يظهر التباين والتناقض في المواقف الأميركية والإسرائيلية حتى في قتل قائد حماس يحيى السنوار وفي “التهنئة” بالتخلص من “العدو المشترك”. إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أنّ مقتل السنوار يمثّل بداية النهاية ولكنه ليست النهاية، وأنّ الحرب لم تنتهِ بعد. بينما قال الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، إنّه سيتحدّث مع نتانياهو “لمناقشة الطريق لإعادة الرهائن إلى عائلاتهم، ولإنهاء هذه الحرب، التي تسببت في الكثير من الدمار للأبرياء، مرة واحدة وإلى الأبد. هناك الآن فرصة لـ “اليوم التالي” في غزة من دون حماس في السلطة، ولتسوية سياسية توفر مستقبلًا أفضل للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء”.
قالت نائبة الرئيس الأميركي والمرشّحة الرئاسية كامالا هاريس: “هذه اللحظة تمنحنا فرصة لإنهاء الحرب في غزة أخيراً، ويجب أن تنتهي بحيث تكون إسرائيل آمنة، ويتم إطلاق سراح الرهائن، وتنتهي المعاناة في غزة، ويمكن للشعب الفلسطيني تحقيق حقه في الكرامة والأمن والحرية وتقرير المصير”. فهل سيتجاهل نتانياهو، كالعادة، التوجّه الأميركي لوقف الحرب؟
نقلت شبكة CNN أنّ الرئيس الأميركي تحدّث مع نتانياهو في مكالمة يوم الخميس، “اتفق الزعيمان خلالها على أن هناك فرصة لتعزيز إطلاق سراح الرهائن وأنهما سيعملان معاً لتحقيق هذا الهدف”.
أسئلة كبيرة تطرحها مفاجأة قتل قائد حركة حماس يحيى السنوار عن مستقبل حماس وقطاع غزة والقضية الفلسطينية في مرحلة ما بعد السنوار على المدى القريب، أي في الحرب وعلى المديين المتوسط والبعيد في مراحل ما بعد الحرب.
من الممكن أن تشهد المنطقة تحولاً كبيراً بعد اغتيال السنوار. كان السنوار والسابع من أكتوبر نقطة بداية الحرب الأخيرة التي فتك فيها الجيش الإسرائيلي بالفلسطينيين لأكثر من عام. إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي مطلع الحرب، أنّه لن ينهي القتال قبل قتل السنوار، وها هو السنوار اليوم قد قُتل، لم يكن مختبئاً في النفق بين الرهائن بل ممسكاً بسلاحه وفي زيّه العسكري في أحد المباني في منطقة تل السلطان في رفح فوق الأرض. تشكّل طريقة قتل السنوار مفارقة كبيرة في مسار الحرب، فتناقض ما تحدّث عنه الجيش الإسرائيلي وماكينة البروباغندا الإسرائيليّة عن أن السنوار مختبئ في الأنفاق ويتّخذ الفلسطينيين دروعاً بشرية، الحجة التي لطالما اعتمدها الاحتلال لتبرير قتل الأبرياء والمدنيين.
كتبت مجلة The Economist، “موته المفاجئ سيهزّ مصير المنطقة مرة أخرى، تاركاً حماس بلا قيادة، وغزة من دون أي شكل من أشكال الحكم، بينما تستطيع إسرائيل الادعاء بأن هدفاً رئيسياً من أهداف الحرب قد تحقق أخيراً وبثمن باهظ في الأرواح. هذا كله يزيد من احتمال وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن في غزة، وهو احتمال كان ضئيلاً في السابق. وإذا حدث ذلك، فهناك مسار ضيق نحو تهدئة التوترات في جميع أنحاء المنطقة، مع استمرار الحرب في لبنان واحتمال الانتقام الإسرائيلي ضد الضربات الصاروخية الإيرانية، الذي يلوح في الأفق”.
إقرأوا أيضاً:
من يخلف السنوار؟
تعاني الحركة من فراغ قيادي بعد اغتيال إسرائيل “ما لا يقل عن نصف القيادة العليا للحركة في غزة” وخارجها، بما في ذلك السنوار ومحمد الضيف واسماعيل هنية وصالح العاروري ومروان عيسى، وغيرهم.
من أبرز الأسماء المطروحة لتولي القيادة مؤقتاً هو محمد السنوار، شقيق يحيى السنوار الأصغر ويده اليمنى. يبلغ محمد السنوار من العمر 49 عاماً. ووفقًا لـ The Economist، “يعتبر [محمد السنوار] زعيماً محلياً بدون ثقل قيادي يتجاوز غزة”.
بينما تكتب صحيفة The Guardian، أنّ “من المرجح أن تنتقل القيادة في غزة إلى شقيق السنوار الأصغر، محمد، والذي من المحتمل أن يواصل استراتيجية المقاومة المتمردة منخفضة المستوى لإسرائيل، مع التركيز على الاحتفاظ بنوع من السيطرة الإدارية الظلية في المنطقة واستغلال الغضب الدولي إزاء الخسائر المدنية للضغط على إسرائيل”.
أخبر مسؤول إسرائيلي كبير شبكة CNN الشهر الماضي، أن محمد السنوار تولى حديثاً منصب القائد العسكري لحماس. وفقاً لـ CNN “إذا نجا محمد هذا الأسبوع، فمن المرجح أن يواصل تكتيكات التفاوض المتشدّدة التي اتبعها شقيقه بينما تسعى إسرائيل الى استخراج رهائنها المتبقّين من القطاع الفلسطيني”. إلّا أنّ مصير محمد السنوار لا يزال مجهولًا حتى اللحظة.
تضيف صحيفة The Guardian البريطانية، أنّ حماس ستسعى الى استخدام طريقة مقتل السنوار وحقيقة أنه كان يقاتل على خط المواجهة وبيده سلاح، للتجنيد خصوصاً، وأنّ “حماس في حاجة ماسة إلى قوة بشرية جديدة في غزة حيث تكبدت خسائر فادحة”، إلّا أنّ المقال يستبعد تحقيق ذلك.
في المقابل وفي السياق عينه، عبّرت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة عن موقفها قائلة: “عندما سحبت القوات الأميركية صدام حسين من حفرة تحت الأرض، توسّل إليهم ألا يقتلوه… أولئك الذين اعتبروا صدام نموذجاً للمقاومة انهاروا في النهاية. ومع ذلك، عندما ينظر المسلمون إلى الشهيد السنوار وهو يقف في ساحة المعركة، مرتدياً الزي العسكري وفي العلن وليس في مخبأ، يواجه العدو، ستتعزز روح المقاومة. سيصبح نموذجاً للشباب والأطفال الذين سيواصلون مسيرته نحو تحرير فلسطين. طالما أن الاحتلال والعدوان موجودان، ستستمر المقاومة، لأن الشهيد يبقى حياً ومصدر إلهام”.
تمتلك حركة حماس قيادة خارج قطاع غزة تتمركز بشكل رئيسي في قطر وتركيا ولبنان. وقد يتولى خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي السابق، زمام الأمور. يُعرف مشعل بأنّه شخصية أكثر براغماتية وليس محسوباً على إيران.
ما مصير اتفاق وقف إطلاق النار؟
ما هو مصير الحرب واتفاق وقف إطلاق النار في غزة تحديداً؟ هل الشروط الآن ملائمة لوقف إطلاق النار في غزة؟ لا يزال عدد الرهائن الإسرائيليين في غزة نحو 100 شخص، فما مصير هؤلاء؟ بينما قال وزير الخارجية الإسرائيلي إنّه يجب إخراج الرهائن على الفور، يبقى مصيرهم غير واضح، بخاصة أن السنوار كان يتولى ملف الرهائن.
وهنا يجب النظر في طرح نتانياهو بخصوص الإفراج عن الرهائن، إذ وعد: “أولئك الذين يلقون أسلحتهم سنسمح لهم بالمغادرة والعيش”.
قد تحاول حماس إبرام صفقة حول الرهائن لمحاولة الحفاظ على السيطرة على القطاع، أو لتأمين مرور آمن لقادتها، بحسب The Economist.
ما مصير المنطقة؟
هل يؤدي قتل السنوار إلى وقف إطلاق النار والمعارك في المنطقة بشكلٍ عام بما في ذلك في لبنان؟ خصوصاً وأنّ مقتل السنوار يأتي بعد اغتيال سلسلة من قادة حركة حماس وحزب الله، بما في ذلك أمينه العام حسن نصرالله وقيادات الصفوف الأمامية للحزب. يواجه كلّ من حركة حماس اليوم وحزب الله فراغاً في مراكز القيادة.
هناك جبهات عدة مفتوحة اليوم. على سبيل المثال، تحدّث المتحدّث باسم البنتاغون أمس دقيقة واحدة عن مقتل السنوار وبعدها انتقل الى حديث مفصّل عن الحوثيين والضربات الأميركية ضدهم. ففي 17 تشرين الأول/ أكتوبر، قصفت أميركا مواقع حوثية في اليمن. فأكد المتحدث باسم البنتاغون أنّ القوات الأميركية استهدفت منشآت عدة حوثية تحت الأرض تحتوي على مكونات أسلحة متنوعة استخدمها الحوثيون لاستهداف السفن المدنية والعسكرية في جميع أنحاء المنطقة، قائلًا إنّ هذه “رسالة واضحة إلى الحوثيين بأن هناك عواقب مستمرة لهجماتهم غير القانونية والمتهورة التي تعرض حياة المدنيين الأبرياء وحياة القوات الأميركية والشركاء للخطر”. فهل هناك مسعى للقضاء على المحور؟
أما بالنسبة الى الضربة الإسرائيلية لإيران، فقد سمعنا مراراً أنّها ستكون محدّدة ولكنها قاتلة. في ظلّ كل ما يحصل من اغتيال لقادة في الحركات والجماعات التابعة لإيران، “تنتظر إيران انتقام إسرائيل من هجومها الصاروخي: من المرجح أن تستهدف إسرائيل المواقع العسكرية بعدما اعترضت أميركا على استهدافها المرافق النووية أو النفطية الإيرانية”، بحسب CNN.
إقرأوا أيضاً:














