هي ليست المرة الأولى التي تحط فيها قيادات يمينية متطرفة فرنسية في إسرائيل، لكن للمرأة الأولى تكون الزيارة بدعوة رسمية. دعوة وجهت إلى رئيس حزب التجمع الوطني، أبرز أحزاب اليمين المتطرف الفرنسي، إذ يعد وريث حزب الجبهة الوطنية الذي أسسه جان ماري لوبان، الزعيم التاريخي لليمين المتطرف الفرنسي.
هيمنة التجمع الوطني على المشهد اليميني المتطرف الفرنسي، لا تنفي احتلال قوى أخرى مساحة غير هامشية على الخارطة السياسية الفرنسية، ما يفسر عدم حصر الدعوة بجهة واحدة. لكن لماذا وقع الاختيار على النائبة الأوروبية ماريون مارشال دون سواها، بخاصة وأنها غير منضوية في أي حزب ولا تمثل حتى الساعة سوى نفسها؟ الإجابة تكمن في هويتها العائلية: هي حفيدة جان ماري لوبان وابنة شقيقة مارين لوبان. وعلى رغم معاداة جان ماري لوبان للسامية، لكنه يبقى شخصية محببة في أوساط اليمين المتطرف الفرنسي، أمر ينسحب على أفراد عائلته، ما يشير إلى غاية إسرائيلية باستمالة هذه القوى بشتى الطرق.
في هذه الحال، لماذا لم تشمل الدعوة مارين لوبان التي تتولى رئاسة كتلة التجمع الوطني في الجمعية الوطنية الفرنسية؟ فبرغم تولي بارديلا رئاسة الحزب، لا تزال مارين لوبان تلعب دوراً محورياً، وهي التي خلفت والدها في رئاسة حزب الجبهة الوطنية عام 2011 قبل تحويله إلى حزب التجمع الوطني، ليشهد اليمين المتطرف بفضلها عصره الذهبي. لعل تل أبيب أخذت بالاعتبار ما يثيره لقب لوبان من نفور، لتقرر توجيه دعوة ذات طابع عائلي لكن بأقل قدر من الاستفزاز، فوقع بذلك الخيار على ماريون مارشال: فرد من العائلة “اللوبانية” ولا يحمل اسم الشهرة هذا.
أما السؤال الأهم: لماذا وجهت إسرائيل دعوة لهاتين الشخصيتين المنتميتين إلى أطر سياسية عُرفت بماضيها المعادي للسامية؟
سعي مارين لوبان إلى تحسين صورتها وصورة حزبها في الشارع الفرنسي ليس سراً. منذ تصدرها المشهد السياسي خلفاً لوالدها انتهجت ما عرف بسياسة “نزع الشيطنة”. بعيداً من نواياها الفعلية، تمكنت من حصد ثمار هذه الاستراتيجية بدليل نتائج الاستحقاقات الانتخابية المتتالية منذ العام 2012.
في كتابها المعنون “الجبهة الوطنية من عام 1972 إلى اليوم” والصادر في العام 2014، نقلت فاليري إيغونيه عن لويس آليو (نائب رئيس حزب التجمع الوطني حاليا) ما يلي: “معاداة السامية تمنع الناس من التصويت لنا. عندما نكسر هذا القفل الأيديولوجي، نحرر الباقي”. على أرض الواقع تجسدت الاستراتيجية في طرد جان ماري لوبان من الحزب الذي أسسه في العام 2015 بعد تجديد تمسكه بتصريحاته المعادية للسامية، كما تجسدت في دعم إسرائيل، بخاصة بعد هجوم 7 أكتوبر وتصريح مارين لوبان الشهير: “أفضل درع يحمي الفرنسيين اليهود اليوم هو حزب التجمع الوطني”.
الهدف لم يكن جذب أصوات الكتلة الانتخابية اليهودية التي يقدر عددها بنحو نصف مليون شخص، رقم متواضع بالنظر إلى مجمل الناخبين الفرنسيين، هذا إن افترضنا أنها كتلة انتخابية موحدة. الغاية اليمينية المتطرفة من “التوبة والتطهر من الماضي المخزي” هي استمالة الفرنسيين الممتنعين عن الاقتراع للتجمع الوطني لعنصريته التي تهدد النسيج الاجتماعي الفرنسي.
إسرائيل تلقفت منذ سنوات هذا التوجه اللوباني ولم تتردد في مباركته. بالتالي، زيارة جوردان بارديلا وماريون مارشال إلى إسرائيل ليست مجرد نقطة إضافية تحسب في سجل “نزع الشيطنة” بل أشبه بصك براءة من معاداة السامية صادر عن “ولي الدم”.
إلى جانب اليمين المتطرف الفرنسي، حصلت أحزاب يمينية متطرفة أوروبية عدة بدورها على صك براءة: إن في دعوتها إلى المؤتمر الذي حضره بارديلا ومارشال أو قبلها بسنوات. لم تسع إسرائيل إلى التحقق من صدق نوايا هذه الأحزاب، بخاصة مع وجود قرائن تدل على عدم قطعهم مع إرثهم المعادي للسامية ولا تنكرهم لتاريخهم الحزبي الحافل بشخصيات موالية للنازية. واقع يشير إلى وجود مصلحة إسرائيلية بالتقرب من هذه الأحزاب، مصلحة دفعتها إلى الاكتفاء بالموقف المعلن.
على اعتبار أن أحزاب اليمين المتطرف تعادي، بدرجات متفاوتة، الشراكة الأوروبية، وجدت إسرائيل جدوى في مساندتها والمساهمة بإزالة العوائق التي تعترض طريقها للإمساك بالسلطة في بلدانها أو للتغلغل في المؤسسات الأوروبية، مسار أطلقه بشكل خاص نتانياهو منذ العام 2009.
إقرأوا أيضاً:
تل أبيب تنظر بريبة إلى الاتحاد الأوروبي وترى فيه سنداً للفلسطينيين بخاصة لموقفه الرافض للاستيطان. ومع اعتراف دول أوروبية بالدولة الفلسطينية، تضاعفت الخشية الإسرائيلية من انتقال هذه “العدوى” إلى المستوى الإقليمي. واقع يحفز إسرائيل على دعم أي فريق يساهم في تقويض هذه المؤسسة الإقليمية ولجم أي دور دبلوماسي يمكن أن تلعبه.
النتائج الانتخابية التي تحققها هذه الأحزاب ووصول بعضها إلى السلطة في عدد من البلدان تدفع إسرائيل إلى التقارب معها، ليس استباقاً للمستقبل فحسب بل أيضاً لتراجع ثقتها في الأحزاب الأوروبية التقليدية التي تعتبرها “متراخية” في دعمها لإسرائيل بسبب تمسّكها العلني بالقانون الدولي والقرارات الأممية.
في المقابل، نجد اليمين المتطرف متمرداً على المؤسسات الدولية القائمة من بوابة حماية السيادة الوطنية، وهو ما تجد فيه إسرائيل مصلحة لها: على رغم إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتانياهو، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي المجر، وهي إحدى الدول الموقعة على ميثاق روما، من دون أي خشية من توقيفه. زيارة تمت بدعوة من فيكتور أوربان، رئيس البلاد ذو التوجه اليميني المتطرف، ما ساهم بكسر طوق العزلة الدولية المتربص بنتانياهو.
في هذا السياق، نجد تعويلاً إسرائيلياً خاصاً على الموقف الفرنسي وسعياً إلى ضمان ولائه أياً يكن الحزب الحاكم. ففرنسا تعد القاطرة السياسية للاتحاد الأوروبي ومهد حقوق الإنسان. مثلما تمتلك إسرائيل “الشرعية المعنوية” لتبرئة هذه الشخصية أو تلك الجهة من معاداة السامية، تملك فرنسا “الشرعية المعنوية” في تعويم الطغاة ومجرمي الحرب، وهو ما تجلى في موقف باريس من مذكرة اعتقال نتانياهو. وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي مشمول بقواعد الحصانة التي تنطبق على الدول غير الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، موقف قد يتحول إلى مرجع للعواصم المتحفظة على اعتقال نتانياهو، باعتباره صادراً عن دولة ذات ثقل دولي وحقوقي.
لكن أبرز ما يدفع إلى التقارب بين إسرائيل واليمين المتطرف هو معاداتهما المشتركة للعرب والمسلمين.
منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، نجد تركيزاً إعلامياً وسياسياً إسرائيلياً على الهوية الإسلامية لحركة حماس مع اعتبارها هي وداعش وجهين لعملة واحدة. ربط يغازل المجتمعات والدول الغربية التي عانت أخيراً من هجمات إرهابية بدوافع إسلاموية.
إذا أضفنا إلى ما سبق التنميط الذي يصور جميع المهاجرين كمسلمين، لم يتردد اليمين المتطرف الأوروبي، المعادي للمهاجرين والذي يرى فيهم تهديداً ثقافياً وأمنياً، في تبني هذه النظرية مسوقاً أنه بعد التخلص من إسرائيل ستتجه حماس إلى غزو الغرب.
بعيداً من ضحالة هذه الحجة الإسلاموفوبية التي يسهل دحضها أكاديمياً وسياسياً، باتت تتكرس صورة إسرائيل كحاجز الدفاع الأول أمام التهديد الإسلاموي المتربص بالغرب ذي الجذور المسيحية – اليهودية، وكأن إسرائيل واليمين المتطرف الأوروبي في مركب واحد مقابل “المسلمين الهمج”. اصطفاف تعتبره إسرائيل كما اليمين المتطرف الأوروبي، ترجمة عملية لنظرية “صراع الحضارات”.
إلى جانب الاعتقاد المشترك بهذه النظرية، يشترك الطرفان في جملة من القيم والمبادئ من شأنها تحويل شهر العسل إلى تحالف بعيد المدى: يتبنى كلاهما أفكاراً محافظة اجتماعياً ويرغبان في تعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطة القضائية، كما يحبذان مقاربة كل الملفات من زاوية أمنية. أما ألاهم فهو أيديولوجيتهما القومية القائمة على التفوق الحضاري.
سعي نتانياهو الى التقارب مع اليمين المتطرف الأوروبي عموماً والفرنسي بخاصة، لا يمر مرور الكرام. إلى جانب مقاطعة عدد من الشخصيات مؤتمر مناهضة معاداة السامية بسبب دعوة بارديلا ومارشال، اعتبر رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا أنهم غير ملزمين بالخيارات السياسية الإسرائيلية، مجدّداً الريبة من حزب التجمع الوطني ومتهماً إياه باستغلال معاداة السامية لتصدر المشهد السياسي. موقف دفع بماريون مارشال الى الرد عليه واصفة إياه “باليساري”، داعية الفرنسيين اليهود إلى التخلص من “الصفة اليسارية للمجلس”. كلام يدل بوضوح على نية اليمين المتطرف استثمار صك البراءة الجديد لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
إقرأوا أيضاً:












