبنانية”.

برزت مشكلة جديدة في ملف الفيول العراقي بعد تجديد العقد بقيمة نصف مليار دولار، كان من المفترض أن تسدّده شركة كهرباء لبنان. وبحسب النائب مارك ضو، “رفضت مؤسسة كهرباء لبنان طلب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي المتمثل بتسديد ثمن الفيول العراقي، وقالت إنها تريد استخدام الأموال الموجودة في حسابها لدى مصرف لبنان، وهي أموال حصّلتها من الجباية بالدولار الأميركي لزيادة ساعات التغذية الكهربائية”. 

في هذا السياق، نشأت إشكالية جديدة عندما أعلن وزير الطاقة وليد فياض أنه سيبحث عن مصادر أخرى للفيول، ما دفع العراق الى المطالبة بأمواله. كان العراق يقول: “إذا كانت لدى لبنان أموال لدفعها لمصادر أخرى، فعليه تسديد ديونه للعراق”، كما يشير ضو وهايتايان. وأدت هذه المناكفات إلى توقف جميع معامل إنتاج الطاقة عن العمل.

تطالب شركة كهرباء لبنان المرافق الحكومية بتسديد فواتير تصل قيمتها إلى 60 مليون دولار، ولكن الحكومة ترغب في تسديد هذا المبلغ بالليرة اللبنانية. وبعد اجتماع وزير الطاقة وليد فياض مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الأسبوع الماضي، تم الاتفاق  على أن تسدّد الحكومة اللبنانية هذا المبلغ، ما سيمكّن مؤسسة كهرباء لبنان من دفع جزء من مستحقات العراق. 

وينص الاتفاق على تسديد ثمن نصف مليون طن من الفيول بالليرة اللبنانية لصالح حساب الدولة العراقية في مصرف لبنان. ويشير هذا “الترقيع” إلى أن ملف الكهرباء سيستمر في التباطؤ، وأن وعد توفير الكهرباء 24/24 ساعة سيظل مجرد حبر على ورق.

أزمة الكهرباء تعود إلى الحرب الأهلية

لطالما اتهمت الجهات اللبنانية الخارج في قضية الكهرباء للتنصل من مسؤولياتها في تطوير القطاع. أما الوزير فياض فاعتبر  أن الأزمة تعود إلى أمرين أساسيين، “الأول خارجي، ويتمثل في الحصار المفروض والعقوبات الأميركية عبر قانون قيصر الذي منع تعدد مواد الطاقة عبر تنفيذ اتفاقيات مع مصر والأردن، والثاني داخلي يعود إلى المناكفات السياسية”.

وتكمن المشكلة في عدم وجود خطة عمل واضحة وشفافة للقطاع وعدم إيجاد مصادر متنوعة للطاقة والاعتماد بشكل كبير على الوقود الأحفوري. وترتكز الدولة اللبنانية على “خطط طوارئ” لقطاع الكهرباء وتنتظر خروج آخر معمل عن العمل لتبحث عن حلول غالباً ما تكون لـ “ترقيع” مشكلة طارئة وليست لضمان حلول بيئية مستدامة للقطاع. 

و”ليس من الطبيعي أن يفرح المواطن اللبناني بحصوله على ساعتين أو ثلاث ساعات من الكهرباء يومياً”، تقول هايتايان لـ “درج”. وفي حين لم تتم الإشارة بشكل مباشر إلى حق الإنسان بالكهرباء في القانون،  إلا إن منظمة هيومن رايتس ووتش أكدت الحق المحمي دولياً في مستوى معيشي لائق يضمن الحصول على كهرباء آمنة ونظيفة بسعر معقول. والكهرباء ضرورية لضمان الحصول على حقوق أخرى مثل الصحة والتعليم والمياه وغيرها.

 تقول هايتايان إن “هناك انتفاعاً لحيتان المال والسياسيين من قطاع المولدات، وهذا ما يجعلهم يهملون مؤسسة كهرباء لبنان ويتركونها تنهار أكثر فأكثر”. 

صدر قانون تنظيم قطاع الكهرباء في لبنان عام 2002، لكن لم يتم إقرار قانون الطاقة المتجددة إلا في عام 2023. إذ يبدو أن الدولة لا تتخذ خطوات جدية نحو اعتماد الطاقة المتجددة. 

يشرح المحامي نجيب فرحات لـ “درج”، أن “الدولة فرضت ضريبة على أصحاب المولدات، وحسمتها من ضريبة الدخل، كما أجبرتهم على الالتزام بتسعيرة وزارة الطاقة وفقًا للمادة 70 من قانون موازنة 2019 المعدلة لاحقًا. وبالتالي، فإن الدولة شرّعت قطاع المولدات بشكل رسمي، نظراً الى أن هذا القانون صادر عن السلطة التشريعية”. 

وتُعتبر هذه الخطوات خرقاً لالتزامات الدولة اللبنانية بموجب اتفاقية تغير المناخ لناحية التقليص من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 20 في المئة، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ففي عام 2011، كانت انبعاثات الغازات الدفيئة من قطاع الطاقة في لبنان تبلغ 16.3 مليون طن، ما يبرز الحاجة الملحة الى البحث عن مصادر جديدة ومستدامة. 

وبالعودة إلى الحرب الأهلية اللبنانية، استولت المجموعات المسلحة على مؤسسة كهرباء لبنان ووفرت الكهرباء مجاناً لبعض المناطق، وهي ممارسة ما زالت مستمرة حتى اليوم، ما خلق فجوة بين قدرة المؤسسة المالية على إنتاج الطاقة واحتياجات البلاد. 

تشير هايتايان إلى أن “زيادة الفواتير على فئة معينة دون غيرها ليست جزءاً من الإصلاحات الحقيقية، بل يجب على المؤسسة تحسين عمليات الجباية وجمع الفواتير شهرياً، بالإضافة إلى التركيز على الجوانب التقنية الأخرى مثل تنويع مصادر الطاقة”.

يؤكد المحامي نزار صاغية أن المشكلة تكمن في تطبيق القوانين، لا في وجودها، مشدداً على أهمية تطبيق قانون الشراء العام بشكل صحيح. ويضيف أن “عقود الشراء يجب أن تكون شفافة وعلنية، وليس سريّة”. فالالتزام بشروط قانون الشراء العام ضروري لتجنب العقود المبهمة والسرية، والتي أدت إلى صفقات غير واضحة في ملف الكهرباء كلفت الدولة اللبنانية، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش، نحو 40 مليار دولار من الدين العام. 

وعلى الرغم من صدور قانون الشراء العام في عام 2021، لا تزال الدولة اللبنانية توقع عقوداً سرية، مثل العقد الأخير مع العراق. “يجب أن نطبق القوانين بدلاً من الانتظار حتى عام 2053 لنتحدث عن قوانين لم تُطبق منذ 30 عاماً، ونتساءل لماذا لا توجد لدينا كهرباء ولماذا نعيش في الظلام؟”، تختم هايتايان.

28.08.2024
زمن القراءة: 8 minutes

“انقطاع التيار الكهربائي لم يستمر سوى ليلة ونصف نهار فقط”، قال وزير الطاقة وليد فياض. لكن الحقيقة هي أن اللبنانيين  يعيشون في الظلام منذ أربعين عاماً، وأزمة انقطاع الكهرباء ليست جديدة، بل أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية.

ومع توقف معامل إنتاج الطاقة عن العمل إثر انقطاع الفيول الأسبوع الفائت، فقد اللبنانيون بضع ساعات من الكهرباء التي توفّرها مؤسسة كهرباء لبنان. 

في هذا السياق، خرج وزير الطاقة وليد فياض ليطمئن المواطنين ويشكر الجزائر على “إعادة النور” إلى لبنان. وأعلنت الجزائر عن إرسال 30 ألف طن من الفيول كمرحلة أولى، وبدأت شركة “سوناطرك” بشحنها إلى لبنان عبر ناقلة “إينيكر”، بناءً على تعليمات رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون. الصفقة النفطية الجديدة بين الجزائر وبيروت تأتي بعدما قررت “سوناطراك” عام 2020 مغادرة السوق اللبنانية عقب كشف فضيحة الفيول المغشوش. 

تتساءل الخبيرة في الغاز والنفط لوري هايتايان في حديثها مع “درج”، عن “المقابل” وراء نية الجزائر. تقول “وقتها انت تجي تعملي هيدي كل هالهمروجة على انو شكرا جزائر ورح تعطينا الجزائر فيول وبدها تنقذنا، إيه مقابل شو؟”، ووصفت التعامل في موضوع الكهرباء بـ “الشحاذة”. إلا أن وزير الطاقة قال “نحن ما عم نشحد، نحن عم ندين العالم كرامة نحن عم نعطي العالم كرامة”.

“هل هذه الهبة هي فعلاً هبة؟ والى أي مدة ستستمر؟ وهل حصل عليها لبنان مقابل تنازلات في قضية الملاحقات القانونية والقضائية؟”، تسأل هايتايان. 

حاول “درج” التواصل مع الوزير وليد فياض لسؤاله عن قضية الفيول الجزائري، إلا إنه لم يتلق إجابة حتى تاريخ النشر. لكنه صرّح لـ “سكاي نيوز عربية” بأن شحنة الوقود الجزائري“هبة غير مشروطة”

يقول المحامي المتابع للقضية نزار صاغية في حديث لـ”درج”، “عام 2005، وقعت الدولة عقداً فيه الكثير من الشوائب مع شركة “سوناطراك الجزائرية” ليتبين لاحقاً في التحقيقات أننا متعاقدون مع شركة مسجلة في الجزر العذراء البريطانية، وأن شركة ZR Energy S.A.L Off Shore، المملوكة من الأخوين رحمة هي المورد الحقيقي للفيول، بحسب القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور في تموز/ يوليو 2020″.

احتكرت “سوناطراك” استيراد الفيول إلى لبنان بعد موافقة مجلس الوزراء اللبناني على توقيع عقد معها في قراره 45/ 2005. ووفقاً للقرار الظني، فإن الشركة “أوكلت أمر تنفيذ العقد الموقع مع الدولة اللبنانية إلى شركات تعاقدت معها في الباطن ( ZR Energy DMCC و BB Energy DMCC)، خلافاً لمضمون العقد وأحكام القوانين الإدارية اللبنانية التي تمنع مثل هذا التعاقد في العقود الإدارية ما لم يكن منصوصاً عنها بشكل واضح وصريح في العقد”. ويضيف القرار الظني أن “سوناطراك” خضعت لملاحقات عدة في جرائم الاحتيال والغش وتبييض الأموال وتهريبها. وهذا ما يطرح علامات استفهام حول عودتها إلى السوق اللبنانية.

بالعودة إلى  قمة الدول العربية عام 2022، عقد وزيرا الطاقة اللبناني وليد فياض ونظيره الجزائري محمد عرقاب اجتماعاً في مقر وزارة الطاقة الجزائرية، وأبدى عرقاب استعداد بلاده لاستئناف توريد الفيول أويل والغاز أويل إلى لبنان بتسهيلات مالية. وخلص الإجتماع حينها إلى اتفاق على إنهاء ملف الفيول المغشوش بطريقة ودّية.

المفارقة بحسب صاغية، أنه كانت هناك “ضغوطات في الملف ولم يدّعِ القرار الظني على “شركة سوناطراك الجزائرية”، وهي الطرف الأساسي في العقد مع الدولة اللبنانية، وصدر رأي مخالف لقاضٍ في الهيئة الاتهامية  بإلزامية الادعاء على الشركة”. 

وأظهر القرار الظني أن رشاوى دُفعت لتغيير نتائج فحوصات عينات النفط، وادعى على 21 شخصاً لتورطهم في القضية”. لكن الملف وصل إلى محكمة الجنايات في جبل لبنان، وهو عالق حالياً في محكمة التمييز بسبب تقديم أحد المدعى عليهم دفوعاً شكلية، بحسب صاغية. 

وهذا يطرح تساؤلات عدة، منها: هل الملف معطل بسبب الوضع المعروف للقضاء اللبناني، وحاله حال معظم الدعاوى التي قد تستمر لشهور لا بل لسنوات قبل صدور أحكام مبرمة فيها؟ أم أنه دُفن مقابل شحنة الفيول الجزائري؟

يسأل صاغية، “هل الفيول الجزائري هبة أم هبة مشروطة أم عقد؟ فالأخير عليه الخضوع لشروط القانون العام”. ومن الضروري تجنب الوقوع في خطأ مماثل يتمثل في إبرام عقد غير واضح. ويتخوف صاغية من “صدور قرار استشاري لديوان المحاسبة يسمح لشركة كهرباء لبنان بالخروج عن قاعدة المناقصة العمومية في ملف تجديد عقد صيانة وتشغيل محركات معمليْ الذوق والجية، نظراً “الى الظروف الاستثنائية” في البلاد”. 

يثير قرار ديوان المحاسبة قلقاً كبيراً حول إمكانية حدوث مشكلات قانونية في قضية استيراد الفيول، إذ يفتح المجال لمزيد من الغموض في المناقصات المتعلقة بالكهرباء. وهذا الوضع قد يعرض الدولة لجولة جديدة من الفساد في هذا الملف. 

“من الضروري التأكد من أن شروط الحصول على الفيول، سواء من الجزائر أو من أي مصدر آخر، خالية من أي أمور مشبوهة. وفي حال وجود شروط، يجب أن تكون معقولة وشفافة، لتفادي أي تلاعب قد يؤدي إلى تكرار الهدر المالي الذي كلف الشعب اللبناني نحو 5 مليارات دولار”، وفقاً لما ذكره صاغية.

وكشف وزير الطاقة وليد فياض أن شحنة الفيول الجزائري التي أرسلتها  “سوناطراك”  في آب/ أغسطس 2024 جاءت مطابقة للمواصفات والمعايير اللبنانية. لكن تجربة لبنان في استيراد الفيول لا تبشر بالخير، وبحسب القرار الظني في قضية الفيول المغشوش، فإن  عدداً من الموظفين في المختبرات استلموا مبالغ مالية “مقابل تعديل نتائج فحوصات” العينات عبر مزجها مع الفيول المطابق لجعل نتيجته قريبة من بلد المنشأ. 

بين “السيادة” والتسوّل 

 “نحن منحكي عن السيادة والاستقلال ومضمون الحرية” قال وزير الطاقة وليد فياض عند حديثه عن شحنة الفيول الجزائري. لكن ما قيمة “السيادة” عندما يظهر لبنان بمظهر المتسوّل دائماً من الخارج؟  تقول هايتايان إن “مصلحة الجزائر في مساعدة لبنان قد تكون لأغراض سياسية داخلية وإقليمية. ففي ظل صراعها مع المغرب الذي وقع اتفاقية سلام مع إسرائيل، تريد الظهور كمساند عربي وحيد للبنان” في ظل الحرب القائمة في الجنوب منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وتعود “سوناطراك” إلى لبنان بعدما واجهت البلاد مشكلة في دفع تكاليف الفيول العراقي. وينص العقد، بحسب هايتايان، على أن “تدفع الدولة اللبنانية 100 مليار دولار للعراق مقابل ما يسمى “خدمات طبية”، فيما كان لبنان يعاني من أزمة في القطاع الطبي ونقص في الأدوية والمعدات الطبية”.

يشرح النائب مارك ضو في مقابلة مع “درج”، قائلاً: “الحكومة اللبنانية كانت ستقوم بإيداع ثمن النفط الخام العراقي لدى مصرف لبنان بالليرة اللبنانية، وهو مبلغ يمكن أن تستخدمه الدولة العراقية لدفع رواتب الأطباء العاملين في المستشفيات الحكومية اللبنانية، لكن لم  يكن أي من هؤلاء الأطباء مستعداً للسفر إلى العراق مقابل راتب بالليرة اللبنانية”.

برزت مشكلة جديدة في ملف الفيول العراقي بعد تجديد العقد بقيمة نصف مليار دولار، كان من المفترض أن تسدّده شركة كهرباء لبنان. وبحسب النائب مارك ضو، “رفضت مؤسسة كهرباء لبنان طلب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي المتمثل بتسديد ثمن الفيول العراقي، وقالت إنها تريد استخدام الأموال الموجودة في حسابها لدى مصرف لبنان، وهي أموال حصّلتها من الجباية بالدولار الأميركي لزيادة ساعات التغذية الكهربائية”. 

في هذا السياق، نشأت إشكالية جديدة عندما أعلن وزير الطاقة وليد فياض أنه سيبحث عن مصادر أخرى للفيول، ما دفع العراق الى المطالبة بأمواله. كان العراق يقول: “إذا كانت لدى لبنان أموال لدفعها لمصادر أخرى، فعليه تسديد ديونه للعراق”، كما يشير ضو وهايتايان. وأدت هذه المناكفات إلى توقف جميع معامل إنتاج الطاقة عن العمل.

تطالب شركة كهرباء لبنان المرافق الحكومية بتسديد فواتير تصل قيمتها إلى 60 مليون دولار، ولكن الحكومة ترغب في تسديد هذا المبلغ بالليرة اللبنانية. وبعد اجتماع وزير الطاقة وليد فياض مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الأسبوع الماضي، تم الاتفاق  على أن تسدّد الحكومة اللبنانية هذا المبلغ، ما سيمكّن مؤسسة كهرباء لبنان من دفع جزء من مستحقات العراق. 

وينص الاتفاق على تسديد ثمن نصف مليون طن من الفيول بالليرة اللبنانية لصالح حساب الدولة العراقية في مصرف لبنان. ويشير هذا “الترقيع” إلى أن ملف الكهرباء سيستمر في التباطؤ، وأن وعد توفير الكهرباء 24/24 ساعة سيظل مجرد حبر على ورق.

أزمة الكهرباء تعود إلى الحرب الأهلية

لطالما اتهمت الجهات اللبنانية الخارج في قضية الكهرباء للتنصل من مسؤولياتها في تطوير القطاع. أما الوزير فياض فاعتبر  أن الأزمة تعود إلى أمرين أساسيين، “الأول خارجي، ويتمثل في الحصار المفروض والعقوبات الأميركية عبر قانون قيصر الذي منع تعدد مواد الطاقة عبر تنفيذ اتفاقيات مع مصر والأردن، والثاني داخلي يعود إلى المناكفات السياسية”.

وتكمن المشكلة في عدم وجود خطة عمل واضحة وشفافة للقطاع وعدم إيجاد مصادر متنوعة للطاقة والاعتماد بشكل كبير على الوقود الأحفوري. وترتكز الدولة اللبنانية على “خطط طوارئ” لقطاع الكهرباء وتنتظر خروج آخر معمل عن العمل لتبحث عن حلول غالباً ما تكون لـ “ترقيع” مشكلة طارئة وليست لضمان حلول بيئية مستدامة للقطاع. 

و”ليس من الطبيعي أن يفرح المواطن اللبناني بحصوله على ساعتين أو ثلاث ساعات من الكهرباء يومياً”، تقول هايتايان لـ “درج”. وفي حين لم تتم الإشارة بشكل مباشر إلى حق الإنسان بالكهرباء في القانون،  إلا إن منظمة هيومن رايتس ووتش أكدت الحق المحمي دولياً في مستوى معيشي لائق يضمن الحصول على كهرباء آمنة ونظيفة بسعر معقول. والكهرباء ضرورية لضمان الحصول على حقوق أخرى مثل الصحة والتعليم والمياه وغيرها.

 تقول هايتايان إن “هناك انتفاعاً لحيتان المال والسياسيين من قطاع المولدات، وهذا ما يجعلهم يهملون مؤسسة كهرباء لبنان ويتركونها تنهار أكثر فأكثر”. 

صدر قانون تنظيم قطاع الكهرباء في لبنان عام 2002، لكن لم يتم إقرار قانون الطاقة المتجددة إلا في عام 2023. إذ يبدو أن الدولة لا تتخذ خطوات جدية نحو اعتماد الطاقة المتجددة. 

يشرح المحامي نجيب فرحات لـ “درج”، أن “الدولة فرضت ضريبة على أصحاب المولدات، وحسمتها من ضريبة الدخل، كما أجبرتهم على الالتزام بتسعيرة وزارة الطاقة وفقًا للمادة 70 من قانون موازنة 2019 المعدلة لاحقًا. وبالتالي، فإن الدولة شرّعت قطاع المولدات بشكل رسمي، نظراً الى أن هذا القانون صادر عن السلطة التشريعية”. 

وتُعتبر هذه الخطوات خرقاً لالتزامات الدولة اللبنانية بموجب اتفاقية تغير المناخ لناحية التقليص من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 20 في المئة، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ففي عام 2011، كانت انبعاثات الغازات الدفيئة من قطاع الطاقة في لبنان تبلغ 16.3 مليون طن، ما يبرز الحاجة الملحة الى البحث عن مصادر جديدة ومستدامة. 

وبالعودة إلى الحرب الأهلية اللبنانية، استولت المجموعات المسلحة على مؤسسة كهرباء لبنان ووفرت الكهرباء مجاناً لبعض المناطق، وهي ممارسة ما زالت مستمرة حتى اليوم، ما خلق فجوة بين قدرة المؤسسة المالية على إنتاج الطاقة واحتياجات البلاد. 

تشير هايتايان إلى أن “زيادة الفواتير على فئة معينة دون غيرها ليست جزءاً من الإصلاحات الحقيقية، بل يجب على المؤسسة تحسين عمليات الجباية وجمع الفواتير شهرياً، بالإضافة إلى التركيز على الجوانب التقنية الأخرى مثل تنويع مصادر الطاقة”.

يؤكد المحامي نزار صاغية أن المشكلة تكمن في تطبيق القوانين، لا في وجودها، مشدداً على أهمية تطبيق قانون الشراء العام بشكل صحيح. ويضيف أن “عقود الشراء يجب أن تكون شفافة وعلنية، وليس سريّة”. فالالتزام بشروط قانون الشراء العام ضروري لتجنب العقود المبهمة والسرية، والتي أدت إلى صفقات غير واضحة في ملف الكهرباء كلفت الدولة اللبنانية، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش، نحو 40 مليار دولار من الدين العام. 

وعلى الرغم من صدور قانون الشراء العام في عام 2021، لا تزال الدولة اللبنانية توقع عقوداً سرية، مثل العقد الأخير مع العراق. “يجب أن نطبق القوانين بدلاً من الانتظار حتى عام 2053 لنتحدث عن قوانين لم تُطبق منذ 30 عاماً، ونتساءل لماذا لا توجد لدينا كهرباء ولماذا نعيش في الظلام؟”، تختم هايتايان.