ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

بين المجزرة والخذلان: شهادات من السويداء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
"درج"

السويداء التي كانت تنبض بالحياة وتستقبل الفارين من جيش الأسد، تحوّلت اليوم إلى مكان تملأه الجثث والأنين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تجتمع عائلة رامي (اسم مستعار) في منزلهم في إحدى قرى الريف الشمالي للسويداء، وقد جمعوا بعض الحاجيات في انتظار تطوّرات الأحداث، مستعدّين للهروب في أي لحظة. انضمّ إليهم جيرانهم أيضاً، إذ لا تتوفّر سوى وسيلة نقل واحدة، وقرّرت العائلات تهريب النساء والأطفال أوّلاً في حال تقدّمت عشائر سوريا، التي تهاجم مدينة السويداء من عدّة محاور.

وليل أمس، اضطرّوا بالفعل إلى الانتقال إلى البلدة المجاورة، بعد انتشار شائعات مضلّلة عن اجتياح وشيك لقريتهم.

منذ تصاعد الأحداث ذات الطابع الطائفي يوم الأحد الماضي، تعيش آلاف العائلات في السويداء حالة من القلق والتوجّس. وقد نزح حتى الآن نحو 80 ألف عائلة إلى المناطق الحدودية مع الأردن، بحسب ما أفاد موقع “السويداء 24” بالإضافة إلى أكثر من 1000 عائلة من بدو السويداء.

عائلات محاصرة وصيحات “الله أكبر” في الخارج

تواجه المدينة ذات الغالبية الدرزية، التي تضمّ أيضاً عشائر بدوية ومسيحيين، واحدة من أقسى موجات العنف منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011. 

في عام 2018، شنّ تنظيم الدولة (داعش) هجوماً على المدينة أسفر عن سقوط أكثر من 200 ضحيّة. لكنّ ما يحدث اليوم يبدو مختلفاً، إذ يشعر السكّان بأنهم أمام حملة منظّمة تهدف إلى إبادتهم.

يقول تامر (اسم مستعار) وهو طالب جامعي يشارك في حراسة حدود قريته إلى جانب شبّان المنطقة: “يريدون قتلنا جميعاً، لن يوفّروا أحداً”. 

لم يتخيّل تامر يوماً أن يشارك في حراسة قريته، ولكن بعد فيديوهات التنكيل والقتل التي وصلتهم من المناطق التي اجتاحتها القوّات الحكومية وفصائل العشائر، وبعد مقتل أقرباء له برصاص الجماعات المسلّحة، قرّر الانضمام إلى شبّان القرية المدافعين عن حدودها.

في مدينة السويداء ليس الحال بأفضل، يحاول مسلّحون حتى لحظة إعداد هذا التقرير اختراق المدينة، تقول ميسون (اسم مستعار) التي تعيش في حيّ النهضة وتختبئ مع عائلتها ووالدتها: “نسمع أصوات درّاجات نارية ورجال يصرخون “الله أكبر”، فيما أخبرنا شبّان الحيّ أن مقاتلين ضمن مجموعات تصل إلى خمسة أشخاص على درّاجات نارية يطلقون النار ويصيحون “الله أكبر”، لم نستطع  تحديد أعداد هؤلاء ولا ما إذا كانوا مجموعة واحدة تذهب وتعود لترويعنا”.

في ألمانيا تجلس ناديا (اسم مستعار) متابعة الأخبار، تعرّضت والدتها وأخوها للإصابة في اليوم الأوّل لدخول القوّات الحكومية إلى السويداء وفقدوا منزلهم، عرفت ناديا بإصابة عائلتها من “الفيسبوك”، تقول: “لا يفارقني مشهد سقوط قطعة من السقف على أمّي، ولا كيف أُغلقت الأبواب ولم تُفتح، وأخي يحاول فتحها لينقذها، ينادي عليها وهي لا تستطيع الردّ من كثرة الرمل الذي دخل صدرها… حتى إنه ظنّ أننا فقدناها، بعد دقائق من إنقاذه لها ونقلها إلى الممرّ الداخلي، سقطت قذيفة أخرى في المكان نفسه”.

ككلّ أبناء السويداء في الخارج، تشعر ناديا بالعجز وفقدان الأمل: “فقدت الأمل إلى حدّ أنني لم أعد أشعر أنني أنتمي إلى شعب أو وطن مستعدّ أن يقتل أبناءه بدم بارد”.

تتابع: “ما يحدث الآن، في رأيي، هو قطع لآخر خيوط المودّة بين الدروز والمكوّن السنّي، بل حتى ضرب لمفهوم الهوّية السورية ذاته. حين أرى هذا التوحّش الإعلامي، دون أن تخرج أي شخصيّة مسؤولة لتوقف الفتنة أو تدعو للتهدئة، بل بالعكس، يتمّ استغلالها لزجّ العشائر والدروز في محرقة…
لم أرَ في حياتي سلطة طاردة كالتي نحيا في ظلّها. كيف يمكنني أن أصدّق أن هذا الجيش سيحميني يوماً ما؟”.

أبناء السويداء يشعرون بالخذلان

وتسعى ناديا مع مجموعة من أبناء السويداء في الخارج لتوثيق المأساة وجمع التبرعات، والتواصل مع منظّمات إنسانية للضغط من أجل فتح ممرّات إغاثية، وسط حصار خانق يهدّد حياة السكّان من مختلف الأقلّيات.

تختم ناديا: “اليوم، بات أقصى أحلامي أن أُخرج عائلتي من هناك، وأن أقطع كلّ علاقة لي بهذه البقعة الجغرافية، نهائياً”.

يشعر أبناء السويداء بأنهم مخذولون، وأن الإعلام الرسمي يصطفّ بشكل كامل إلى جانب الحكومة، ويروّج لخطابها، بل يقوم أحياناً بنشر أخبار مضلّلة. فقد بثّ تلفزيون “سوريا” خبراً عن استعداد قوّات تابعة لوزارة الداخلية للدخول إلى السويداء وفضّ النزاع، في حين نقلت قناة “الإخبارية” السورية عن مصدر أمني نفيه التامّ لهذه المعلومات، ما زاد من حالة البلبلة وفقدان الثقة.

وتقول هند (اسم مستعار) وهي شابّة مسيحية من السويداء تُقيم في الخارج، وعائلتها في السويداء: “أشعر بالغضب تجاه الإعلام السوري، لقد ألغيت متابعة جميع صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي. إنهم يشبهون تماماً الفصائل التي تهاجمنا وتقتلنا، ولا يختلفون عنهم في شيء”.

بعد بدأ إطلاق القذائف والصواريخ على الحيّ الذي تقطنه راغدة (اسم مستعار)، لجأت إلى منزل الجيران، تقول: “لم يكن لديّ ما أحمي نفسي به. كنا نتجمّع في منزل أحد الجيران خلال النهار لنشدّ أزر بعضنا البعض، في ممرّ صغير لا يتجاوز المترين، يضم أكثر من عشرة أشخاص.”

تتابع: “في يوم الأربعاء الأسود، وصلني خبر مجزرة راح ضحيتها نحو 13 شابًا من عائلتي، كانوا متواجدين في “المضافة”. وبعدها سُمِعَ بخبر مجزرة أخرى بحق صديقتي، التي قُتلت مع زوجها وأبنائها، وأُحرق المنزل فوق جثامينهم. بدأت أخبار المجازر تتوالى، بينما القصف ما يزال مستمرًا حولي، وأنا مختبئة في مكان لا يتجاوز المتر ونصف”

تحاول دمشق تصوير ما جرى على أنه مجرّد تدخّل لقوّاتها لفضّ نزاع محلّي، متجاهلةً الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها تلك القوّات، والتي وثّقتها مقاطع فيديو وشهادات لمدنيين من داخل المدينة. وفي كلمة متلفزة شكر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع العشائر، مبرّراً هجومهم على السويداء، إذ قال: “العشائر أثبتت عبر تاريخها مواقفها المشرّفة في الوقوف إلى جانب الدولة السورية وتقديم الدعم والتضحية في مواجهة التحدّيات”.

مارست القوّات الحكومية وفصائل العشائر انتهاكات واسعة وإعدامات ميدانية بحقّ المدنيين، وأظهر أحد الفيديوهات ثلاثة شبّان يُجبَرون على القفز من شرفة أحد المباني، قبل أن يُطلق المقاتلون النار عليهم أثناء سقوطهم، في مشهد صادم أعاد إلى الأذهان مجزرة حيّ التضامن الشهيرة، حين أجبر عنصر الأمن أمجد يوسف مجموعة من المدنيين على الجري معصوبي الأعين نحو حفرة، قبل أن يُطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر.

فيما نعَى العشرات على صفحات التواصل الاجتماعي أبناءهم من أبناء ونساء وإخوة، إذ طالت المجازر نساءً وأطفالاً وشيوخاً في أعمار متقدّمة، دون تمييز أو رحمة.

ورغم أن الوضع في السويداء معقّد بالفعل، إلا أن تجاهل الدولة للطابع التحريضي ضدّ الدروز، وضلوع قوّات تابعة لها في الاعتداءات، يجعل من الصعب على السكّان الوثوق بهذه الحكومة أو بوعودها بالحماية والمحاسبة.

الأوضاع الإنسانية تتدهور بسرعة

المدينة تعيش حصاراً خانقاً منذ يوم الأحد، تحوّلت خلاله الحياة إلى كابوس يومي. انقطعت عنها المياه تماماً، ونفدت الموادّ الغذائية الأساسية من المحالّ.

الإنترنت يُقطع لفترات طويلة، ما يزيد من عزل السكّان عن العالم الخارجي، ويحول دون قدرتهم على طلب النجدة أو إيصال صوتهم.

تقول راما (اسم مستعار): “غياب المياه يذبحنا. عرضنا 50 دولاراً مقابل 25 ليتراً من الماء، ولم نجد من يبيعه”.

الأوضاع الصحّية تزداد سوءاً، بعدما خرجت معظم مستشفيات المحافظة عن الخدمة، إما بسبب تضرّرها جرّاء القصف، وإما لانعدام الكوادر الطبية والمستلزمات. الطواقم المتبقّية تعمل في ظروف مأساوية، بلا نوم ولا طعام كافٍ. وتحدّثت تسجيلات صوتية عن أن الجثث في مستشفى السويداء بدأت بالتفسّخ والديدان بدأت بالخروج منها، ووصف السكّان المستشفى: “مقبرة من دون تراب”.

المدينة التي كانت تنبض بالحياة، تحوّلت اليوم إلى مكان تملأه الجثث والأنين، ويوضح الطبيب حيّان العربيد الذي ذهب لمؤازرة زملائه في مستشفى شهبا الوطني، أن “المستشفى  يواجه خطر التوقّف عن العمل، وسط إنهاك شديد للكوادر الطبية، واكتظاظ المشرحة بالجثث، ونقص حادّ في المستلزمات الأساسية”. 

وقال مصدر آخر في مستشفى شهبا لـ “درج” أن “معظم الإصابات اليوم هي نتيجة القذائف، وتستخدم الفصائل التابعة للحكومة المسيرات في استهدافاتها”.

يقول العربيد لـ”درج”: “الشاش وحِقن المضادّات الحيوية بدأت تنفد. الكوادر الطبية لم تنم منذ خمسة أيّام، والمستشفى سوف يفقد القدرة حتى على تقديم الإسعافات الأوّلية قريباً”.

المستشفى هو الوحيد في المنطقة، واليوم يقدّم إسعافات أوّلية للمصابين، لكنّه يفتقر إلى الحدّ الأدنى من التجهيزات. لا أطباء أوعية دموية أو أعصاب، ولا طاقم جراحي لإجراء العمليّات. يقول العربيد: “كل ما نستطيع فعله هو خياطة الجروح وتضميدها، ثم وضع المصاب جانباً بعد إعطائه المسكّنات. لا تُجرى العمليّات إلا للحالات المهدّدة للحياة”.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
"درج"
لبنان
19.07.2025
زمن القراءة: 6 minutes

السويداء التي كانت تنبض بالحياة وتستقبل الفارين من جيش الأسد، تحوّلت اليوم إلى مكان تملأه الجثث والأنين.

تجتمع عائلة رامي (اسم مستعار) في منزلهم في إحدى قرى الريف الشمالي للسويداء، وقد جمعوا بعض الحاجيات في انتظار تطوّرات الأحداث، مستعدّين للهروب في أي لحظة. انضمّ إليهم جيرانهم أيضاً، إذ لا تتوفّر سوى وسيلة نقل واحدة، وقرّرت العائلات تهريب النساء والأطفال أوّلاً في حال تقدّمت عشائر سوريا، التي تهاجم مدينة السويداء من عدّة محاور.

وليل أمس، اضطرّوا بالفعل إلى الانتقال إلى البلدة المجاورة، بعد انتشار شائعات مضلّلة عن اجتياح وشيك لقريتهم.

منذ تصاعد الأحداث ذات الطابع الطائفي يوم الأحد الماضي، تعيش آلاف العائلات في السويداء حالة من القلق والتوجّس. وقد نزح حتى الآن نحو 80 ألف عائلة إلى المناطق الحدودية مع الأردن، بحسب ما أفاد موقع “السويداء 24” بالإضافة إلى أكثر من 1000 عائلة من بدو السويداء.

عائلات محاصرة وصيحات “الله أكبر” في الخارج

تواجه المدينة ذات الغالبية الدرزية، التي تضمّ أيضاً عشائر بدوية ومسيحيين، واحدة من أقسى موجات العنف منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011. 

في عام 2018، شنّ تنظيم الدولة (داعش) هجوماً على المدينة أسفر عن سقوط أكثر من 200 ضحيّة. لكنّ ما يحدث اليوم يبدو مختلفاً، إذ يشعر السكّان بأنهم أمام حملة منظّمة تهدف إلى إبادتهم.

يقول تامر (اسم مستعار) وهو طالب جامعي يشارك في حراسة حدود قريته إلى جانب شبّان المنطقة: “يريدون قتلنا جميعاً، لن يوفّروا أحداً”. 

لم يتخيّل تامر يوماً أن يشارك في حراسة قريته، ولكن بعد فيديوهات التنكيل والقتل التي وصلتهم من المناطق التي اجتاحتها القوّات الحكومية وفصائل العشائر، وبعد مقتل أقرباء له برصاص الجماعات المسلّحة، قرّر الانضمام إلى شبّان القرية المدافعين عن حدودها.

في مدينة السويداء ليس الحال بأفضل، يحاول مسلّحون حتى لحظة إعداد هذا التقرير اختراق المدينة، تقول ميسون (اسم مستعار) التي تعيش في حيّ النهضة وتختبئ مع عائلتها ووالدتها: “نسمع أصوات درّاجات نارية ورجال يصرخون “الله أكبر”، فيما أخبرنا شبّان الحيّ أن مقاتلين ضمن مجموعات تصل إلى خمسة أشخاص على درّاجات نارية يطلقون النار ويصيحون “الله أكبر”، لم نستطع  تحديد أعداد هؤلاء ولا ما إذا كانوا مجموعة واحدة تذهب وتعود لترويعنا”.

في ألمانيا تجلس ناديا (اسم مستعار) متابعة الأخبار، تعرّضت والدتها وأخوها للإصابة في اليوم الأوّل لدخول القوّات الحكومية إلى السويداء وفقدوا منزلهم، عرفت ناديا بإصابة عائلتها من “الفيسبوك”، تقول: “لا يفارقني مشهد سقوط قطعة من السقف على أمّي، ولا كيف أُغلقت الأبواب ولم تُفتح، وأخي يحاول فتحها لينقذها، ينادي عليها وهي لا تستطيع الردّ من كثرة الرمل الذي دخل صدرها… حتى إنه ظنّ أننا فقدناها، بعد دقائق من إنقاذه لها ونقلها إلى الممرّ الداخلي، سقطت قذيفة أخرى في المكان نفسه”.

ككلّ أبناء السويداء في الخارج، تشعر ناديا بالعجز وفقدان الأمل: “فقدت الأمل إلى حدّ أنني لم أعد أشعر أنني أنتمي إلى شعب أو وطن مستعدّ أن يقتل أبناءه بدم بارد”.

تتابع: “ما يحدث الآن، في رأيي، هو قطع لآخر خيوط المودّة بين الدروز والمكوّن السنّي، بل حتى ضرب لمفهوم الهوّية السورية ذاته. حين أرى هذا التوحّش الإعلامي، دون أن تخرج أي شخصيّة مسؤولة لتوقف الفتنة أو تدعو للتهدئة، بل بالعكس، يتمّ استغلالها لزجّ العشائر والدروز في محرقة…
لم أرَ في حياتي سلطة طاردة كالتي نحيا في ظلّها. كيف يمكنني أن أصدّق أن هذا الجيش سيحميني يوماً ما؟”.

أبناء السويداء يشعرون بالخذلان

وتسعى ناديا مع مجموعة من أبناء السويداء في الخارج لتوثيق المأساة وجمع التبرعات، والتواصل مع منظّمات إنسانية للضغط من أجل فتح ممرّات إغاثية، وسط حصار خانق يهدّد حياة السكّان من مختلف الأقلّيات.

تختم ناديا: “اليوم، بات أقصى أحلامي أن أُخرج عائلتي من هناك، وأن أقطع كلّ علاقة لي بهذه البقعة الجغرافية، نهائياً”.

يشعر أبناء السويداء بأنهم مخذولون، وأن الإعلام الرسمي يصطفّ بشكل كامل إلى جانب الحكومة، ويروّج لخطابها، بل يقوم أحياناً بنشر أخبار مضلّلة. فقد بثّ تلفزيون “سوريا” خبراً عن استعداد قوّات تابعة لوزارة الداخلية للدخول إلى السويداء وفضّ النزاع، في حين نقلت قناة “الإخبارية” السورية عن مصدر أمني نفيه التامّ لهذه المعلومات، ما زاد من حالة البلبلة وفقدان الثقة.

وتقول هند (اسم مستعار) وهي شابّة مسيحية من السويداء تُقيم في الخارج، وعائلتها في السويداء: “أشعر بالغضب تجاه الإعلام السوري، لقد ألغيت متابعة جميع صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي. إنهم يشبهون تماماً الفصائل التي تهاجمنا وتقتلنا، ولا يختلفون عنهم في شيء”.

بعد بدأ إطلاق القذائف والصواريخ على الحيّ الذي تقطنه راغدة (اسم مستعار)، لجأت إلى منزل الجيران، تقول: “لم يكن لديّ ما أحمي نفسي به. كنا نتجمّع في منزل أحد الجيران خلال النهار لنشدّ أزر بعضنا البعض، في ممرّ صغير لا يتجاوز المترين، يضم أكثر من عشرة أشخاص.”

تتابع: “في يوم الأربعاء الأسود، وصلني خبر مجزرة راح ضحيتها نحو 13 شابًا من عائلتي، كانوا متواجدين في “المضافة”. وبعدها سُمِعَ بخبر مجزرة أخرى بحق صديقتي، التي قُتلت مع زوجها وأبنائها، وأُحرق المنزل فوق جثامينهم. بدأت أخبار المجازر تتوالى، بينما القصف ما يزال مستمرًا حولي، وأنا مختبئة في مكان لا يتجاوز المتر ونصف”

تحاول دمشق تصوير ما جرى على أنه مجرّد تدخّل لقوّاتها لفضّ نزاع محلّي، متجاهلةً الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها تلك القوّات، والتي وثّقتها مقاطع فيديو وشهادات لمدنيين من داخل المدينة. وفي كلمة متلفزة شكر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع العشائر، مبرّراً هجومهم على السويداء، إذ قال: “العشائر أثبتت عبر تاريخها مواقفها المشرّفة في الوقوف إلى جانب الدولة السورية وتقديم الدعم والتضحية في مواجهة التحدّيات”.

مارست القوّات الحكومية وفصائل العشائر انتهاكات واسعة وإعدامات ميدانية بحقّ المدنيين، وأظهر أحد الفيديوهات ثلاثة شبّان يُجبَرون على القفز من شرفة أحد المباني، قبل أن يُطلق المقاتلون النار عليهم أثناء سقوطهم، في مشهد صادم أعاد إلى الأذهان مجزرة حيّ التضامن الشهيرة، حين أجبر عنصر الأمن أمجد يوسف مجموعة من المدنيين على الجري معصوبي الأعين نحو حفرة، قبل أن يُطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر.

فيما نعَى العشرات على صفحات التواصل الاجتماعي أبناءهم من أبناء ونساء وإخوة، إذ طالت المجازر نساءً وأطفالاً وشيوخاً في أعمار متقدّمة، دون تمييز أو رحمة.

ورغم أن الوضع في السويداء معقّد بالفعل، إلا أن تجاهل الدولة للطابع التحريضي ضدّ الدروز، وضلوع قوّات تابعة لها في الاعتداءات، يجعل من الصعب على السكّان الوثوق بهذه الحكومة أو بوعودها بالحماية والمحاسبة.

الأوضاع الإنسانية تتدهور بسرعة

المدينة تعيش حصاراً خانقاً منذ يوم الأحد، تحوّلت خلاله الحياة إلى كابوس يومي. انقطعت عنها المياه تماماً، ونفدت الموادّ الغذائية الأساسية من المحالّ.

الإنترنت يُقطع لفترات طويلة، ما يزيد من عزل السكّان عن العالم الخارجي، ويحول دون قدرتهم على طلب النجدة أو إيصال صوتهم.

تقول راما (اسم مستعار): “غياب المياه يذبحنا. عرضنا 50 دولاراً مقابل 25 ليتراً من الماء، ولم نجد من يبيعه”.

الأوضاع الصحّية تزداد سوءاً، بعدما خرجت معظم مستشفيات المحافظة عن الخدمة، إما بسبب تضرّرها جرّاء القصف، وإما لانعدام الكوادر الطبية والمستلزمات. الطواقم المتبقّية تعمل في ظروف مأساوية، بلا نوم ولا طعام كافٍ. وتحدّثت تسجيلات صوتية عن أن الجثث في مستشفى السويداء بدأت بالتفسّخ والديدان بدأت بالخروج منها، ووصف السكّان المستشفى: “مقبرة من دون تراب”.

المدينة التي كانت تنبض بالحياة، تحوّلت اليوم إلى مكان تملأه الجثث والأنين، ويوضح الطبيب حيّان العربيد الذي ذهب لمؤازرة زملائه في مستشفى شهبا الوطني، أن “المستشفى  يواجه خطر التوقّف عن العمل، وسط إنهاك شديد للكوادر الطبية، واكتظاظ المشرحة بالجثث، ونقص حادّ في المستلزمات الأساسية”. 

وقال مصدر آخر في مستشفى شهبا لـ “درج” أن “معظم الإصابات اليوم هي نتيجة القذائف، وتستخدم الفصائل التابعة للحكومة المسيرات في استهدافاتها”.

يقول العربيد لـ”درج”: “الشاش وحِقن المضادّات الحيوية بدأت تنفد. الكوادر الطبية لم تنم منذ خمسة أيّام، والمستشفى سوف يفقد القدرة حتى على تقديم الإسعافات الأوّلية قريباً”.

المستشفى هو الوحيد في المنطقة، واليوم يقدّم إسعافات أوّلية للمصابين، لكنّه يفتقر إلى الحدّ الأدنى من التجهيزات. لا أطباء أوعية دموية أو أعصاب، ولا طاقم جراحي لإجراء العمليّات. يقول العربيد: “كل ما نستطيع فعله هو خياطة الجروح وتضميدها، ثم وضع المصاب جانباً بعد إعطائه المسكّنات. لا تُجرى العمليّات إلا للحالات المهدّدة للحياة”.