عند وقوع أي أزمة أو كارثة، يتداعى اللبنانيون للتطوع وتقديم العون بطرق مختلفة، كلٌّ بحسب قدراته وإمكاناته، وأحيانًا بحسب طبيعة عمله. برز هذا السلوك التضامني بشكل واضح خلال انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، إذ نزل الآلاف من اللبنانيين إلى شوارع العاصمة لتنظيفها، أو لتأمين مأوى لمن خسر منزله، أو لتوفير الطعام والمساعدات الضرورية.
الوضع لم يكن مختلفاً مع تسارع الأحداث الأخيرة منذ أيلول/ سبتمبر الماضي. فقد تحرّك اللبنانيون، أفراداً ومجموعات، في مناطقهم لتقديم يد العون بكل ما استطاعوا. وشملت هذه الجهود تأمين المأوى، بالإضافة إلى إطلاق نداءات متكررة لتوفير البطانيات والفرش والمستلزمات الأساسية للأشخاص الذين لجأوا إلى مراكز الإيواء أو استأجروا منازل من دون أن يمتلكوا أدنى مقومات الحياة.
ما كان لافتاً في هذه الأزمة تحديداً، هو الدور البارز الذي لعبه صانعو المحتوى، المعروفون بـ”الإنفلونسرز”، وبعض الصحافيين. فقد تحول كثر منهم إلى عمّال في المجال الإنساني بين ليلة وضحاها. بعضهم عمل بشكل فردي، بينما أطلق آخرون مبادرات جماعية مستفيدين من شبكاتهم الواسعة من المتابعين، إلى جانب علاقاتهم مع مطاعم ومؤسسات مختلفة. ساعدتهم هذه الموارد في تقديم استجابات سريعة وفعّالة لتلبية احتياجات المتضررين، بعيداً من البيروقراطية التي تُعيق أحياناً عمل الجمعيات الإنسانية.
على سبيل المثال، صرّحت إحدى “الإنفلونسرز” في مقابلة، أنها تمكنت من جمع ما يقارب نصف مليون دولار من التبرعات خلال أيام قليلة فقط، بفضل متابعيها ودعمهم. في المقابل، عانت جمعيات محلية عدة من ضعف حملات التبرع التي أطلقتها منذ بداية الأزمة، وقد يكون مرد ذلك الى ثقة الناس بهؤلاء الأشخاص وتفضيلهم على الجمعيات التي حُكيّ الكثير عن فسادها خلال مرحلة انفجار بيروت.
مؤثرون ذوو جمهور لكنهم بلا خبرة!
هذه الظاهرة تفتح الباب أمام معضلة أخرى: فهؤلاء المؤثرون في غالبيتهم ليست لديهم الخبرة في المجال الإنساني، ما يطرح تساؤلات عن مدى التزامهم بالمبادئ الإنسانية التي تنظّم هذا النوع من العمل.
العمل الإنساني مؤطر بمجموعة من القوانين والمبادئ التي تطورت على مدى ما يقارب مئة عام، من خلال التجارب المحلية والدولية التي تهدف إلى تحسين فعالية المساعدات وجعلها أكثر ملاءمة لاحتياجات الناس. ومع ذلك، بدا واضحاً أن الكثير من المؤثرين والصحافيين الذين قرروا المساعدة، حتى لو عن حسن نية، عملوا من دون أدنى التزام بهذه المعايير.
على سبيل المثال، نفّذ البعض نشاطات إنسانية من دون أي تنسيق مع الجمعيات أو القطاعات المسؤولة على الأرض، وهو ما أدى إلى تكرار المساعدات نفسها في بعض المناطق بينما ظلت مناطق أخرى مهمّشة بالكامل. ومن الأمثلة اللافتة، توزيع أحد المؤثرين “غاز الطهي” على عائلات في مراكز الإيواء، متفاخراً بأنه حصل عليه بسعر جيد، متجاهلاً تماماً المخاطر المترتبة على وجود أسطوانات الغاز في غرف مكتظة بالأطفال، فضلاً عن افتقار هذه الغرف الى أبسط شروط النظافة.
بالإضافة إلى غياب التنسيق، أظهر البعض تجاهلاً لكرامة الأشخاص المستفيدين من المساعدات. فمثلاً امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهات الناس وهم يتزاحمون للحصول على المساعدات من دون احترام لخصوصيتهم. والمثال الصارخ هو ما قام به أحد “الصحافيين” عبر نشر فيديو لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة ودعوة الناس إلى زيارة مركز الإيواء واللعب معه.
هذه الدعوة، وإن بدت بريئة، تتجاهل أهمية ضمان أهلية المتطوعين واحترام خصوصية سكان مراكز الإيواء. فمن يتحمل مسؤولية التأكد من أن هؤلاء المتطوعين مؤهلون؟ ومن يضمن أن بينهم من لا يشكل خطراً على الأطفال؟ هذه التصرفات عكست غياباً واضحاً للوعي بالمسؤوليات المترتبة على العمل الإنساني وضرورة مراعاة كرامة الناس الذين يعيشون في ظروف قاسية.
المؤثرون… وأزمة أن يتحوّلوا إلى “مركز” الحكاية!
ما يزيد الأمر تعقيداً هو تحوّل جمع التبرعات إلى نوع من المبارزة بين المؤثرين. فبدلاً من التركيز على الاحتياجات الإنسانية، أصبحت الأحاديث تدور عما يفعلونه؟ كيف يمضون أيامهم؟ كم هو مرهق العمل في الميدان؟
فجأة، أصبحت القصص تدور حول “صبرهم” و”تعبهم”، مع دعوات غير مباشرة للحصول على الإعجاب والتقدير، متناسين أن الآلاف من المتضررين يعيشون مأساة حقيقية في مراكز الإيواء أو خارجها. أسوأ ما يمكن أن يصيب العمل الإنساني هو تضخّم الأنا، إذ يصبح الشخص أو الجهة المقدمة للمساعدة محور الاهتمام بدلاً من التركيز على المتضررين أنفسهم. كما أن التصوير المفرط للأحداث عبر مئات القصص اليومية لم يعد مجرد توثيق للعمل، بل أصبح وسيلة لتعزيز الشهرة واستقطاب المزيد من المتابعين. في مكان ما، هذا الاستخدام المفرط قد يُعتبر استغلالاً لمعاناة الناس للحفاظ على البروز على وسائل التواصل الاجتماعي.
“الطريق الى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة”، جملة قالها لي أحد الأشخاص الذين أمضوا عمرهم في المجال الإنساني. في نهاية المطاف، العمل الإنساني مسؤولية كبيرة يجب أن ترتكز على احترام كرامة الناس وضمان تلقيهم المساعدات بطريقة آمنة ومنصفة. العمل الإنساني ليس استعراضاً ولا منصة للشهرة، إنه التزام أخلاقي يتطلب التواضع، فهماً عميقاً للسياقات، والحرص على أن يكون المتضررون في صلب كل الجهود المبذولة.
إقرأوا أيضاً:











