أتى التوغل الأوكراني في منطقة كورسك مباغتاً لروسيا، في أكبر غزو للأراضي الروسية منذ الحرب العالمية الثانية، فيما تستمر القوات الروسية بقضمها البطيء للأراضي الأوكرانية في الجبهتين الشرقية والجنوبية، وتقدّمها السريع باتجاه مدينة بوكروفسك. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي احتلال 1250 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في منطقة كورسك بذريعة إنشاء منطقة عازلة. وسارعت القوات الأوكرانية إلى تدمير ثلاثة جسور استراتيجية في المنطقة بهدف قطع خطوط الإمداد الحيوية للقوات الروسية.
خلف هذا التقدم الأوكراني في كورسك مجموعة من العوامل، أهمها فعالية القيادة العسكرية الأوكرانية مقابل عقم القيادة العسكرية الروسية، وأخطرها السماح باستخدام الأسلحة الأميركية الصنع والتقنيات المتطورة لتعطيل أجهزة الاتصالات في عمليات توغّل واحتلال للأراضي داخل الحدود الروسية، وليس فقط لشنّ هجمات محدودة في الداخل الروسي كما أعلنت الولايات المتحدة في حزيران/ يونيو الماضي، وما يعنيه ذلك من تصعيد للصراع يتجاوز حدود أوكرانيا وبكل الاتجاهات.
يتحمّل قائد منطقة لينينغراد العسكرية ألكسندر لابين جزءاً أساسياً من الإخفاق الروسي في منطقة كورسك التابعة إدارياً وعسكرياً لمنطقته. ولكن تعيينه في هذا المركز في 16 أيار/ أيار 2024 على رغم سجله العسكري المليء بالفشل منذ عامين في معارك أساسية أدّت إلى خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، يفضح مدى الفساد والترهّل الذي وصل إليهما حكم فلاديمير بوتين، ويُضاعف من احتمالات حدوث انقلابات جديدة على رغم كل إجراءات بوتين لتحصين نظامه السياسي ضدها، بل وبسبب تلك الإجراءات بالذات.
إخفاقات متتالية من ليمان 2022 إلى كورسك 2024
سبق أن اتهم حاكم الشيشان رمضان قديروف منذ عامين الجنرال لابين بانعدام الكفاءة العسكرية، وكان يشاركه في هذا الرأي قائد مجموعة “فاغنر” الراحل يفغيني بريغوجين. وقد حمّل قديروف عام 2022 مسؤولية التفريط في الدفاع عن منطقة ليمان الاستراتيجية في شرق أوكرانيا للابين، إذ تعرّضت قواته لخسارة مذلّة في معركة ليمان الثانية (أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر 2022)، ومناطق بالاكليا وإيزيوم ومساحات واسعة في منطقة خاركيف.
أظهر لابين ضعفاً كبيراً على الرغم من خبرته العسكرية الواسعة وحيازته لقب “جنرال الخنادق”، واتهمه قديروف بالفشل في تنظيم خطوط الإمداد اللوجستي وتقديم الدعم اللازم للقوات المدافعة، إذ تمكّنت القوات الأوكرانية عام 2022 من اختراق التحصينات الدفاعية الروسية بشكل كبير في منطقة ليمان خلال أيام قليلة. وعلى هذا الأساس، اقترح قديروف في تعليق لاذع على قناته على منصة “تلغرام، تخفيض رتبة لابين وتجريده من ميدالياته وإرساله إلى الجبهة ليقاتل و”يغسل عاره بالدم”.
مُنيت القوات الروسية بالهزيمة على الرغم من الغلبة العددية والتفوق في الذخائر لصالحها على طول خط المحورين الشرقي والجنوبي، لكن خطوط الدفاع في المناطق التي سقطت لم تكن متماسكة، ولم تحصل على الدعم اللوجستي المطلوب من خطوط الإمداد. ولم يتّخذ الجنرال لابين القرارات المناسبة، بخاصة أن الغلبة العددية في مناطق محدّدة، من بينها ليمان، كانت لصالح القوات الأوكرانية التي اعتمدت أسلوب الهجوم المركّز لتحقيق أهداف استراتيجية عوضاً عن توسيع إطار الهجوم بطريقة من شأنها تعريض الجيش الأوكراني للاستنزاف وخوض معارك غير متكافئة عددياً ومن دون طائل.

الهجوم الأوكراني المضاد عام 2022 والأهمية الاستراتيجية لمنطقة ليمان
تمكنت القوات الأوكرانية من استعادة 3000 كيلومتر مربع من الأراضي في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، وبعد أقل من عامين التفّت على القوات الروسية وتوغّلت عبر الحدود شمالاً لاحتلال 1250 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في منطقة كورسك في 6 آب/ أغسطس 2024 من دون مقاومة تُذكَر، مستغلة تركيز القوات الروسية على جبهة خاركيف الجديدة وتمركز معظم الألوية الناشطة في القتال في الجبهتين الشرقية والجنوبية، في مقابل تفوّق أوكراني ينحصر في نوعية السلاح المستخدم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأميركية ودول حلف الناتو.
كان الجنرال لابين قائداً للمنطقة العسكرية المركزية في روسيا من العام 2017 حتى أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2022، وقد تمت تنحيته من منصبه بعد فشله في الدفاع عن ليمان وعدد من المناطق الأخرى في الجبهة الشرقية، وتعرضه لانتقادات شديدة بسبب الانسحابات الروسية، وتفاصيل أخرى تم الكشف عنها منذ أسبوع في تقرير نشرته قناة صحيفة The Moscow Times على “تلغرام”.
كانت منطقة ليمان تُعدّ نقطة وصلٍ أساسية بين خطوط الإمداد للقوات الروسية البريّة كونها تقع عند تقاطع رئيسي للنقل بالسكك الحديدية، واسترجاع هذه المنطقة وتعزيزها دفاعياً يتيحان للقوات الأوكرانية التقدم لاستعادة مناطق أخرى في شرق أوكرانيا في أي هجومٍ مضادٍ آخر تشنّه في المستقبل، وبخاصة منطقتي كريمننا وسيفيرودونيتسك.
إقرأوا أيضاً:
صراع العقليات: بين لابين وسيرسكي
الحقيقة هي أن الجنرال لابين، وعلى الرغم من خبرته الميدانية الواسعة، يخوض معاركه بعقلية تقليدية تماماً، ويعجز عن المزج بكفاءة بين التكتيكات العسكرية القديمة والحديثة، والتكيّف مع استخدام القوات الأوكرانية المدعومة من حلف الناتو التكنولوجيا المتطورة.
في المقابل، لم يأتِ الهجوم الأوكراني المفاجئ والجريء مصادفة، إذ إن القوات الأوكرانية تتمتّع بقيادة عسكرية فذّة، فقد أثبت القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ألكسندر سيرسكي جدارته منذ توليه منصبه في شباط/ فبراير المنصرم، وهو الخبير بالتكتيكات العسكرية السوفياتية التقليدية، والتي لا يزال الجنرال لابين يعتمدها.
لقد كان لسيرسكي الفضل الأكبر في التخطيط لتحرير خاركيف من القوات الروسية في الهجوم الأوكراني المضاد عام 2022، حيث كان قائداً للقوات البريّة، كما حصل على لقب “بطل أوكرانيا” بعد قيادته معارك الدفاع عن كييف خلال الأسابيع الأولى من الغزو الروسي.
لكن التوغل الأوكراني في كورسك لا يقتصر على دهاء الجنرال سيرسكي أو غباء الجنرال لابين، فالاستراتيجية الروسية بشكل عام تشوبها نقاط ضعف عدة، وهي ليست مسؤولية لابين وحده، بل مسؤولية تتشاركها قيادات النظام البوتيني مجتمعة وعلى رأسها فلاديمير بوتين شخصياً.
ذكرت في مقال سابق أن بوتين يستغل شرط عدم استخدام القوات الأوكرانية الأسلحة الأميركية داخل الأراضي الروسية، مخففاً بذلك من تكاليف الحرب ومتطلبات التعبئة على أكثر من جبهة. تهمل القيادة الروسية في منطقة بيلغورود تعزيز قواتها المهاجمة باتجاه جبهة خاركيف بأسلحة الدفاع الجوي من جهة، كما تهمل من جهة أخرى تحصين مساحات شاسعة من الأراضي الروسية المحاذية للحدود الأوكرانية في منطقة كورسك، فيما تستمر بالتقدم على الجبهة الشرقية.
الفشل العسكري كنتيجة للفساد البوتيني
كل هذا الجدل المحيط بإخفاقات الجنرال لابين لم يمنع من تعيينه قائداً لمنطقة لينينغراد العسكرية في 16 أيار/ مايو 2024. ويجسّد قرار التعيين، على الرغم من تنحيته سابقاً ومن الانتقادات القاسية المصاحبة لقرار التعيين، نموذجاً لكيفية تداخل الفساد السياسي بالقرارات العسكرية في روسيا البوتينية، حيث يُكافأ أمثال الجنرال لابين بناءً على الولاء الشخصي الأعمى للقائد بدلاً من الكفاءة العسكرية.
بل أكثر من ذلك، يكشف قرار تعيين لابين حجم ورطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الداخلية، ومأزقه التناقضي بين الانصياع لعلاقات وتوازنات السلطة السياسية وبين متطلبات الاستحقاق المصيري الذي فرضه بوتين نفسه على الأمة الروسية جمعاء.
ممَّ يخاف بوتين حتى يعيّن لابين مجدداً في مركز مسؤولية عسكرية حساس وفي منتصف الحرب؟ حتى الجيوش الضعيفة في الدول الصغيرة لا يصل فيها الأمر إلى إعادة تعيين ضابط مسؤول عن هزيمة تاريخية في موقع مسؤولية مماثل، بعد أقل من عامين فقط، وفي ظروف الحرب نفسها!
هذا التناقض في اختيارات بوتين وانصياعه لتمتين شبكة العلاقات السياسية على حساب القوات المسلحة الروسية، يعكسان الخلل البنيوي الذي يطبع نظام الاستبداد البوتيني بشكل عام، والذي أدى أساساً إلى تمرّد بريغوجين على سياسات بوتين وانقلابه على وزير الدفاع سيرغي شويغو ورئيس أركان الجيش فاليري غيراسيموف، قبل أن يتراجع “حقناً للدماء” كما قال آنذاك، ومن ثم يموت لاحقاً في “ظروف غامضة”.
خلق ظروف انقلابٍ حقيقي
يبدو أن بوتين يخشى حصول انقلابات أخرى لا تكون نهايتها بالطريقة نفسها التي انتهى بها انقلاب بريغوجين المرتجل. يبرّر بعض الصحافيين والإعلاميين الروس إعادة تعيين لابين بسبب شعبيته بين الناس، لكن هذا الأمر لا يمت الى الواقع بصلة. كل ما في الأمر أن بوتين صار مهووساً بتفادي الطعنات من الخلف بعدما تملّكه وأعماه منطق القوة الى درجة اجتياح أوكرانيا.
تكمن ورطة بوتين في أنه أقحم بلاده في حربٍ لا أفق لها في المدى المنظور، على الرغم من التقدم البطيء للقوات الروسية على المحورين الشرقي والغربي واحتلالها أراضي إضافية. وقد تعمّقت ورطة بوتين مع احتلال القوات الأوكرانية عشرات البلدات في منطقة كورسك.
يصبّ أسلوب قيادة بوتين في اتجاه واحد لا ثانيَ له: الفشل المحتّم. فالحفاظ على قيادة متجانسة تحمي ظهر الديكتاتور الأعلى تطلّب في حالته تنازلات على مستويات أمنية وعسكرية، وهذه التنازلات قادت بدورها إلى ضعف المؤسسات الأمنية والعسكرية وقصورها. وعلى هذا النحو، يبدو أن الإجراءات التي اتّخذها لحماية سلطته السياسية من الانقلابات، تسرّع وتُضاعف بنفسها، مع الخسائر العسكرية المفاجئة المرافقة لها، احتمال حدوث الانقلابات.
وربما يكون الرهان الأوكراني الحقيقي، بعد هجوم كورسك، افتعال مسببات انقلابٍ جديد، ولا يتعلق بخلق منطقة عازلة، ولا بالضغط على القوات الروسية لمقايضة الأراضي، بل بتعزيز احتمالات الانقلابات في الداخل الروسي. ومن الممكن أن يقوم الأوكرانيون بالمزيد من الهجمات المفاجئة لكشف نقاط الضعف الروسية وتعزيز هذا الاحتمال.
كان تمرد فاغنر عسكرياً بحت ومرتجلاً من دون خطّة وهدف واضحين، لكن بوتين يخشى حدوث انقلابات حقيقية ومنظّمة ومخطّط لها مسبقاً ومنسّقة بين سياسيين وعسكريين في مواقع متقدمة في الوقت ذاته. ولا يمكن قراءة تعيين الجنرال لابين قائداً لمنطقة لينينغراد العسكرية سوى في هذا السياق.
الأصابع الأميركية في هجوم كورسك
احتمال أن يكون هجوم كورسك بمبادرة أوكرانية مستقلة ضعيف جداً، فالأوكرانيون انتظروا انتفاء شرط عدم استخدام الأسلحة الأميركية النوعية في الأراضي الروسية، وهو ما يضاعف فرضية حدوث انقلابات سياسية-عسكرية في الداخل الروسي، فالضوء الأخضر الأميركي لمثل هذا الهجوم لا يمكن أن يأتي من فراغ، والرهان الأميركي الجديد يقوم على عدم تجرّؤ بوتين على استخدام الأسلحة النووية التكتيكية لتدمير القوات الأوكرانية.
وفي حال عدم استخدام بوتين تلك الأسلحة، فمن المرجّح أن يشهد الوضع الأوكراني تصعيداً من نوعٍ آخر في الأسابيع المقبلة، فلدى بوتين خيارات عدة أخرى للرد على هجوم كورسك، أهمها تفعيل الجبهة البيلاروسية وإشغال الجيش الأوكراني المستنزف بشرياً في جبهة جديدة.
عموماً، الرهان الأميركي الجديد هو سيفٌ ذو حدّين، فإعطاء الضوء الأخضر للقوات الأوكرانية لشن هجوم كورسك، على رغم أحقية أوكرانيا بقتال القوات الروسية المحتلّة، قد يعرّض الأوكرانيين أنفسهم لأخطار جسيمة، ويشكّل ذريعة لبوتين للتصعيد بطرق غير تقليدية، وزيادة التعبئة العسكرية، وتعزيز دعم الميليشيات الانفصالية في الشرق الأوكراني، إضافة إلى إمكانية استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد الجيش الأوكراني.
إقرأوا أيضاً:











