ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ترامب المهووس بجائزة نوبل لا بالسلام

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في موازاة “الإنجازات”، نجد جملة من القرارات التي اتخذها ترامب خلال ولايتيه الرئاسيتين لا تنسجم مع روحية وصية ألفرد نوبل التي تعد المرجع الأبرز للبت بهوية الفائزين. فقد أوصى المخترع السويدي الراحل بمنح الجائزة للشخص الذي بذل خلال العام المنصرم “أكبر جهد لتعزيز الإخاء بين الأمم، لإلغاء أو تقليص الجيوش، أو للترويج لمؤتمرات السلام”. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بالأمس، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه إذا صنع السلام في أوكرانيا “سيدخل الجنة”. لكن الجنة التي يلمّح إليها تبدو كعنوان بريدي في ستوكهولم أكثر مما هي في السماء. بالنسبة الى ترامب، أقصر طريق إلى الخلود السياسي يمرّ عبر جائزة نوبل.

صحيح أن الفرد لا يرشح نفسه لجائزة نوبل للسلام (وسواها من المجالات الأخرى)، لكن الرئيس الأميركي لا يتوانى عن المجاهرة برغبته في الحصول على الجائزة المذكورة. كما لم يعد سرًا سعيه إلى “انتزاعها”، بعدما كشفت صحيفة Dagens Næringsliv النرويجية عن تطرقه إلى هذا الموضوع خلال اتصال أجراه بوزير المالية النرويجي.

برأي الصحافي والكاتب الفرنسي أنطوان جاكوب، تكرار دونالد ترامب المستمر أنه “يستحق جائزة نوبل للسلام على رغم أنها لن تُمنح إليه”، يدل على أن المسألة تشغل باله وتستحوذ على تفكيره. جاكوب هو أحد المتخصصين في تاريخ الجائزة وكواليسها وآليات القرار في مؤسسة نوبل، ليُصدِر كتاباً في العام 2012 بعنوان “تاريخ جائزة نوبل”. أما كتابه الثاني الصادر في العام 2023 فحمل عنوان “على خطى برثا والسلام”، وخصّصه لمسيرة برثا فون سوتنر، أول امرأة تحصل على جائزة نوبل للسلام.  

في حديثه إلى موقع “درج”، يوضح الكاتب الفرنسي أنه لا يعلم ما يدور داخل رأس ترامب ليردّد هذا الكلام: “ربما مزيج من النرجسية والقناعة الجادة بتحقيقه إنجازات تجعله مستحقاً الجائزة الأشهر في العالم”. وما قد يعزز قناعة ترامب تلك، وفقاً لجاكوب، أن سلفه باراك أوباما حصل عليها على رغم رصيده الهزيل، إذ لم يكن قد مضى على توليه رئاسة الولايات المتحدة سوى تسعة أشهر فقط.  

الرئيس الأميركي لم يتردد في التغني برصيده الحافل بالإنجازات، معتبراً أنه يستوفي الشروط كافة بعد رعايته الاتفاقيات الإبراهيمية ووساطته الناجحة التي أفضت إلى إبرام اتفاقيات سلام بين أرمينيا وأذربيجان وبين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما ساهمت وساطته في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الهند وباكستان وبين تايلاند وكمبوديا. كذلك يُذَكِّر ترامب بمنعه اندلاع نزاع مسلح بين مصر وأثيوبيا وجهوده لإيقاف الحرب الروسية – الأوكرانية والحرب في قطاع غزة. 

ويستند ترامب أيضاً في محاججته إلى سيناريوهات افتراضية، معتبراً أن العالم ما كان ليشهد الغزو الروسي لأوكرانيا وأحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لو فاز بانتخابات العام 2020. 

ولم يقف الموضوع عند عتبة إبداء الرغبات، بل أخذ زخماً مع مبادرة عدد من قادة الدول إلى ترشيحه للجائزة كرؤساء الغابون وموريتانيا والسنغال وأذربيجان ورؤساء الحكومات الإسرائيلية والباكستانية والكمبودية والأرمينية. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن باب الترشيحات لدورة العام 2025 أُغلق في 31 كانون الثاني/ يناير. بالتالي، ترشيح ترامب يرتبط بدورة العام المقبل.  

على المقلب الآخر، نجد فائضاً من الحجج المشكّكة في أهلية الرئيس الأميركي الحصول على جائزة نوبل للسلام. 

يشير أنطوان جاكوب في هذا السياق، إلى عريضة وقعها ثلاثة مؤرخين نرويجيين من المتخصصين في تاريخ جائزة نوبل إلى جانب خبرتهم العملية. عريضتهم حملت عنوان “جائزة نوبل للسلام لترامب؟ لا بد أن أعضاء لجنة نوبل يعانون من انهيار عصبي”، معتبرين أن ترشيح ترامب من نتنياهو يعد أكبر انتهاك لقيم الجائزة.   

 يتفق جاكوب مع ما ورد في العريضة لجهة إقدام الرئيس الأميركي الحالي على الإضرار بفرص حصوله على الجائزة بعد قراره بانسحاب بلاده من منظمتي الصحة العالمية واليونيسكو ومن اتفاقيات دولية خاصة بالمناخ (ملف يقع في صلب اهتمامات مؤسسة نوبل) وفرضه عقوبات على محكمة العدل الدولية وتهديداته بضم كندا وجزيرة غرينلاند وقناة باناما إلى السيادة الأميركية واستخدامه التعريفات الجمركية كأداة للضغط السياسي. 

وعليه يرى جاكوب أن السياسة المبنية على القوة الصلبة لا تلقى أصداء إيجابية في أوسلو (حيث يقع مركز نوبل للسلام).

علاوة على ما ذكره جاكوب، يشير عدد من الصحافيين والمحللين إلى جملة من الخطوات والقرارات “الترامبية” التي تصب في المنحى ذاته: حل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران ودفع أعضاء حلف الناتو إلى زيادة إنفاقهم العسكري، كما أسلوبه التفاوضي الملتوي في حل النزاعات، والذي لا ينصف بالضرورة الضحايا. 

آخرون شككوا حتى في الإنجازات التي يسوق لها ترامب: فوقف إطلاق النار بين رواندا والكونغو لا يزال هشاً، كما ترفض الهند الاعتراف بأي دور أميركي في وقف العمليات العسكرية مع باكستان.

إذاً وفي موازاة “الإنجازات”، نجد جملة من القرارات التي اتخذها ترامب خلال ولايتيه الرئاسيتين لا تنسجم مع روحية وصية ألفرد نوبل التي تعد المرجع الأبرز للبت بهوية الفائزين. فقد أوصى المخترع السويدي الراحل بمنح الجائزة للشخص الذي بذل خلال العام المنصرم “أكبر جهد لتعزيز الإخاء بين الأمم، لإلغاء أو تقليص الجيوش، أو للترويج لمؤتمرات السلام”.  

وعليه، لماذا الإصرار على طرح سيناريو حصول ترامب على جائزة نوبل للسلام على رغم الأسباب المذكورة أعلاه؟ 

يوضح جاكوب أن صحافيين وخبراء كثراً في العلاقات الدولية يرفضون استبعاد هذه الفرضية، مزاج نجده حتى في أروقة أوسلو.  على رغم ما أبداه من ملاحظات على سياسة ترامب، يقول جاكوب إن لجنة التحكيم برهنت في محطات سابقة عن براغماتيتها، وهو ما قد يصب في صالح الرئيس الأميركي: “إذا نجح ترامب في إجبار روسيا على توقيع اتفاقية سلام عادلة ودائمة، فلن يكون مستبعداً منحه هذه الجائزة على رغم شخصيته وأسلوبه المثيرين للنفور. المعيار الذي ستستند إليه لجنة التحكيم هو تكريم اتفاقية أنهت حرباً ضارية في القارة الأوروبية، ومن الوارد جداً حينها أن يتقاسم ترامب الجائزة مع آخرين”. 

بالإضافة إلى ما ذكره جاكوب، يمكن إضافة اعتبارات أخرى توفر بدورها إجابة عن هذا السؤال: تعدد المعايير المعتمدة لإسناد الجائزة المذكورة وقائمة الشخصيات التي حازت على الجائزة منذ انطلاقتها، إذ تُطرح تساؤلات مشككة في أهلية بعض الأسماء للحصول على الجائزة أو الاحتفاظ بها. بعبارة أخرى، إسناد الجائزة إلى ترامب لن يكون “تغريداً من خارج السرب”.

هنري كيسنجر حصل على الجائزة عام 1973 اعترافاً بدوره في التوصل إلى اتفاقية باريس لإنهاء الحرب في فيتنام، على رغم اتهامه بإطالة أمد الحرب قبلها بسنوات. كما حصل الثلاثي عرفات – رابين – بيريز على الجائزة تقديراً لجهودهم في إبرام اتفاقية أوسلو، ما دفع الى التساؤل عن ضرورة التمهل وعدم التسرع في منح الجائزة قبل التأكد من بلورة مفاعيل السلام المنشود على أرض الواقع.  

من جهة أخرى، احتفظ مناحيم بيغين بالجائزة لدوره في اتفاقية كامب ديفيد، على رغم إقدامه بعدها بثلاث سنوات على غزو لبنان. حجة تنطبق أيضاً على رئيسة وزراء مينامار أون سان سو تشي لتقاعسها في التصدي للمجازر بحق أقلية الروهينغا في بلادها. كما يُعَدّ منح الجائزة لباراك أوباما في العام 2009 من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الجائزة، للأسباب التي ذكرها أنطوان جاكوب سابقاً. 

يشير الصحافي والكاتب الفرنسي في هذا السياق، الى أن لجنة نوبل منحت لنفسها هامشاً من القرار بعيداً من المضمون الحرفي لوصية ألفرد نوبل: على سبيل المثال، ارتأت لجنة التحكيم إمكانية تطويع صيت هذه الجائزة العالمية لدعم جهود جارية، ما قد يساهم ببلورتها عملانياً في ترجمة لمبدأ: “المجازفة أفضل من البقاء في صف المتفرجين”.    

الجدل حيال ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، أعاد إحياء النقاش حيال مسألة أوسع ترتبط بإعادة النظر بآلية ومعايير إسناد الجائزة: هل يجب منحها بناء على إنجاز ملموس أم لمسيرة “لا غبار عليها”؟ وهل الغاية منها الاعتراف بإنجازات تحققت أم لإعطاء زخم لجهود جارية؟ وهل من الأفضل حصرها بالمنظمات عوضاً عن الأفراد؟ وهل يجب منح مؤسسة نوبل صلاحية سحبها ممن يخلّ بمعاييرها؟ وهل بات ملحاً توسيع لجنة التحكيم كي لا تظل حكراً على النرويجيين؟

فيما يخص حصر الجائزة بالمنظمات، رأى أنطوان جاكوب أنه طرح خاطئ: بداية لم تنص وصية ألفرد نوبل على هذا الأمر، وثانياً لوجود أفراد جسدوا بشخصهم قضايا على نحو فاق ما قامت به المنظمات، كما خاضوا نضالات تستحق تسليط الضوء عليها. 

أما بخصوص صلاحية سحب الجائزة، فأوضح جاكوب أن هذا الاقتراح ليس قيد التداول، بخاصة مع إصرار لجنة نوبل وتأكيدها أنها غير مسؤولة عن تصرفات من مُنحوا الجائزة. يستطرد جاكوب متسائلاً، كيف سيتحول التلويح بسحب الجائزة إلى رادع؟ إلا إذا كان سيُطلب من المعني إعادة المكافأة المالية. لكن المعضلة الأبرز، برأيه، تبقى في تحديد مستوى ومعايير “الخطأ” الذي سيدفع إلى اتخاذ قرار بسحب الجائزة، أمرٌ في غاية التعقيد. 

في ما يتعلق بالنقطة الأخيرة، أي فتح عضوية لجنة التحكيم أمام شخصيات غير نرويجية، يوضح جاكوب أن اللجنة المكونة من خمسة أعضاء تختارهم الكتل الممثلة في البرلمان النرويجي، ليسوا بالضرورة متخصصين في الملفات الدولية الكبرى. 

جاكوب من المؤيدين لمبدأ إدخال عناصر غير نرويجية إلى لجنة التحكيم بشرط ضمان استقلاليتهم وكفاءتهم، فانفتاح مؤسسة نوبل سيعم عليها بالفائدة حتى لو كان انفتاحاً محدوداً. في المقابل، يشير جاكوب الى أن هذه الفكرة مستبعدة من القيمين على المؤسسة، بخاصة بعد طرحهم تساؤلات متشعّبة حول المعايير التي يتوجب اعتمادها. 

قد يكون الغرض من طرح هذه التساؤلات إجهاض أي امكانية لتعديل آليات عمل المؤسسة ولجنة التحكيم، والسبب يكمن في أن جائزة نوبل باتت أحد أبرز عناصر القوة الناعمة التي تمتلكها النرويج. خلال أحد الحوارات الإذاعية، نقل الكاتب الفرنسي أوسكار لومبير عن أحد الرؤساء السابقين للجنة نوبل قوله: “العالم لا يولي أي اهتمام لتغير رئيس الحكومة النرويجية، لكن كل الأنظار تكون شاخصة علينا يوم الإعلان عن أسماء الفائزين وعند تسليم الجوائز”. برأي لومبير، النرويج ليست بوارد التخلّي عن هذا الامتياز. 

21.08.2025
زمن القراءة: 7 minutes

في موازاة “الإنجازات”، نجد جملة من القرارات التي اتخذها ترامب خلال ولايتيه الرئاسيتين لا تنسجم مع روحية وصية ألفرد نوبل التي تعد المرجع الأبرز للبت بهوية الفائزين. فقد أوصى المخترع السويدي الراحل بمنح الجائزة للشخص الذي بذل خلال العام المنصرم “أكبر جهد لتعزيز الإخاء بين الأمم، لإلغاء أو تقليص الجيوش، أو للترويج لمؤتمرات السلام”. 

بالأمس، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه إذا صنع السلام في أوكرانيا “سيدخل الجنة”. لكن الجنة التي يلمّح إليها تبدو كعنوان بريدي في ستوكهولم أكثر مما هي في السماء. بالنسبة الى ترامب، أقصر طريق إلى الخلود السياسي يمرّ عبر جائزة نوبل.

صحيح أن الفرد لا يرشح نفسه لجائزة نوبل للسلام (وسواها من المجالات الأخرى)، لكن الرئيس الأميركي لا يتوانى عن المجاهرة برغبته في الحصول على الجائزة المذكورة. كما لم يعد سرًا سعيه إلى “انتزاعها”، بعدما كشفت صحيفة Dagens Næringsliv النرويجية عن تطرقه إلى هذا الموضوع خلال اتصال أجراه بوزير المالية النرويجي.

برأي الصحافي والكاتب الفرنسي أنطوان جاكوب، تكرار دونالد ترامب المستمر أنه “يستحق جائزة نوبل للسلام على رغم أنها لن تُمنح إليه”، يدل على أن المسألة تشغل باله وتستحوذ على تفكيره. جاكوب هو أحد المتخصصين في تاريخ الجائزة وكواليسها وآليات القرار في مؤسسة نوبل، ليُصدِر كتاباً في العام 2012 بعنوان “تاريخ جائزة نوبل”. أما كتابه الثاني الصادر في العام 2023 فحمل عنوان “على خطى برثا والسلام”، وخصّصه لمسيرة برثا فون سوتنر، أول امرأة تحصل على جائزة نوبل للسلام.  

في حديثه إلى موقع “درج”، يوضح الكاتب الفرنسي أنه لا يعلم ما يدور داخل رأس ترامب ليردّد هذا الكلام: “ربما مزيج من النرجسية والقناعة الجادة بتحقيقه إنجازات تجعله مستحقاً الجائزة الأشهر في العالم”. وما قد يعزز قناعة ترامب تلك، وفقاً لجاكوب، أن سلفه باراك أوباما حصل عليها على رغم رصيده الهزيل، إذ لم يكن قد مضى على توليه رئاسة الولايات المتحدة سوى تسعة أشهر فقط.  

الرئيس الأميركي لم يتردد في التغني برصيده الحافل بالإنجازات، معتبراً أنه يستوفي الشروط كافة بعد رعايته الاتفاقيات الإبراهيمية ووساطته الناجحة التي أفضت إلى إبرام اتفاقيات سلام بين أرمينيا وأذربيجان وبين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما ساهمت وساطته في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الهند وباكستان وبين تايلاند وكمبوديا. كذلك يُذَكِّر ترامب بمنعه اندلاع نزاع مسلح بين مصر وأثيوبيا وجهوده لإيقاف الحرب الروسية – الأوكرانية والحرب في قطاع غزة. 

ويستند ترامب أيضاً في محاججته إلى سيناريوهات افتراضية، معتبراً أن العالم ما كان ليشهد الغزو الروسي لأوكرانيا وأحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لو فاز بانتخابات العام 2020. 

ولم يقف الموضوع عند عتبة إبداء الرغبات، بل أخذ زخماً مع مبادرة عدد من قادة الدول إلى ترشيحه للجائزة كرؤساء الغابون وموريتانيا والسنغال وأذربيجان ورؤساء الحكومات الإسرائيلية والباكستانية والكمبودية والأرمينية. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن باب الترشيحات لدورة العام 2025 أُغلق في 31 كانون الثاني/ يناير. بالتالي، ترشيح ترامب يرتبط بدورة العام المقبل.  

على المقلب الآخر، نجد فائضاً من الحجج المشكّكة في أهلية الرئيس الأميركي الحصول على جائزة نوبل للسلام. 

يشير أنطوان جاكوب في هذا السياق، إلى عريضة وقعها ثلاثة مؤرخين نرويجيين من المتخصصين في تاريخ جائزة نوبل إلى جانب خبرتهم العملية. عريضتهم حملت عنوان “جائزة نوبل للسلام لترامب؟ لا بد أن أعضاء لجنة نوبل يعانون من انهيار عصبي”، معتبرين أن ترشيح ترامب من نتنياهو يعد أكبر انتهاك لقيم الجائزة.   

 يتفق جاكوب مع ما ورد في العريضة لجهة إقدام الرئيس الأميركي الحالي على الإضرار بفرص حصوله على الجائزة بعد قراره بانسحاب بلاده من منظمتي الصحة العالمية واليونيسكو ومن اتفاقيات دولية خاصة بالمناخ (ملف يقع في صلب اهتمامات مؤسسة نوبل) وفرضه عقوبات على محكمة العدل الدولية وتهديداته بضم كندا وجزيرة غرينلاند وقناة باناما إلى السيادة الأميركية واستخدامه التعريفات الجمركية كأداة للضغط السياسي. 

وعليه يرى جاكوب أن السياسة المبنية على القوة الصلبة لا تلقى أصداء إيجابية في أوسلو (حيث يقع مركز نوبل للسلام).

علاوة على ما ذكره جاكوب، يشير عدد من الصحافيين والمحللين إلى جملة من الخطوات والقرارات “الترامبية” التي تصب في المنحى ذاته: حل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران ودفع أعضاء حلف الناتو إلى زيادة إنفاقهم العسكري، كما أسلوبه التفاوضي الملتوي في حل النزاعات، والذي لا ينصف بالضرورة الضحايا. 

آخرون شككوا حتى في الإنجازات التي يسوق لها ترامب: فوقف إطلاق النار بين رواندا والكونغو لا يزال هشاً، كما ترفض الهند الاعتراف بأي دور أميركي في وقف العمليات العسكرية مع باكستان.

إذاً وفي موازاة “الإنجازات”، نجد جملة من القرارات التي اتخذها ترامب خلال ولايتيه الرئاسيتين لا تنسجم مع روحية وصية ألفرد نوبل التي تعد المرجع الأبرز للبت بهوية الفائزين. فقد أوصى المخترع السويدي الراحل بمنح الجائزة للشخص الذي بذل خلال العام المنصرم “أكبر جهد لتعزيز الإخاء بين الأمم، لإلغاء أو تقليص الجيوش، أو للترويج لمؤتمرات السلام”.  

وعليه، لماذا الإصرار على طرح سيناريو حصول ترامب على جائزة نوبل للسلام على رغم الأسباب المذكورة أعلاه؟ 

يوضح جاكوب أن صحافيين وخبراء كثراً في العلاقات الدولية يرفضون استبعاد هذه الفرضية، مزاج نجده حتى في أروقة أوسلو.  على رغم ما أبداه من ملاحظات على سياسة ترامب، يقول جاكوب إن لجنة التحكيم برهنت في محطات سابقة عن براغماتيتها، وهو ما قد يصب في صالح الرئيس الأميركي: “إذا نجح ترامب في إجبار روسيا على توقيع اتفاقية سلام عادلة ودائمة، فلن يكون مستبعداً منحه هذه الجائزة على رغم شخصيته وأسلوبه المثيرين للنفور. المعيار الذي ستستند إليه لجنة التحكيم هو تكريم اتفاقية أنهت حرباً ضارية في القارة الأوروبية، ومن الوارد جداً حينها أن يتقاسم ترامب الجائزة مع آخرين”. 

بالإضافة إلى ما ذكره جاكوب، يمكن إضافة اعتبارات أخرى توفر بدورها إجابة عن هذا السؤال: تعدد المعايير المعتمدة لإسناد الجائزة المذكورة وقائمة الشخصيات التي حازت على الجائزة منذ انطلاقتها، إذ تُطرح تساؤلات مشككة في أهلية بعض الأسماء للحصول على الجائزة أو الاحتفاظ بها. بعبارة أخرى، إسناد الجائزة إلى ترامب لن يكون “تغريداً من خارج السرب”.

هنري كيسنجر حصل على الجائزة عام 1973 اعترافاً بدوره في التوصل إلى اتفاقية باريس لإنهاء الحرب في فيتنام، على رغم اتهامه بإطالة أمد الحرب قبلها بسنوات. كما حصل الثلاثي عرفات – رابين – بيريز على الجائزة تقديراً لجهودهم في إبرام اتفاقية أوسلو، ما دفع الى التساؤل عن ضرورة التمهل وعدم التسرع في منح الجائزة قبل التأكد من بلورة مفاعيل السلام المنشود على أرض الواقع.  

من جهة أخرى، احتفظ مناحيم بيغين بالجائزة لدوره في اتفاقية كامب ديفيد، على رغم إقدامه بعدها بثلاث سنوات على غزو لبنان. حجة تنطبق أيضاً على رئيسة وزراء مينامار أون سان سو تشي لتقاعسها في التصدي للمجازر بحق أقلية الروهينغا في بلادها. كما يُعَدّ منح الجائزة لباراك أوباما في العام 2009 من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الجائزة، للأسباب التي ذكرها أنطوان جاكوب سابقاً. 

يشير الصحافي والكاتب الفرنسي في هذا السياق، الى أن لجنة نوبل منحت لنفسها هامشاً من القرار بعيداً من المضمون الحرفي لوصية ألفرد نوبل: على سبيل المثال، ارتأت لجنة التحكيم إمكانية تطويع صيت هذه الجائزة العالمية لدعم جهود جارية، ما قد يساهم ببلورتها عملانياً في ترجمة لمبدأ: “المجازفة أفضل من البقاء في صف المتفرجين”.    

الجدل حيال ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، أعاد إحياء النقاش حيال مسألة أوسع ترتبط بإعادة النظر بآلية ومعايير إسناد الجائزة: هل يجب منحها بناء على إنجاز ملموس أم لمسيرة “لا غبار عليها”؟ وهل الغاية منها الاعتراف بإنجازات تحققت أم لإعطاء زخم لجهود جارية؟ وهل من الأفضل حصرها بالمنظمات عوضاً عن الأفراد؟ وهل يجب منح مؤسسة نوبل صلاحية سحبها ممن يخلّ بمعاييرها؟ وهل بات ملحاً توسيع لجنة التحكيم كي لا تظل حكراً على النرويجيين؟

فيما يخص حصر الجائزة بالمنظمات، رأى أنطوان جاكوب أنه طرح خاطئ: بداية لم تنص وصية ألفرد نوبل على هذا الأمر، وثانياً لوجود أفراد جسدوا بشخصهم قضايا على نحو فاق ما قامت به المنظمات، كما خاضوا نضالات تستحق تسليط الضوء عليها. 

أما بخصوص صلاحية سحب الجائزة، فأوضح جاكوب أن هذا الاقتراح ليس قيد التداول، بخاصة مع إصرار لجنة نوبل وتأكيدها أنها غير مسؤولة عن تصرفات من مُنحوا الجائزة. يستطرد جاكوب متسائلاً، كيف سيتحول التلويح بسحب الجائزة إلى رادع؟ إلا إذا كان سيُطلب من المعني إعادة المكافأة المالية. لكن المعضلة الأبرز، برأيه، تبقى في تحديد مستوى ومعايير “الخطأ” الذي سيدفع إلى اتخاذ قرار بسحب الجائزة، أمرٌ في غاية التعقيد. 

في ما يتعلق بالنقطة الأخيرة، أي فتح عضوية لجنة التحكيم أمام شخصيات غير نرويجية، يوضح جاكوب أن اللجنة المكونة من خمسة أعضاء تختارهم الكتل الممثلة في البرلمان النرويجي، ليسوا بالضرورة متخصصين في الملفات الدولية الكبرى. 

جاكوب من المؤيدين لمبدأ إدخال عناصر غير نرويجية إلى لجنة التحكيم بشرط ضمان استقلاليتهم وكفاءتهم، فانفتاح مؤسسة نوبل سيعم عليها بالفائدة حتى لو كان انفتاحاً محدوداً. في المقابل، يشير جاكوب الى أن هذه الفكرة مستبعدة من القيمين على المؤسسة، بخاصة بعد طرحهم تساؤلات متشعّبة حول المعايير التي يتوجب اعتمادها. 

قد يكون الغرض من طرح هذه التساؤلات إجهاض أي امكانية لتعديل آليات عمل المؤسسة ولجنة التحكيم، والسبب يكمن في أن جائزة نوبل باتت أحد أبرز عناصر القوة الناعمة التي تمتلكها النرويج. خلال أحد الحوارات الإذاعية، نقل الكاتب الفرنسي أوسكار لومبير عن أحد الرؤساء السابقين للجنة نوبل قوله: “العالم لا يولي أي اهتمام لتغير رئيس الحكومة النرويجية، لكن كل الأنظار تكون شاخصة علينا يوم الإعلان عن أسماء الفائزين وعند تسليم الجوائز”. برأي لومبير، النرويج ليست بوارد التخلّي عن هذا الامتياز.