فور كشف بنود الاتّفاق الإطاري الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، طُرحت قضيّة ما بدا كأنه تخلّي المفاوض اللبناني عن الحقّ بمقاضاة إسرائيل والبحث عن العدالة.
إذ نصّ البند الثالث عشر من الاتّفاق على “وقف جميع الإجراءات العدائية أو الضارّة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”، ما أثار مخاوف من تكريس عدم مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، أو على الأقلّ تعليق هذا المسار وربطه بمجريات التفاوض. وهو نهج بدأ أصلاً منذ عهد الحكومة السابقة التي ترأسها نجيب ميقاتي، وكان يهيمن “حزب الله” على قرارها، حين تراجعت في عام 2024 عن منح المحكمة الجنائية الدولية صلاحية التحقيق في جرائم حرب ارتُكبت على الأراضي اللبنانية. وأثار هذا البند انتقادات واسعة في لبنان.
وقد حاول كل من رئيس الحكومة نوّاف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون نفي فكرة “التخلّي” القانوني الكامل. قال سلام إن النصّ لا يتضمّن تنازلاً عن حقّ لبنان، بل تعليق أو وقف لاستخدام اللجوء إلى المحاكم الدولية خلال مسار التفاوض، معتبراً أن القانون الدولي الإنساني لا يُجيز أصلاً التنازل عن ملاحقة جرائم الحرب.
أمّا عون، فأوضح أن المادّة 13 تعني تعليق الإجراءات القانونية المتبادلة خلال فترة التفاوض، ولا تمنع المتضرّرين أو الجهات غير الرسمية، ومنها نقابتا المحامين، من ممارسة حقّهم في رفع الدعاوى القضائية.
لكنّ هذه التوضيحات لم تُنهِ القلق. فخلاصة مواقف قانونيين وحقوقيين أن البند؛ وإن لم يُسقط قانونياً حقّ الضحايا أو حقّ الدولة في المساءلة، إلا أنه صيغ بعبارات فضفاضة وخطرة، وقد يُستخدم سياسياً وقانونياً لتقييد أيّ تحرّك لبناني أمام المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية أو آليّات الأمم المتّحدة.
كذلك يخشى قانونيون من أن يتحوّل إلى ذريعة إسرائيلية للقول إن لبنان التزم وقف أيّ مسار قانوني ضدّها، حتى لو تعلّق الأمر بجرائم حرب أو انتهاكات جسيمة لا يجوز التنازل عنها أصلاً.
في الغالب الانتقادات جاءت من طرفين: شريحة كانت تدفع فعلاً باتّجاه الضغط على الحكومة لمنح المحكمة الجنائية الدولية الصلاحيات للتحقيق بارتكاب إسرائيل جرائم حرب في لبنان، لا سيّما استهداف صحافيين منذ 13 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023. أمّا الفئة الثانية فكانت من شريحة واسعة من إعلاميي “حزب الله” ومناصريه، الذين لم ينطلقوا في انتقاداتهم من مبدأ البحث عن العدالة، بل رأوا في البند فرصة للاستغلال السياسي.
فقد صمت هؤلاء طويلاً بينما كان ممثّلوهم في البرلمان والحكومة يشاركون عملياً في عرقلة منح الصلاحيات للمحكمة الدولية، أو على الأقلّ لم يخوضوا معركة جدّية دفاعاً عن هذا المسار، حين تراجعت حكومة ميقاتي في عام 2024 عن إعطاء الصلاحيات للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة في لبنان.
وليس مستغرباً أن يعلّق لبنان بسرعة، ومن دون نقاش عامّ كافٍ مع مواطنيه، حقّهم باللجوء إلى القضاء الدولي. فالعلاقة بين لبنان واللبنانيين ومفهوم العدالة تتجاوز مسألة إسرائيل، ويظهر أن سهولة التراجع أمام إسرائيل في هذا البند تنبع من عقلية لبنانية تستسيغ الإفلات من العقاب، ولا تُعير العدالة ما تستحقّه من اهتمام، وترى فيها ما يمكن تجاوزه بتسوية، من دون أن يستدعي ذلك غضباً واسعاً لدى المواطنين. فمسألة العداء اللبناني للعدالة، أو التصالح مع فكرة الإفلات من العقاب، ليست وليدة الاتّفاق مع إسرائيل، إنما تسبقه بعقود وتحديداً منذ قانون العفو العامّ الذي صدر مطلع التسعينيات بشأن جرائم الحرب الأهلية. ومنذ عقود يسير زعماء الحرب والفساد في لبنان وأتباعهم على قاعدة أن فتح المجال لمحاسبة طرف تعني حكماً فتح الباب لمحاسبة الآخر، فيُجهضون العدالة بالتكافل والتضامن في ما بينهم. وكذلك في الحرب مع إسرائيل، وقبل الاتّفاق، كانت خشية “حزب الله” من أن يؤدّي فتح الباب لمحاسبة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب إلى محاسبته هو أيضاً بهذه التهمة.
إقرأوا أيضاً:
ونتيجة للممارسات التي تكرّست منذ الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في عام 1975، تأصّل العداء للعدالة في النظام اللبناني كما في نفوس شرائح واسعة من اللبنانيين. ووصل الأمر إلى درجة رفض مطالب أهالي المفقودين خلال الحرب الأهلية بمعرفة مصيرهم واستعادة رفاتهم بعد عقود، خوفاً من احتمال أن يؤدّي ذلك إلى تثبيت إدانة معنوية للمرتكبين، رغم إعلان الأهالي التنازل عن حقّهم بالمحاسبة والاكتفاء بأبسط حقّ وهو معرفة المصير.
كذلك تجسّد عداء العدالة في الطريقة التي واجه فيها “حزب الله”، بقيادة أمينه العامّ السابق حسن نصرالله، التحقيقات في الأسباب التي أدّت إلى انفجار مرفأ بيروت الضخم في عام 2020. وقبلها، في رفض أيّ تحقيق باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في عام 2005 وكل الاغتيالات التي تلت ذلك. كما تجسّدت هذه العقلية في مواجهة “حزب الله”، إلى جانب أقطاب السلطة والمصارف، مطالب اللبنانيين بمحاسبة ناهبي المال العامّ عقب الانهيار الاقتصادي في عام 2019.
كل هذه الممارسات، وغيرها الكثير ممّا لا مجال لذكره، إضافة إلى أداء جزء من القضاء، شوّهت مفهوم العدالة لدى اللبنانيين. هذا ما غيّب فكرة تحقيق العدالة عن العقلية اللبنانية وجعل من السهل منذ العام 2024، التراجع عن حقّ لبنان في اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة إسرائيل والتحقيق معها بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
كل هذا التراكم الطويل رسّخ في الوعي الجماعي أن العدالة ليست حقّاً ثابتاً لا يمكن التنازل عنه، إنما مطلب يمكن التفاوض عليه أو التضحية به متى اقتضت المصلحة السياسية. بل وأكثر، ترى هذه العقلية أنه يجب رفض فتح ملفّات العدالة “على صحّة السلامة”.
نتيجة لذلك، جاء البند 13 في الاتّفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، وصار قاضٍ دولي سابق مثل رئيس الحكومة نوّاف سلام يرضى به، أو يدافع عنه بوصفه تعليقاً لا تنازلاً. فهو، في نهاية المطاف، ينسجم مع نمط حكم اعتاد طمأنة المجرم بدل الضحيّة، وتقديم التسويات على العدالة، بل اعتاد الاستمرار على حساب العدالة.
لذا فإن مواجهة أيّ عدوان تبدأ بالتخلّي عن النهج الذي حكم البلاد لعقود، والقائم على الإفلات من العقاب ومعاداة العدالة، وتبدأ بتحقيق العدالة على كافّة الصعد، في الداخل كما في الخارج. فعدم التهاون في المحاسبة في أبسط الملفّات الداخلية هو أيضاً سبيل للخروج نحو إقامة الدولة القائمة على فكرة عدم الإفلات من العقاب، كما الخروج من دوامة الحروب العبثية نحو السلام.
إقرأوا أيضاً:














