في مشهد سوريالي اعتيادي، يتم التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، للسخرية من مسرحية حيّة عنوانها “هذا نصر! لا لا، هذه هزيمة”. يكفي تجاذب لعين تافه كهذا ليأتي بالجلبة، بعد شهور من حرب إسرائيلية ضروس، استهدفت فئة محددة من مجتمعنا، كف من هنا، وآخر من هناك، مشهديّة ساذجة استهلكت وسائل التواصل، لا القذارة التي نحن فيها، المسرحيات فقط تأخذ حيزاً واسعاً، ضوضاء هنا وتمتمة هناك.
هراء ما بعده هراء، لعيان نفس متكرر، أظنني أُصبت بمتلازمة “لعيان النفس”، يحدث أن تتكرر إصابتي بها كلما سمعت خبراً أو قرأت مقالاً تحليلياً مصادفة، يعزز منطق الشماتة، بلا شعور مني، يأتي حالي بأن ترميني من على السطح، لعيان نفس وسقوط كل يوم.
أنظر هناك، يبكي سائق التاكسي حاله، كثيراً ما تكون الشكوى هي الطريقة الوحيدة للتعبير، يتحدث عن الحرب الأخيرة التي حاصرت الجميع بالخوف والنزوح والرعب من تمددها: “انتهت، لكن ماذا بعد؟”، يقول لي، بينما أتمتم: “انتهت فقط على الورق، أما في الداخل، فلم تنتهِ أبداً”، لم يحرقوا شيئاً غير أنفسهم. دعك من هراء ال”ثيرابي” إذا لم تدفع بك إلى القتال، “لا أريد القتال، تعبت”، أتمتم مُحرجة من نفسي. في منتصف العشرينيات وأبكي حالي، “تعبت أيضاً” يقول لي سائق التاكسي.
أنظر هنا وهناك، برد قارس، وجوه حائرة وتعبة ومثقلة بحملِ سنين، ما الجدوى من التلطّي وراء هراء انتخاب رئيس للجمهورية إذا ما بقي من على الكرسي ومن وراء الكرسي في مكانه؟ ولا مشروع واضح لكيفية تسيير البلد؟ لم يتحدثون عن الموضوع أساساً؟ كشّ ذباب وفراغ تشوبه بطالة ومتع أقل ما يمكن القول عنها إنها سخيفة، ملأى بالترهات، كؤوس يتشبّع أصحابها بالوحدة، دعوات إلى الله لا يُصاحبها أي فعل يُذكر، لا أدري أأحقد على البشر؟ أم أغلق فمي؟ أم أشفق على حالنا؟
شبابي الحائر بين الهجرة والكآبة، بين البقاء والخوف، لكن الغضب، هناك الكثير منه، يخرج أكثر الأحيان باللامبالاة.
كلما رحت أتكلم مع من حولي من الساكنين في البلد رغماً عنهم، أذكر أصدقائي كيف يضحكون على حالنا، باقتباسات مثل: “يا ربّ أقم الساعة”، و”يا ربّ خذني إليك”، مع كل حادث لا حول ولا قوة فيه، يضحكون البكاء والقلق، يضحكون الخوف واللامفهوم، يضحكون ولادتنا في بلد ليس ببلد، لم نختره، علاقة سامة يترأسها زعماء، وشبه بشر، لا يشبهوننا إلا بالشكل ربما، ضياع وشتات، ماذا نقول؟ “كيف السبيل إلى لقياك دلّني؟”، تكفي هذه الكلمات مع قهقهات مملوءة بالعتمة.
أتذكّر سلافوي جيجيك في نكتته التي يكررها بلا انقطاع، بأننا في قطار، وفي هذا القطار نأمل أن نرى في آخر النفق ضوءاً، لكن عندما نرى الضوء أخيراً، نكتشف أن قطاراً آخر قادم نحونا.
هذا لبنان، هذا شبابي، لا أرى سوى ضباب وبرد قارس ونفق وقطار آتٍ نحونا.
عليك بالقفز عالياً أو رمي زجاجة مولوتوف، تأكلني نفسي، لا أريدها أن تأكل فينا نفوسنا، لم لا نأكلهم أحياء؟ “كيف السبيل إلى لقياك دلّني؟”، أقول هذه الجملة وأفكر بعتمة أبحث فيها عن مخرج، أي سبيل؟ أي لقاء يجلب القليل من الشعور بأنني شيء؟ أنبقى نتمتم ألمنا من دون فعل شيء؟ “فليحدث ما يحدث، لن أكترث بعد الآن” يقول لي سائق التاكسي، متعب وحزين، أعلم، لا أشفق علينا، ففي غرق السفينة التي نحن فيها، نتلاقى. في مكان ما نحن جميعاً نتلوّى، لكن أيضاً لا نتلاقى. الحرب الأخيرة تركت خلفها رماداً يُخنق به الجميع، من نجا منها عاد ليغرق في واقع يزداد ضيقاً، فقد أصبحنا لا نقوى على التلوّي، في وقت تعوم الوقائع الحيّة القاسية، لتُرمى كأحاديث جانبية، وتهبّ أخبار التفاهة لتصفعنا فنغرق أكثر.
إقرأوا أيضاً:









