“إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة: 156)
في الإسلام، تُقال هذه الآية عند الفقد، تعبيرًا عن الإيمان بأن الحياة والموت بيد الله، وأن كل شيء مآله إليه.
يُعتبر الموت قَدَرًا إلهيًا، ومرحلة انتقالية نحو الآخرة، حيث يُحاسَب الإنسان على أفعاله. للحداد، في الإسلام كما في بقية الأديان، وقت محدد لا يُستحب تجاوزه، ويختلف حسب التعاليم الدينية. لا يُعد الحزن الطويل كُفرًا، لكنه قد يتحوّل إلى اعتراض على قضاء الله إذا تجاوز حدوده الطبيعية بحسب المفسرين. قد تقدم الأديان إطارًا روحيًا ومنهجًا للتعامل مع الفقد، لكن تبقى التجربة الإنسانية مع الموت مليئة بالألم والصدمة، وصعوبة التجاوز التي قد تبقى عالقة في النفس طويلاً.
لقائي الأول مع الموت
لطالما تجنبت النظر إلى صور الموتى، لم أتقابل مع الموت في الصغر، على رغم وفاة جدتي وأنا في عمر الخامسة، لا أزال أذكرها لكني لم أنكسر، كان الألم يتجمع في جدي، وكأنه حمل الوجع كله عنا جميعًا. أذكر وفاتها جيدًا، لكنها في عقلي وفي قلبي بدت وكأنها ضيف خفيف زارني ورحل باكرًا من دون أن يترك أثرًا ثقيلًا. رأيت الألم في جدي الذي لم يتزوج بعدها على رغم رحيلها باكرًا، ورأيته حين كان يصلي تحت صورتها، ورأيته فيه حين تلاشت ذاكرته مع تقدّم الأعوام، وحين زادت رجفة يديه، وحين نسانا جميعًا. لكني لم أَعِ ذلك إلا حين رحل، فصار موتها مفتاحًا لموته في ذاكرتي، وكان أول فقد حقيقي عشته.
في اليوم الأخير الذي رأيته فيه، أي قبل أسبوعين من أن يُوارى الثرى، وأنا أودّعه من دون أن يتذكر من أكون، شعرت بأنها المرة الأخيرة. كان يومها يوم قطاف الزيتون، لم يستطع أن يجاور شجراته، بقي في البيت ونزل الجميع إلى الحاكورة، وبقيت أنا بقربه. كنت أشاهده وأتحدث معه من دون أن يفقد رهبته، ومن دون أن يعرفني، لكنني أردت البقاء بقربه حتى لو ظن أني فتاة غريبة تعكّر صفو جلسته. عند الوداع قبّلت يديه وجبينه كما علّمني منذ صغري وغادرت. ثم بعد أسبوعين، وأنا أتحضّر للاحتفال بعيد الميلاد مع صديقاتي، اتصل عمي وأخبر أمي برحيل “جدي حسن”.
مات حسن. أذكر يومها ونحن نتّجه إلى بيته، انتابتنا كريزة ضحك أنا وأختي غير مبرّرة، كانت موجعة وغريبة، ثم صعدنا إلى منزل جدي، وكان ملفوفًا بكفن أبيض موضوعًا على طاولة، بعدما أُفرغت الغرفة من الفرش وسريره كي تتّسع لعدد المعزين. لم أقترب وتجاهلته، لم أرد دليلاً، ووقفت بعيدًا قرب عمّتي. ثم غادرت إلى البيت، وعلى رغم أني أخاف الظلام وأكرهه، أطفأت النور في غرفتي وجلست وحدي. لم أحضر الدفن، كان ازداد سوء حالتي الصحية، وكان من المقرّر أن أجري عملية جراحية، فحضرت “الأسبوع”، ثم انشغلت بعمليتي الجراحية. لم أزر قبره، وتجنبت زيارة منزله والحديث عن رحيله لسنوات. وهذه كانت أول اكتشافاتي للتعامل مع الموت. كيف نتخطى رحيل أحدهم؟ شخصيًا، كان النكران لعبتي الوحيدة مع الموت.
لسنوات كنت أكتب له وكأنه هنا، كان الصورة الوحيدة التي أملكها عن الجد، فأجدادي من طرف أمي لم يكونا موجودين في حياتي، وخالة أمي كانت تأخذ دور الجدة لسنوات، لكن مع دخولي الجامعة وانتقالي إلى بيروت صارت الزيارة قليلة، ومع الوقت توقفت. حتى توفّيت من دون أن أكون، وبقيت هداياها البسيطة الذكرى الوحيدة. كانت تاتا “أم شحادة” عزاء لنا ولأمي، فهي الجدة التي تطوعت بنفسها لتأخذ هذا الدور، كانت حنونة، قوية، وجريئة، يهابها الجميع، وكانت صاحبة حق. كانت تحب عبد الحليم الى درجة أنها حين توفي زارَت مصر، وكانت تجلس قرب قبره من الصباح حتى المساء لمدة شهر، هذا ما أخبرتني إياه أمي منذ كنت صغيرة. كان لها أحفاد كثر، وعلى رغم ذلك، كانت لنا حصة من حبها وكرمها. رحلت زهية أو “أم شحادة”، ومعها انتهت آخر فرصة في مناداة “تاتا”، على رغم وجود جدتي الحقيقية على قيد الحياة…
لسنوات، وعلى رغم نكراني موت جدي، كنت أكتب له وأحارب فكرة الموت تلك في كتاباتي، حتى صار بطلي الغائب. كنت أكتب له حين يضيق فيّ العالم، ولست أدري إن كانت كتاباتي تلك تريحني أم تزيد من وطأة الموت المنكَر على كاهلي. توفي أشخاص أعرفهم من بعدها، ولكنهم لم يكونوا مقرّبين، كجدي من طرف والدتي. لم أكن أعرفه جيدًا، فهو لم يتخذ يومًا دوره لا كأب ولا حتى كجد. كنت في عزائه كالغرباء، أحدّق بعيون أمي التي كانت تبكي كثيرًا، وأيقن تمامًا أنها لم تكن تبكي ما عاشته معه، بل على العكس تمامًا، ما لم تعشه مع والدها الذي كان يسكن على بعد أمتار من منزل جدتها الذي تربّت فيه، بينما انشغل هو بتربية أولاده من زوجته الجديدة. لم تسبب لي وفاته أي ألم، فقد أخذ جدي من طرف والدي مني كل الحزن، بينما أعطاني، وهو على قيد الحياة، كل الحب.
جنائز كثيرة ولا وقت يكفي للحداد
في العامين الأخيرين، زارني الموت كثيرًا حتى أنني لم أعد قادرة على نكرانه. الموت الطبيعي والموت الغادر، كله موت، وكله فقدان وفراق واحد. أخذ الموت في العامين الأخيرين أشكالًا عدة في حياتي. وفي كل مرة كنت أظن أن قلبي لن ينجو هذه المرة، لكن سرعان ما أركض إلى قوقعتي لأنكره ولأمضي قدمًا. رحل أولًا رياض، صديقي من الجامعة، على الحدود اللبنانية مع فلسطين. كان الخبر غريبًا، على رغم أننا لم نلتقِ لسنوات، وكل ما أذكره عن رياض هو الكثير، ككتاب كتبه عني في ذكرى ميلادي وطبع منه 12 نسخة للأصدقاء، ثم ساعة الرمل التي أنظر إليها بفراغ الآن من دون أن أغوص في عمق ما قد أشعر لو حككت قلبي. لعب رياض في المسرحية التي أعددناها بالجامعة دور العريس الفلسطيني الشهيد، ولعبت أنا دور عروسه في المسرحية، فمتّ أيضاً في المشهد الأخير. لرياض صورة وهو على المسرح بين الزهور ونحن نرثيه ونبكي فوق رأسه. كان شابًا طموحًا، ذا صوت عذب، كان يغني فضل شاكر ومواويل وأغانيَ رومانسية أخرى، كان لطيفًا ورحل بخفة من دون أن نجتمع لنرثيه، ومن دون أن نأخذ وقتًا لنصدق ذلك.
حتى اليوم أنظر إلى ساعة الرمل بفراغ، كي لا أغرق بثقل الخبر. بعد رياض، رحل أشخاص كثر أعرفهم، وهذه ضريبة الحرب، هكذا يُقال. يُقال إنه علينا أن نكون جاهزين للفقد في الحرب. رحل عصام بعد أسبوع من رحيل رياض. أذكر أني بكيت الاثنين معًا، لأنني لم أستطع أن آخذ عطلة لأبكي رياض. وحين سنحت لي الفرصة أن أحضر تشييع عصام، كنت أبكي الشهيدين بحرقة، وأبكي القادم بخوف، من دون أن أفهم. ولكن هذه المرة حضرت الدفن، وهذا ما لم أكن أفعله غالبًا. لكن البكاء الجماعي يُريح ويجعلك تُخرج الألم من تحت صدرك أكثر، وتبوح أكثر، هذا ما أسمّيه التعاضد العاطفي.
بعد فترة، رحلت بشرى عبد الصمد، أستاذتي في العمل وزميلتي المرحة، بعد صراع مع السرطان. كان رحيلها ثقيلًا، بكيت كثيرًا، حضرت دفنها، ولكني كالعادة عدت إلى قوقعتي مع نكران الموت، على رغم أنني نعيتها، لكني بعد ذلك أرسلتها في رحلة عمل إلى بلاد بعيدة، كما أفعل مع كل من أفقدهم.
قد لا يتسع هنا للحديث عن كل صور الموت التي قابلتها في الأعوام الأخيرة، قد لا أذكر سوى رائحته، العالقة في أنفي، أشم رائحة الموت حتى الآن على رغم أني أنكره. للموت رائحة تعتصر القلب وترسلنا نحو المجهول، ولملاقاة الجثامين لغز عاطفي لم أفهمه، ولن أفعل. أشعر أني كلما وُجدت مع جثة، وكأني أقف بين الحياة والموت، وكأني في “ليمبو” “limbo “، لحظات من الوعي الغامض والضياع النفسي. لا أفهم هذه اللحظات، ولا أفهم كيف نتواجه مع الرحيل الأخير، ولا أفهم كيف عليّ أن أستغل كل ثانية من هذه اللحظات، ولا أعرف ما الذي قد أفعله ليريحني، ولم أر أحدًا يبرد قلبه بعد اللقاء الأخير. مع أنه لطالما قيل لي إن رؤية الدليل تساعد في تصديق موت الأحباب، كرؤية النعش، أو رؤية القبر، وربما رؤية الجثامين.
في صالات العزاء وفي بيوت أهل الفقيد/ة في منطقتنا، لطالما كنت أراقب صراخ النساء في العزاء، ولكني لم أفهم يومًا كيف يخرج هذا الألم كله من حنجرة امرأة. أذكر تمامًا اللحظة التي تلقيت فيها خبر رحيله، عبر رسالة واتسآب بعد ساعات من فقدان الاتصال به. “استشهد”، هذا ما كتبته بتول صديقتي. لا يزال الخبر عالقًا في حنجرتي، أذكر نصف الشعور، ولا أزال أحمل نصفه الآخر. فجأة توقفت الكلمات وعلقت في حنجرتي. قالت إحدى صديقاتي: “اصرخي”. لم أكن أعرف أني سأستطيع. لا أزال أذكر صرختي وأذكر الألم، وها هو الآن يلتهب في صدري.
رحل حمودي، صديقي. لا أعترف بذلك دائمًا، وكلما واجهت الخبر يعتصر قلبي ويؤلمني صدري، وأختنق، وأبدأ معه جولة عتاب جديدة. حين ذهبت إلى تشييعه بعد أشهر من استشهاده، أي بعدما انتهت الحرب، كنت أظن أنها ستكون لحظة التعافي. لا أنسى ذلك اليوم، لا أنسى رائحة الموت تلك، ولا أنسى شعوري بأني بين الحياة والموت، ولا أزال أحاول استرجاع يدي التي فقدتها وأنا ألمس نعشه، كأن الوقت يبتلعنا في مثل هذه اللحظات، وكأن لا بكاء يكفي، فيتجمّد عقلك. وهنا تأكدت أني لن أتعافى، وعرفت أن الموت شيء كبير، ومهما تقدمتُ بالعمر، لن أتصالح معه، لن أقبله. شيء واحد تغيّر، هو أنني حين صار الموتى أشخاصًا أعرفهم، لم أعد أخاف صورهم، بل أبحث عن المزيد، أحاول الاحتفاظ بذكريات أكثر، ولكنني بسبب الاكتئاب والضغط تتلاشى ذاكرتي يومًا بعد يوم. أذكر الليلة التي رحل فيها حمودي، فتحت الدرج وإذ بصورته أول صورة على رأس مئة صورة كنت طبعتها لأشخاص أحبهم في حياتي. كانت صورتنا معاً على سطح الصور تنظرني ثم جلست أصرخ وأبكي ثم مر شريط طويل من اللحظات بيننا. الآن أصلي كي أستعيد تلك الذكريات وكأنني أشاهد فيلماً طويلاً لا ينتهي وأنتحب أكثر. رحل كثر بعد رحيل حمودي وجدي، ولكني كلما تقابلت مع فكرة الموت أدرك أن هذين الرجلين أكثر من آلمني رحيلهما.
تقول إليزابيث كوبلر روس، إن هناك خمس مراحل للحزن: الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، والقبول. وأنا علقت طويلًا في المرحلة الأولى، ربما لأنّ عقلي كان يعرف أن العبور الى المراحل الأخرى يعني التسليم، أمرُّ بحداد متقطع ثم أؤجله، وأحيانًا أرفضه تمامًا، كمن يريد الاحتفاظ بالفقيد في منطقة ما من العقل، من دون أن يُسلّمه للموت الكامل.
إقرأوا أيضاً:












