من وسط خيمته الرثة على الحدود السورية – التركية، يتصفح غسان العبدالكريم صفحات الفيسبوك على جهازه المحمول، وتشدّه صور عدة للفستق الحلبي من بلدته الأصلية مورك بريف حماة، مرفقة بعنوان مهرجان الفستق في بلدة مورك، فيما مضى على تهجير غسان وعائلته قسرياً من أرضه المزروعة بالفستق 5 سنوات.
يقول غسّان: “من أشد الأحداث ألماً التي تمر بالإنسان أن يرى أرضه ورزقه يؤولان لغيره ويتنعم بهما، بظل قوى ظالمة عملت على دعم الجناة ومنحتهم القوانين لسلب أرضنا وشهرت كل أسلحتها لطردنا منها، والهدف من ذلك المشاركة في قتلنا وسرقة حقولنا والتنعم بمردوها”، كلمات غسان هذه رددها بينما يمعن النظر في صورة المشاركين بمهرجان الفستق بمدينة مورك، ليشد انتباهه “لص جديد” بحسب وصفه، متمثل بأسماء الأسد وجمعيتها.
نظمت حكومة النظام في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في بلدة مورك شمال محافظة حماة، مهرجاناً شارك فيه محافظ حماة صبحي عبود، وقائد شرطة المحافظة، وآمين فرع الحزب أشرف باشوري، وتعاونية الفستق الحلبي في مورك، واتحاد الفلاحين، والأمانة السورية للتنمية برئاسة أسماء الأسد، ومديرية الزراعة. وفيما أسمته الحكومة مهرجان الفستق الحلبي، لا تزال نسبة 70 في المئة من أراضي بلدة مورك تخضع للمزادات العلنية، وتؤول الى متنفذين في حزب البعث وقوات النظام وميليشياته.
حتى المزارعين طاولتهم يد أسماء الأسد!
يقول الناشط علي أبو الفاروق، إن نظام الأسد من خلال آلته الإعلامية، أفرد حيزاً كبيراً لمهرجان الفستق الحلبي في مدينة مورك، واصفاً أهداف المهرجان بـ”التعريف بالفستق الحلبي وأنواعه وأهميته بالاقتصاد السوري والتعريف بمنتجات المزارعين”، في حين أن الهدف الحقيقي كان إشراك ما يعرف بـ “الأمانة السورية للتنمية” بزعامة أسماء الأسد، في عملية السلب والاستيلاء المنظمة سنوياً من اللجنة الأمنية، ممثلةً بمحافظ حماة وقائد شرطة المحافظة وأمين فرع الحزب في محافظة حماة.
تتبع اللجنة الأمنية مباشرةً إلى بشار الأسد باعتباره القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وعلى هذا يكون الأسد من خلال اللجنة الأمنية وزوجته أسماء من خلال الأمانة السورية للتنمية، شريكين في عملية سلب ونهب الفستق الحلبي، العائد للسوريين المهجرين قسراً من بلداتهم جراء عمليات النظام العسكرية وفرضه شروطاً أمنية وجزائية على الراغبين في العودة الى ديارهم وبساتينهم.

برزت الأمانة السورية للتنمية بشكل فاعل في مهرجان الفستق الحلبي في مدينة مورك، من خلال التقاط صور وفيديوهات صارت رائجة على صفحات النظام الرسمية ومواقعه الإلكترونية، إضافة الى تقارير متلفزة على تلفزيونات النظام الرسمية تثني على دور الأمانة السورية للتنمية بتنظيم المهرجان والتعريف بالفستق الحلبي بالتعاون مع جهات رسمية.
بيد أن فكرة المهرجان المقام في بلدة مورك التي لا يقطنها سوى عدد قليل من سكانها والباقي هم مهجرون قسرياً منها، تعود إلى الأمانة السورية للتنمية التي قررت المشاركة في عمليات السلب والنهب لمحصول الفستق الحلبي بحسب الناشط علي أبو الفاروق.

تُعدّ الأمانة السورية للتنمية إحدى أذرع أسماء الأسد التي استعملتها للتغول على الاقتصاد والتجار في سوريا بحسب تحقيق لصحيفة فايننشال تايمز الأميركية، ويذكر التحقيق أن هناك مجلساً أو مكتباً سرياً تقوده أسماء الأسد من داخل القصر الرئاسي يتولى مهمة الهيمنة والتحكم باقتصاد سوريا، لإثراء عائلة الأسد وتمكين نفوذها إلى جانب تأمين التمويل لعمليات النظام السوري.
ووفق شهادات أجرتها الفايننشال تايمز مع 18 شخصية على دراية بآليات عمل النظام، بينهم رجال أعمال ومديرو شركات وموظفون في منظمات إغاثية ومسؤولون سابقون في مؤسسات النظام، فإن أسماء الأسد عملت على مدار سنوات طويلة لبناء “شبكة محسوبيات واسعة بالاعتماد على المنظمات الخيرية وغير الحكومية التابعة لها”، مثل “الأمانة السورية للتنمية”، بينما تحكمت هي شخصياً بتدفق أموال المساعدات الدولية إلى سوريا.
بالإضافة إلى ذلك، عملت أسماء الأسد على إطاحة جميع رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال ممن لا يدينون بالولاء لزوجها، وفككت، بالتعاون مع زوجها وشقيقه ماهر، طبقة التجار التقليدية في سوريا، وابتكرت أساليب جديدة تسمح باستثمار الحرب اقتصادياً لتكوين ثروة شخصية، وبات اسمها رمزاً يشير إلى هذا النظام الاقتصادي الجديد.
الزيتون أيضاً محطّ أطماع أسماء الأسد
لم تدم ادعاءات حكومة النظام ومحافظ حماة خلال حديثه في مهرجان الفستق في مدينة مورك في3 تشرين الأول/أكتوبر 2024، المتمحورة حول إعادة أراضي الفستق الى أصحابها وتشجيع المزراعين على العمل في أراضيهم، سوى ستة أيام، ليعلن المحافظ نفسه من خلال الأمانة العامة لمحافظة حماة عن مزاد علني لتأجير أراضي الزيتون العائدة الى المزارعين المهجرين قسراً من بلداتهم الواقعة ضمن المناطق التي يسيطر عليها النظام في المحافظة.

يقول الناشط ريان الأحمد المنحدر من شرق محافظة حماة، إن اعلان النظام عن المزاد العلني هو لـ”سلب ونهب أشجار الزيتون العائدة للمزارعين المهجرين قسراً من بلداتهم بعد أيام قليلة من مهرجان الفستق، وما تضمنه من ادعاءات وتلفيقات من مسؤولي النظام حول دعم حق العودة للمزارعين، ما هو إلا دليل على كذب وافتراء نظام الأسد ومضيهّ بشكل متصاعد وضمن سياسة ممنهجة، في سلب أملاك السوريين والانتفاع بها من جهة، واستمرار سياسة التهجير من جهة أخرى، إذ كان بالأحرى بالمحافظ أن يتكلم بصراحة في مهرجان الفستق بأن المشرف على المهرجان هو الأمانة السورية للتنمية التي باتت شريكاً في عمليات السلب والنهب”.
يضيف الأحمد خلال فعالية في محافظة إدلب نظمها ناشطون حقوقيون وإعلاميون مهجرون قسرياً من محافظة حماة تحت مسمى “الأرض والكرامة”، أن نظام الأسد منح أراضي المهجرين قسراً من المحافظة لقيادات ميليشياته كمكافأة على ما قدموه من دعم لبشار الأسد خلال حربه المفتوحة على السوريين، ولا يقتصر ذلك على الميليشيات المحلية بل تشترك ميليشيا حزب الله والحرس الثوري الإيراني وميليشيا حركة النجباء وميليشيا لواء القدس وغيرها الكثير… في السيطرة وسلب ونهب محاصيل أراضي السوريين من محافظة حماة مروراً بمحافظة إدلب وصولاً الى محافظة حلب، لتغدو تلك الأراضي هي الشغل الشاغل لكل مسؤول متنفذ أو ضابط كبير في قوات النظام.

وخلال الفاعلية الأولى من نوعها التي جاءت للرد على مهرجان الفستق الحلبي، لفت المحامي والخبير بالقانون الدولي عبد الناصر حوشان، إلى أسلوب جديد ينتهجه النظام في ترسيخ سياسة الاستيلاء، وهو عقود الأقارب، إذ يضع النظام خلال جلسات المزاد العلني شروطاً على عملية تأجير الأرض، وهي الموافقة الأمنية التي يجب على القريب أن يكون قد أتمّها حتى يتسنى له استئجار أرض قريبه، وهذا ضرب من ضروب الاحتيال، لأن صاحب الأرض لو امتلك إمكانية التوقيع على الموافقة الأمنية لعمل هو في أرضه. كما يشترط على القريب أن يدفع أعلى سعر لاستئجار أرض قريبه، بما معناه أنه إذا طلب أحد المتنفذين استئجار الأرض بمبلغ يزيد عن سعر القريب، فإن الأرض تؤول إلى السعر الأعلى، وهذا كله يعني أن النظام يحاول سنوياً فرض قوانين جديدة للاستيلاء على أراضي السوريين المهجرين قسراً. وتبدو تلك القوانين للمجتمع الدولي ذات منفعة لأصحاب الأراضي، بينما هي وُجدت لاستمرار سياسة الاستيلاء.
يؤكد حوشان أن كل ما يقوم به النظام السوري من نهب للممتلكات هو جريمة مستمرة تعتبر من جرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم، ويوماً ما ستكون هناك محاسبة للجناة سواء بالقضاء الوطني الذي هو صاحب الصلاحية، أو في المحاكم الدولية كمحكمة الجنايات الدولية والمحاكم الأجنبية التي تأخذ بالولاية الشاملة.
لا يزال أكثر من 95 في المئة من أهالي ريف محافظة حماة الشهير بزراعة الفستق الحلبي، مقيمين خارجه، لا سيما في مخيمات النازحين وتركيا ودول العالم بحسب الناشط علي أبو الفاروق، إذ إن مدينة مورك المقام فيها المهرجان خالية من السكان ولا يوجد هناك سوى المنتفعين وميليشيات النظام.
ويضيف أنه تبيّن في آخر إحصاء لفريق “منسقو استجابة سوريا”، أن عدد النازحين ضمن المخيمات فقط فاق المليونَي نسمة، ما يعني أن العائدين لمناطق سيطرة النظام قلائل فيما لا تزال الأعداد الكبرى خارج بلداتها، في ظل تعنت النظام في المضي بالحل السياسي وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، أبرزها القرار 2254، إضافة الى المتغيرات الدولية وغياب الاهتمام بالملف السوري، التي وجد النظام فيها الفرصة للانقضاض أكثر على ممتلكات السوريين والتصرف بها كما شاء واقتسام نتاجها بين أطراف الحرب التي استعملت الحديد والنار ضد السوريين العزل حتى طردتهم من ديارهم واستحلتها.










