على الرغم من أنني لا أسكن في منطقة مستهدفة مباشرة بالقصف الإسرائيلي، إلا أن قربها من الضاحية الجنوبية يجعلني دائماً في دائرة الخطر، المعنوي وليس الجسدي. يكفي أن تبدأ الغارات هناك، حتى أضطرّ وعائلتي، كالكثير من اللبنانيين، إلى ترك بيتي والبحث عن مكان أكثر أماناً، ولو مؤقّتاً. فالأمان في هذا البلد لم يعد حالة مستقرّة، بل لحظة عابرة، قد تزول مع صوت أوّل انفجار.
في ليل الأحد الماضي، حضّرت كلّ ما يحتاجه ولداي للذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي. رتّبت حقيبتيهما بعناية، وحرصت على ألا ينقصهما شيء، كأنني أتشبّث بفكرة الحياة الطبيعية، أو أحاول خداع نفسي بأن الغد سيكون عادياً، على رغم تأكيدات كثيرة من محلّلين وعارفين بأن “حزب الله” سيفعل شيئاً ما ثأراً لمقتل الخامنئي، حتى ولو جازف بنا جميعاً وبالـ10452 مجتمعة.
ثم خلدت إلى النوم، مقتنعة – أو متمنّية – أن لبنان سيظلّ بمنأى عمّا يحدث من هرج ومرج بين إسرائيل والولايات المتّحدة وإيران، ومعها الدول العربية. قلت في نفسي من المستحيل أن يغامر “حزب الله” ببيئته، على الأقلّ، ويجرّ البلاد إلى حرب إسرائيلية طاحنة من جديد. تعبتُ من الخوف، فآمنت بما يريحني.
لكن قرابة الساعة الثالثة فجراً، حصل ما لم يكن في الحسبان. أصوات غارات متتالية امتزجت بإطلاق نار كثيف. حاولت، للحظة قصيرة، أن أُقنع نفسي بأن ما أسمعه هو صوت رعد، رغم معرفتي أن الطقس لا ينذر بشيء. كان ذلك نوعاً من الدفاع الغريزي، محاولة يائسة لتأجيل الحقيقة. لم أحتج إلى وقت طويل لأدرك أنني أخدع نفسي، فقد وجدت ولديّ واقفين أمامي، يرتجفان من الخوف، وأعينهما ممتلئة بأسئلة لا أملك لها جواباً، خصوصاً أنني أكدت لهما مراراً أن الحرب ذهبت إلى غير رجعة لأطمئنهما من خوف يومي يشعران به مع كلّ صوت غير اعتيادي يسمعانه، فذيول حرب “الإسناد” لا تزال جاثمة على قلبيهما الصغيرين.
وكما في كلّ مرّة، وقفت على ساقيّ المرتجفتين، لا لأني قويّة، بل لأني مضطرّة. حاولت تهدئتهما، أُخفي خوفي بابتسامة متعبة، وأكذب كذبة بيضاء عن “كلّ شيء سيكون بخير”. خلال دقائق معدودة، خرجنا من المنزل بثياب النوم، بلا تخطيط، واتّجهنا فوراً إلى منزل أختي في منطقة بعيدة نسبياً، وكأن البُعد يُقاس اليوم بعدد الكيلومترات عن القصف.
الطريق كانت قد بدأت تزدحم بالسيارات. ناس يسيرون على الأقدام، يحملون أطفالهم وذكرياتهم، من دون أن يعرفوا إلى أين يذهبون أو ماذا سيفعلون. وجوه شاحبة، أعين متعبة، وصمت ثقيل يقطعه صوت رصاص كثيف يُطلق في كلّ مرّة تقصف إسرائيل الضاحية. أكملنا طريقنا وسط زحمة سير خانقة، وكأن البلد كلّه قرّر النزوح في اللحظة نفسها. وصلنا أخيراً إلى المكان المأمول، لكنّ الراحة لم تصل معنا.
يومياتنا في زمن الحرب لا تشبه أيّ يوميات أخرى. أعصاب مشدودة إلى أقصاها، أعين مسمّرة على وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون، نبحث عن خبر يطمئننا فلا نجده، عن أمل ما بأن الحرب لن تكون طويلة. مشاهد تفتّت القلوب: نساء، أطفال، مسنون يفترشون الطرقات، وما باليد حيلة، مدارس ممتلئة بأعين وقلوب نهشها النزوح المتكرّر.
نحاول لملمة أنفسنا طوال الوقت، نجرّ أذيال الخيبة والندم على كلّ فرصة سنحت لنا ولم نغادر لبنان. نسأل أنفسنا بصوت خافت: ما الذنب الذي ارتكبناه لنعيش كلّ هذا؟ وهل أصبح البقاء هنا خطيئة؟
ما يرتكبه “حزب الله” بحقّنا نحن اللبنانيين جميعاً، لا يقلّ قسوة عمّا تشنه إسرائيل علينا من غارات يومية، وربما يفوقه. ستّة صواريخ أُطلقت كانت كفيلة بإدخالنا نفقاً مظلماً مجهول النهاية. جازف ببيئته قبل أيّ شيء آخر، هجّر ناسه، وأجبرهم على النزوح نحو مصير قاتم. كيف لا، وهو الذي لطالما خاض مغامرات “إسناد” أصابتنا في صميم حياتنا: تارة حرب إسناد مع غزة، وطوراً أخذ بالثأر جنباً إلى جنب مع إيران، بينما نحن ندفع الثمن دائماً من بيوتنا، وأعصابنا، وأحلام أولادنا.
في هذا البلد، لم نعد نطلب الكثير. نريد فقط أن ننام من دون فزع، أن يذهب أولادنا إلى مدارسهم من دون حقائب طوارئ، وأن نعيش حياة لا تكون مؤجّلة على وقع صاروخ أو قرار لا نشارك فيه. نريد وطناً لا يضعنا دائماً في مواجهة الموت، ولا يطالبنا بالصبر إلى ما لا نهاية.
إقرأوا أيضاً:










