مع استمرار الحرب وإصرار الحكومة الإسرائيلية على احتلال مدينة غزة، وغياب أي أفق سياسي لوقفها، تتزايد الحاجة إلى قرارات فلسطينية جريئة توقف النزيف الإنساني بأي ثمن. فالوضع لم يعد مجرد أزمة عابرة، بل مأساة ممتدة تهدد حياة الناس وبقاءهم، في ظل انهيار متسارع للبنية الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.
لكن المعضلة تكمن في أن حركة حماس والفصائل الأخرى لا تزال أسيرة خطاب المراوحة والإنكار، غير قادرة على التعامل مع النقد الداخلي باعتباره أداة للتصحيح. بل على العكس، يُنظر إلى الأصوات المختلفة على أنها مثبِّطة أو خاضعة لأجندات خارجية. هذا السلوك السياسي يعمّق الفجوة بين القيادة والجمهور، ويقوّض الثقة في لحظة مصيرية.
في أوقات الكوارث، يصبح النقد جزءًا من المصلحة الوطنية، لا تهديدًا لها. فالأصوات المطالبة بالشفافية والمصارحة تعبّر عن معاناة الناس اليومية، وتؤكد الحاجة الملحّة الى مصارحة الرأي العام بالحقائق كما هي، بعيدًا عن الخطاب الدعائي أو الشعارات الفضفاضة. التعامل مع هذه الأصوات بمنطق التخوين لا يؤدي سوى إلى مزيد من الانفصال بين القيادة والناس، ويُفقد الحركة السياسية أهم مقومات قوتها: الثقة الشعبية.
ومن أخطر الظواهر الراهنة غياب الشفافية في إدارة الأزمة. فالتصريحات المتناقضة، والمبالغة في تصوير الإنجازات، وتجاهل الحقائق الميدانية، كلها عوامل تضعف قدرة الناس على فهم ما يجري. وفي ظل غياب رواية دقيقة ومسؤولة، يجد المواطن نفسه أسير الشائعات والاجتهادات الفردية، ما يعمّق شعوره بالعزلة ويزيد فقدانه للأمل.
إقرأوا أيضاً:
التجربة الفلسطينية الممتدة لعقود تؤكد أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في شراسة التحديات، بل في أسلوب إدارتها. فاستمرار تكرار الأخطاء، والانغلاق أمام النقد، وغياب المراجعة الداخلية، كلها عوامل جعلت الأزمات تتراكم من دون حلول جذرية. وما يحصل اليوم في غزة يثبت أننا لم ننجح بعد في تحويل التجارب السابقة إلى دروس عملية في إدارة الأزمات وصناعة القرار.
المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الخطابات، بل مقاربة جديدة في التفكير السياسي: مقاربة تعترف بحجم الكارثة الإنسانية، وتضع حماية الناس في الأولوية المطلقة، وتفتح المجال أمام النقد باعتباره مدخلًا للتصحيح. فالقوة السياسية لا تُقاس بقدرتها على الصمود وحده، بل بمرونتها في الإصغاء، وبقدرتها على إعادة بناء الثقة.
غزة اليوم تقف أمام لحظة وجودية. استمرار الحرب بمعادلاتها الحالية سيقود إلى مزيد من الانهيار، فيما يبقى الناس وحيدين في مواجهة المجاعة والدمار والتهجير. لذلك، فإن مسؤولية حماس والفصائل لا تحتمل التأجيل: فإما قرارات جريئة توقف الحرب وتفتح أفقًا مختلفًا، أو استمرار في دائرة الإنكار والمكابرة، التي لم تجلب سوى المزيد من الكوارث.
إقرأوا أيضاً:













