مريم شناوي وسلمى مهاود
يشكّل التحقيق خطوة مفصلية نحو محاسبة المؤسسات المالية على نقل الثروات غير المشروع الذي فاقم الانهيار الاقتصادي التاريخي في لبنان. ويتركّز على الفرع الفرنسي لبنك عوده وبنك ريشليو فرنسا، المؤسسة المرتبطة ببنك (Société Générale de Banque au Liban (SGBL في لبنان، وبالمصرفي اللبناني البارز أنطون صحناوي.
ويبحث المحقّقون في شبهات غسل أموال، وخيانة أمانة، والتصرف بأموال مسروقة، والتآمر الجنائي. ويمثّل هذا التحرّك أحدث وأشد محاولة أوروبية لفكّ خيوط المناورات المالية غير الشفافة التي استنزفت خزائن لبنان بينما مُنع المواطنون العاديون من الوصول إلى مدّخراتهم.
وصف وليام بوردون، مؤسّس منظمة “شيربا” الفرنسية لمكافحة الفساد، التي ساهمت في دفع التحقيق قُدُماً، هذه الخطوة بأنها لحظة مفصلية في مسار المساءلة المالية الدولية.
وقال بوردون: “إنها سابقة: على المستوى الأوروبي، هذه هي المرة الأولى التي يمكن فيها ملاحقة المسؤولية الجنائية لبنوك أجنبية ومديريها”، مشيراً إلى أن تُهماً تتعلق بالتهرّب الضريبي قد تظهر أيضاً مع تطوّر القضية.
وأوضح بوردون أن أهمية التحقيق تكمن في إرساء مبدأ المسؤولية القانونية للفروع المصرفية الأوروبية التي يُشتبه في أنها شاركت في مخططات غير مشروعة نُسّقت مع المصارف الأم في بيروت، متوقعاً أن “يُطلق التحقيق الفرنسي تأثير الدومينو”، ويفضي إلى إجراءات جنائية مماثلة في دول أوروبية أخرى.
ويُعد هذا التحقيق أحدث محاولة دولية لتحديد المسؤوليات عن الانهيار المالي الذي بدأ أواخر عام 2019، وهي أزمة مستمرة وصفها البنك الدولي بأنها من بين الأسوأ في التاريخ الاقتصادي الحديث.
إقرأوا أيضاً:
يعود أصل التحقيق الفرنسي إلى دعاوى قدّمتها في تموز/ يوليو 2025 منظمة “شيربا” و”تجمّع ضحايا الممارسات الاحتيالية والإجرامية في لبنان”. وقد فتح قسم الجرائم المالية في نيابة باريس العامة القضية، وأسندها إلى المكتب المركزي لمكافحة الفساد والجرائم المالية والضريبية.
ويتولّى هذا الجهاز المتخصّص بالفعل إدارة ملفات قضائية واسعة تتعلق بالنخب السياسية والمالية التقليدية في لبنان، من بينهم حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة ورئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي.
في أيلول/ سبتمبر 2025، فتح المحققون الفرنسيون تحقيقاً في شبهات الاحتيال وغسل الأموال بحق نجيب ميقاتي وشقيقه طه. وجاء هذا التحرّك عقب شكوى قُدّمت في نيسان/ أبريل 2024 — أيضاً من “شيربا” و”التجمّع” — تتهم عائلة ميقاتي باستخدام شركات أوفشور بشكل منهجي للحصول على أصول غير مشروعة في فرنسا.
وعلى الرغم من أن التحقيقات المتعلقة بعائلة ميقاتي وتلك التي تطاول المؤسسات المالية ليست مرتبطة رسمياً ببعضها، أشار بوردون إلى أن “ثمة روابط واضحة من حيث الأشخاص المعنيين، والآليات المستخدمة في هذه القضايا، والوقائع المزعومة”، مضيفاً أن تفعيل آليات تعاون رسمية بين هذه الملفات المستقلة قد يُبحث لاحقاً.
وقال بوردون إن “فتح هذا التحقيق يشكّل أيضاً خطوة إضافية في تدويل الدعاوى القضائية المرتبطة بانهيار النظام المصرفي اللبناني”.
ويزيد التحقيق الفرنسي من تعقيد الوضع القانوني لأنطون صحناوي. فبصفته رئيس مجلس إدارة SGBL وأحد أقطاب القطاع المصرفي اللبناني، يواجه صحناوي سلسلة من التحديات الدولية، من بينها دعوى مدنية مرفوعة في الولايات المتحدة ضد SGBL تتهم المصرف بغسل الأموال وبوجود روابط مع حزب الله، كما كشف تحقيق نشره “درج” أواخر العام الماضي.
ويأتي هذا المسار القضائي المتعلق بالمصارف بالتوازي مع إجراءات جنائية مستمرة ضد رياض سلامة، مهندس النظام المالي اللبناني الحديث، الذي ترأس مصرف لبنان بين عامي 1993 و2023. وقد فُرضت على سلامة عقوبات من وزارة الخزانة الأميركية بتهم فساد مالي، ولا يزال شخصية محورية في مسار المساءلة، إذ يواجه سلسلة طويلة من الاتهامات بالفساد في لبنان والخارج.
أما في آخر التطورات في بيروت، فقد أُرجئت جلسة استجواب تتعلق بشكوى قضائية مقدّمة ضد سلامة من حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد إلى الرابع من أيار/ مايو، بعدما تخلف سلامة، البالغ من العمر 75 عاماً، عن الحضور، متذرعاً بأسباب طبية عبر فريقه القانوني. وتتمحور هذه الشكوى حول شبهات الإثراء غير المشروع واختلاس أموال مصرف لبنان عبر شبكة من شركات الأوفشور الوهمية.














