إنه يوم مشمس في برشلونة، كنت أقضي وقتاً مع ابنتي، حين بدأت الصور تتدفّق من بيروت… ها نحن من جديد، أكثر من مئة هدف خلال أقلّ من عشر دقائق، هذا هو العنوان. لكن بالنسبة إلى كلّ لبناني، الحساب مختلف. الأمر شخصي، تبدأ بنفسك، ثم عائلتك، فريقك، أصدقائك.
حتى بمقاييس لبنان، هذا مختلف. كلّ من هو قريب مني بخير، لكنّ ذلك الخيط الرفيع من الأمان الذي كنت أتشبث به انقطع. شقّتي في كليمنصو، أحد أكثر أحياء بيروت أماناً، تقع في قلب دائرة من الدمار: عين المريسة، عين التينة، سليم سلام، كلّها ضُربت خلال دقائق. في تلك الدقائق العشرة، أوضح نتانياهو أن سيناريو غزّة في لبنان ليس مستبعداً. وكان ذلك فقط في الساعات الأولى من هدنة مفترضة لوقف إطلاق النار.
في الساعات التي تلت، اندلع جدل محتدم حول ماهيّة الاتّفاق فعلياً. قالت إيران شيئاً، وواشنطن شيئاً آخر، ولعبت إسرائيل على التناقض. لبنان دفع الثمن، لا جديد في ذلك.
جزء من حسابات إسرائيل يتعلّق بعدم منح “حزب الله” “نصراً” على طريقة 2006. “حزب الله” منهك لكنّه صامد، يدّعي نصراً إلهياً، ويعيد البناء فوق أنقاض حياة اللبنانيين. هذا الجزء، من دون أيّ تبرير لأساليب نتانياهو، أشاركه. أنا أيضاً أخشى انتصار “حزب الله”، أعرف كيف يبدو ذلك.
في 2006، غطّيت الحرب. كانت ابنتي في عمر الستة أشهر عندما تركتها لأذهب لتغطية مجزرة قانا الثانية، حيث كان أطفال في عمرها يُنتشلون من تحت الركام. شاهدت فؤاد السنيورة يحاول وقف الحرب. كنت هناك عندما دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وبعد دقائق أعلن “حزب الله” “نصره الإلهي”. كتبت عن ذلك مطولاً في “واشنطن بوست”؛ كيف أن حتى انتصاراً دعائياً سيكون كارثياً.
وما تلا ذلك أثبت الأمر: السيطرة المنهجية على الدولة اللبنانية، أحداث 7 أيّار/ مايو 2008، اغتيال أصدقاء وزملاء وقفوا في الطريق.
البلد الذي أحبّه ظلّ رهينة منذ ذلك الحين.
الوضع اليوم مختلف، وفي بعض النواحي أكثر خطورة. بعد هجمات “البيجر” واغتيال نصر الله ومعظم القيادة الظاهرة لـ”حزب الله”، ما بات واضحاً هو أن “حزب الله” ليس فعلياً من يدير المشهد في لبنان، بل الحرس الثوري الإيراني.
كثير من الأهداف التي ضربتها إسرائيل غير معروفة للرأي العامّ اللبناني. هناك الكثير من الأهداف مدني وبعضها إيراني، وإيران لا تتظاهر بغير ذلك، لقد أدارت لبنان كساحة عمليّات لعقود، ولا تزال تفعل.
أنا أعرف كلّ ذلك.
ومع ذلك، أرفض الفخّ الآخر بالقدر نفسه من القناعة.
الحجّة القائلة: “دعوا إسرائيل تُنهي المهمّة” ليست فقط خاطئة، بل هي شكل من أشكال فقدان الذاكرة الكامل الذي يقترب من الغباء. لأن ما يُدمَّر لا يزال بلدنا، لأن غزّة لا تزال حاضرة، لأن حكومة نتانياهو أعلنت نيّتها احتلال جنوب لبنان.
ولأننا جرّبنا ذلك أيضاً، في ذاكرة حيّة. حاولت إسرائيل “إنهاء المهمّة” في 1982. وكانت النتيجة احتلالاً دام 18 عاماً، وصبرا وشاتيلا، وولادة “حزب الله” نفسه.
الاعتماد على حكومة تحتقر علناً حياة اللبنانيين لتحقيق السيادة اللبنانية ليس استراتيجية، بل وهم صحّحه التاريخ سابقاً، بكلفة هائلة، أكثر من مرّة. لا يمكنك أن تقصف طريقك إلى سيادة، لقد جُرّب ذلك، وهو ما صنع الوحش الذي نخافه اليوم.
نحن عالقون بين كارثتين، كلّ منهما تغذّي الأخرى عبر عقود. انتصار “حزب الله” يعني استمرار خنق لبنان من قِبل إيران، وحملة إسرائيلية بلا أفق سياسي تنتج التطرّف الذي يخلق “حزب الله” جديداً.
لقد عشنا داخل هذه الدائرة طوال حياتي البالغة.
ما نملكه الآن هو احتمال التفاوض، ويجب أن نفعل كلّ ما يلزم لدعم منطق الدولة ذات السيادة ضمن هذا المسار، حتى ونحن نعلم أننا لا نملكها بالكامل. بكلّ محدودياتها، تبقى أفضل فرصة للوصول إليها يوماً. هذا ليس سذاجة، هذا هو الاتّجاه الوحيد الذي يستحقّ أن نسير فيه.
يُحسب للحكومة الحالية أنها عملت للوصول إلى هنا. وقف إطلاق النار، مهما كان هشّاً، لا يأتي مصادفة، لكنّ المحادثات لم تصبح محادثات بعد. أعلن نتانياهو أن إسرائيل ستواصل عمليّاتها بغضّ النظر عن أيّ اتّفاق. واشنطن تدفع نحو إطار، بينما تكافح للجم حليفها. في اللحظة السياسية الأميركية الحالية، لبنان بالكاد يُذكر، تركيز ترامب على إيران، ويُعامل لبنان كقضيّة جانبية، لكن حتى القضايا الجانبية تحتاج نصّاً.
إقرأوا أيضاً:
ما هو مطلوب بشكل عاجل هو التزام دولي، خصوصاً من الولايات المتّحدة، بجدول زمني واضح: وقف إطلاق النار أولاً، ثم مفاوضات، ثم إطار يُطبّق فعلاً. لا يمكن للبنان أن يتفاوض والسلاح مصوّب إلى رأسه. ضرب مئة موقع والمطالبة بالتفاوض ليس ضغطاً، بل ابتزاز، وهو لا يُضعف “حزب الله” الذي يزدهر في الفوضى، بل يُضعف الدولة اللبنانية؛ المؤسسة التي يدّعي المجتمع الدولي أنه يريد تقويتها.
هذه الحكومة تضمّ أصدقاء لي، وقد خذلتنا في الإصلاح، في السيادة، وفي واجبها الأساسي بالظهور عندما يتعرّض البلد لهجوم. يوم شنّت إسرائيل تلك الضربات المئة، لم يرَ اللبنانيون رئيسهم ولا رئيس حكومتهم ولا رئيس مجلسهم يقفون معاً، حتى رمزياً، حتى لالتقاط صورة، ليعكسوا صورة دولة موحّدة. هذه الصورة لم تكن لتكلّف شيئاً، غيابها كلّف كلّ شيء.
الدفاع عن مؤسّسات الدولة ليس دفاعاً عمّن يشغلها حالياً، هذا الفرق جوهري. لكنّ الردّ على حكومة فاشلة ليس تخلّياً عن فكرة الدولة، بل محاسبتها مع الإصرار على وجودها وتقويتها وجعلها تستحقّ اسمها.
في تاريخ لبنان القصير والعنيف، جرّبنا تقريباً كلّ الخيارات الأخرى: المحاصصة الطائفية، الاجتياح السوري، الهيمنة الإيرانية، الميليشيا، زعيم الحرب الذي يصبح سياسياً، تفويض أمننا لمن يحمل السلاح نيابة عنّا. المستنقع اللبناني لم يدمّر لبنان فقط، بل زعزع استقرار المنطقة بكاملها وخلق كوارث تجاوزت حدوده.
الشيء الوحيد الذي لم نجرّبه بجدّية، ولم نعطه الوقت والموارد والدعم الدولي اللازم هو دولة قويّة، ذات سيادة، عادلة، وخاضعة للمساءلة.
كان يُقال إن لبنان هو “سويسرا الشرق” لمصارفه وجباله وشواطئه، ربما يمكن أن يكون كذلك مجدّداً، ولكن لشيء آخر.
عبر تاريخه، كان لبنان مكاناً وجدت فيه جماعات لا تستطيع التعايش في أماكن أخرى طريقة للعيش معاً، حيث جاء أكثر شعوب الإمبراطورية العثمانية اضطراباً وابتكاراً للتنافس والتجارة والتفكير. في عهد المتصرفية، والإمارة، ولبنان الكبير في الانتداب الفرنسي، لعب هذا البلد الصغير دوراً أكبر من حجمه، كملاذ، كمفترق طرق، كفكرة.
هذا ما ندافع عنه أيضاً.
تشبيه سويسرا له حدوده، لم يضمن مؤتمر فيينا حياد لبنان، ولا تحميه جبال الألب. لكنّ الطموح ليس في غير محلّه. فنلندا بنت دفاعها السيادي من الصفر في مواجهة جار أقوى بكثير. دول صغيرة فعلت ذلك، يحتاج الأمر إلى وقت وإرادة ودعم دولي مستمرّ، وكلّها لم تُمنح للبنان بعد بالقدر الكافي.
هذا هو النموذج: جيش يحمي حدود لبنان فقط، لا يخوض حروب “حزب الله” ولا إسرائيل ولا إيران. الجيش اللبناني يحظى أصلاً بدعم عابر للطوائف أكثر من أيّ مؤسّسة أخرى، لكن لنكن صريحين: توقّع أن يتحوّل جيش عُيّنت قياداته العليا من قِبل دولة رهينة لـ”حزب الله” إلى قوّة سيادية فجأة هو شكل آخر من الجنون.
يمكن أن يتغيّر ذلك، لكنّه يحتاج إلى وقت وإلى إرادة. يمكن إحالة الضبّاط إلى التقاعد المبكر، ويمكن لمن يقاوم أن يواجه تحقيقات فساد يستحقّها كثيرون منهم. المؤسّسات تعمّر أكثر من الأفراد، لكن فقط إذا وُجدت الإرادة السياسية لتغيير هؤلاء الأفراد.
ولا يمكن تفكيك ثلاثين عاماً من التغلغل الإيراني في ستّة أشهر، يجب أن يكون الجدول الزمني صريحاً ومدعوماً دولياً، لا أن يُترك لحكومة هشّة تواجه ضربات إسرائيلية وضغطاً إيرانياً في آن واحد.
هناك أمر آخر يجب قوله لأنه يزيد الوضع سوءاً: في الأسابيع الأخيرة، انزلق بعض الأصوات اللبنانية إلى خطاب طائفي صريح ضدّ الشيعة، كأن “حزب الله” والشيعة في لبنان شيء واحد. ليسوا كذلك، وهذا مهمّ للغاية.
انجذاب كثيرين في الطائفة الشيعية نحو “حزب الله” لم يحدث من فراغ، كان نتيجة عقود من التهميش، ونظام طائفي أقصاهم، ودولة لم تلبّهم قبل أن يفعل “حزب الله”. الخطاب العنصري واللوم الجماعي لا يُضعف “حزب الله” بل يقوّيه. كلّ لبناني يستخدم هذا الخطاب يخدم إيران مجّاناً.
توقّع أن تنزع حكومة هشّة سلاح “حزب الله” خلال أشهر هو وهم، إسرائيل نفسها لم تستطع نزع سلاح “حماس” خلال عامين من الحرب الشاملة. الترتيب مهمّ: الدولة أولاً، ثم السيادة، ثم السلام الذي يصمد.
المستنقع اللبناني لم يكن يوماً مشكلة لبنان وحده، عدم الاستقرار هنا كلّف المنطقة كلّها: تفجير ثكنة المارينز، أزمات الرهائن، انتشار الفاعلين المسلّحين من بيروت إلى بغداد إلى صنعاء. لبنان الذي يعمل هو مصلحة للجميع، بما في ذلك إسرائيل. من يرفض فهم ذلك ليس واقعياً، بل مهووس بالقوّة.
الإجابة الصادقة أصعب وأبطأ من كلّ ما هو مطروح الآن. إنها الدولة اللبنانية، جيشها، مؤسّساتها، فكرتها المتعبة عن السيادة، تُدافع عنها حتى عندما يفشل من يديرها، يُعاد بناؤها بدعم دولي، لا تُقصف من الخارج ولا تُخنق من الداخل.
دولة لا تكون فيها المحاسبة شعاراً، ولا المصلحة العامّة مادّة للسخرية، بل يفهم فيها الرئيس ورئيس الحكومة ورئيس المجلس أن اللبنانيين في أسوأ الأيّام، يحتاجون أن يروهم يقفون معاً.
كانت ابنتي الكبرى في عمر الستّة أشهر حين تركتها صباحاً لأبث مباشرة من قانا، وهي تعيش اليوم في لندن. أختها، الأصغر بعام واحد، تعيش هنا في برشلونة. أنا واحدة من آلاف الأهالي اللبنانيين الذين اتّخذوا هذا القرار، إرسال الأطفال إلى مكان آمن، والاستمرار في القتال من أجل بلد قد يمنحهم يوماً حياة أفضل.
هذا هو الرهان الذي اختاره جيل كامل من اللبنانيين، وبعد عشرين عاماً، ها أنا أختاره. ذلك البلد السيادي، العادل، القادر على حماية أبنائه، هو ما أدافع من أجله.
وهو الإجابة الوحيدة التي لم تُجرَّب بعد.
والوحيدة التي تستحقّ أن تُجرَّب…
إقرأوا أيضاً:














