fbpx

تجهيز “حقيبة الحرب”… تمارين اعتياديّة على الهرب من غزة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في البيوت يعلو صوت الأمهات، “يا بنت ما تنسيش الهويات وجوازات السفر وشهداتكم في المدرسة والجامعة وشهادات الخبرة والذهب ورسوم أختك في الجامعة وقسط محل أخوكي، وجواشين البلاد اللي ورثناها عن سيدك”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في ” البقجة” أخذ الفلسطيني أعز ما يملك عندما أجبره الاحتلال الإسرائيلي على الهجرة إبان نكبة 1948. روى الأجداد لأحفادهم كيف حرصوا على أخذ “مفتاح العودة والجوشان” ودفن الذهب والجنيهات (الجنيه هو عملة دولة فلسطين قبل الاحتلال) في التراب، لحين العودة. 

مات الكبار ولم ينسَ الصغار، وكتب على الأحفاد المهجرين إلى الجيب الساحلي الضيق، قطاع غزة، الحروب المتتالية؛ ثمن عنادهم وتمردهم على سياسية الأمر الواقع، فعمد الاحتلال إلى سياسة قصف المنازل، لترحيلهم؛ فكانت حيلة الفلسطيني الغزي النسخة المحدثة من البقجة “حقيبة الحرب”.

تجهيز حقيبة الحرب… مهمة صعبة

في 9 أيار/ مايو، حضّر 2.1 مليون غزي، “حقيبة الحرب” الشأن  الذي باتت طقساً ثابتاً مع كل عدوان إسرائيلي جديد. في البيوت يعلو صوت الأمهات، “يا بنت ما تنسيش الهويات وجوازات السفر وشهداتكم في المدرسة والجامعة وشهادات الخبرة والذهب ورسوم أختك في الجامعة وقسط محل أخوكي، وجواشين البلاد اللي ورثناها عن سيدك”. 

تكتظ البيوت بأهلها، فالحياة تعطلت مع إعلان العدوان، وينعدم النوم، فلا أحد يعلم في أي لحظة قد يضطر إلى مغادرة منزله باتصال من ضابط المخابرات الإسرائيلية الذي لا يمهل لا أصحاب المنزل وحسب، بل الحي بأكمله، أكثر من عشرة دقائق للإخلاء؛ لذلك لا بد أن تكون حقيبة الحرب جاهزة عند باب الدار.

دون نقاش، وكما جرت العادة، بلغة العيون تفهم حلا أبو نحله (18 سنة) طلب والدها، بأن عليها مهمة تجهيز “حقيبة الحرب”، بعد اتصال منتصف الليل الذي يخبرها ببدء العدوان على غزة، باغتيال ثلاثة من قادة “الجهاد الإسلامي”، بينهم طارق عز الدين، الذي تم استهدافه في عمارة الدولي وسط غزة، حيث تسكن صديقتها دانا التي تشاركها مقاعد الدراسة في كلية الطب في جامعة الأزهر بغزة. 

تجهيز حقيبة الحرب، مهمة صعبة. “ففي حقيبة الحرب، لا نأخذ الأشياء التي نحبها كالأواعي- الملابس- مثلاً، بل الأشياء التي تجعلنا نمارس حياتنا بأقل شكل مطلوب. لذلك تجهيزها من أصعب الأمور، لأنك بتحضر الحقيبة التي ستفقد ربما منزلك وأغراضك بعدها”.

للمفارقة، دأبت حلا، على طقس تجهيز حقيبة الحرب مذ كانت في الخامسة أثناء الحرب الأولى على غزة عام 2008، شهدت حينها على النقاشات الحادة بين والديها حول جدوى تجهيز الحقيبة. ولكن عائلتها حافظت على الطقس الذي فرض عليها، خلال الحروب الكثيرة التي مرت على غزة منذ كانون الثاني/ يناير 2008 حتى العدوان الأخير في أيار 2023.

فقدان عزيز هاجس كل غزي…

لعنة الحرب ومعايشة طقوسها، شبح يطارد الغزيين المغتربين بسبب العمل أو الهجرة أو الزواج، فحضور الحرب، قدر لا مفر منه لمن قرر زيارة غزة، يرافقه هاجس الرعب من خسارة أحد الأصدقاء أو أفراد العائلة. 

 غادرت إسلام البربار (33 سنة) غزة، بعدما فقدت الأمل في إعادة ترميم حلم العمر، “إذاعة صوت النساء”، فقد فشلت كل محاولاتها في الحصول على تعويض من الجهات المانحة، بعدما قصفت الإذاعة خلال حرب 2014. وقررت بدلاً من ذلك بناء أسرتها الصغيرة، فتزوجت شاباً مصرياً  عام 2015. ومع كل زيارة لأهلها تشاركهم حرباً جديدة، “شو هالحظ اللي عليي، بنزل علشان أحضر الحرب معكم؟”.

تشعر البربار بالمسؤولية خشية أن يصاب طفلاها دانيا (5 سنوات) وفراس (4 سنوات) بأي ضرر خلال العدوان. تقول: “لحظة الضرب، أولادي هما روحي أهم من خسارة المال والذهب، ففي عدوان 2021، من شدة الصدمة وشرود الذهن حملت ابنتي ولم أعلم من حمل ابني، عند اتصال الاحتلال بنا للمغادرة لقصف المنزل المجاور لبيت أقاربي”.

عند ساعة الصفر، عندما يأتي أمر الإخلاء، كثيراً ما نسمع عبارات من قبيل “الحمد الله نجونا بأعجوبة”، “بالكاد اطلعنا بروحنا”، “والله اطلعنا حافين القدم والرأس”، “تبعثرنا في الشارع، والناس هي اللي لملمتنا، والناس هي اللي لبستنا”. 

” المال معادل الروح”

درجت مقولة، “في المال ولا في العيال”، بعد كل خسارة لمنزل قصف في غزة، دمرت إسرائيل للعلم 20 منزلا بما مجموعه 56 وحدة سكنية هدمًا كليًا، وتضررت 940 وحدة سكنية، منها 49 وحدة أصبحت غير صالحة للسكن. 

وبحسب وزارة الاقتصاد بغزة؛ فإن القيمة التقديرية الأولية للخسائر التي سببها العدوان بلغت قرابة 5 ملايين دولار. 

الموظف في السلطة الفلسطينية إسلام سرور (40 سنة)ـ يخبرنا كيف اغتالت إسرائيل حلم عمره بشقة التمليك في مدينة حمد جنوب غزة، التي طالها دمار كلي، جراء اغتيال مسؤول الوحدة الصاروخية في الجهاد الإسلامي، علي غالية فجر 11 أيار.

لم يدفع إسلام، سوى خمسة آلاف دولار من أصل 35 ألف دولار، من سعر شقته. يبدو صابرًا محتسبًا على مصابه؛ لكنه يشكو حاله بعدما ربط نفسه بجمعيات لتوفير دفعات شقته؛ برغم الخصومات المفروضة على رواتب موظفي السلطة في غزة التي تصل إلى 50 في المئة كجزء من العقوبات التي فرضتها السلطة على غزة بسبب الانقسام الداخلي الممتد منذ عام 2007 حتى الآن.

لا مفر أمام إسلام من الإقامة عند نسيبه ( أخ زوجته) مع أبنائه الخمسة، حيث يقطن في مدينة رفح، فشقته غير صالحة للسكن بعد دخول عامودين من الإسمنت إلى صالونه من شدة القصف؛ لكن الحسرة تتملكه؛ “فمن سيستقبلك سيصبر يومين أو أسبوعين، وبعد ذلك أين المفر؟!”، يسأل إسلام.

يعتبر شراء شقة في غزة، مشروعاً مكلفاً، إذ تتراوح التكلفة ما بين 20 إلى 90 ألف دولار؛ لانعدام الدخل لغالبية سكانه؛ فالسلطة الفلسطينية كجزء من العقوبات ضد “حماس”، عاقبت السكان بالحرمان من التوظيف مُنذ عام 2007 حتى الآن، وحاصرت إسرائيل القطاع بعد فوز “حماس” في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/ يناير 2006 حتى اليوم، فزادت شريحة الفقراء إلى 50 في المئة.

وتتولى كلاً من وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين مسؤولية تعويض أصحاب المنازل المدمرة خلال كل حرب تشن على غزة، بينما تخدم الـUNDP”، المواطنين الذين قصفت منازلهم خلال الحرب؛ ولكن هذه رحلة طويلة وينتظرها مصير مجهول؛ بانتظار موافقة الجهات الداعمة وسماح إسرائيل بإدخال مواد البناء، وهذا مسلسل طويل من الإذلال، فهناك قائمة سوداء من مواد البناء تمنع دخولها؛ بذريعة الاستخدام المزدوج- تقصد لأغراض عسكرية للمقاومة بالإضافة للأهداف المدنية-، مما يفاقم معاناة الغزيين، ويدخلهم في دائرة العوز والحاجة.

أصبحت “شنطة الحرب” جزءاً من تفاصيل الغزيين، ويومياتهم، فالحروب قريبة دائماً، ولا شيء يردعها… يحاول الناس تخبئة ما يمكن في حقيبة تمسكاً بالحياة وبالأمل.

20.05.2023
زمن القراءة: 5 minutes

في البيوت يعلو صوت الأمهات، “يا بنت ما تنسيش الهويات وجوازات السفر وشهداتكم في المدرسة والجامعة وشهادات الخبرة والذهب ورسوم أختك في الجامعة وقسط محل أخوكي، وجواشين البلاد اللي ورثناها عن سيدك”.

في ” البقجة” أخذ الفلسطيني أعز ما يملك عندما أجبره الاحتلال الإسرائيلي على الهجرة إبان نكبة 1948. روى الأجداد لأحفادهم كيف حرصوا على أخذ “مفتاح العودة والجوشان” ودفن الذهب والجنيهات (الجنيه هو عملة دولة فلسطين قبل الاحتلال) في التراب، لحين العودة. 

مات الكبار ولم ينسَ الصغار، وكتب على الأحفاد المهجرين إلى الجيب الساحلي الضيق، قطاع غزة، الحروب المتتالية؛ ثمن عنادهم وتمردهم على سياسية الأمر الواقع، فعمد الاحتلال إلى سياسة قصف المنازل، لترحيلهم؛ فكانت حيلة الفلسطيني الغزي النسخة المحدثة من البقجة “حقيبة الحرب”.

تجهيز حقيبة الحرب… مهمة صعبة

في 9 أيار/ مايو، حضّر 2.1 مليون غزي، “حقيبة الحرب” الشأن  الذي باتت طقساً ثابتاً مع كل عدوان إسرائيلي جديد. في البيوت يعلو صوت الأمهات، “يا بنت ما تنسيش الهويات وجوازات السفر وشهداتكم في المدرسة والجامعة وشهادات الخبرة والذهب ورسوم أختك في الجامعة وقسط محل أخوكي، وجواشين البلاد اللي ورثناها عن سيدك”. 

تكتظ البيوت بأهلها، فالحياة تعطلت مع إعلان العدوان، وينعدم النوم، فلا أحد يعلم في أي لحظة قد يضطر إلى مغادرة منزله باتصال من ضابط المخابرات الإسرائيلية الذي لا يمهل لا أصحاب المنزل وحسب، بل الحي بأكمله، أكثر من عشرة دقائق للإخلاء؛ لذلك لا بد أن تكون حقيبة الحرب جاهزة عند باب الدار.

دون نقاش، وكما جرت العادة، بلغة العيون تفهم حلا أبو نحله (18 سنة) طلب والدها، بأن عليها مهمة تجهيز “حقيبة الحرب”، بعد اتصال منتصف الليل الذي يخبرها ببدء العدوان على غزة، باغتيال ثلاثة من قادة “الجهاد الإسلامي”، بينهم طارق عز الدين، الذي تم استهدافه في عمارة الدولي وسط غزة، حيث تسكن صديقتها دانا التي تشاركها مقاعد الدراسة في كلية الطب في جامعة الأزهر بغزة. 

تجهيز حقيبة الحرب، مهمة صعبة. “ففي حقيبة الحرب، لا نأخذ الأشياء التي نحبها كالأواعي- الملابس- مثلاً، بل الأشياء التي تجعلنا نمارس حياتنا بأقل شكل مطلوب. لذلك تجهيزها من أصعب الأمور، لأنك بتحضر الحقيبة التي ستفقد ربما منزلك وأغراضك بعدها”.

للمفارقة، دأبت حلا، على طقس تجهيز حقيبة الحرب مذ كانت في الخامسة أثناء الحرب الأولى على غزة عام 2008، شهدت حينها على النقاشات الحادة بين والديها حول جدوى تجهيز الحقيبة. ولكن عائلتها حافظت على الطقس الذي فرض عليها، خلال الحروب الكثيرة التي مرت على غزة منذ كانون الثاني/ يناير 2008 حتى العدوان الأخير في أيار 2023.

فقدان عزيز هاجس كل غزي…

لعنة الحرب ومعايشة طقوسها، شبح يطارد الغزيين المغتربين بسبب العمل أو الهجرة أو الزواج، فحضور الحرب، قدر لا مفر منه لمن قرر زيارة غزة، يرافقه هاجس الرعب من خسارة أحد الأصدقاء أو أفراد العائلة. 

 غادرت إسلام البربار (33 سنة) غزة، بعدما فقدت الأمل في إعادة ترميم حلم العمر، “إذاعة صوت النساء”، فقد فشلت كل محاولاتها في الحصول على تعويض من الجهات المانحة، بعدما قصفت الإذاعة خلال حرب 2014. وقررت بدلاً من ذلك بناء أسرتها الصغيرة، فتزوجت شاباً مصرياً  عام 2015. ومع كل زيارة لأهلها تشاركهم حرباً جديدة، “شو هالحظ اللي عليي، بنزل علشان أحضر الحرب معكم؟”.

تشعر البربار بالمسؤولية خشية أن يصاب طفلاها دانيا (5 سنوات) وفراس (4 سنوات) بأي ضرر خلال العدوان. تقول: “لحظة الضرب، أولادي هما روحي أهم من خسارة المال والذهب، ففي عدوان 2021، من شدة الصدمة وشرود الذهن حملت ابنتي ولم أعلم من حمل ابني، عند اتصال الاحتلال بنا للمغادرة لقصف المنزل المجاور لبيت أقاربي”.

عند ساعة الصفر، عندما يأتي أمر الإخلاء، كثيراً ما نسمع عبارات من قبيل “الحمد الله نجونا بأعجوبة”، “بالكاد اطلعنا بروحنا”، “والله اطلعنا حافين القدم والرأس”، “تبعثرنا في الشارع، والناس هي اللي لملمتنا، والناس هي اللي لبستنا”. 

” المال معادل الروح”

درجت مقولة، “في المال ولا في العيال”، بعد كل خسارة لمنزل قصف في غزة، دمرت إسرائيل للعلم 20 منزلا بما مجموعه 56 وحدة سكنية هدمًا كليًا، وتضررت 940 وحدة سكنية، منها 49 وحدة أصبحت غير صالحة للسكن. 

وبحسب وزارة الاقتصاد بغزة؛ فإن القيمة التقديرية الأولية للخسائر التي سببها العدوان بلغت قرابة 5 ملايين دولار. 

الموظف في السلطة الفلسطينية إسلام سرور (40 سنة)ـ يخبرنا كيف اغتالت إسرائيل حلم عمره بشقة التمليك في مدينة حمد جنوب غزة، التي طالها دمار كلي، جراء اغتيال مسؤول الوحدة الصاروخية في الجهاد الإسلامي، علي غالية فجر 11 أيار.

لم يدفع إسلام، سوى خمسة آلاف دولار من أصل 35 ألف دولار، من سعر شقته. يبدو صابرًا محتسبًا على مصابه؛ لكنه يشكو حاله بعدما ربط نفسه بجمعيات لتوفير دفعات شقته؛ برغم الخصومات المفروضة على رواتب موظفي السلطة في غزة التي تصل إلى 50 في المئة كجزء من العقوبات التي فرضتها السلطة على غزة بسبب الانقسام الداخلي الممتد منذ عام 2007 حتى الآن.

لا مفر أمام إسلام من الإقامة عند نسيبه ( أخ زوجته) مع أبنائه الخمسة، حيث يقطن في مدينة رفح، فشقته غير صالحة للسكن بعد دخول عامودين من الإسمنت إلى صالونه من شدة القصف؛ لكن الحسرة تتملكه؛ “فمن سيستقبلك سيصبر يومين أو أسبوعين، وبعد ذلك أين المفر؟!”، يسأل إسلام.

يعتبر شراء شقة في غزة، مشروعاً مكلفاً، إذ تتراوح التكلفة ما بين 20 إلى 90 ألف دولار؛ لانعدام الدخل لغالبية سكانه؛ فالسلطة الفلسطينية كجزء من العقوبات ضد “حماس”، عاقبت السكان بالحرمان من التوظيف مُنذ عام 2007 حتى الآن، وحاصرت إسرائيل القطاع بعد فوز “حماس” في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/ يناير 2006 حتى اليوم، فزادت شريحة الفقراء إلى 50 في المئة.

وتتولى كلاً من وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين مسؤولية تعويض أصحاب المنازل المدمرة خلال كل حرب تشن على غزة، بينما تخدم الـUNDP”، المواطنين الذين قصفت منازلهم خلال الحرب؛ ولكن هذه رحلة طويلة وينتظرها مصير مجهول؛ بانتظار موافقة الجهات الداعمة وسماح إسرائيل بإدخال مواد البناء، وهذا مسلسل طويل من الإذلال، فهناك قائمة سوداء من مواد البناء تمنع دخولها؛ بذريعة الاستخدام المزدوج- تقصد لأغراض عسكرية للمقاومة بالإضافة للأهداف المدنية-، مما يفاقم معاناة الغزيين، ويدخلهم في دائرة العوز والحاجة.

أصبحت “شنطة الحرب” جزءاً من تفاصيل الغزيين، ويومياتهم، فالحروب قريبة دائماً، ولا شيء يردعها… يحاول الناس تخبئة ما يمكن في حقيبة تمسكاً بالحياة وبالأمل.

20.05.2023
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية