ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بيع الألقاب في مصر: مجد النياشين و”بيزنس” الوجاهة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في وقت تئنّ فيه الطبقات الوسطى والدنيا تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، يبدو الحديث عن ألقابٍ تشريفية تُباع في سوق السلطة والنفوذ، نوعاً من العبث، لا من التكريم. وبين ألقاب “الباشا” وصمت “الفلّاح”، يظلّ السؤال معلّقاً: من نُكرّم في هذه البلاد؟ ومن ننسى؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

نشرت جريدة الأهرام مؤخّراً مقالاً تحت عنوان “نداء إلى باشوات مصر” للكاتب والمفكر السياسي المعروف الدكتور أسامة الغزالي حرب، الذي فجّر فيه طرحاً مثيراً للجدل، إذ دعا إلى  إعادة العمل بالألقاب المدنية الملكية الملغاة بقانون دستوري، وعلى رأس هذه الألقاب “باشا وبيه”، على أن تُمنح لرجال الأعمال المصريين البارزين، في سياق منضبط، مرتكزاً على معايير موضوعية، لمن يتركون بصمة مؤثّرة في خدمة المجتمع.

وصف المصريون هذا الاقتراح بالهزلي، وبالحنين المترف إلى النظام الملكي، وفي الوقت ذاته، هناك من رآه فرصة حقيقية لتكريم المبدعين، في الوقت الذي تغيب فيه سمة التكريم الحقيقية في المجتمع المصري. كما رأى البعض الآخر أن مقترح حرب، بعودة الألقاب التشريفية، لا يعكس رغبة في إحياء تقليد اجتماعي بريء، بل يُنظر إليه كخطوة رجعية تهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق هرم طبقي متآكل، يُعيد إنتاج علاقات السيادة والخضوع، ويستحضر روح “السيد والعبد” التي لفظها التاريخ.

ويحذّر معارضو هذا التوجّه من أن استعادة هذه الألقاب، من شأنها أن تكرّس التمييز بين المواطنين، وتفتح الباب أمام طبقية ناعمة تتسلّل عبر عبارات التشريف، لتتحوّل لاحقاً إلى أدوات تمييز رسمي يعصف بمبدأ المساواة أمام القانون، إذ يرى إيهاب عمر المؤرّخ والكاتب في صحيفة الأهرام، أن “الدعوة لإعادة الألقاب المدنية جاءت على لسان سياسي معروف بعلاقاته الوثيقة بطبقة رجال الأعمال، ويُعتبر صوتاً دائماً لها”. 

ويؤكّد عمر أن “هذا الطرح لا يعكس وجهة نظر مستقلّة، بل يُعبّر عن رغبة بعض رجال الأعمال الساعين إلى تعزيز مكانتهم الاجتماعية بمظاهر طبقية لامعة”، واصفاً هذا التوجه بأنه تعبير عن “هوس طبقي” لدى بعض “الإقطاعيين الجدد”، و”هوس بالحقبة الملكية”. ويوضح في حديثه إلى موقع “درج” أن “المكاسب المالية تبدو تافهة مقارنةً بطموحهم في استعادة الإقطاع، وتقسيم المجتمع المصري إلى طبقات بطريقة مذلّة ومهينة، تستند إلى مفاهيم عثمانية بحتة”.

من ناحية أخرى، يعتبر الكاتب في صحيفة الأهرام، أن “الألقاب المدنية تُعدّ إرثاً عثمانياً استعمارياً لا ينبغي العودة إليه”، مشيراً إلى أنها “كانت تُمنح من قِبل السلطان العثماني، ثم الملك أو السلطان المصري، وغالباً ما كان الحصول عليها يتمّ عبر الرشى والتبرّعات التي يقدّمها الإقطاعيون للملوك والأمراء”، ويؤكّد أن “هذه الألقاب كانت أداة للفساد، والتمييز الطبقي، والعنصرية”. 

عطايا الفلّاحين والصعايدة لنيل درجة البكوية 

في كتاب “الكنز الثمين لعلماء المصريين”، تمّ تسليط الضوء على عدد من العائلات المصرية التي حازت على لقبي “باشا” و”بيه”، تقديراً لإسهاماتها المجتمعية والخيرية. من أبرز هذه العائلات، عائلة أباظة في محافظة الشرقية ومدينة الزقازيق، التي ينتمي إليها الفنان الراحل رشدي أباظة. وقد لعب أفراد هذه العائلة أدواراً بارزة في بناء المدارس والمستشفيات، ودعم القرى الفقيرة. من بين الأسماء اللامعة في العائلة: إبراهيم السيد أباظة مفتّش عموم الأقاليم، وإبراهيم بيك دسوقي أباظة مأمور مديرية الجيزة، ومحمد بيك عثمان أباظة أحد كبار مسؤولي الضرائب في الشرقية، والحاصل على عدّة نياشين عثمانية.

كما ورد في الكتاب ذكر عائلات أخرى بارزة، مثل عائلة غالي في القاهرة، وعائلة الزهيري في محافظة الدقهلية، وجميعهم قدّموا جهوداً ملموسة ومساهمات مالية سخيّة، للحصول على هذه الألقاب، في سياق اجتماعي وسياسي كان يُكافئ العمل الخيري والنفوذ المحلّي بمثل هذه الأوسمة.

وامتدّ الحديث إلى العائلات التي نالت الألقاب من صعيد مصر، بخاصّة في محافظة أسيوط، حيث برزت شخصيات مثل السيد عبد العزيز بيك راشد عُمدة قرية الأشمونين في مدينة ملوي (محافظة المنيا حالياً) الذي لُقّب بـ”صاحب العزّة”، وساهم عبد العزيز بيك في تأسيس مستشفى الرمد ومستوصف الأطفال في أسيوط، بالإضافة إلى مدرسة ملوي الإسلامية الخيرية والمستشفى الأهلي في المدينة، كما قدّم تبرّعات سخيّة لجمعية الهلال الأحمر لمواساة منكوبي الحرب الطرابلسية، ولجمعية الصليب الأحمر لمساعدة ضحايا الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن دعمه لجمعية الرفق بالحيوان.

“بيزنس” الفهلوة وبيع الوهم 

في سياق الجدل حول الألقاب المدنية الملغاة، يبرز بُعد اقتصادي مثير للجدل، إذ يعتبر بعض المنتقدين أن طرح هذه الألقاب مقابل المال، لا يرقى إلى مستوى الفساد فقط، بل يعكس انحداراً في أولويات الدولة، فبدلاً من تحفيز الإنجاز والاستحقاق، تصبح الألقاب سلعة تُباع لأصحاب الحظوة والمال، مما يعمّق الفجوة الطبقية، ويذهب الرأي إلى أن على الدولة البحث عن قنوات استثمار حقيقية، بدلاً من تعويض عجزها المالي من خلال بيع الوجاهة الاجتماعية.

 كما يشير المعترضون إلى أن المجتمعات الرأسمالية التي تُميّز الناس بالثروة، تسقط في فخّ غير أخلاقي، لأن أصحاب الإنجازات الحقيقية؛ ممن لا يسعون وراء الثروة، سيضيعون في هذا النظام، رغم أنهم الأجدر بالدعم والتقدير، لا سيّما في مجتمع يعاني من أزمة في تحفيز العلم والعمل الصالح. 

من جهته، انتقد الخبير الاقتصادي هشام جاد الكريم بشدّة، الطرح الذي يدعو إلى إعادة منح الألقاب الشرفية مقابل المال، معتبراً إياه “انعكاساً لانحدار فكري واقتصادي، يُحاول أن يُحسب على النظام الحاكم، كوسيلة غير مباشرة لتحصيل الأموال من رجال الأعمال”.

وقال جاد الكريم إن “التفكير في بيع الألقاب يندرج تحت منطق الفهلوة والمتاجرة بأي شيء، حتى لو لم يكن ذا قيمة حقيقية، بهدف تحقيق زيادة طارئة في الإيرادات، لا تمتلك أدنى صفة للاستمرارية، أو المساهمة الفعلية في الناتج القومي”، وأضاف: “الدخل القومي لا ينمو عبر بيع الوهم، بل من خلال الإنتاج والابتكار، وخلق مصادر دخل حقيقية ودائمة”.

ووصف الطرح بأنه كارثي، قائلاً: “نحن في مصيبة حين يتحوّل هذا النوع من التفكير، إلى رأي يُعبّر عن تيّار يُفترض أنه يمثّل الفكر المجتمعي”، مؤكّداً أن “ما يحدث يعكس انحطاطاً فكرياً أعمق من مجرّد أزمة اقتصادية، ويتجاوز حتى الانحدار الأدبي والفني”.

شراء الألقاب لتحسين السمعة

بدت الدعوة إلى إعادة توزيع الألقاب، محاولة لتلميع نخبة اقتصادية واجتماعية، راكمت ثرواتها وسط أزمات معيشية خانقة، والتمهيد لخلق طبقة “نبلاء جدد”، تملك النفوذ والرمزية معاً، إذ اشتمل طرح حرب، على مجموعة من أسماء رجال أعمال مصريين، بعضهم كان محطّ انتقاد، مثل رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى رئيس مجلس إدارة “مجموعة طلعت مصطفى القابضة“، الذي يُعدّ واحداً من أبرز الشخصيّات الاقتصادية في مصر، إذ تُمثّل مجموعته واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد، وتُقدّر ثروته بنحو 3 مليارات دولار، بناء على تقديرات سابقة، بينما تشير تقارير أخرى إلى أنها قد تتجاوز 300 مليار جنيه مصري، لا سيّما مع اتّساع نطاق مشروعاته داخل مصر وخارجها، مثل مشروع “بَنان” في السعودية، و”ساوث ميد” في الساحل الشمالي. في عام 2008، أُدين بتهمة التحريض على قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، وصدر بحقّه حكم بالسجن لمدة 15 عاماً في 2010، قبل أن يُفرَج عنه بعفو رئاسي في عام 2017.

ومن بين رجال الأعمال الذين أثار ذكرهم غضباً واسعاً في الشارع المصري، يبرز اسم أحمد عزّ رجل الأعمال المعروف وأحد أبرز رموز نظام مبارك، والمقرّب من نجل الرئيس الأسبق. بدأ مسيرته كعازف “درامز” مغمور، قبل أن يتحوّل إلى أحد كبار منتجي الحديد في مصر، من خلال مجموعته “عزّ الدخيلة”، كما شغل منصب أمين التنظيم في الحزب “الوطني الديمقراطي” حتى اندلاع ثورة ” 25 يناير”.

واجه عزّ عدّة تهم، من بينها الاستيلاء على المال العامّ، والتربّح غير المشروع من استحواذه على أسهم شركة “الدخيلة”، إلى جانب تهم غسيل الأموال، والحصول على تراخيص لإنتاج الحديد بطرق غير قانونية، وقد أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكماً ضدّه بالسجن 37 عاماً، لكنه قضى نحو ثلاث سنوات فقط، بين العامين 2011 و2014. وفي عام 2018، توصّل إلى تسوية مع الدولة، حيث سدّد 1.7 مليار جنيه للجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول، مقابل إسقاط القضايا المرفوعة ضدّه.

شراء الترقّي الاجتماعي 

استنكرت الدكتورة هبة البشبيشي أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة،  فكرة الترقّي الاجتماعي عبر المال، وقالت في حديثها لـ “درج” إنه “ليس من العدل أن يتساوى الأكاديميون، والباحثون، والمجتهدون من أبناء الطبقات الكادحة، مع من يشترون وجاهتهم الاجتماعية بثرواتهم”، مشيرة إلى “عدم استحقاق من يسعى إلى اكتساب الألقاب الشرفية، خصوصاً من سبق اتهامهم بقضايا تمسّ الشرف أو القيم الأخلاقية، حتى وإن تمّت تبرئتهم لاحقاً، باعتبار أن هذه الألقاب ترتبط بالسلوك والمكانة المجتمعية، وليس بالقدرة المالية”.

وأضافت: “أرى في هذا المقترح تراجعاً خطيراً عن المبادئ التي قامت عليها ثورة الضبّاط الأحرار، والتي هدفت إلى كسر البنية الطبقية في المجتمع. إحياء مثل هذه الألقاب يُعيدنا إلى زمن التمييز الطبقي الذي تجاوزته الدولة منذ عقود”.

ولفتت البشبيشي إلى أن “الألقاب الرسمية كالوزير أو المستشار، تُمنح من الدولة ضمن إطار وظيفي محدّد، وتنتهي بانتهاء المنصب، وتحمل مسؤوليات قانونية. أما الألقاب الأرستقراطية فهي مجرّد أدوات للمباهاة الاجتماعية، لا تمثّل أي صفة رسمية، أو وظيفة عامّة”

وإذ استنكرت ما وصفته بـ”دعوة سخيفة”، سألت: “هل نسعى الآن لاستعادة رموز الاستعمار والبذخ الملكي، أم نعمل على تفكيك ما تبقّى من آثاره؟”.

كان إلغاء الألقاب في عام 1952، برغم كونه قراراً ثورياً لتفكيك البنية الإقطاعية، قد جرّد؛ بحسب حرب، المجتمع من آلية رمزية لتقدير النخبة المُنتِجة، التي كان يمكن أن تصبح حافزاً لتشجيع الأثرياء والمؤثّرين على الانخراط في العمل العامّ، على غرار النظام البريطاني الذي يمنح ألقاباً فخرية مثل “سير”، التي حصل عليها مثلاً الجرّاح العالمي مجدي يعقوب.

بيك يرفض البكوية!

تكشف الدعوة لإحياء ألقاب مثل “باشا” و”بيك”، عن نزعة طبقية مغلّفة بالحنين إلى زمن لم يكن مشرقاً كما يصوّره البعض، بل كان ممتلئاً بالبؤس الاجتماعي، والانقسام الطبقي الحادّ، وتتجاهل عن قصد أو غير قصد التاريخ الحقيقي للحقبة الملكية، التي كانت امتداداً للحكم العثماني، وشهدت استبداد أقلّية على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب، بخاصّة الفلّاحين الذين مثّلوا أكثر من 90% من المجتمع آنذاك، حسبما ما قاله مصريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تعليقاً على الطرح. 

في سياق متّصل، يرفض حفيد أحد بكاوات عائلة السيوفي، الذي تحفّظ على ذكر اسمه، إعادة طرح فكرة إحياء ألقاب “بيك” و”باشا” في مصر اليوم، واصفاً ذلك بأنه “اقتراح لا يليق بواقع مجتمعي يتدهور بعيداً، حتى عن الحدّ الأدنى من التحضّر”.

يقول في حديثه لـ”درج”: “والدي كان رئيس نيابة ونال رتبة البكوية، وجدّي من جهة والدتي، وكذلك شقيقه، حصلا على رتبة الباشوية، لكن الحقيقة أن هذه الألقاب لم تُضِف شيئاً مادياً أو وظيفياً إلى عائلتنا، سوى مظاهر الوجاهة الاجتماعية في تلك الفترة”.

ويستطرد بنبرة نقدية حادّة: “المصريون الذين كانوا يستحقّون مثل هذه الألقاب، انقرضوا. ومن تبقّى منهم رجله والقبر. أما أصحاب القرار اليوم، فنادراً ما تجد بينهم من يملك الخلفية التي تؤهّله لاتخاذ قرارات من هذا النوع، آخر من كان مؤهّلاً بحقّ لذلك، هو الملك فاروق… الله يرحمه، وخلّي الطابق مستور”.

يقدّم هذا الصوت القادم من داخل البيوت، التي كانت تحظى بالألقاب الملكية، دلالة رمزية على أنه حتى بعض المستفيدين من هذا التراث الطبقي، لم يعودوا يرونه ملائماً للزمن الحاضر، بل يعتبرونه جزءاً من تاريخ يجب أن يُطوى لا يُستدعى.

استشهد البعض بأفلام مثل “الأرض” و”القاهرة 30 “، التي وثّقت مآسي تلك الفترة، معتبرين أن إنتاج رموز فكرية أو إعلامية خلال العهد الملكي، لا يعني أنه كان عصراً ذهبياً، بل كان، على حدّ وصفهم “عصر الأوهام لا الأحلام”، خاضعاً للاحتلال ونخبة الـ”نصف في المئة”.

واستعاد آخرون كلمات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عندما قال: “كلّنا سيّد في ظلّ الجمهورية“، مؤكّدين أن إعادة هذه الألقاب ما هو إلا محاولة لإحياء هياكل اجتماعية بائدة، وبداية منزلق خطير نحو عبودية ناعمة قد تبدأ بلقب… وتنتهي بتهميش الأغلبية.

لا تخلو مقالة أسامة الغزالي حرب من سخرية ذكيّة، إذ يصف نفسه بـ”أسامة أفندي”، ساخراً من ازدواجية المجتمع المصري، الذي يرفض الألقاب رسمياً بينما يُكرّسها شعبياً. اقتراحه بتكريم شخصيات مثل نجيب باشا ساويرس، أو طلعت باشا مصطفى، أو أحمد باشا عزّ، وغيرهم. 

مقترح يخالف الدستور المصري 

يرى اللواء تامر الشهاوي وكيل جهاز الاستخبارات العسكرية الأسبق وعضو لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري سابقاً، أن “مقترح إعادة الألقاب التشريفية لا يفتقر فقط إلى السند الدستوري، بل يمثّل ارتداداً عن فلسفة الدولة الوطنية الحديثة، التي تأسّست على مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية”.

ويشير الشهاوي إلى أن هذه الألقاب، مثل “باشا” و”بيك” كانت أوسمة رمزية، يمنحها السلطان العثماني لكبار رجال الدولة والجيش والسياسة، بوصفها أدوات للوجاهة وتكريس المكانة الطبقية، وقد عُرفت في السياق الأوروبي بما يقابل ألقاب “لورد” و”سير” و”فارس”، وبدأ العمل بها رسمياً في مصر منذ عهد السلطان حسين كامل، حيث جرت العادة أن تُمنح خلال المناسبات الملكية الكبرى، كأعياد الميلاد، وتواريخ الجلوس على العرش.

لكن تلك الممارسة انتهت بقرار حاسم عقب ثورة ” 23 يوليو” 1952، عبر القرار الجمهوري رقم 68، الذي ألغى العمل بالألقاب نهائياً، في خطوة كانت تهدف إلى تفكيك البنية الطبقية المتوارثة، وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن، وقد أُدرج هذا الحظر صراحة في جميع دساتير الجمهورية، بدءاً من دستور 1956، حتى دستور 2014، الذي نصّت مادته 26 على منع إنشاء، أو إحياء أية رتبة مدنية على الإطلاق.

ويؤكّد الشهاوي أن “المقترح المطروح حالياً، لا يتعارض فقط مع روح الدستور، بل يتطلّب تعديلاً دستورياً وإجراء استفتاء شعبي للبتّ فيه، وهو ما يعكس هشاشة الأساس الذي يقوم عليه من حيث المضمون القانوني”.

أما من حيث الشكل، فيحذّر من أن “إعادة هذه الألقاب سيُنتج تمايزاً مصطنعاً بين المواطنين، خصوصاً وأن الطرح المتداول ربط استحقاق اللقب بتقديم مساهمة مالية لدعم الاقتصاد القومي، الأمر الذي من شأنه تكريس النفوذ لمن يملك، لا لمن يستحقّ”.

ويقول الشهاوي في حديثه لـ “درج”، إن “هناك فارقاً جوهرياً بين الدول ذات النُظم الملكية التي تقوم على التوريث، وتقريب طبقة الوجهاء والنخب القبلية، والدول الجمهورية التي تُفترض فيها المساواة بين المواطنين من دون تمييز أو تفضيل شكلي”.

يكشف كتاب “تاريخ البعثات المصرية إلى أوروبا في عصر محمد علي” للدكتور عبد الحكيم عبد الغني قاسم، أن الألقاب الرفيعة مثل “بيك” و”باشا” لم تكن حكراً على المصريين، بل مُنحت أيضاً لعدد من الأجانب المقيمين في مصر، بخاصّة أولئك الذين تمّ إيفادهم في بعثات تعليمية إلى أوروبا. ويورد المؤلّف أمثلة بارزة، من بينها إسطفان أفندي أرميني، وهو أرميني الأصل قدم إلى مصر، وحصل على رتبة البكوية في عام 1855، ثم تولّى لاحقاً منصب وزير الخارجية المصرية.

كما تسجّل المصادر التاريخية الأخرى، وعلى رأسها كتاب “الكنز الثامن لعظماء المصريين”، عدداً من القصص التي توثّق حصول أجانب على هذه الألقاب، في إطار سياسة التمييز النخبوي التي سادت في مصر خلال الحقبة الملكية، حيث كان منح الألقاب وسيلة لتكريس الولاء، وتعزيز النفوذ داخل الطبقة الحاكمة، بغضّ النظر عن الأصل، أو الانتماء الوطني.

 ورغم المنع الرسمي، لا يزال تداول هذه الألقاب قائماً في الشارع والمصالح الحكومية، لكنها – برأيه – لكنه مجرّد موروث لغوي خالٍ من مضمونه التاريخي، لا يعكس القيمة التشريفية، التي كانت تُمنح الألقاب من أجلها سابقاً.

الألقاب مقابل الإنجاز العلمي لا الثروة؟

يرى الدكتور بهيّ الدين مرسي طبيب ومفكّر مصري، أن “فكرة إعادة إحياء الألقاب الملكية مثل “بيك” و”باشا” في ظاهرها، قد تبدو جذابة، وتحمل طابعاً رمزياً يعزّز التقدير الاجتماعي، إلا أن تطبيقها في مجتمعات شرقية مرتبطة بالدين، مثل مصر، قد لا يكون ملائماً”.

يقول مرسي: “هذه الألقاب تصلح في بيئات علمانية متقدّمة، حيث تُستخدم لتكريم المساهمات العلمية والمجتمعية، لا للوجاهة الفارغة، بينما في مجتمعاتنا، قد تُستقبَل هذه المبادرة بمشاعر ازدراء، خصوصاً إذا ارتبطت بدفع الأموال لنيل اللقب، حتى الأثرياء سيُلاحَقون بالتهم والتوصيفات الساخرة، مما يُفرّغ الفكرة من مضمونها”.

ويشير إلى أن “المجتمعات المتحضّرة التي منحت مثل هذه الألقاب، كمجتمع الهوانم والباشاوات في بدايات القرن العشرين، كانت تحفّز على العطاء العامّ؛ فـالمرأة التي ساهمت في تأسيس جامعة القاهرة كانت تُلقّب بـ”هانم”؛ يقصد الأميرة فاطمة إسماعيل، وتبرّعت بمجوهرات قُدّرت حينها بمبلغ 18 ألف جنيه مصري، ما يعادل في ذلك الوقت أكثر من 18 ألف جنيه ذهب، بينما كان الباشا يُدعى إلى التبرّع على شرف الملك، لبناء مؤسّسات تعليمية وصحّية تخدم الجميع”.

ويطرح الطبيب المفكّر تصوّراً جديداً، معبّراً عنه بسؤال: “لماذا لا نُعيد صياغة مفهوم الألقاب لنربطها بالمنجز العلمي والمعرفي؟ يمكن منحها لحاملي المؤهّلات العليا والمتفوّقين علمياً، فيتمّ ربطها بمكانة اجتماعية تُشجّع على البحث والعلم، بدلاً من تغذية ثقافة الفقر المدلّل، التي تُعمّق الأزمات وتُمهّد للثورات”.

ويختم حديثه معنا بالقول: “إذا أردنا مجتمعاً عصرياً يواكب ثورات الذكاء الصناعي المقبلة، فعلينا أن نُحوّل منظومة الامتيازات إلى آلية تحفيز للنبوغ العلمي. لا بدّ أن نربط الألقاب بالنقاط العلمية، لا بالطبقية الاجتماعية، لأن الأمم التي تتأخّر في ميدان المعرفة، لا تملك مكاناً في مستقبل العالم”.

لطالما كانت العدالة الاجتماعية مسرحاً عبثياً، والوجاهة سلعة قابلة للتقسيط المريح. لم تعد الدعوة إلى عودة الألقاب الملكية مجرّد حنين ساذج إلى الماضي، بل تجسيد حيّ لصراع خفيّ بين قيم الجمهورية ومغريات الأرستقراطية، بين حلم مجتمع المساواة وشهوة الوجاهة الاجتماعية. وفي وقت تئنّ فيه الطبقات الوسطى والدنيا تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، يبدو الحديث عن ألقابٍ تشريفية تُباع في سوق السلطة والنفوذ، نوعاً من العبث، لا من التكريم. وبين ألقاب “الباشا” وصمت “الفلّاح”، يظلّ السؤال معلّقاً: من نُكرّم في هذه البلاد؟ ومن ننسى؟

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
30.04.2025
زمن القراءة: 12 minutes

في وقت تئنّ فيه الطبقات الوسطى والدنيا تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، يبدو الحديث عن ألقابٍ تشريفية تُباع في سوق السلطة والنفوذ، نوعاً من العبث، لا من التكريم. وبين ألقاب “الباشا” وصمت “الفلّاح”، يظلّ السؤال معلّقاً: من نُكرّم في هذه البلاد؟ ومن ننسى؟

نشرت جريدة الأهرام مؤخّراً مقالاً تحت عنوان “نداء إلى باشوات مصر” للكاتب والمفكر السياسي المعروف الدكتور أسامة الغزالي حرب، الذي فجّر فيه طرحاً مثيراً للجدل، إذ دعا إلى  إعادة العمل بالألقاب المدنية الملكية الملغاة بقانون دستوري، وعلى رأس هذه الألقاب “باشا وبيه”، على أن تُمنح لرجال الأعمال المصريين البارزين، في سياق منضبط، مرتكزاً على معايير موضوعية، لمن يتركون بصمة مؤثّرة في خدمة المجتمع.

وصف المصريون هذا الاقتراح بالهزلي، وبالحنين المترف إلى النظام الملكي، وفي الوقت ذاته، هناك من رآه فرصة حقيقية لتكريم المبدعين، في الوقت الذي تغيب فيه سمة التكريم الحقيقية في المجتمع المصري. كما رأى البعض الآخر أن مقترح حرب، بعودة الألقاب التشريفية، لا يعكس رغبة في إحياء تقليد اجتماعي بريء، بل يُنظر إليه كخطوة رجعية تهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق هرم طبقي متآكل، يُعيد إنتاج علاقات السيادة والخضوع، ويستحضر روح “السيد والعبد” التي لفظها التاريخ.

ويحذّر معارضو هذا التوجّه من أن استعادة هذه الألقاب، من شأنها أن تكرّس التمييز بين المواطنين، وتفتح الباب أمام طبقية ناعمة تتسلّل عبر عبارات التشريف، لتتحوّل لاحقاً إلى أدوات تمييز رسمي يعصف بمبدأ المساواة أمام القانون، إذ يرى إيهاب عمر المؤرّخ والكاتب في صحيفة الأهرام، أن “الدعوة لإعادة الألقاب المدنية جاءت على لسان سياسي معروف بعلاقاته الوثيقة بطبقة رجال الأعمال، ويُعتبر صوتاً دائماً لها”. 

ويؤكّد عمر أن “هذا الطرح لا يعكس وجهة نظر مستقلّة، بل يُعبّر عن رغبة بعض رجال الأعمال الساعين إلى تعزيز مكانتهم الاجتماعية بمظاهر طبقية لامعة”، واصفاً هذا التوجه بأنه تعبير عن “هوس طبقي” لدى بعض “الإقطاعيين الجدد”، و”هوس بالحقبة الملكية”. ويوضح في حديثه إلى موقع “درج” أن “المكاسب المالية تبدو تافهة مقارنةً بطموحهم في استعادة الإقطاع، وتقسيم المجتمع المصري إلى طبقات بطريقة مذلّة ومهينة، تستند إلى مفاهيم عثمانية بحتة”.

من ناحية أخرى، يعتبر الكاتب في صحيفة الأهرام، أن “الألقاب المدنية تُعدّ إرثاً عثمانياً استعمارياً لا ينبغي العودة إليه”، مشيراً إلى أنها “كانت تُمنح من قِبل السلطان العثماني، ثم الملك أو السلطان المصري، وغالباً ما كان الحصول عليها يتمّ عبر الرشى والتبرّعات التي يقدّمها الإقطاعيون للملوك والأمراء”، ويؤكّد أن “هذه الألقاب كانت أداة للفساد، والتمييز الطبقي، والعنصرية”. 

عطايا الفلّاحين والصعايدة لنيل درجة البكوية 

في كتاب “الكنز الثمين لعلماء المصريين”، تمّ تسليط الضوء على عدد من العائلات المصرية التي حازت على لقبي “باشا” و”بيه”، تقديراً لإسهاماتها المجتمعية والخيرية. من أبرز هذه العائلات، عائلة أباظة في محافظة الشرقية ومدينة الزقازيق، التي ينتمي إليها الفنان الراحل رشدي أباظة. وقد لعب أفراد هذه العائلة أدواراً بارزة في بناء المدارس والمستشفيات، ودعم القرى الفقيرة. من بين الأسماء اللامعة في العائلة: إبراهيم السيد أباظة مفتّش عموم الأقاليم، وإبراهيم بيك دسوقي أباظة مأمور مديرية الجيزة، ومحمد بيك عثمان أباظة أحد كبار مسؤولي الضرائب في الشرقية، والحاصل على عدّة نياشين عثمانية.

كما ورد في الكتاب ذكر عائلات أخرى بارزة، مثل عائلة غالي في القاهرة، وعائلة الزهيري في محافظة الدقهلية، وجميعهم قدّموا جهوداً ملموسة ومساهمات مالية سخيّة، للحصول على هذه الألقاب، في سياق اجتماعي وسياسي كان يُكافئ العمل الخيري والنفوذ المحلّي بمثل هذه الأوسمة.

وامتدّ الحديث إلى العائلات التي نالت الألقاب من صعيد مصر، بخاصّة في محافظة أسيوط، حيث برزت شخصيات مثل السيد عبد العزيز بيك راشد عُمدة قرية الأشمونين في مدينة ملوي (محافظة المنيا حالياً) الذي لُقّب بـ”صاحب العزّة”، وساهم عبد العزيز بيك في تأسيس مستشفى الرمد ومستوصف الأطفال في أسيوط، بالإضافة إلى مدرسة ملوي الإسلامية الخيرية والمستشفى الأهلي في المدينة، كما قدّم تبرّعات سخيّة لجمعية الهلال الأحمر لمواساة منكوبي الحرب الطرابلسية، ولجمعية الصليب الأحمر لمساعدة ضحايا الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن دعمه لجمعية الرفق بالحيوان.

“بيزنس” الفهلوة وبيع الوهم 

في سياق الجدل حول الألقاب المدنية الملغاة، يبرز بُعد اقتصادي مثير للجدل، إذ يعتبر بعض المنتقدين أن طرح هذه الألقاب مقابل المال، لا يرقى إلى مستوى الفساد فقط، بل يعكس انحداراً في أولويات الدولة، فبدلاً من تحفيز الإنجاز والاستحقاق، تصبح الألقاب سلعة تُباع لأصحاب الحظوة والمال، مما يعمّق الفجوة الطبقية، ويذهب الرأي إلى أن على الدولة البحث عن قنوات استثمار حقيقية، بدلاً من تعويض عجزها المالي من خلال بيع الوجاهة الاجتماعية.

 كما يشير المعترضون إلى أن المجتمعات الرأسمالية التي تُميّز الناس بالثروة، تسقط في فخّ غير أخلاقي، لأن أصحاب الإنجازات الحقيقية؛ ممن لا يسعون وراء الثروة، سيضيعون في هذا النظام، رغم أنهم الأجدر بالدعم والتقدير، لا سيّما في مجتمع يعاني من أزمة في تحفيز العلم والعمل الصالح. 

من جهته، انتقد الخبير الاقتصادي هشام جاد الكريم بشدّة، الطرح الذي يدعو إلى إعادة منح الألقاب الشرفية مقابل المال، معتبراً إياه “انعكاساً لانحدار فكري واقتصادي، يُحاول أن يُحسب على النظام الحاكم، كوسيلة غير مباشرة لتحصيل الأموال من رجال الأعمال”.

وقال جاد الكريم إن “التفكير في بيع الألقاب يندرج تحت منطق الفهلوة والمتاجرة بأي شيء، حتى لو لم يكن ذا قيمة حقيقية، بهدف تحقيق زيادة طارئة في الإيرادات، لا تمتلك أدنى صفة للاستمرارية، أو المساهمة الفعلية في الناتج القومي”، وأضاف: “الدخل القومي لا ينمو عبر بيع الوهم، بل من خلال الإنتاج والابتكار، وخلق مصادر دخل حقيقية ودائمة”.

ووصف الطرح بأنه كارثي، قائلاً: “نحن في مصيبة حين يتحوّل هذا النوع من التفكير، إلى رأي يُعبّر عن تيّار يُفترض أنه يمثّل الفكر المجتمعي”، مؤكّداً أن “ما يحدث يعكس انحطاطاً فكرياً أعمق من مجرّد أزمة اقتصادية، ويتجاوز حتى الانحدار الأدبي والفني”.

شراء الألقاب لتحسين السمعة

بدت الدعوة إلى إعادة توزيع الألقاب، محاولة لتلميع نخبة اقتصادية واجتماعية، راكمت ثرواتها وسط أزمات معيشية خانقة، والتمهيد لخلق طبقة “نبلاء جدد”، تملك النفوذ والرمزية معاً، إذ اشتمل طرح حرب، على مجموعة من أسماء رجال أعمال مصريين، بعضهم كان محطّ انتقاد، مثل رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى رئيس مجلس إدارة “مجموعة طلعت مصطفى القابضة“، الذي يُعدّ واحداً من أبرز الشخصيّات الاقتصادية في مصر، إذ تُمثّل مجموعته واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد، وتُقدّر ثروته بنحو 3 مليارات دولار، بناء على تقديرات سابقة، بينما تشير تقارير أخرى إلى أنها قد تتجاوز 300 مليار جنيه مصري، لا سيّما مع اتّساع نطاق مشروعاته داخل مصر وخارجها، مثل مشروع “بَنان” في السعودية، و”ساوث ميد” في الساحل الشمالي. في عام 2008، أُدين بتهمة التحريض على قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، وصدر بحقّه حكم بالسجن لمدة 15 عاماً في 2010، قبل أن يُفرَج عنه بعفو رئاسي في عام 2017.

ومن بين رجال الأعمال الذين أثار ذكرهم غضباً واسعاً في الشارع المصري، يبرز اسم أحمد عزّ رجل الأعمال المعروف وأحد أبرز رموز نظام مبارك، والمقرّب من نجل الرئيس الأسبق. بدأ مسيرته كعازف “درامز” مغمور، قبل أن يتحوّل إلى أحد كبار منتجي الحديد في مصر، من خلال مجموعته “عزّ الدخيلة”، كما شغل منصب أمين التنظيم في الحزب “الوطني الديمقراطي” حتى اندلاع ثورة ” 25 يناير”.

واجه عزّ عدّة تهم، من بينها الاستيلاء على المال العامّ، والتربّح غير المشروع من استحواذه على أسهم شركة “الدخيلة”، إلى جانب تهم غسيل الأموال، والحصول على تراخيص لإنتاج الحديد بطرق غير قانونية، وقد أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكماً ضدّه بالسجن 37 عاماً، لكنه قضى نحو ثلاث سنوات فقط، بين العامين 2011 و2014. وفي عام 2018، توصّل إلى تسوية مع الدولة، حيث سدّد 1.7 مليار جنيه للجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول، مقابل إسقاط القضايا المرفوعة ضدّه.

شراء الترقّي الاجتماعي 

استنكرت الدكتورة هبة البشبيشي أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة،  فكرة الترقّي الاجتماعي عبر المال، وقالت في حديثها لـ “درج” إنه “ليس من العدل أن يتساوى الأكاديميون، والباحثون، والمجتهدون من أبناء الطبقات الكادحة، مع من يشترون وجاهتهم الاجتماعية بثرواتهم”، مشيرة إلى “عدم استحقاق من يسعى إلى اكتساب الألقاب الشرفية، خصوصاً من سبق اتهامهم بقضايا تمسّ الشرف أو القيم الأخلاقية، حتى وإن تمّت تبرئتهم لاحقاً، باعتبار أن هذه الألقاب ترتبط بالسلوك والمكانة المجتمعية، وليس بالقدرة المالية”.

وأضافت: “أرى في هذا المقترح تراجعاً خطيراً عن المبادئ التي قامت عليها ثورة الضبّاط الأحرار، والتي هدفت إلى كسر البنية الطبقية في المجتمع. إحياء مثل هذه الألقاب يُعيدنا إلى زمن التمييز الطبقي الذي تجاوزته الدولة منذ عقود”.

ولفتت البشبيشي إلى أن “الألقاب الرسمية كالوزير أو المستشار، تُمنح من الدولة ضمن إطار وظيفي محدّد، وتنتهي بانتهاء المنصب، وتحمل مسؤوليات قانونية. أما الألقاب الأرستقراطية فهي مجرّد أدوات للمباهاة الاجتماعية، لا تمثّل أي صفة رسمية، أو وظيفة عامّة”

وإذ استنكرت ما وصفته بـ”دعوة سخيفة”، سألت: “هل نسعى الآن لاستعادة رموز الاستعمار والبذخ الملكي، أم نعمل على تفكيك ما تبقّى من آثاره؟”.

كان إلغاء الألقاب في عام 1952، برغم كونه قراراً ثورياً لتفكيك البنية الإقطاعية، قد جرّد؛ بحسب حرب، المجتمع من آلية رمزية لتقدير النخبة المُنتِجة، التي كان يمكن أن تصبح حافزاً لتشجيع الأثرياء والمؤثّرين على الانخراط في العمل العامّ، على غرار النظام البريطاني الذي يمنح ألقاباً فخرية مثل “سير”، التي حصل عليها مثلاً الجرّاح العالمي مجدي يعقوب.

بيك يرفض البكوية!

تكشف الدعوة لإحياء ألقاب مثل “باشا” و”بيك”، عن نزعة طبقية مغلّفة بالحنين إلى زمن لم يكن مشرقاً كما يصوّره البعض، بل كان ممتلئاً بالبؤس الاجتماعي، والانقسام الطبقي الحادّ، وتتجاهل عن قصد أو غير قصد التاريخ الحقيقي للحقبة الملكية، التي كانت امتداداً للحكم العثماني، وشهدت استبداد أقلّية على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب، بخاصّة الفلّاحين الذين مثّلوا أكثر من 90% من المجتمع آنذاك، حسبما ما قاله مصريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تعليقاً على الطرح. 

في سياق متّصل، يرفض حفيد أحد بكاوات عائلة السيوفي، الذي تحفّظ على ذكر اسمه، إعادة طرح فكرة إحياء ألقاب “بيك” و”باشا” في مصر اليوم، واصفاً ذلك بأنه “اقتراح لا يليق بواقع مجتمعي يتدهور بعيداً، حتى عن الحدّ الأدنى من التحضّر”.

يقول في حديثه لـ”درج”: “والدي كان رئيس نيابة ونال رتبة البكوية، وجدّي من جهة والدتي، وكذلك شقيقه، حصلا على رتبة الباشوية، لكن الحقيقة أن هذه الألقاب لم تُضِف شيئاً مادياً أو وظيفياً إلى عائلتنا، سوى مظاهر الوجاهة الاجتماعية في تلك الفترة”.

ويستطرد بنبرة نقدية حادّة: “المصريون الذين كانوا يستحقّون مثل هذه الألقاب، انقرضوا. ومن تبقّى منهم رجله والقبر. أما أصحاب القرار اليوم، فنادراً ما تجد بينهم من يملك الخلفية التي تؤهّله لاتخاذ قرارات من هذا النوع، آخر من كان مؤهّلاً بحقّ لذلك، هو الملك فاروق… الله يرحمه، وخلّي الطابق مستور”.

يقدّم هذا الصوت القادم من داخل البيوت، التي كانت تحظى بالألقاب الملكية، دلالة رمزية على أنه حتى بعض المستفيدين من هذا التراث الطبقي، لم يعودوا يرونه ملائماً للزمن الحاضر، بل يعتبرونه جزءاً من تاريخ يجب أن يُطوى لا يُستدعى.

استشهد البعض بأفلام مثل “الأرض” و”القاهرة 30 “، التي وثّقت مآسي تلك الفترة، معتبرين أن إنتاج رموز فكرية أو إعلامية خلال العهد الملكي، لا يعني أنه كان عصراً ذهبياً، بل كان، على حدّ وصفهم “عصر الأوهام لا الأحلام”، خاضعاً للاحتلال ونخبة الـ”نصف في المئة”.

واستعاد آخرون كلمات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عندما قال: “كلّنا سيّد في ظلّ الجمهورية“، مؤكّدين أن إعادة هذه الألقاب ما هو إلا محاولة لإحياء هياكل اجتماعية بائدة، وبداية منزلق خطير نحو عبودية ناعمة قد تبدأ بلقب… وتنتهي بتهميش الأغلبية.

لا تخلو مقالة أسامة الغزالي حرب من سخرية ذكيّة، إذ يصف نفسه بـ”أسامة أفندي”، ساخراً من ازدواجية المجتمع المصري، الذي يرفض الألقاب رسمياً بينما يُكرّسها شعبياً. اقتراحه بتكريم شخصيات مثل نجيب باشا ساويرس، أو طلعت باشا مصطفى، أو أحمد باشا عزّ، وغيرهم. 

مقترح يخالف الدستور المصري 

يرى اللواء تامر الشهاوي وكيل جهاز الاستخبارات العسكرية الأسبق وعضو لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري سابقاً، أن “مقترح إعادة الألقاب التشريفية لا يفتقر فقط إلى السند الدستوري، بل يمثّل ارتداداً عن فلسفة الدولة الوطنية الحديثة، التي تأسّست على مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية”.

ويشير الشهاوي إلى أن هذه الألقاب، مثل “باشا” و”بيك” كانت أوسمة رمزية، يمنحها السلطان العثماني لكبار رجال الدولة والجيش والسياسة، بوصفها أدوات للوجاهة وتكريس المكانة الطبقية، وقد عُرفت في السياق الأوروبي بما يقابل ألقاب “لورد” و”سير” و”فارس”، وبدأ العمل بها رسمياً في مصر منذ عهد السلطان حسين كامل، حيث جرت العادة أن تُمنح خلال المناسبات الملكية الكبرى، كأعياد الميلاد، وتواريخ الجلوس على العرش.

لكن تلك الممارسة انتهت بقرار حاسم عقب ثورة ” 23 يوليو” 1952، عبر القرار الجمهوري رقم 68، الذي ألغى العمل بالألقاب نهائياً، في خطوة كانت تهدف إلى تفكيك البنية الطبقية المتوارثة، وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن، وقد أُدرج هذا الحظر صراحة في جميع دساتير الجمهورية، بدءاً من دستور 1956، حتى دستور 2014، الذي نصّت مادته 26 على منع إنشاء، أو إحياء أية رتبة مدنية على الإطلاق.

ويؤكّد الشهاوي أن “المقترح المطروح حالياً، لا يتعارض فقط مع روح الدستور، بل يتطلّب تعديلاً دستورياً وإجراء استفتاء شعبي للبتّ فيه، وهو ما يعكس هشاشة الأساس الذي يقوم عليه من حيث المضمون القانوني”.

أما من حيث الشكل، فيحذّر من أن “إعادة هذه الألقاب سيُنتج تمايزاً مصطنعاً بين المواطنين، خصوصاً وأن الطرح المتداول ربط استحقاق اللقب بتقديم مساهمة مالية لدعم الاقتصاد القومي، الأمر الذي من شأنه تكريس النفوذ لمن يملك، لا لمن يستحقّ”.

ويقول الشهاوي في حديثه لـ “درج”، إن “هناك فارقاً جوهرياً بين الدول ذات النُظم الملكية التي تقوم على التوريث، وتقريب طبقة الوجهاء والنخب القبلية، والدول الجمهورية التي تُفترض فيها المساواة بين المواطنين من دون تمييز أو تفضيل شكلي”.

يكشف كتاب “تاريخ البعثات المصرية إلى أوروبا في عصر محمد علي” للدكتور عبد الحكيم عبد الغني قاسم، أن الألقاب الرفيعة مثل “بيك” و”باشا” لم تكن حكراً على المصريين، بل مُنحت أيضاً لعدد من الأجانب المقيمين في مصر، بخاصّة أولئك الذين تمّ إيفادهم في بعثات تعليمية إلى أوروبا. ويورد المؤلّف أمثلة بارزة، من بينها إسطفان أفندي أرميني، وهو أرميني الأصل قدم إلى مصر، وحصل على رتبة البكوية في عام 1855، ثم تولّى لاحقاً منصب وزير الخارجية المصرية.

كما تسجّل المصادر التاريخية الأخرى، وعلى رأسها كتاب “الكنز الثامن لعظماء المصريين”، عدداً من القصص التي توثّق حصول أجانب على هذه الألقاب، في إطار سياسة التمييز النخبوي التي سادت في مصر خلال الحقبة الملكية، حيث كان منح الألقاب وسيلة لتكريس الولاء، وتعزيز النفوذ داخل الطبقة الحاكمة، بغضّ النظر عن الأصل، أو الانتماء الوطني.

 ورغم المنع الرسمي، لا يزال تداول هذه الألقاب قائماً في الشارع والمصالح الحكومية، لكنها – برأيه – لكنه مجرّد موروث لغوي خالٍ من مضمونه التاريخي، لا يعكس القيمة التشريفية، التي كانت تُمنح الألقاب من أجلها سابقاً.

الألقاب مقابل الإنجاز العلمي لا الثروة؟

يرى الدكتور بهيّ الدين مرسي طبيب ومفكّر مصري، أن “فكرة إعادة إحياء الألقاب الملكية مثل “بيك” و”باشا” في ظاهرها، قد تبدو جذابة، وتحمل طابعاً رمزياً يعزّز التقدير الاجتماعي، إلا أن تطبيقها في مجتمعات شرقية مرتبطة بالدين، مثل مصر، قد لا يكون ملائماً”.

يقول مرسي: “هذه الألقاب تصلح في بيئات علمانية متقدّمة، حيث تُستخدم لتكريم المساهمات العلمية والمجتمعية، لا للوجاهة الفارغة، بينما في مجتمعاتنا، قد تُستقبَل هذه المبادرة بمشاعر ازدراء، خصوصاً إذا ارتبطت بدفع الأموال لنيل اللقب، حتى الأثرياء سيُلاحَقون بالتهم والتوصيفات الساخرة، مما يُفرّغ الفكرة من مضمونها”.

ويشير إلى أن “المجتمعات المتحضّرة التي منحت مثل هذه الألقاب، كمجتمع الهوانم والباشاوات في بدايات القرن العشرين، كانت تحفّز على العطاء العامّ؛ فـالمرأة التي ساهمت في تأسيس جامعة القاهرة كانت تُلقّب بـ”هانم”؛ يقصد الأميرة فاطمة إسماعيل، وتبرّعت بمجوهرات قُدّرت حينها بمبلغ 18 ألف جنيه مصري، ما يعادل في ذلك الوقت أكثر من 18 ألف جنيه ذهب، بينما كان الباشا يُدعى إلى التبرّع على شرف الملك، لبناء مؤسّسات تعليمية وصحّية تخدم الجميع”.

ويطرح الطبيب المفكّر تصوّراً جديداً، معبّراً عنه بسؤال: “لماذا لا نُعيد صياغة مفهوم الألقاب لنربطها بالمنجز العلمي والمعرفي؟ يمكن منحها لحاملي المؤهّلات العليا والمتفوّقين علمياً، فيتمّ ربطها بمكانة اجتماعية تُشجّع على البحث والعلم، بدلاً من تغذية ثقافة الفقر المدلّل، التي تُعمّق الأزمات وتُمهّد للثورات”.

ويختم حديثه معنا بالقول: “إذا أردنا مجتمعاً عصرياً يواكب ثورات الذكاء الصناعي المقبلة، فعلينا أن نُحوّل منظومة الامتيازات إلى آلية تحفيز للنبوغ العلمي. لا بدّ أن نربط الألقاب بالنقاط العلمية، لا بالطبقية الاجتماعية، لأن الأمم التي تتأخّر في ميدان المعرفة، لا تملك مكاناً في مستقبل العالم”.

لطالما كانت العدالة الاجتماعية مسرحاً عبثياً، والوجاهة سلعة قابلة للتقسيط المريح. لم تعد الدعوة إلى عودة الألقاب الملكية مجرّد حنين ساذج إلى الماضي، بل تجسيد حيّ لصراع خفيّ بين قيم الجمهورية ومغريات الأرستقراطية، بين حلم مجتمع المساواة وشهوة الوجاهة الاجتماعية. وفي وقت تئنّ فيه الطبقات الوسطى والدنيا تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، يبدو الحديث عن ألقابٍ تشريفية تُباع في سوق السلطة والنفوذ، نوعاً من العبث، لا من التكريم. وبين ألقاب “الباشا” وصمت “الفلّاح”، يظلّ السؤال معلّقاً: من نُكرّم في هذه البلاد؟ ومن ننسى؟