أثار نشر “درج” سلسلة تحقيقات عن الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري، ضمن مشروع “ملفّات دمشق” الذي يقوده الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وتشارك فيه نحو 25 مؤسسة صحافية دولية، نقاشاً واسعاً حول حدود العمل الصحافي ومسؤوليته الأخلاقية.
بعد نشر الملصق الترويجي للمشروع، عبّر عدد من الناجيات والناجين من أهالي المفقودين والمغيّبين قسراً عن اعتراضهم على الطريقة التي أُعلن بها عن المشروع، معتبرين أنّ بعض ما ورد قد خرق مبادئ حماية الخصوصية وحقّ الضحايا في التحكم برواياتهم.
في المقابل، نشر فريق “درج” توضيحاً واعتذاراً، شرح فيه التوتر الدائم بين احترام الحدود الأخلاقية للعمل الصحافي من جهة، وضرورة فضح فظائع النظام السوري وإبقائها في دائرة الضوء كي تتحمّل الحكومات والمؤسسات الدولية مسؤولياتها من جهة أخرى. تأتي هذه الاعتذارات كخطوة مهمّة نحو المساءلة والشفافية، وإقراراً بأنّ العمل الصحافي الملتزم يجلس دائماً على تقاطع دقيق بين واجب إطلاع الرأي العام على جرائم كبرى، وواجب احترام أخلاقيات المهنة وحقوق الأكثر تضرّراً.
فالإعلام ليس معصوماً من الأخطاء، ولا بدّ من الاعتراف بأنّ للتغطيات الصحافية تأثيرات غير مقصودة على من تعرّضوا للعنف، مهما بلغت درجة التفكير بالمعايير الأخلاقية الواجب الالتزام بها. وهذا ما أكّدته مراجعة فريق “درج” الداخلية التي حملها التوضيح الأخير.
من هنا يبرز السؤال: أين تقع تلك “الشعرة الفاصلة” التي تتيح عملاً مهنياً رصيناً وأخلاقياً في آن؟
هل يُدان الصحافي لكشفه الحقيقة في سياق خُنقت فيه الحقائق لعقود؟ وهل يكفي الاعتذار وحده لإعادة الثقة إلى من شعروا بالضرر أو الانتهاك؟ وما الآليات التي يمكن أن تقلّل هذا التوتر بين الإلحاح الأخلاقي على فضح الجرائم، وبين ضرورة احترام وكالة (Agency) الأفراد والمجتمعات المتضررة؟ وهل تقع المسؤولية حصراً على الإعلام، أم أنّ الحلّ يستوجب بناء هياكل مؤسساتية فعّالة للمساءلة والعدالة الانتقالية؟
هذه الأسئلة ليست جديدة، بل تعبّر عن معضلة أعمق: ما المبادئ الأخلاقية التي يمكن الارتكاز إليها لتقليل الأذى الناتج من كشف معلومات حسّاسة، من دون التضحية بحقّ المجتمعات في الوصول إلى معرفة موثوقة حول الجرائم والانتهاكات؟
أستعيد هنا ما كتبه أحد الباحثين حول ضحايا الأبارتهايد: إنّ حرمان الأفراد من رواية قصّتهم الخاصة، ومن القدرة على تسمية العنف الذي تعرّضوا له، هو “فعل عنف مضاعف”. فالرواية ليست فقط تمريناً في التذكّر، بل استعادة للكرامة وللحق في امتلاك الحقيقة التي عاشها الأشخاص بأجسادهم وذاكرتهم.
إقرأوا أيضاً:
غير أنّ هذا المبدأ لا يقدّم حلاً كاملاً. فماذا نفعل في الحالات التي تكون فيها أصوات الضحايا غائبة — لأنهم مختفون أو مقتولون، أو لأنّ الصدمة تجعل مشاركتهم مستحيلة؟ ومن يملك السلطة الأخلاقية للحديث باسمهم؟
عشنا إشكالاً مشابهاً في العمل على توثيق شهادات راشدات وراشدين تعرّضوا لعمليات إتجار بهدف التبنّي غير الشرعي. هؤلاء الذين حُرموا من حقّهم الأساسي في معرفة جذورهم، والذين حملت تجارب تبنّيهم جروحاً قاسية — ليست الانتهاكات الجنسية أعنفها — كانوا واضحين في مطلب أساسي: أن تُنشر الروايات بطريقة لا تعرّض “المتاجرين” بهم للخطر. ليس حمايةً للمتورطين، بل لأنّ هؤلاء ما زالوا يحملون أجزاءً من الحقيقة حول عائلاتهم البيولوجية.
طالب الكثير منهم بإخفاء معلومات نملكها فعلاً أو تمويه تفاصيل قد تقود إلى كشف الجناة، لأنّ ذلك — ولو فتح نافذة صغيرة — قد يقرّبهم خطوة من معرفة أصلهم وهويتهم.
لكن حين بدأت حملات علنية تطالب بالكشف عمّا نعرف، وجدنا أنفسنا أمام معضلة بلا حلّ بسيط: فعدم تسمية المتورطين، على رغم امتلاك الأدلة، ترك هؤلاء الأشخاص رهائن لدى من يستخدم الحقيقة كأداة ابتزاز. وفي غياب منظومة مساءلة قانونية أو أخلاقية، بات الطريق إلى معرفة الجذور البيولوجية يمرّ عبر أفراد يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من المسؤولية والشفافية.
يلقي هذا النوع من الإشكاليات بظلاله اليوم على النقاش حول “ملفّات دمشق”. فغياب أصوات الضحايا والمعتقلين والمقتولين والمفقودين يجعل أي نشر للمعلومات محفوفاً بخطر تمثيل غير دقيق أو مؤذٍ. ولكن في الوقت ذاته، إبقاء هذه الفظائع طيّ الكتمان يساهم في ترسيخ الإفلات من العقاب ويمنح الأنظمة القمعية القدرة على إعادة إنتاج عنفها.
لا توجد وصفة أخلاقية جاهزة، لكن يمكن تأكيد مبدأين أساسيين يشكّلان نقطة توازن وسط هذا التعقيد، أولاً: صون الوكالة الإنسانية (Agency)، أي تمكين الناجيات والناجين والأسر والأقارب ومن بقي منهم من تحديد ما يريدون مشاركته، وكيف، وإلى أي مدى. ما يتطلّب أن تُبنى عمليات التوثيق والشغل الصحافي على شراكة واحترام، لا على الاستحواذ على الروايات أو المعرفة.
ثانياً: واجب كشف الحقيقة بمسؤولية، فالتوثيق الصحافي ليس عملاً محايداً، بل هو فعل مقاومة للعنف المنظّم. لكن هذه المقاومة ينبغي أن تقوم على الشفافية، والسياق، وتوضيح أسباب النشر وحدوده، والإجراءات المعتمدة لحماية الأشخاص وعائلاتهم.
سيبقى هذا التوتر قائماً. ولن يكون هناك حلّ كامل، لأنّ الجرائم التي ارتكبها النظام السوري — من اعتقال وتعذيب وإخفاء وقتل — خلقت فراغاً في أصوات الذين غابوا من جهة، ووضعت أهلهم والمجتمع في حالة انتظار دائمة من جهة أخرى.
لكن يبقى المبدأ الأخلاقي الأكثر ثباتاً هو: بذل أقصى جهد للحفاظ على كرامة الأشخاص ووكالتهم في رواياتهم بالتوازي مع وضع آليات واضحة وشفافة لكشف الحقائق، والتمهيد للنشر بطريقة تُتيح فهماً مسبقاً لما سيُعرض.
فهذا التوتر لن يهدأ من دون مساءلة جميع المتورطين في هذه المأساة التي ما زالت تُدمي حياة السوريين والسوريات حتى اليوم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يُطرح كبوصلة تتصل بالنية الأساسية: لماذا نكتب؟
نشر “ملفّات دمشق” هو تذكير بأنّ المأساة مستمرة، وأنّ المتورطين كُثُر، وقد يكون بعضهم في صلب محاولات الإسكات اليوم.













