تحوّلت لاعبة كمال الأجسام المصرية “بيغ ياسمين” من مجرّد لاعبة كمال أجسام، إلى رمز جدلي يعكس التناقضات العميقة داخل المجتمع المصري والعربي حول معنى “الأنوثة” وحدودها المقبولة، حتى إن البعض طالب بالقبض عليها بسبب قصّة شعرها وجسدها المفتول العضلات.
ياسمين التي باتت محصورة منذ ظهورها على السوشيال ميديا بين البطلة، التي كسرت قيود الصورة النمطية للمرأة، أو “المرأة الوحش” التي طمست معالم أنوثتها واستبدلتها بالعضلات، تقف مبتسمة وغير مصدومة بهذا السُعار من الطرفين، وترفع الأوزان الثقيلة غير عابئة بالمجتمع كلّه.
بيغ ياسمين لا تملك فقط عضلات مفتولة، بل تملك كذلك شجاعة المواجهة. ظهورها في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم في البرامج التلفزيونية فتح نقاشاً لا ينتهي: هل الأنوثة مرتبطة بالشكل الناعم وحده؟
بيغ ياسمين لم تقدّم نفسها كمتمرّدة ، بل دائماً ما تردّ بأن ما تفعله هو “رياضة”، وأنها اختارت طريقها مثل أيّ رجل يمارس كمال الأجسام. لكنّها، من دون أن تقصد أحياناً، أصبحت أيقونة لإعادة تعريف صورة المرأة في الفضاء العامّ.
لكن ما لم تعبأ به ياسمين جعلها تقترب من أن تكون أيقونة، هي تظنّ أن مجدها سيتحقّق فقط بالبطولات، لكنّها الآن موضوعة منصّة نقاش، وتحت أضواء وأسئلة نطرحها متأخّرين، ومنها سؤال ما هي الأنوثة أصلاً؟
إعادة تعريف الأنوثة عبر جسد رياضي مفتول ليس أمراً جديداً عالمياً، لكنّه في السياق المصري والعربي جديد، ويأخذ أبعاداً أكثر حساسية، لأنه يرتبط بدين وثقافة وتقاليد ومفاهيم قانونية وضبطيات تحاصر النساء بزعم “قيم الأسرة المصرية”.
ووسط كلّ هذا، وجود بيغ ياسمين ليس مجرّد قصة رياضية مصرية، بل فصل كامل من النقاش حول معنى أن تكون امرأة في مجتمع ينمّط الأنوثة ويسجنها.
من “روزي” إلى “بيغ ياسمين”: إعادة تعريف الأنوثة
في أربعينيات القرن الماضي، كانت صورة امرأة أميركية ترتدي زيّاً عمّالياً أزرق وترفع ذراعها في تحدٍ صارخ، كافية لتصبح واحدة من أكثر الأيقونات حضوراً في الثقافة البصرية الحديثة.
روزي، لم تكن مجرّد صورة دعائية لتشجيع النساء على ملء فراغ المصانع في غياب الرجال وقت الحرب العالمية الثانية، بل كانت أيضاً إعلاناً صامتاً أن الجسد الأنثوي قادر على أن يكون أداة إنتاج وقوّة لا تقلّ عن جسد الرجل، وأن الأنوثة لا تُختزل بالمطبخ أو غرفة المعيشة.
بعد عقود طويلة وفي سياق مختلف تماماً، تقف بيغ ياسمين في صالة كمال الأجسام وتبث فيديوهات على السوشيال ميديا المصرية، وتؤدّي دوراً مشابهاً وإن اختلفت الملامح. فبينما كانت روزي ترتدي زيّاً عمّالياً صارماً وتلوّح بعضلاتها دفاعاً عن اقتصاد الحرب، تظهر ياسمين بجسدها الرياضي، وعضلاتها المحدّدة، وجرأتها في ارتداء ما تشاء، وكأنّها تقول لجمهورها:
هنا، تتحوّل العضلات من مجرّد تفصيلة جسدية إلى إعادة تعريف للأنوثة: الأنوثة ليست خضوعاً ولا ضعفاً، بل قدرة على امتلاك الجسد وإعادة صياغة صورته.
المفارقة المثيرة أن روزي كانت انعكاساً لخطاب دولة تريد تعبئة النساء من أجل ماكينة الحرب، بينما ياسمين تمثّل رفضاً لخطاب مجتمع يحاول باستمرار قولبة المرأة في الصورة “المحافظة” أو “العروس المثالية”.
الأولى دعمت سلطة ذكورية كبرى (الدولة) بينما الثانية تقف في مواجهة سلطات اجتماعية ودينية محافظة تريد حصر خياراتها.
ياسمين وإيمان خليف.. جسدان في معركة واحدة
على الضفّة الأخرى من المتوسط، واجهت إيمان خليف الملاكمة الجزائرية، أزمة من نوع آخر، لكنّها متّصلة بالخيط ذاته. بعد سنوات من التدريب والتضحيات، وقفت على عتبة الحلم الأولمبي، لتجد نفسها محرومة بقرار من الاتّحاد الدولي للملاكمة بحجّة “عدم تطابق معايير الجندر”. لم يكن الاتّهام متعلّقاً بالمنشطات أو الأداء الرياضي، بل بجسدها وبملامحها الجسدية التي لم تتوافق مع “القوالب الأنثوية”، التي يفرضها الاتّحاد.
في الحالين، يظهر الجسد الأنثوي كميدان معركة، ياسمين تواجه سلطة اجتماعية ثقافية، ترى في جسد المرأة رمزاً للشرف والالتزام، أما إيمان فتواجه سلطة مؤسّسية رياضية، ترى في الجسد “الأنثوي المثالي” معياراً للشرعية في المنافسة.
المفارقة أن كلتيهما تعرّضت للهجوم باللغة ذاتها تقريباً: “مش أنثى كفاية”. فبينما يُقال عن بيغ ياسمين إنها فقدت أنوثتها في سبيل العضلات، يُقال عن إيمان خليف إنها “ليست أنثى بيولوجياً بما يكفي”. وكأنّ الأنوثة ليست خياراً إنسانياً، بل بطاقة هوّية تُوزّع وفق مقاييس خارجية.
المجتمع المصري المحافظ يرفض ياسمين لأنها كسرت وصاية الحجاب والزواج، والاتّحاد الدولي يرفض إيمان لأنها لا تتّسق مع صورة “المرأة في الرياضة”، لكن في الجوهر، كلتاهما تواجه السؤال نفسه: من يملك حقّ تعريف الأنوثة؟ المجتمع؟ أم المؤسّسة الرياضية؟ أم المرأة نفسها؟
هذه المعارك تكشف أن الأنوثة لم تعد مجرّد حالة بيولوجية، بل أصبحت حقلاً سياسياً وثقافياً متفجّراً. ياسمين تحرّرت من وصاية الأسرة والمجتمع على جسدها، بينما إيمان تحاول أن تحرّر جسدها من الوصاية المؤسّسية الدولية. في الحالين، الجسد الأنثوي يُستخدم كأداة ضبط، بينما النساء يحاولن باستمرار قلب المعادلة وتحويله إلى أداة مقاومة.
قصّة بيغ ياسمين أيضاً تعكس فشل المنظومة التعليمية والثقافية في تقديم صور بديلة للأنوثة. لسنوات طويلة، قُدّمت المرأة في الإعلام المصري باعتبارها إمّا “ست البيت” وإمّا “الموديل” وإمّا “الراقصة”، وإمّا “أستاذة” و”وزيرة” و”برلمانية”، لكن ضمن قالب شكلي معيّن. فجأة، جاءت ياسمين لتضع صورة مختلفة: امرأة قوّية بالمعنى الحرفي، قادرة على رفع أوزان قد يعجز عنها رجال كثيرون، حليقة الشعر، هذه الصورة أربكت الذهنية الجمعية، التي لم تعتد على هذا النوع من التمثيل.
على المستوى الشعبي، الانقسام حول بيغ ياسمين يتجاوز مسألة الرياضة. هناك من يرى أن جسدها “مرعب” أو “غير أنثوي”، والبعض يتداول صورها في سياق ساخر، المجتمع نفسه لا يعرف ماذا يريد من نسائه. يريدهن جميلات لكن “محتشمات”، قوّيات لكن “غير منافسات”، ناجحات لكن “داخل الحدود”. بيغ ياسمين كسرت كلّ هذه المعادلات دفعة واحدة، لذلك تثير التوتّر.
ارتدت مؤخّراً بيغ ياسمين “باروكة” شعر ووضعت مكياجاً بعد حملات المطالبة بالقبض عليها، لكنّها كانت لقطة ليوم واحد، تقول فيها ما أسهل أن نصبح نساء بالمعايير التقليدية، ثم عادت في اليوم التالي لتنزع “الباروكة” وتتمرّن حليقة الشعر ومجروحة الكفين من كثرة التدريب وحمل الأوزان الثقيلة.
ليس كلّ ما تقوم به بيغ ياسمين يُقرأ في إطار التمكين وحده. بعض النسويات قد يرين في تجربتها شكلاً من إعادة إنتاج الضغوط الجسدية المفروضة على النساء. فكما أن “الجمال النحيف” كان قيداً خانقاً لعقود، فإن “الجمال الرياضي” قد يتحوّل إلى قيد جديد، يفرض على النساء أن يبنين أجساداً مثالية بحسب مقاييس جديدة. وهذا يطرح سؤالاً مهمّاً: هل بيغ ياسمين تفتح باب التحرّر من المعايير، أم تفتح باباً لمعايير أخرى أكثر قسوة؟
تعتبر ياسمين أن حملها الأوزان الثقيلة “إدمان” ولا ترى في حياتها أمراً يستحقّ وقتها وتعبها غيره، حتى الزواج وإنجاب الأطفال، فقد سمّت عضلات يديها بأسماء أبنائها وبناتها الذين لم تنجبهم.
بيغ ياسمين، من خلال رحلتها مع الرياضة، تخلّت عن الحجاب الذي كانت ترتديه يوماً، إذ لم يعد يتماشى مع صورتها الجديدة كرياضية تُظهر عضلاتها المفتولة وجسدها المنحوت. قرارها بخلعه لم يكن فقط خياراً عملياً مرتبطاً بالتدريب فقط، بل كان أيضاً تحرّراً رمزياً من الوصاية المفروضة على جسدها، وتحوّل الرياضة إلى وسيلة لتأكيد السيادة الذاتية.
هناك أمر جوهري يُفسّر السبب في المطالبة بالتحفّظ على بيغ ياسمين، بينما تُمارس بطلات أخريات رياضة كمال الأجسام بشكل طبيعي، ومن دون ضجّة، أو مطالبات بالقبض عليهن، رغم أنهن يحملن عتبة مشابهة من التحطيم المجتمعي للصور النمطية. السبب ليس في رياضة كمال الأجسام نفسها، بل في الطريقة التي تحضر بها بيغ ياسمين متحرّرة تماماً من أي أثقال اجتماعية أو نمطية، تفضّل أثقال الجديد عن غيرها من الأثقال.
“خلود عصام” أوّل مدربة كمال أجسام عربية، مارست الرياضة وهي محتشمة بالحجاب، متحكّمة بمظهرها رغم كلّ التحدّيات، حتى إنها رفضت عروضاً للمشاركة في بطولات تتطلّب كشف الجسد.
لكنّ بيغ ياسمين بالغت في العرض الذاتي لهوّيتها التي تفضّلها وشكلها الخارجي المميّز. فبينما البطلات المشاركات في بطولات رسمية يخضعن لزيّ رياضي مقبول ومحمول بثقافة المؤسّسات، تحضر ياسمين بجسدها لا كرياضية فقط، ولكن كإعلان عن وقوف امرأة في مصر على حدود التحدّي، حليقة الشعر وعرّابة لصورة أنثوية جديدة.
بيغ ياسمين لا ترفع شعارات، ولا تعلن نفسها “نسوية”، لكنّها بجسدها فقط فتحت باباً لا يُغلق… وهذا في حدّ ذاته ربما يفسّر حدّة الهجوم عليها: ليس لأنّها “تشوّه” الأنوثة، بل لأنها تسحب البساط من تحت تعريف تقليدي عتيق عنها.
إقرأوا أيضاً:












