ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ترامب والسلام: طمس المأساة بالتهريج!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ترامب يقترب في حيز من  شخصيته إلى مهرج يقف على مسرح سياسي، وفي مونودراما لا يريد أن تتّسع لغيره. لكنه المهرج الذي يتذاكى على جمهور عام بطمس المأساة بالتهريج، فيما الأكثر مأساوية في المشهد أن هناك من يصدقه

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في السادس من كانون الثاني/ يناير 2021، اقتحم أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبنى الكونغرس رفضاً لخسارة مرشحهم للانتخابات الرئاسية حينها، أي ترامب. تلك الحادثة بدت في فوضويتها تعبيراً عن سلوك رجل لم تعرف مثله الولايات المتحدة الأميركية في تاريخها الحديث، وكانت مؤشراً لم يزل انعكاسه راسخاً كهاجس يخضع له الأميركيون في الأحداث المفصلية تجاه شخصية كترامب.

 لم يقرأ ترامب على الأرجح كتاب الأديب الروسي ليو تولستوي “الحرب والسلام”، وهوأيضاً، غير ميال الى الأدب على ما تشي به سيرته الذاتية ماضياً وحاضراً. 

 في العام 2024، بدأ ترامب ولايته الثانية كرئيس للولايات المتحدة الأميركية بإدراج السلام كإحدى مسلمات حكمه، ونحن إذ نتقصى راهنه في الحرب، نتقصى أيضاً أن الأخيرة تنطوي على ادعاء ما يؤهله لدخول لائحة الحاصلين على جائزة نوبل للسلام  كأحد صناعه وأهمهم، وفي منطقة لا تني تتبدى فيها  الحروب كأقدار محتومة، فيما الولايات المتحدة الأميركية في صلبها غالباً. 

 لكن المواءمة بين السلام وترامب تبدو أمراً عسيراً، وعسر كهذا مصدره أولاً شخصيته التي تنطوي على مواقف طردية يفرغها علينا يومياً. فترامب هو القول ونقيضه، ووقائع أسبوعَي الحرب الإسرائيلية – الإيرانية كثفت هذا الانطباع في شخصيته.

 والمرء إذ يسترجع الإطلالات الكثيرة للرجل خلال تلك الحرب، يسعفه الكثير منها في تأكيد ذلك الانطباع.

 لا بأس بتشريح  شخصية تتسيد العالم، وتقف الحرب والسياسة على أطباعها سواء في نزقها أو سخريتها، أو في سكونها النادر الحدوث.

   في بلد  كالولايات المتحدة الأميركية ، يحضر ترامب كنموذج عن “الديكتاتور” الساخر حيناً والنزق أحياناً، لكنه المحكوم قسراً بديمقراطية مقيِّدة لطبائعه وجموحه الشخصي.

  ومقاربة كهذه تضع صاحبها أمام مفاضلة غالباً ما بددها ترامب بمسحة “جنون” سياسي إذا ما أحلنا الرجل ومزاجه على رأي عام عالمي تتغلب على وعيه هذه السمة في ترامب.

وترامب يقترب في حيز من  شخصيته إلى مهرج يقف على مسرح سياسي، وفي مونودراما لا يريد أن تتّسع لغيره. لكنه المهرج الذي يتذاكى على جمهور عام بطمس المأساة بالتهريج، فيما الأكثر مأساوية في المشهد أن هناك من يصدقه في تقديم نفسه كرجل سلام.

  في دونالد ترامب اقتباس وازن عرفناه، مثالاً لا حصراً، نحن العرب مع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. نموذج غربي عن نسخة عربية لا تحتكم إلى ضوابط يقتضيها موقع الشخص، بقدر تفلّتها منه. وفي الحالتين، نحن أمام عوارض نفسية لا تختبئ وراء لسان صاحبها، فيما إعلانها الفج يبقى متعمداً كراسم أساسي للشخصية.

 غالباً ما افتقد  القذافي، ويفتقد ترامب، نسقاً شائعاً عن الرؤساء وموقعهم. رئيسان متخففان من” الدبلوماسية” كنمط تصرف سلطوي، مزاوجة متعمدة بين السياسة والسخرية، أفكار تفتقر الى الواقعية.

 فحين  تصير غزة “ريفييرا الشرق” كمقترح “ترامبي”، نستعيد معها تناسخاً عدمياً عن فكرة “إسراطين” التي روج لها القذافي في “الكتاب الأبيض” عن دمج  إسرائيل وفلسطين في دولة واحدة. وحين يتخفف ساكن “البيت الأبيض” من “دبلوماسية” الأعراف واللسان(كما مع زيلنسكي ونتانياهو أخيراً)، سنكون مباشرةً أمام شتائم وخروج عن المألوف، وسنتبدى مجدداً أمام تناسخ آخر عن “دبلوماسية” القذافي وقد افتقرت إلى أعرافها مع الكثير من نظرائه، عرباً وغير عرب.    

وأن لا يقرأ دونالد ترامب ليو تولستوي، فهو على الأرجح أيضاً  لم يتخذ من معمر القذافي مثاله، إذ إن النرجسية، كما في حالتيهما، هي اقتضاء للاستثناء ونفي الاقتباس، فيما التناسخ  الشخصي بين الرجلين سيحال إلى أقدار الخالق وقد تشابه من خلقه أربعون.

 كان دونالد ترامب شريكاً مضارباً لإسرائيل في حربها الأخيرة مع إيران، ثم شريكاً معلناً مع الضربة الأميركية لمنشآتها النووية، وهو يندرج بالسمة ذاتها في حروب إسرائيل من غزة إلى لبنان.

“نوك أوت” نووية وجهها ترامب لإيران كانت كافية باعتقاده لترويضها وترويض بنيامين نتانياهو معها، والعالم شاهد رئيس الولايات المتحدة الأميركية ينهي هذه الحرب، ليكثف عند الخصوم والحلفاء فكرة مبسترة، وراجحة، أن بلاده سيدة هذا العالم، وترامب نفسه إذ تستهويه هذه الفكرة تبدَّى في نهاية الحرب كمن يستحضر رؤية “تولستوي” عن حرب غايتها السلام.  

  شكر ترامب المتحاربين في لحظة مزج فيها بين الحرب والسياسة والسخرية، وكثفها وهو يثني ساخراً على “ود” إيران في وقائع رد فعلها على الضربة الأميركية، أو في بث “دبلوماسية” خرقاء كان بنيامين نتانياهو يستحق شتائمها على جرائمه في غزة أكثر بكثير من توقيتها الإيراني.

27.06.2025
زمن القراءة: 3 minutes

ترامب يقترب في حيز من  شخصيته إلى مهرج يقف على مسرح سياسي، وفي مونودراما لا يريد أن تتّسع لغيره. لكنه المهرج الذي يتذاكى على جمهور عام بطمس المأساة بالتهريج، فيما الأكثر مأساوية في المشهد أن هناك من يصدقه


في السادس من كانون الثاني/ يناير 2021، اقتحم أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبنى الكونغرس رفضاً لخسارة مرشحهم للانتخابات الرئاسية حينها، أي ترامب. تلك الحادثة بدت في فوضويتها تعبيراً عن سلوك رجل لم تعرف مثله الولايات المتحدة الأميركية في تاريخها الحديث، وكانت مؤشراً لم يزل انعكاسه راسخاً كهاجس يخضع له الأميركيون في الأحداث المفصلية تجاه شخصية كترامب.

 لم يقرأ ترامب على الأرجح كتاب الأديب الروسي ليو تولستوي “الحرب والسلام”، وهوأيضاً، غير ميال الى الأدب على ما تشي به سيرته الذاتية ماضياً وحاضراً. 

 في العام 2024، بدأ ترامب ولايته الثانية كرئيس للولايات المتحدة الأميركية بإدراج السلام كإحدى مسلمات حكمه، ونحن إذ نتقصى راهنه في الحرب، نتقصى أيضاً أن الأخيرة تنطوي على ادعاء ما يؤهله لدخول لائحة الحاصلين على جائزة نوبل للسلام  كأحد صناعه وأهمهم، وفي منطقة لا تني تتبدى فيها  الحروب كأقدار محتومة، فيما الولايات المتحدة الأميركية في صلبها غالباً. 

 لكن المواءمة بين السلام وترامب تبدو أمراً عسيراً، وعسر كهذا مصدره أولاً شخصيته التي تنطوي على مواقف طردية يفرغها علينا يومياً. فترامب هو القول ونقيضه، ووقائع أسبوعَي الحرب الإسرائيلية – الإيرانية كثفت هذا الانطباع في شخصيته.

 والمرء إذ يسترجع الإطلالات الكثيرة للرجل خلال تلك الحرب، يسعفه الكثير منها في تأكيد ذلك الانطباع.

 لا بأس بتشريح  شخصية تتسيد العالم، وتقف الحرب والسياسة على أطباعها سواء في نزقها أو سخريتها، أو في سكونها النادر الحدوث.

   في بلد  كالولايات المتحدة الأميركية ، يحضر ترامب كنموذج عن “الديكتاتور” الساخر حيناً والنزق أحياناً، لكنه المحكوم قسراً بديمقراطية مقيِّدة لطبائعه وجموحه الشخصي.

  ومقاربة كهذه تضع صاحبها أمام مفاضلة غالباً ما بددها ترامب بمسحة “جنون” سياسي إذا ما أحلنا الرجل ومزاجه على رأي عام عالمي تتغلب على وعيه هذه السمة في ترامب.

وترامب يقترب في حيز من  شخصيته إلى مهرج يقف على مسرح سياسي، وفي مونودراما لا يريد أن تتّسع لغيره. لكنه المهرج الذي يتذاكى على جمهور عام بطمس المأساة بالتهريج، فيما الأكثر مأساوية في المشهد أن هناك من يصدقه في تقديم نفسه كرجل سلام.

  في دونالد ترامب اقتباس وازن عرفناه، مثالاً لا حصراً، نحن العرب مع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. نموذج غربي عن نسخة عربية لا تحتكم إلى ضوابط يقتضيها موقع الشخص، بقدر تفلّتها منه. وفي الحالتين، نحن أمام عوارض نفسية لا تختبئ وراء لسان صاحبها، فيما إعلانها الفج يبقى متعمداً كراسم أساسي للشخصية.

 غالباً ما افتقد  القذافي، ويفتقد ترامب، نسقاً شائعاً عن الرؤساء وموقعهم. رئيسان متخففان من” الدبلوماسية” كنمط تصرف سلطوي، مزاوجة متعمدة بين السياسة والسخرية، أفكار تفتقر الى الواقعية.

 فحين  تصير غزة “ريفييرا الشرق” كمقترح “ترامبي”، نستعيد معها تناسخاً عدمياً عن فكرة “إسراطين” التي روج لها القذافي في “الكتاب الأبيض” عن دمج  إسرائيل وفلسطين في دولة واحدة. وحين يتخفف ساكن “البيت الأبيض” من “دبلوماسية” الأعراف واللسان(كما مع زيلنسكي ونتانياهو أخيراً)، سنكون مباشرةً أمام شتائم وخروج عن المألوف، وسنتبدى مجدداً أمام تناسخ آخر عن “دبلوماسية” القذافي وقد افتقرت إلى أعرافها مع الكثير من نظرائه، عرباً وغير عرب.    

وأن لا يقرأ دونالد ترامب ليو تولستوي، فهو على الأرجح أيضاً  لم يتخذ من معمر القذافي مثاله، إذ إن النرجسية، كما في حالتيهما، هي اقتضاء للاستثناء ونفي الاقتباس، فيما التناسخ  الشخصي بين الرجلين سيحال إلى أقدار الخالق وقد تشابه من خلقه أربعون.

 كان دونالد ترامب شريكاً مضارباً لإسرائيل في حربها الأخيرة مع إيران، ثم شريكاً معلناً مع الضربة الأميركية لمنشآتها النووية، وهو يندرج بالسمة ذاتها في حروب إسرائيل من غزة إلى لبنان.

“نوك أوت” نووية وجهها ترامب لإيران كانت كافية باعتقاده لترويضها وترويض بنيامين نتانياهو معها، والعالم شاهد رئيس الولايات المتحدة الأميركية ينهي هذه الحرب، ليكثف عند الخصوم والحلفاء فكرة مبسترة، وراجحة، أن بلاده سيدة هذا العالم، وترامب نفسه إذ تستهويه هذه الفكرة تبدَّى في نهاية الحرب كمن يستحضر رؤية “تولستوي” عن حرب غايتها السلام.  

  شكر ترامب المتحاربين في لحظة مزج فيها بين الحرب والسياسة والسخرية، وكثفها وهو يثني ساخراً على “ود” إيران في وقائع رد فعلها على الضربة الأميركية، أو في بث “دبلوماسية” خرقاء كان بنيامين نتانياهو يستحق شتائمها على جرائمه في غزة أكثر بكثير من توقيتها الإيراني.