تتردد أصوات التفجيرات في القرى الحدودية، وتواصل القوات الإسرائيلية عمليات النسف والجرف وحرق المنازل. على مدى 26 عاماً، راقبت قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان الخط الأزرق، الذي رسمته الأمم المتحدة للتحقق من انسحاب القوات الإسرائيلية. إلا أن إسرائيل فرضت داخل الأراضي اللبنانية خطاً عسكرياً جديداً بات يُعرف بـ “الخط الأصفر”، يمنع آلاف السكان من الوصول إلى قراهم ويعطّل انتشار الجيش اللبناني فيها. وبينما يبقى هذا الخط قائماً، تستعد القوة الدولية لإنهاء مهمتها نهاية عام 2026. فهل يؤدي انسحابها إلى تكريس حدود فرضتها إسرائيل بالقوة داخل لبنان؟ ومن سيراقب الانتهاكات ويمنع تحوّل المنطقة العازلة من واقع عسكري مؤقت إلى شريط دائم يعيد تقسيم الجنوب اللبناني؟
يحظى تمديد ولاية القوة الدولية بتأييد نيابي واسع، إذ وقّع 86 نائباً على عريضة نيابية للمطالبة به. وخلال اجتماع مغلق لمجلس الأمن الدولي في 28 آب/أغسطس 2026، جدّد لبنان مطلبه بتمديد ولاية قوات حفظ السلام، تفادياً لإفراغ الجنوب من الوجود الدولي. “تطالب الدولة اللبنانية ببقاء اليونيفيل بصيغة ما، أو بتشكيل قوة دولية أخرى تبقى في الجنوب. نحن بحاجة إلى وجود دولي هناك”، بحسب ما أكد نائب رئيس الحكومة طارق متري لـ “درج”. لكن طلب لبنان الرسمي قوبل بالرفض، إذ تعتبر الولايات المتحدة أن اليونيفيل “فشلت” في أداء مهامها، متذرّعة بأن فترة وجودها شهدت سبع جولات من النزاع بين لبنان وإسرائيل.
“بات واضحاً ألا إمكانية لتمديد ولاية اليونيفيل بصيغتها الحالية، لا سيما في ظل رفض الولايات المتحدة استمرار هذه القوة، مدفوعةً برغبة إسرائيلية في إنهاء مهمتها”، بحسب ما أوضح العميد المتقاعد حسن جوني لـ “درج”. وأشار جوني إلى طرح أفكار عدة لمرحلة ما بعد اليونيفيل، من بينها إنشاء قوة متعددة الجنسيات في إطار المبادرة الإيطالية–الفرنسية، موضحاً أن “هذه القوة، إن شُكّلت، لن تكون بديلاً مطابقاً لليونيفيل من حيث المهام والصلاحيات، ومن المرجّح أن يكون عديدها أقلّ، تفادياً للأعباء المالية”.
تغيير الاسم لا يصنع بديلاً
تكتسب اليونيفيل في المرحلة الراهنة أهمية تتجاوز مهمتها التقليدية في مراقبة وقف الأعمال العدائية والوضع الميداني على امتداد الخط الأزرق. ففي ظل بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وفرضها ما يسمى بـ “الخط الأصفر”، تمثّل اليونيفيل الجهة الدولية الوحيدة حالياً التي تتمتع بوجود ميداني يمكّنها من مراقبة الانتهاكات وتوثيقها بصورة مستقلة. ولا يهدّد غياب القوة الدولية بإحداث فراغ أمني ورقابي فحسب، بل قد يسهّل أيضاً تكريس الخط الأصفر بوصفه حدوداً جديدة.
ينص القرار 1701 على انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخط الأزرق. لكن المادة الثالثة من اتفاق الإطار تربط الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق وعودة المدنيين بنجاح تجربة المناطق التجريبية، التي لا تزال موضع خلاف بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
يرى المحامي نجيب فرحات أن إنهاء مهمة اليونيفيل من دون إيجاد قوة بديلة من شأنه أن يفرّغ القرار 1701 من مضمونه العملي، إذ يعتمد تنفيذه ميدانياً على التعاون بين القوة الدولية والجيش اللبناني. وبحسب فرحات، فإن “إخراج اليونيفيل من هذه المعادلة يعطّل إحدى الركائز الأساسية لتطبيق القرار، ويُضعف آليات المراقبة الدولية والقيود المفروضة على التحركات الإسرائيلية في الجنوب”. ومع ذلك، لا يؤدي إنهاء مهمة اليونيفيل إلى إسقاط القرار قانونياً، بل إلى حرمانه من إحدى أبرز أدوات تنفيذه ومراقبة الالتزام به على الأرض.
وفقاً للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فإن الأعمال العدائية تؤكد ضرورة تطبيق القرار 1701، الذي أصدره مجلس الأمن في تموز/ يوليو عام 2006. وكلّف مجلس الأمن في قراره 2790 لعام 2025 غوتيريش دراسة الخيارات المتاحة لمستقبل تنفيذ القرار 1701، بما في ذلك تقديم المساعدة في ما يتعلق بأمن الخط الأزرق وإعادة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
وفي رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، اقترح غوتيريش ثلاثة نماذج لوجود أممي بديل في الجنوب، تجمع بدرجات متفاوتة بين عناصر غير مسلّحة ووحدات عسكرية مسلّحة لحماية القوة. ويتراوح عديد البعثة بين 5,525 عنصراً في الخيار الأول، و3,370 في الخيار الثاني، و1,980 في الخيار الثالث، مع تقلّص تدريجي في قدراتها على المراقبة والتحقيق ودعم الجيش اللبناني ونزع الألغام.
اتفاق الإطار أم القرار 1701؟
يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهميش الأمم المتحدة وتقليص دورها في معالجة الأزمات العالمية، وإنشاء آليات جديدة خارج إطار النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية. ويعكس الموقف الأميركي من اليونيفيل هذا التوجّه، إذ لا يقتصر الاعتراض الأميركي على أدائها، بل يمتد إلى طبيعة مرجعيتها الدولية والقيود التي تفرضها قواعد الأمم المتحدة. وتسعى واشنطن إلى تشكيل قوة جديدة تتمتع بمهام مختلفة، وتخضع لموازين القوى السياسية ومصالح الدول، بعيداً عن الأطر القانونية الدولية. غير أن إنشاء قوة جديدة يطرح أسئلة حول أساسها القانوني ومدى قدرتها على العمل بوصفها طرفاً محايداً بين لبنان وإسرائيل.
تحتاج القوة البديلة من قوات الطوارئ الدولية إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي. ويوضح العميد جوني أن “أوروبا وحدها لا تستطيع أن تقرّر إرسال قوة مسلّحة إلى الجنوب اللبناني، لا سيما أن المنطقة تخضع لأحكام القرار 1701، الذي أقرّه مجلس الأمن الدولي عام 2006”.
“لا يزال القرار 1701 الإطار القانوني والسياسي النافذ في جنوب لبنان، وعنوانه انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة، ودعم الجيش اللبناني. لكنْ، ثمة معطى جديد سيؤخذ في الاعتبار، هو الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، أي اتفاق الإطار”، وفقاً لجوني. ويعيد اتفاق تشرين الأول/ أكتوبر 2024 التأكيد على القرار 1701، لكنه يوسّع نطاق سحب السلاح ليشمل الأراضي اللبنانية كافة، ويحدّد الأجهزة المخوّلة حمل السلاح.
ويضيف جوني أن القوة الجديدة، إذا تقرّر إنشاؤها، لا بدّ أن تنسجم مهامها مع مندرجات اتفاق الإطار، وتحديداً ما يتعلّق بالمناطق التجريبية. وبما أن الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر تأثيراً في مجلس الأمن، فمن المستبعد، وفقاً لجوني، أن تقبل بمنح أي قوة جديدة تفويضاً لا يتماشى مع هذا الاتفاق. “يمكن لهذه القوة أن تؤدي دوراً شبيهاً بآلية التحقّق، التي تشكّل جزءاً من عملية إنشاء المناطق التجريبية التي حدّدها الاتفاق، ولا تزال هذه المناطق نقطة خلاف عالقة بين لبنان وإسرائيل، إذ لم يتوصلا إلى اتفاق بشأنها حتى الآن”.
إقرأوا أيضاً:
ويثير اتفاق الإطار إشكالية دستورية، إذ لم يُعرض على مجلس الوزراء أو مجلس النواب لإقراره. أما سياسياً، فلا يعتقد جوني أن حزب الله سيوافق على تشكيل القوة الجديدة، ولا سيما أنه يرفض اتفاق الإطار الذي وقعه الوفد اللبناني المفاوض في حزيران/ يونيو 2026.
في هذا السياق، يعتبر المحامي نجيب فرحات أن النقاش لا ينبغي أن يتركّز على اسم القوة أو الدول المشاركة فيها، بل على طبيعة مهمتها وصلاحياتها. ويوضح أن “القوة التي تعمل تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة ستبقى محدودة الصلاحيات، وتعتمد بصورة أساسية على موافقة الأطراف وتعاونها. أما إذا أُنشئت تحت الفصل السابع ومُنحت تفويضاً صريحاً، فقد تتمتع بصلاحيات تنفيذية أوسع تشمل التفتيش ومصادرة الأسلحة وتوقيف الأشخاص، وفقاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن”.
جنوب الليطاني أم تفويض أوسع؟
طُرح توسيع نطاق عمل القوات الدولية ليشمل الحدود اللبنانية-السورية بعد حرب تموز/ يوليو 2006. لكن لم تطلب الحكومات المتعاقبة انتشار اليونيفيل هناك، فيما رفضت دمشق وحزب الله الاقتراح. ويتطلب إحياء هذا الطرح اليوم موافقة لبنان وتفويضاً واضحاً من مجلس الأمن، ومن المرجّح أن يواجه اعتراضات سياسية وأمنية واسعة.
يعتبر جوني أن من المحتمل وجود رغبة أميركية في نشر قوات دولية على الحدود اللبنانية-السورية. لكنه يرى أن “منطقة التوتر التي تحتاج اليوم إلى معالجة من خلال وجود دولي هي منطقة عمليات اليونيفيل”. ويضيف: “بما أننا نتحدث عن قوة بديلة تملأ الفراغ الناجم عن انسحابها فمن المرجّح أن يقتصر نطاق عملها على المنطقة الواقعة جنوب الليطاني”.
ويلفت جوني إلى الخرائط التي نُشرت أخيراً، والتي وسّعت فيها إسرائيل نطاق عملياتها شمال نهر الليطاني ليشمل قلعة الشقيف. لذلك، يرجّح أن تعتمد القوة البديلة هذا النطاق، لا الحدود الجغرافية الحرفية لمنطقة جنوب الليطاني.
عودة آمنة للجنوبيين
لا يقتصر دور اليونيفيل على مراقبة الوضع الأمني في الجنوب، بل يشمل أيضاً دعم عمليات إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، التي تشكّل أحد أبرز العوائق أمام عودة السكان بأمان. ومنذ عام 2001، أدّت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) دوراً محورياً في الحدّ من مخاطر الألغام ومخلّفات الحرب في لبنان. وفي عام 2023، جدّدت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة مذكرة التفاهم التي تتيح لليونيفيل مواصلة عمليات نزع الألغام لأغراض إنسانية ضمن نطاق عملياتها.
في هذا السياق، اعتبر نائب رئيس الحكومة طارق متري أن عمليات نزع الألغام وتطهير المناطق يجب أن تُنجز قبل عودة السكان، وفقاً لاحتياجات كل قرية، مضيفاً: “كيف يمكن للناس أن يعودوا قبل ذلك؟ هذا أمر بديهي. نحن نطالب بوجود قوة دولية لأن قدرات الجيش اللبناني محدودة، ولهذا اعتمدنا في الماضي على اليونيفيل”.
تشكل الألغام والذخائر العنقودية ومخلّفات الحرب خطراً مستمراً على المدنيين في القرى والبلدات الجنوبية، على الرغم من مواصلة الفرق المتخصصة عمليات المسح والإزالة بهدف تأمين عودة آمنة للسكان. وقد أدّت انفجارات ناجمة عن مخلّفات الحرب في بلدات جنوبية عدة، من بينها حبوش وميفدون وزوطر الشرقية، إلى سقوط ضحايا ووقوع إصابات في صفوف المدنيين.
ويتجاوز أثر انسحاب اليونيفيل البعدين الأمني والإنساني، إذ وفّرت القوة الدولية على مدى عقود فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للبنانيين، وساهم وجود قواعدها وعناصرها في تنشيط الحركة الاقتصادية في القرى الجنوبية. ويُنذر رحيلها بخسارة مورد اقتصادي مهم في منطقة أنهكتها الحرب وتراجعت فيها فرص العمل. لذلك، فإن إنهاء مهمة اليونيفيل من دون توفير قوة بديلة قد لا يخلّف فراغاً أمنياً ورقابياً فحسب، بل قد يؤخر أيضاً عودة السكان إلى قراهم ويعرّض العائدين لخطر مخلفات الحرب، ويزيد الضغوط الاقتصادية على المجتمعات المحلية.
إقرأوا أيضاً:












