يصعب الدفاع عن نيكولاس مادورو ونظامه بقدر ما يصعب الدفاع عمّا آلت إليه أموره. فنظامه في كراكاس فاسد وقمعيّ، مطعون بشرعيّته، ومتّهم بالتورّط في تهريب السلاح والمخدّرات ورعاية الإرهاب والإرهابيّين وإفقار شعب فرّ ثمانية ملايين منه إلى المنفى.
وهو، كأنظمة الطغيان الأخرى، يجد في نظريّة “السيادة الوطنيّة” ما يدافع به عن نفسه. لكنّ ما انتهى إليه مادورو، معطوفاً على ما حلّ بإيران، قد يكون نهاية هذا النمط من الأنظمة.
بيد أنّ اختطافه يطرح أسئلة وتحفّظات راودت كثيرين من خصومه: ماذا لو نفّذ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين عمليّة مماثلة يُختطف بموجبها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي؟ وماذا لو وجدت الصين فرصتها سانحة لقضم تايوان؟ وبالفعل تلقّف الحدث ديميتري ميدفيديف، رئيس مجلس الأمن القوميّ الروسيّ، فتصوّر عمليّات اختطاف مشابهة لقادة عالميّين آخرين، لا بل ذهب أبعد فسمّى المستشار الألمانيّ فريدرش ميرتس، إذ “قد يكون اختطاف النازيّ الجديد ميرتس انعطافاً رائعاً في هذا المهرجان”. بدوره، حذّر مارك روتّي، الأمين العامّ لحلف الناتو، من أنّ الأوروبيّين “قد يكونون هدف روسيا المقبل”.
والحال أنّه، وبسبب درجة من التلازم التقليديّ بين السلوك الغربيّ والقانون الدوليّ، وبين الولايات المتّحدة والأمم المتّحدة، وهو ما لا يتوافر في بلدان أخرى، تحضر على نحو مضاعف مسألة التفويض الأمميّ في عمليّات كهذه. لكنّ المعروف أنّ الجسد الذي يمثّل احترام القانون الدوليّ، أي الأمم المتّحدة، مصاب بعجز وشلل يمنعانه أصلاً من أن يكون مصدر تفويض. كذلك يتزايد تعطيل المنظّمات الدوليّة الأخرى ذات الصلات المتفاوتة بالأمم المتّحدة، علماً أنّ الإدارة الأميركيّة لا تكنّ أيّ ودّ حيال هذه الأجسام جميعاً.
وبسبب تحرّر القوّة من المؤسّسات والقوانين، تُتاح لواشنطن القدرة على محاكمة مَن تراه سيّئاً وإصدار الحكم عليه، من دون أن تحرز الأطراف الأخرى، التي تفتقر إلى القوّة، أيّة قدرة على محاكمة الولايات المتّحدة والحكم عليها إذا رأت أنّ فيها ما هو سيّئ ومخالف للقانون.
ويضيف المعارضون الأميركيّون أنّ الكونغرس، مؤسّستهم التشريعيّة الأولى، لم يُبلَّغ بالعمليّة، علماً أنّه هو الذي يفصل في نزاعات الخارج المسلّحة. بدوره، لم يُخف الرئيس دونالد ترامب ازدراء للكونغرس يكمّل ازدراءه المؤسّسات الدوليّة، متّهماً إيّاه بـ”التسريب”.
إقرأوا أيضاً:
هكذا ينحصر النقاش المؤثّر في القوّة والضعف، فتنجو من المحاسبة أنظمة كثيرة تستحقّ المحاسبة، لمجرّد أنّها على علاقة جيّدة بطرف قويّ. وما حالة إسرائيل في غزّة سوى مثَل نافر الدلالة على الوجهة هذه.
لكنْ حين يُترك الأمر لهوى طرف واحد ولنزوته، حتّى لو افترضنا هذا الطرف مفطوراً على الموضوعيّة، وهو وصف لا ينطبق على أحد، يغدو طرح التساؤلات مشروعاً: فماذا مثلاً، عن المعادن وعن النفط الفنزويليّ الذي قال ترامب إنّ بلاده تحتاج “إلى سيطرة كاملة عليه”، لا سيّما وقد أعلن أيضاً تولّي إدارته شؤون ذاك البلد، فيما رأى وزير خارجيّته ماركو روبيو أنّ ترامب لا يستبعد إرسال قوّات إلى فنزويلا؟
فإذا افترضنا توسيع التورّط العسكريّ، بات التساؤل جائزاً عن رصيد التدخّلات الأميركيّة في العراق وأفغانستان وسواهما، ما يصعب وصفه بالنجاح. ثمّ هل يختلط سقوط النظام الفنزويلّيّ المحتمل، تبعاً للعمليّة الأخيرة، برفع احتمالات الحرب الأهليّة هناك، فيما تتسبّب الحروب الأهليّة، كما نعلم، بقدر من الكوارث والفوضى يفوق ما يتسبّب به نظام مادورو نفسه؟ فإذا أضفنا تاريخ العداء الواسع والمنتشر في أميركا الجنوبيّة لأميركا الشماليّة، زادت أكلاف الاستسهال والحماسة، خصوصاً مع تطايُر عبارات ترامبية من صنف أنّ كوبا “جاهزة للسقوط”، وأنّ عمليّة عسكريّة في كولومبيا “تبدو فكرة جيّدة”. وهذا فيما تحافظ على حرارتها “الحاجة” إلى تملّك قناة باناما وضمّ غرينلاند.
هكذا تبتلع القوّة كلّ ما عداها، وهي معادلة لا تضمن أحداً ولا تطمئن أحداً. فحيال القوّة تنعدم كلّ فعّاليّة للنموذج، وفي عداده تحكيم السياسة والديبلوماسيّة، ما يُفترض بالطرف المتقدّم أن يطرحه على العالم الأقلّ تقدّماً، بينما يتقلّص، كذلك، تأثير الفعل والمبادرة الإنسانيّين أمام جبروت أعمى لا يُناقَش في جبروتيّته. والعالم اليوم يعيش هذه اللحظة من انعدام الفعاليّة إزاء القوّة، ومن ضمور الجماعات التي يُتاح لها مناقشة تلك القوّة في أسبابها ودوافعها.
صحيح أنّ ما حصل لم يحدث على حين غرّة، إذ إن التعفّن الذي ضرب، منذ عقود، حركات “التحرّر الوطنيّ” وأنظمته، ونظامُ مادورو واحد من تجلّيّاته المتأخّرة، شرعَ يستدعي ردوداً غربيّة تشبهه تطرّفاً وعدم اكتراث بالقوانين. ولا تخطئ العين ميلاً، عبّرت عنه الترامبيّة، مفاده تقليد الخصوم ومحاربتهم بأسلحتهم. ونحن أبناء منطقة خبرت التعامل مع أنظمة وحركات تمارس، باسم مقاتلة الاستعمار والإمبرياليّة والشياطين، القتل وتهريب السلاح وإنتاج المخدّرات والعدوان على سيادات الدول الأضعف، وصولاً إلى تزوير وثائق السفر… وهي كلّما قلّتْ قدرتُها على الإنجاز زاد تعويلها على المعارك الدونكيشوتيّة ضدّ الماضي الاستعماريّ. لكنّ الصحيح أيضاً أنّ هذه الأنظمة والحركات، فيما هي تسقط، نجحت في خلق عالم على صورتها ومثالها، عالمٍ لا يني يكبر ويتمدّد.
إقرأوا أيضاً:













